منتدى ديني يهتم بإبراز الحقيقة والدفاع عنها
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الأربعاء أبريل 05, 2017 7:50 pm

اللَّوحُ المَحْفُوظُ



الباحث: هشام أحمد صقر



اللاذقية
الطبعة الثانية 2016 م- 1438 هـ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الأربعاء أبريل 05, 2017 7:57 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)
صدق الله العلي العظيم

بدء...

إنَّ طلابَ الحقِّ طلبوا الحقَّ بأهلِ الحقِّ فوجدوه... وإنَّ طلابَ الهوى ضَــلُّوا الحقَّ بالهوى فلم يجدوهُ ولن يجدوهُ أبدًا..

الإهداء

إلى الذينَ وضَعوا من شـــــموعِ حـــياتِهم وضياءِ عقولهم جواهرَ مضيئةً
لـيكـونـوا للنَّاسِ رُسُلَ هدايةٍ...
إلى ســــــيدي ومعلمي أبي عبد الله الحســـين بن حمدان الخصيبي...
صاحبِ نَهجِ الكمالاتِ.. والاتِّصالِ بعالمِ العلويَّاتِ..
***
إلى مناراتِ الفجرِ.. وهداةِ الدَّربِ....
إلى السبَّاقين.. في التَّضحيةِ والعطاءِ..
إلى الأسماءِ التي تلألأتْ في عالمِ الشَّهادةِ..
وإلى الأسماءِ التي بقيَتْ مجهولةً أو مكتومةً..
وَنَهلوا من فكرِهِ وهاموا في حبِّهِ وولائِهِ...

أرفعُ كتابي هذا بعنوان:
(( اللَّوحُ المَحْفُوظُ ))
================

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
( ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (

الحمدُ للهِ وسبحانَ اللهِ ولا إلهَ إلا اللهَ واللهُ أكبرُ.. وصلِّ اللهمَّ وباركْ على سيِّدنا محمد وآلِهِ مظاهرِ جمالِكَ وجلالِكَ، وخزائنِ أسرارِ كتابِكَ، الذين تجلَّتْ فيهم الأحديَّةُ بجميعِ أسمائِكَ، حتى المُستَأثِرُ منها الذي لا يعلَمُهُ غيرُكَ، واللعنةُ على ظالميهِم من أصلِ الشَّجرةِ الخبيثةِ..

أما بعد:
إنَّهُ لَمِن دواعي الافتخارِ لفرقتِنا العلويَّةِ الخصيبيَّةِ النَّاجيةِ أنْ جعلَها اللهُ تعالى الأقربَ منزلةً، والأشرفَ رتبةً، والأعلى قدرًا، والأكثرَ علمًا، لأنَّها فرقةٌ امتازَتْ عن ســائرِ الفِرَقِ بالولاءِ المُطلقِ للحقِّ، والانحيازِ العامِّ للصِّدقِ، من خلالِ الدَّليلِ القاطعِ والبرهانِ السَّاطعِ، لذا كانَ لها الأثرُ البالغُ نظرًا لامتيازِ عقيدَتها أصولاً وفروعًا عن بقيَّةِ الفِرَقِ الأخرى، عِلمًا أنَّهُ ما من اعتقادٍ اشتُهِرَتْ بهِ فرقتُنا المُحِقَّةُ إلاَّ والشَّاهدُ القرآنيُّ رائِدُها والاحتجاجُ النَّبويُّ قائِدُها، إذِ اتَّبَعَتِ الأئمَّةَ الأطهارِ من خلالِ القادَةِ الأخيارِ والسَّادةِ الأبرارِ.
وإنَّنا مازلنا متمسِّكون بتراثِنا ونهجِنا الصَّائبِ لا نحيدُ عنهُ ولن نحيدَ، لأنَّه ومن خلالِ هذا التُّراثِ والنَّهجِ كلِّهِ يمكنُنا بناءُ الحاضرِ والمستقبلِ، ولا يجوزُ على الإطلاقِ اتِّخاذُ مواقفَ معاديةٍ أو مشكِّكَةٍ بهذا التَّراثِ على أُسُسٍ من التَّعصُّبِ المقيتِ، فَتُراثُنا عطاءٌ شاملٌ غنيٌّ بِعُمقهِ وَتَنوُّعِهِ ومبادئِهِ، وهذا دليلٌ على الأصالةِ والعبقريَّةِ والصَّفاءِ، ودليلٌ على أنَّه صُنِعَ من قبلِ أنقياء أبرار آمَنوا باللهِ فكانوا من أهلِ الوفاءِ للولاءِ العلويِّ.
وفي بعثِ تراثِنا وَنَهجنا كُّلهِ، والتَّركيزِ على نقائِهِ الفكريِّ، يمكننا معرفةُ ماضينا بشكلٍ أصحَّ، وإزالةُ ما ابْتُدِعَ من أوهامٍ وصورٍ بعيدةٍ عن الحقيقةِ العلويَّةِ. وبذلكَ يمكنُنا العيشُ بشكلٍ أفضل وأكثرَ أمنًا وسلامًا، وبهذا نستطيعُ الإسهامَ مجدَّدًا بحملِ الرِّسالةِ الحقِ التي عهدَ بها اللهُ جلَّت قدرتهُ إلى الأنبياءِ والرُّسلِ (ع) الذين تَرَكوا لنا أمانةً فيها الخلاصُ.

أخي القارئ:
لقد حاولَ الكثيرونَ- ومازالوا- في العصرِ الحديثِ الإساءةَ إلى هذا الإرثِ والنَّهجِ والتُّراثِ الفكريِّ عندنا، وإلى أعلامِهِ كذلكَ، لكنَّنا نُصِرُّ بإيمانٍ أنَّ تلكَ الإساءاتِ لا يمكن أن تُحقِّقَ هدفَها بتشويهِ وإضعافِ نهجِنا المقدَّسِ، فنحنُ بعمقِ تاريخِ إيمانِنا لا يمكننا أن ننكسرَ أمامَ الآخرينَ، وقد آنَ الأوانُ أن نُوقِفَ هذا الزَّيفَ والافتراءَ، وأن نقرأَ كتبَ تراثِنا بعقليَّةٍ أصليَّةٍ وليسَ وفقَ فتاوى الجهلةِ، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ سيدنا أبي عبد اللهِ الحسين بن حمدان الخصيبي (ع) كانَ من أعظمِ المُرسَلين تَوحيدًا وفلسفةً وعرفانًا وتشريعًا وتصوفًا وطريقةً وفقهًا.
هذه دعوةٌ موجَّهةٌ إلى الباحثينَ في تاريخِنا، المفتِّشينَ عن الحقيقةِ، والمهتمِّينَ بالمسائلِ العقائديَّةِ الإيمانيَّةِ، لأنَّها أساسٌ متينٌ وسعادةٌ وديمومةٌ للنَّهجِ الحقِّ، وحفاظٌ على روحانيَّةِ الإنسانِ في سَعيهِ إلى الخلاصِ والإخلاصِ للهِ تَعَالى.
وأنا أَطرحُ في كتابِ (اللَّوحِ المحفوظِ) سلسلةً من الكنوزِ العلويَّةِ الخصيبيَّةِ إلى جميعِ الباحثينَ عن دقائقِ معرفةِ اللهِ في ملكوتِهِ عند فرقتِنا النَّاجيةِ المتمسِّكةِ بحقائقِ الإيمانِ وأصولِ الإسلامِ، ليعلموا أنَّها فرقةٌ قَصَدَتْ علومَ اللاَّهوتِ بالتَّشـريعِ والتَّحقيقِ، من ثَرَى النَّاسوتِ لِتَطيرَ إلى سماءِ قُدسِ الملكوتِ، وبجناحَي التَّنزيلِ والتَّأويلِ.
وإنَّني من خلالِ هذه الكنوزِ العلويَّةِ الخصيبيَّةِ أتوخَّى إرساءَ القواعدِ الواضحةِ والبراهينِ السَّاطعةِ، بالرَّدِّ على الأفكارِ المُشوَّهةِ والأقوالِ المحرَّفَةِ بحقِّ رُسُلِنا العظماءِ من أهلِ العصمةِ، وسادَتِنا العُلَماءِ من أهلِ الثِّقةِ، مع العلمِ أنَّ كلاًّ منهم يحتاجُ إلى كتابٍ مُستَقِلٍّ وَتَرصيفِ تَصنيفٍ مُنيفٍ.
وبهذا الهُدَى هَدَانا اللهُ إلى السَّبيلِ العلويِّ القويمِ، وَمَكَّنَنا من العملِ في سبيلِ بعثِ نهجِنا الخصيبيِّ، ولاسيَّما الفكريِّ منهُ، فبالفكرِ الخصيبيِّ يتحقَّقُ النَّجاحُ والوفاقُ والحفاظُ على نجاةِ المؤمنِ.
وهَا أنا أُشرِعُ في المقصودِ، مستمدًّا من واهبِ الخيرِ والجودِ، وَاثقًا بِكَرَمِهِ العميمِ وَفَضْلِهِ الجَسيم، لأُقدِّمَ في كتابِ (اللَّوحِ المحفوظِ) هذه السِّلسلةِ من الكنوزِ العلويَّةِ الخصيبيَّةِ تعريفًا بالنَّهجِ العلويِّ الخصيبيِّ وسادتِهِ، عسى أن يجعَلَهُ اللهُ ميزانًا وضياءً يُستضاءُ بهِ في الطُّرقِ الحالِكَة. راجيًا من اللهِ التَّوفيق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الأربعاء أبريل 05, 2017 8:07 pm

الفصل الأول
النهج العلوي الإسلامي الخصيبـي
=======
النهج العلوي الخصيبـي

النَّهجُ العلويُّ الخصيبيُّ مَخصوصٌ بإفاضةِ المعرفةِ الحقيقيَّةِ على مُعتَنقيهِ من قِبَلِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، ولذلكَ فهو النَّهجُ الوحيدُ الذي يَرقَى بِمُعتَنِقِهِ، وَيَكشِفُ عن حقائقِ الأشياءِ التي تأنسُ بها النَّفسُ وَتَتَذوَّقُ لَذَّةَ المعرفةِ.
فالنَّهجُ العلويُّ الإسلاميُّ الخصيبيُّ الذي يُتَّبعُ مع طالبِ العلمِ والمعرفةِ يبدأُ بالتَّرغيبِ بالإقبالِ على اللهِ عزَّ وجلَّ وطاعتِهِ في أوامِرِهِ، والتَّرهيبِ من مخالَفَتِهِ، ومعرفةِ الحلالِ والحرامِ، ثمَّ البراءِ من أعداءِ اللهِ وجاحديهِ، والولاءِ لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكر السلام، لقولِ الإمامِ الصادقِ (ع): (إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ مؤمنٍ خيرًا أخذَ بناصيَتِهِ وساقَهُ إلى هذا الأمرِ سَـوقًا).
وسيدنا الخصيبيُّ (ع) يَدلُّنا على ضرورةِ التَّدرُّجِ العلميِّ من الشَّريعةِ إلى الطَّريقةِ اللَّدُنيَّةِ الخاصَّةِ بأهلِ الخاصَّةِ، إلى الحقيقةِ العظيمةِ التي ينالُها العارفونَ الذينَ يشهدونَ شهادةَ الحقِّ بمنطقِ الصِّدقِ، في قوله تعالى: (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا)، وقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).
فالبعضُ وقفَ عندَ المرحلةِ الأولى تشريعًا، ولم ولن يَصِلَ مُعتَنِقوهُ إلى المرحلتينِ الثانيةِ طريقةً والثالثةِ حقيقةً، على عكسِ أهلِ الحقِّ من أبناءِ فرقَتِنا العلويَّةِ الخصيبيَّةِ النَّاجيةِ الذينَ عَايَنوا الشَّهادةَ إثباتًا، وَسَلَّموا لِلَّذي لا يُظهِرُ على غَيبِهِ أَحَدًا تنزيهًا.

المَرَاحلُ الأولى في النَّهجِ العلويِّ الإسلاميِّ الخَصيبيِّ:
إنَّ النَّهجَ العلويَّ الإسلاميَّ الخصيبيَّ هو في طبيعتِهِ ذو مراحلَ، منها على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ ولا التحديدِ:
 التَّرغيبُ والتَّرهيبُ: التَّرغيبُ بالإقبالِ على اللهِ عزَّ وجلَّ وطاعتِهِ في أوامرِهِ، والتَّرهيبِ من مخالفَتِهِ المؤدِّيَةِ إلى الجحيمِ.
 الاستدراجُ إلى ولايةِ أهلِ البيتِ، وهو مرتبطٌ بالحلالِ: والاستدراجُ صفةٌ عموميَّةٌ بين العالمِ والطَّالبِ، وصفةٌ وجوبيَّةٌ أيضًا، أي أنَّه من مهمَّاتِ رجلِ الدِّينِ، حيثما وَجَدَ مؤهَّلاً غافلاً عن أمورِ دينهِ وَجَبَ عليهِ استدراجُهُ وتوجيهُهُ ولفتُ نظرِهِ إلى أنَّ هناكَ معارفَ قَيِّمَةً مخزونةً عندَ أهلها لأهلِها، فكم من نَومةٍ طويلةٍ أنهاها الإيقاظُ والتَّوعيةُ.
 الطَّهارة: وهي مرتبطةٌ بمعرفةِ أميرِ المؤمنينَ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، وفي وجهٍ آخر: هي معرفةُ الحقِّ، لأنَّ الطَّهارةَ الحقَّةَ طهارةُ النفسِ لا طهارةُ البدَنِ فقط.
وقد جاءَ عن الإمام الباقر (ع) أنَّه قال: لمَّا نَزَلَت الآيةُ (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) على رســولِ اللهِ (ص) قام أبو بكر وعمر من مَجلِسَــيْهما وقالا: يا رسولَ اللهِ هو التُّوراةُ، قال: لا، قالا: فهو الإنجيلُ، قال: لا، قالا: فهو القرآنُ، قال: لا، قال: فأقبلَ أميرُ المؤمنينَ فقالَ رسولُ اللهِ (ص): (هُوَ ذَا، إنَّه الإمامُ الذي أحصَى اللهُ فيهِ عِلْمَ كلِّ شيءٍ).
فهو الإمامُ (علي) علينا من ذكره السلام، الذي بِمَعرفَتِهِ طهارةُ نفسِ المؤمنِ وخلاصُها، وبولايتِهِ نجاتُهُ، وبإتِّباعِهِ ارتقاؤهُ، إذ وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنه قال: قال رسولُ اللهِ (ص) لأصحابِهِ: (أيُّ عُرى الإيمانِ أوثَقُ؟) فقالوا: اللهُ ورسولهُ أعلَمُ، وقال بعضُهم: الصَّلاةُ، وقال بعضُهم: الزَّكاةُ، وقال بعضُهم: الصِّيامُ، وقال بعضُهم: الحجُّ والعمرَةُ، وقال بعضهم: الجهادُ، فقال رسول الله (ص): (لِكُلِّ ما قُلتُمْ فَضْلٌ، ولكنَّ أوثقَ عُرَى الإيمانِ: الحبُّ في اللهِ والبغضُ في اللهِ، وموالاةُ أولياءِ اللهِ، والتَّبرُّؤُ من أعداءِ اللهِ).
وبهذا يُفرقُ بين المؤمنِ والكافرِ، وتَقوى أواصرُ الأخوَّةِ بين المؤمنينَ فَيُحبُّونَ بعضَهم بعضًا بالولايةِ، ويبغضونَ أعداءَهم بالولايةِ، لذلك كان جوابُ الإمامِ الصادقِ (ع) حين سُئِلَ عن الحبِّ والبغضِ أَمِنَ الإيمانِ؟ فقال: (هل يكونُ إيمانٌ إلا بالحبِّ في اللهِ والبغضِ في اللهِ).
 الولايةُ العلويَّةُ: ومعناها ثقيلٌ في الميزانِ، فالولاءُ ولاءٌ للإمامِ (علي) علينا من ذكره السلام، وقد قالَ الإمام الصادق (ع): (عَلِّمُوا أولادَكُم البراءَ والولاءَ، فإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ مؤمنٍ خيرًا أخَذَ بناصيتِهِ وساقَهُ إلى هذا الأمرِ سَوْقًا)، وأكبرُ شيءٍ افترضَهُ اللهُ: الحبُّ في اللهِ والبغضُ في اللهِ.
وكان سيِّدُنا جابر بن عبد الله الأنصاري (ع) يُنادي في سِكَكِ المدينةِ: (عليٌّ أميرُ المؤمنينَ، مَن عادَاهُ فقد كفرَ، يا معشرَ الأنصارِ أدِّبُوا أولادَكُم على حُبِّ عليٍّ فَمَن أبى فانظروا في شأنِ أمِّهِ)، وكانَ الصَّبيُّ على عهدِ رسولِ اللهِ (ص) إذا وقعَ الشَّكُّ في نَسَبهِ عُرضَتْ عليه ولايةُ أميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام فإنْ قَبِلَها أُلحِقَ نَسَبُهُ بمَن ينتمي إليه، وإنْ أنكرَها نُفِيَ.

وممَّا أوردَهُ سيدُنا الخصيبيُّ (ع) من حُجَجِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السلام على الخوارجِ، وبعدَ تلاوتِهِ الآيةَ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) هو قول الإمام علي لهم: (وما أحدٌ زَكَّى في رُكُوعِهِ غيري، وكانَ رسولُ اللهِ (ص) جاءَني بِخَاتمٍ أنزلَهُ جبريلُ (ع) من عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ مكتوبٌ عليه: للهِ المُلكُ، فَتَخَتَّمْتُ به وَخَرَجْتُ إلى مسجدِ رسولِ اللهِ فَصَلَّيتُ ركعتين شكرًا للهِ على تلكَ الوهبةِ، فآتاني آتٍ من عندِ اللهِ فَسَلَّمَ عليَّ وأنا في الصَّلاةِ في الرَّكعةِ الثانيةِ وقال: هل من زكاةٍ يا وَصِيَّ رسولِ اللهِ تُوصِلُها إليَّ لِيَشكرَ اللهُ لكَ ويجازيكَ عنها؟ فَوَهَبْتُ له ذلكَ الخاتمَ، وما كانَ في الدُّنيا أحبَّ إليَّ منه، والناسُ يَنظرون)، ومعروفٌ أنَّها نزلَتْ في الإمامِ (عليٍّ) علينا من ذكره السلام حين سألَهُ سائلٌ وهو راكعٌ في صلاتِهِ فَطَرَحَ له خاتمَهُ، حيث وردَ في حديثٍ عن النَّبي (ص) أنَّه دَخَلَ إلى المسجدِ والنَّاسِ بين قائمٍ وراكعٍ، فَنَظَرَ سائلاً فقال: هل أعطاكَ أحدٌ شيئًا؟ قال: نعم، خاتم، قال: مَن أعطاكَ إيَّاهُ؟ قال: ذلكَ القائمُ، وأومأ بيدِهِ إلى الإمامِ عليٍّ، فقال: على أيِّ حالٍ أعطاكَ إيَّاهُ؟ قال: وهو راكعٌ. فكبَّرَ النَّبيُّ (ص).
وَوَرَدَ عن سيِّدتنا فاطمة (ع) أنَّها قالت: أصابَ الناسَ زلزلةٌ على عَهدِ أبي بكرٍ، وَفَزِعَ الناسُ إلى أبي بكر وعمر فَوَجدُوهُما قد خَرَجَا فَزِعَين إلى أميرِ المؤمنينَ (علي)، فَتَبِعَهُما النَّاسُ إلى أن انتهَوا إلى بابِ الإمامِ (علي) علينا من ذكره السلام، فَخَرَجَ إليهم غيرَ مكترثٍ لِمَا هُمْ فيه، فَمَضَى وَتَبِعَهُ النَّاسُ حتى انتهى إلى تَلَّةٍ فَقَعَدَ عليها وَقَعَدوا حولَهُ وهم ينظرونَ إلى حيطانِ المدينةِ ترتجُّ جيئةً وذهابًا، فقال لهم الإمام: كأنَّكم قد هَالَكم ما ترون؟ قالوا: وكيف لا يَهولُنا ولم نَرَ مثلَها قطُّ؟ فحرَّكَ شفتَيه ثمَّ ضَرَبَ الأرضَ بيدِهِ الشَّريفةِ وقال: ما لَك اسْكُنِي. فَسَكَنَتْ، فَتَعَجَّبُوا، فقال لهم: كأنَّكم قد عَجِبْتُم من صَنيعي، قالوا: نعم، قال: (أنا الذي قالَ اللهُ فيه: "إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا"، فأنا الإنسانُ الذي يقولُ ما لها).
وجاءَ عن رسولِ اللهِ (ص) أنَّه قالَ: أيُّكم السَّابُّ اللهَ؟ ما مِنَّا أحدٌ سَبَّ اللهَ. قال (ص): أيُّكُمُ السَّابُّ رسولَ اللهِ؟ قالوا: ما مِنَّا أحدٌ سَبَّ رسولَ اللهِ. قال: أيُّكُم السَّابُّ عليًّا؟ قالوا: قد كان هناكَ مِن يَسُبُّهُ يا رسولَ اللهِ. قال: (مَنْ سَبَّ عليًّا فقد سَبَّنِي، وَمَن سَبَّنِي فقد سَبَّ اللهَ).
وجاءَ في تفسيرِ قوله تعالى: (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) أنَّهُ وردَ عن الإمامِ (علي) علينا من ذكره السلام قوله: (مَا للهِ عزَّ وجلَّ آيةٌ هي أكبرُ منِّي، ولا لَهُ نبأٌ أعظمُ منِّي)، وهذا ما أكَّدَهُ رسولُ اللهِ (ص) مِرَاراً بقوله: (يا عليُّ أنتَ حُجَّةُ اللهِ، وأنتَ الطريقُ إلى اللهِ، وأنتَ النَّبأ العظيمُ، وأنت الصِّراطُ المستقيمُ، وأنتَ المَثَلُ الأعلى).
وَرُوِيَ بإسنادٍ مرفوعٍ إلى أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السلام أنَّه قال: أقبلَ صَخرُ بن حرب حتَّى جلسَ إلى رسولِ اللهِ (ص) فقال: يا محمَّد، هذا الأمرُ بعدَكَ لنا أم لِمَنْ؟ قال: (يا صخرُ، الأمرُ بَعدي لِمَن هو مني بمنزلةِ هارونَ من موسى، إلا أنَّه لا نبيَّ بَعدي)، فأنزلَ اللهُ تعالى: (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) فَمِنهُم المُصَدِّقُ بولايتِهِ وخلافتِهِ، ومنهم المكذِّبُ بهما.
وَخَرَجَ يومَ صفِّين رجلٌ من عَسكَرِ الشَّامِ وعليهِ سلاحٌ وَمُصحَفٌ فوقَه، وهو يقولُ: (عمَّ يَتَساءَلونَ)؟ فَخَرَجَ إليه أميرُ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السلام وقال: أَتَعرِفُ النَّبأَ العظيمَ الذي هم فيه مختلفونَ؟ قال: لا، قال: (إنِّي أنا النَّبأُ العظيمُ، فِيَّ اختلَفْتُم وعلى ولايتِي تَنَازَعْتُم وعن ولايتي تَرَاجَعْتُم بعدما قَبِلْتُم، وَبِبَغيكُم هَلَكتُمْ بعدما بِسَيفي نَجَوتُم، ويومَ الغديرِ قد عَلِمْتُم، ويومَ القيامةِ تَعلمونَ ما عَمِلْتُمْ)، ثمَّ عَلاهُ بِسَيفهِ.
===========
أعلام النهج العلوي الإسلامي الخصيبـي

ليسَ مِنَ الغريبِ أنْ نرى كثيرًا من العلماءِ يغتنمونَ فرصةَ الاتّصالِ بأعلامِ الحقِّ العلويِّ الإسلامي، ويطلبونَ منهم أنْ يُزَوّدُوهُم بوصاياهُم التي هي أثمنُ شيءٍ عندَهم، لأنَّهم يجدونَ فيها الكمالَ، والتوجيهَ للخيرِ والسَّعادةِ، وقد وجدُوا فيهم شخصيَّاتٍ تُقامُ لها الحججُ الواضحةُ والبراهينُ اللاَّئحةُ، فَهُمْ مِن أصحاب أهلِ بيتٍ لا تُجهَلُ منزلَتُهم، وَهُم أَولى بتبليغِ الأحكامِ وهدايةِ الأنامِ مهما كَثُرَتْ عواملُ المعارضةِ ووقفَتِ الصُّعوباتُ في طريقِ الوصولِ إلى الغايةِ.
وهم فَريدو عصرِهم وَوَحيدو زمانِهم لا يُلحَقُ أثرُهُم ولا يُبلَغُ شَأوُهم، لذلك نرى التفافَ أهلِ الحقِّ حولَهم وانتهالَهم من تعاليمهم بعدَ الأئمَّةِ، وحرصَهم على الحصولِ على تلك الوصايا الثَّمينةِ والتَّعاليمِ القيّمَةِ. فَهُمْ لم يَدَّخِرُوا نُصْحًا، ولم يألُوا جُهدًا في الدَّعوةِ إلى الولاءِ للحقِّ، إذْ تَجِدُ لهم في كُلِّ مناسبةٍ قولاً، وفي كُلِّ مجالٍ حكمةً، ولكلّ مشكلةٍ حَلاًّ، فانتَهَلوا من معارِفِهم، وكان ذلك فخرًا واعتزازًا لهم. وهكذا كانوا يواصلونَ الناس بدعوتِهم القيّمةِ، وتعاليمِهم التي تدلُّ على شدَّةِ اهتمامِهم بتوجيهِ الدَّعوةِ إلى الرَّشادِ وطريقِ الهُدى.

ومن أعلام النهج العلوي الإسلامي الخصيبي نَجِدُ ثُّلةً من الأوَّلين ممن تَمَكَّنَ منهمُ الإيمانُ فالتصقوا بأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام وبالأئمةِ المعصومين (ع):
1. سلمان المحمدي:
كانَ ولاؤهُ العلويُّ خالصًا لأمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام حتَّى غيابِهِ في المدائن سنةَ ستٍّ وثلاثين للهجرة، وقد غسَّلهُ وكفَّنهُ وصلَّى عليه أميرُ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام.
2. المقداد بن عمرو البهرائي:
نُسِبَ إلى الأسوَدِ الكِندي وكان عظيمَ القَدْرِ، شريفَ المنزلةِ، شجاعًا لا يَهابُ، وشَهِدَ جميعَ غزواتِ الرَّسول (ص).
3. أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري:
هو الذي قال فيه رســولُ الله (ص): (مَا أَظَلَّتِ الخضراءُ وَمَا أَقَلَّتِ الغَبراءُ أصدقُ لهجةٍ مِن أبي ذر)، وكان سيدُنا أبو ذر (ع) قد أكثرَ في الشَّامِ من حديثِ رسولِ الله (ص): (يا عليُّ.. لا يحبُّكَ إلا مؤمنٌ ولا يبغضُكَ إلا منافقٌ).
وقد غاب أثناءَ مرورِ ركبٍ فيه مالكُ النَّخعي (الأشتر) وعبدُ الله بن مسعود وعمرو بن الحمق الخزاعي فدفنُوهُ وكفَّنهُ مالكُ بِحُلةٍ كانت معهُ وكانَ رسولُ الله (ص) قال له: (يَسْعَدُ بك قومٌ يتولَّونَ تجهيزكَ وَدَفنَكَ، وأنتم رفقاء في الجنَّةِ التي وُعِدَ المُتَّقون)، وصلى عليه عبدُ الله بن مسعود.
4. الأصبغ بن نباتة:
هو أبو القاسم أصبغُ بن نُباتة التَّميميُّ الحنظليُّ الكوفيُّ، وقد كان من خواصِّ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام. فيه قال العجلي: (أصبغُ كوفيٌّ تابعيٌّ ثقةٌ)، فهو من الثقاتِ ومن خواصِ أمير المؤمنين، ولكنَّ تحامُلَهم عليه كانَ لِشدَّةِ حُبّهِ له، ولكن لا يَضُرُّ مكانَتَهُ ما سَدَّدَهُ القومُ إليه، وَلَعمري فإنَّها عليهم وليست لهم ما دامَ أصبغُ على بَيّنةٍ من دينِهِ وعلى ثقةٍ من علمِهِ.
5. زيد بن صوحان:
زيد بن صوحان بن حجر بن الحارث أبو سلمان العبدي، وقد سَمَّاه رسولُ الله (ص) بزيدِ الخيرِ. وكان سلمانُ (ع) يُقدّمُهُ للصلاةِ والخطابةِ، وزيدُ بن صوحان العبدي وأخوه صعصعة من خواصِّ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام.
وقد وردَ أنَّ النبيَّ (ص) أخبرَ عن زيد بن صوحان بأنه يسبقُهُ عضوٌ من أعضائِهِ إلى الجنَّةِ حيث قال (ص): (مَنْ سَرَّهُ أنْ ينظرَ إلى مَن يسبقُهُ بعضُ أعضائِهِ إلى الجنَّةِ فلينظرْ إلى زَيدِ بن صوحان)؛ وقد قُطِعَتْ يدُهُ في حربِ المشركين، وقيلَ: في نهاوند، وذكره أيضًا فقال: أصيبَتْ يدُ زيد يومَ جلولاء ثم استشهدَ يوم الجمل مع أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام، وجندب بن كعب قاتل الساحر... إلخ.
وقد شَهِدَ كعبُ حربَ الجملِ مع أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام، ولمَّا غاب زيد أوصى بأن يُدفَنَ في ثيابِهِ.
ومما روي في حقِّهِ عن النَّبي (ص): أنّه كان في مسيرٍ له فَهَوَّمَ فَجَعَلَ يقول: (زيد، وما زيد! زيد جندب، وما جندب!) فسئل عن ذلك؟ فقال (ص): (رجلان من أمَّتي أمَّا أحدُهما فيسبقُهُ بعضُ جسدِهِ إلى الجنَّة، وأمَّا الآخرُ فيُضرَبُ ضربةً يفرقُ فيها بينَ الحقِّ والباطلِ).
6. عمار بن ياسر العنسي:
يُلقَّبُ أبو اليقظان، والمجاهدُ في سبيلِ الله ومُهاجِرُ الحبشة وَمُصلِّي القبلتين، حَضَرَ بَدْرًا وغيرها، وقد قال رسول الله (ص): (صَبرًا آلَ ياسرَ إنَّ موعدَكم الجنةَّ)، وقال (ص): (عمَّارُ مُلِءَ إيمانًا حتى مَشَاشِهِ)، وقد استشهدَ في صفين مع أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام وصلَّى عليه وَدَفَنَهُ.
7. عبد الله بن مسعود:
هو عبد الله بن مسـعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر، أبو عبد الرحمن الهزلي حليف بني زهرة.
وهو عارفٌ وعالمٌ بالقرآنِ وتأويلِهِ وتاليه، وقد وردَ عن أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أمَّا ابنُ مسعود فقرأَ القرآنَ وَعلمَ السُنَّةَ)، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، وصلَّى القبلتين، وشَهِدَ بدرًا وأُحد والخندقَ وبيعةَ الرضوانِ وسائرَ المشاهدِ مع رسول الله (ص)، وشهد اليرموكَ بعدَ النبي (ص)، وهو الذي أَجْهَزَ على أبي جهل، وشَهِدَ له رسول اللهُ (ص) بالجنَّةِ.
ولا خلافَ بين الأمةِ في طهارةِ ابن مسعود وفضلِهِ وإيمانِهِ ومدحِ رسولِ اللهِ (ص) وثنائِهِ عليه- وكان أحد الإثني عشر رجلاً الذين أنكروا غصبَ الخلافةِ.
وعن أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (خُلِقَتِ الأرضُ لسبعةٍ، بهم يُرزَقون وَيُمطَرون وبهم يُنْصَرون)، وَعَدَّ منهم عبد الله بن مسعود، وهم الذين شهدوا الصَّلاةَ على فاطمة (ع).
8. عثمان بن مظعون النجاشي:
من أهم أعلام النَّهجِ العلوي، وهو الذي عُرِفَ بشهرةِ إيمانِهِ العميقِ وولائِهِ، فهو صفيُّ رسولِ الله (ص) وخلُّ أميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام.
9. زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي:
جعلهُ رسولُ الله (ص) ابنَهُ وصارَ معروفًا بزيد بن محمد (ص) حتى نزلت آية (ادعوهُم لآبائِهم)، واستشهدَ في مؤتةَ مع عبدِ اللهِ بن رواحةَ وجعفرِ بن أبي طالب، وكانَ يدعو للولاءِ لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام.
10. خزيمة بن ثابت الأنصاري:
الملقَّب (ذو الشهادتين) والذي شهد بدرًا وكانَ مع مالك بن التيهان الأنصاري ناصرَين للإمام (علي) علينا من ذكره السلام في حلِّهما وترحالِهما وشَهِدَا صفِّين، ولما شاهدَ خزيمةُ استشهادَ عمَّار في صفين حملَ على جيشِ معاويةَ واستشهدَ.
11. أبو دجانة سمَّاك بن خرشنة بن لوذان:
حضرَ حربَ اليمامةِ، واستشهدَ وهو يقاتلُ مع أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام، وفيه قال الإمام جعفر الصادق (ع): (يخرجُ مع القائمِ "ع" سبعةٌ وعشرون رجلاً عَدَّ منهم: سلمان وأبا ذر وأبا دجانة والمقداد ومالك الأشتر).
12. أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري:
نزلَ رســولُ الله (ص) في بيتِهِ عندَ هجرتهِ إلى المدينة، والذي شهدَ بدرًا ومعظمَ غزواتِ الرســول (ص) ولازمَ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام في حربِ الجمل وصفين.
13. خالد بن سعيد:
وهو رفيقُ جعفر بن أبي طالب في هجرتهِ إلى الحبشةِ وشهدَ غزوةَ الطائفِ وحنينَ وفتحَ مكَّة، وتولَّى صدقاتِ اليمن بأمرِ رسولِ الله (ص).
14. سعد بن عبادة:
سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الخزرجي سيِّدُ الأنصارِ وجوادُ عصرِهِ ونقيبُ الرَّسولِ، وقد حضرَ العقبة وبدر، وكذلك ابنه قيس بن سعد.
15. حجر بن عدي الكندي الكوفي:
وهو من الأبدالِ باتفاقِ جميعِ المسلمين، وكانَ مُستجابَ الدَّعوةِ. تولَّى إمرةَ كندة في جيشِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام.
16. قيس بن عاصم:
قال فيه رسول الله (ص): (هذا سيدُ أهلِ الوبرِ)، كما قال الأحنف بن قيس: (تعلَّمتُ الحِلْمَ من قيس بن عاصم)، وكانَ يوالي أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام ويدعو الناس إلى الولاء الخالص له.
17. مالك بن نويرة الحنفي اليربوعي:
وهو نظير الملوك وكان من خلصاءِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام وأهلِ السَّابقة إلى الإيمانِ، وقد قال فيه رسول الله (ص): (مَن أحبَّ أن ينظرَ إلى رجلٍ مؤمنٍ من أهلِ الجنَّةِ فلينظرْ إلى هذا الرَّجل).
18. أويس القرني:
وهو مِن خُلَصَاءِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام، وأحدُ الزُّهَّادِ الثَّمانية، وكانَ رسولُ اللهِ (ص) يسمِّيه روحَ الرحمن.
19. سهل بن حنيف الأنصاري وأخيه عثمان:
وهما ممَّن شَهِدَا بدرًا ولازَما أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام.

20. أبو الأسود الدؤلي البصري:
ظالم بن عمرو بن جندب أبو الأسود الدؤلي البصري وهو مَن وَضَعَ عِلْمَ النَّحو بعدَ ما علَّمَهُ إيَّاهُ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام. وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي الذي شَهِدَ مع أبيه حُنَينَ والطَّائفَ وتبوك.
21. أبو حمزة ثابت الثمالي:
أبو حمزة ثابت بن دينار بن أبي صفية الثمالي، كان عظيمَ المنزلةِ جليلَ القدرِ، له كتابٌ في التَّفسيرِ وكان من تلامذةِ الإمامين الباقر والصادق (ع)، وروى عن الأئمَّةِ علي زين العابدين والباقر والصادق (ع) وبقي إلى أيام الكاظم (ع).
22. جابر بن يزيد الجعفي:
جابرُ بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي أبو يزيد الكوفي. قال ابن علية: (جابرُ صَدوقٌ في الحديثِ). وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: (كان جابر إذا قال: حَدَّثنا وسمعتُ، فهو من أوثقِ الناس)، وقال وكيع: (مهما شَككتُمْ في شيءٍ فلا تشكُّوا في أنَّ جابرًا ثقةٌ)، ومِن هذا ومثلِهِ نعرفُ أنه كان مستودعَ الأسرارِ، وجاءت فيه مدائحُ جَمَّةٌ وترحَّمَ عليه الصادقُ (ع)، وقيل: إِنه ممَّنِ انتهى إليه علمُ الأئمَّةِ (ع)، فقد كان جابرُ يحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ، وقد روى عن الباقر والصادق (ع) وغاب أيام الصادق (ع) عام (132 هـ)، وكان قد روى عن الإمام الباقرِ (ع) خاصَّةً سبعينَ ألف حديثٍ، وَمَن تتبَّعَ أحاديثَهُ عرفَ أنَّه كان مِمَّنْ يحملُ أسرارَهُما، ويروي الكراماتِ الباهرةَ لهما.
23. حمران بن أعين:
حمران بن أعين الشيباني المولى الكوفي، لم يكنْ فقيهًا فحسبْ، بل كان من علماءِ الكلامِ، وَحَمَلَةِ الكتابِ، وكان أيضًا من علماءِ اللغةِ والنَّحو ومن الفقهاءِ في علومِ القرآنِ، وكان قد روى عن الإمامين الباقر والصادق (ع).
كانت له منزلةٌ عظيمةٌ، وكيف تُرى مَقامُ مَن يقول له الباقر (ع): (أنتَ مِن أُمَّتنا في الدنيا والآخرة)... إلى نظائر هذه الكلمات الواردة فيه عنهما (ع)، والتي تُنَبّئُ عن ارتفاعِ مقامِهِ عندَهم لدرجةٍ لا يشاركُهُ فيها إِلا قليلٌ على كثرةِ رجالهم، وكثرةِ أهلِ الوَرَعِ والهُدى فيهم، وكما دَلَّتْ هذه الكَلِمُ على رفعةِ منزلتِهِ لديهم دَلَّتْ على رسوخِ إِيمانِهِ، وثباتِ يقينِهِ وولائِهِ.
24. سفيان الثَّوري الكوفي:
هذا العظيمُ اختلفَ النَّاسُ في أمرهِ حتى أنكرهُ الشيعة بالكليَّة، وذلك بعد أن بلغَ مبلغَ العلماء وَنَضَخَ فنُّهُ وكبرَتْ صنعَتُهُ وتوسَّعَتْ، وأضحى سفيانُ في عهدِ الصَّادقِ (ع) من الرِّجال الَّذينَ يعتَمدُ على نتائجهم.
سفيان الثوري عالمٌ عربيٌّ سبقَ زمانَهُ بالجديدِ المبتَكَرِ، وقلَّما تجودُ البشريةُ بمثلِهِ ساعةَ تريد. وكان من روَّادِ مدرسةِ الإمام جعفر الصَّادق (ع) ذاتِ الولاءِ العلوي، نشَأَ وترعرعَ في الكوفةِ، وفيها صارَ ذا صلةٍ وثيقةٍ بالإمام ومن المختصينَ بهِ والملتفينَ حولهُ، فبدأت في تلكَ السنين مرحلةٌ جديدةٌ من حياتهِ وثَّقها سفيانُ في كتبهِ ولم يخلُ معظمُها من ذكرِ الإمامِ وبينِ إرشادهِ ونصحهِ.
كانَ مُشرِفًا على كثيرٍ من علومِ الفلسفةِ ومتقلِّدًا للعلمِ المعروفِ بعلمِ الحقائق، وهو مذهبُ العارفينَ من أهلِ الإيمان. وليسَ من شكٍ في أنَّ فلسفةَ الفيلسوفِ سفيان الثوري هي فلسفةٌ توحيديَّةٌ تدعو إلى التوحيدِ الخالصِ.
ولهذا الرجل كتبٌ شتَّى في معانٍ شتَّى من العلوم، فالعلومُ عندَ سفيانَ الثَّوري على ضربين: علومُ الدّين وعلومُ الدُّنيا، فكانَ علمُ الدِّين فيها منقسمًا إلى علومٍ توحيديَّةٍ وعقليَّةٍ وشرعيَّةٍ، وكانَ العلمُ العقليُّ منها منقسمًا إلى قسمين: علمُ الحروفِ وعلمُ المعاني، وكانَ علمُ الحروفِ منقسمًا إلى قسمين: طبيعيٌّ وروحانيٌّ.
إنَّ سفيانَ الثَّوري في تقسيمهِ لعلومِ زمانهِ يتأثَّر بتقسيمِ العلومِ والمعارف عندَ كل من سيدنا العظيمِ أفلاطون والولي أرسطوطاليس، لأنَّ تقسيمَ العلومِ عند سيدنا العظيمِ أفلاطون كانَ وفقَ ثلاثةِ علوم: علومٌ عليا أو هي معرفةُ المبدأِ الأوَّلِ والمُثُلِ، وهذه علومُ التَّوحيدِ وأصولُهُ، وعلومٌ وسطى وهيَ علومُ الوسط بينَ الماديةِ والعقليَّةِ وهيَ (العلومُ الرياضية)، وعلومٌ سفلى وهي العلومُ الطبيعيةُ، وهي في العادةِ منَ العلومِ الماديَّةِ المتغيَّرةِ.
أمَّا تقسيمُ العلومِ والمعارفِ عندَ الولي أرسطوطاليس، فهيَ ثلاثةٌ أيضًا: نظريَّةٌ وعلميَّةٌ وإنتاجيةٌ.. النظريَّةُ منها ثلاثةٌ: العلمُ الإلهيُّ التوحيديُّ والعلمُ الطبيعيُّ والعلمُ الرياضيُّ، والعلومُ العلميَّةُ ثلاثةٌ: وهيَ علمُ الأخلاقِ، وتدبيرُ الأمورِ وعلمُ السياسةِ.
25. المفضّل بن عمر:
أبو عبد اللّه المفضّل بن عمر الجعفي الكوفي، الذي جمعَ من فضائلِ الخصال ما قلَّ أنْ يجمعَهُ سواهُ من فقهاءِ الرُّواةِ وأعيانِ الثقاتِ. وله كتب رواها عنه جملةٌ من الثقاتِ، فقد جمعَ العلمَ الجَمَّ والفضلَ الغزيرَ والصَّلاحَ والوَرَعَ.
وكان سبيلَ الهدى للإمامين الصادق والكاظم (ع)، وقد رويَ أنَّ المفضَّلَ دخلَ على الصادقِ فقال الصادقُ (ع): (إليَّ يا مفضلُ فَوَرَبِّي إنّي لأحبُكَ وأحبُّ مَن يحبُّكَ، يا مفضلُ لو عَرَفَ جميعُ الخلقِ ما تَعرفُ، ما اختلفَ اثنان). وجملةُ القولِ: إِنَّ الرجلَ أرفعُ شأنًا من أن يُذكَرَ بتوثيقٍ، وأجلُّ مقامًا من أن يُزَانَ بِثَناء.
26. المعلّى بن خنيس:
المعلَّى بن خُنَيس من خيرةِ موالي الإمامِ الصادق (ع) الذين يَعتَمِدُ عليهم في تدبيرِ شؤونِهِ، ومنَ الثّقاتِ الذين قد يُفضي إليهم سرَّهُ، وكانَ من مشاهيرِ الثّقات من رُوَاتِهِ.
إِنَّ مَن تَتَبَّعَ أحاديثَهُ عرفَ أنَّه من أهلِ الفقهِ والمعرفةِ بمنزلةِ الإمامِ، ومن أعيانِ الأصحابِ، والذي يدلُّ على علوّ مقامِهِ عند الإمامِ حُزنُ الإمامِ على استشهاده، وقد قال الصادق (ع) لَمَّا استشهد المعلَّى: (أما واللّهِ لقد صارَ من أهلِ الجنَّةِ).
27. هشام بن الحكم البغدادي:
هو أبو محمد هشام بن الحكم البغدادي الذي سادَ المجادلين في هذا النَّهج وكان رجلاً حاضرَ البديهةِ، حَذِقٌ في علمِ الكلامِ، وممَّنْ فَتَقَ الكلامَ في الإمامةِ، وهو من تلاميذ الإمام الصَّادق (ع) ورجال الكاظم (ع) ومناظراتُهُ مشهورةٌ.

وكانَ من أعلامِ النَّهجِ العلويِّ النُّصيريِّ الخصيبيِّ:
بلال بن رباح الشنوي مؤذِّنُ الرَّسول (ص)، وجابر بن عبد الله بن حزام الأنصاري، وقنبر بن كادان الدوسي، وحذيفة بن اليمان العنسي أحدُ السَّبعة الذين صَلُّوا على فاطمة (ع)، وتوفي في المدائن.
وكان منهم ممَّن بقَوا وقاتلوا مع الإمام الحسن (ع) مَن يُحسَبُ لهم ألفُ حسابٍ: عبد الله بن يحيى، ورشيد الهجري وميثم الثمار وهما من خاصَّةِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام، وسليمان بن صرد الخزاعي الذي قامَ في سنة خمسٍ وستين بحركةٍ للثَّأرِ لشهادةِ الحسين (ع)، وعبد الله بن جعفر الطيار أول مولود من أهل الإسلام يولد في الحبشة.
هؤلاء القادةُ والسَّادةُ هم أصحابُ الحقائقِ الإيمانيَّةِ الذينَ هيَّأهُمُ اللهُ تعالى لكلِّ عصرٍ وزمانٍ أنوارًا وثقاتٍ بَلغوا في المعرفةِ مرتبةً، وفي الشَّرفِ والفضيلةِ منزلةً، تمكَّنوا من خلالِها إفهامَ الشُّعوبِ كلامَ أهلِ بيتِ العصمةِ بإثباتِ الحُجَّةِ وإيضاحِ المحجَّةِ، وكشفَ أسرارِهِ ومعانيهِ، وحلَّ ألغازِهِ ومعرفةَ مَبَانيهِ، فَكَتبوا وسَطَروا شرحَ الأخبارِ وتأويلَها، بعباراتٍ لَدُنيَّةٍ وإشاراتٍ وَهبيَّةٍ، واستلموا دفَّةَ سفينةِ أهلِ النَّجاةِ التي تقومُ على أقوى وأمتنِ أساسٍ يدْحَضُ جميعَ الأباطيلِ والشُّبهاتِ عند أهل السُّنةِ، ويَقمَعُ جرثومةَ الأضاليلِ والإشكالاتِ عند أهلِ الشيعةِ.
==============
الحسين بن حمدان الخصيبي (ع)

لَمحةٌ تاريخيَّةٌ عن سيِّدنا الخَصيبيِّ (ع):
سجَّلَ لنا التَّاريخُ العديدَ من حركاتِ النُّهوضِ التي قامَ بها مُفكِّرونَ وعلماء بهدفِ الإصلاحِ والتَّغييرِ والتَّجديدِ سبقَتْ حركةَ سيدنا الخصيبيِّ ونهضتَهُ، وكانَ لها آثارٌ إيجابيَّةُ متفاوتةٌ، لعلَّ أبرزَها وأهمَّها إبقاءُ روحِ النَّهضةِ حيَّةً في نفوسِ تيَّارٍ من المؤمنينَ، ويبقى الأملُ يراودُ الأمَّةَ في أنْ تستعيدَ موقعها الحضاريَّ يومًا ما.
إلاَّ أنَّ ما حدثَ على يدِ سيدنا الخصيبيِّ (ع) يبقى نقطةَ تحوُّلٍ مهمَّةٍ في تاريخِ العالمِ بشكلٍ عام والمؤمنينَ بشكلٍ خاص، فَمَا حَصَلَ كان دخولَ المشروعِ الإيمانيِّ ضمنَ المرحلةِ العمليَّةِ لأوَّلِ مرةٍ في التاريخِ الحديثِ.
إنَّ هذا الموضوعَ سيبقى من المواضيعِ التي يحتاجُ الباحثونَ والمُفكِّرونَ إلى مُقارَبَتِها ودراسَتِها لاستكشافِ أبعادِها وعواملِ بَلوَرَتِهَا ونجاحِها، وهي أبعادٌ حيويَّةٌ وذاتُ فاعليَّةٍ ترتبطُ بحياةِ الأمَّةِ ومستقبلِها.
لذلك تعتبرُ دراسةُ فكرِ الخصيبيِّ (ع) وآرائهِ في قضايا الدِّينِ والحياةِ أمرًا ضروريًّا ومُلحًّا، يكتسبُ ضرورَتَهُ من أهميَّةِ التَّعرُّفِ إلى فكرِ هذا العظيمِ الذي استطاعَ إحداثَ تحوُّلاتٍ فكريَّةٍ في مسارِ الحياةِ في مواقعِ انتشارِهِم الجغرافيِّ وفي المجتمعاتِ التي يقيمونَ فيها، فضلاً عن تأثيراتِهِ الفكريَّةِ، وذلكَ من خلالِ قيادَتِهِ التي تمكَّنتْ من إنشاءِ نظامٍ مغايرٍ للكثيرِ من النُّظُمِ السَّائدةِ في عصرهِ. وتنبعُ تلكَ الأهميَّةُ أيضًا من أنَّ هذا الفكرَ موجودٌ في صحائفِ الكُتُبِ، وهو لم يُضِفْ جديدًا على أصولهِ وثوابِتِه، وجُلُّ ما قامَ به هو نفخُ الرُّوحِ وبعثُ الحركةِ في فكرٍ موجودٍ، والعملُ على تطبيقهِ وتحريكهِ في عقولِ النَّاسِ وأفئدَتِهِم إلى منابعِهِ الأصليةِ، مع ما يستلزمُ من إلغاءِ المسافةِ بينَ العلمِ والعملِ، فعودةُ الأصولِ إلى الحياةِ وعودةُ الأمَّةِ الوسطِ لممارسةِ دورِها على السَّاحةِ البشريَّةِ وعودةُ كيانِهَا المسلوبِ كانَ من نتاجِ الفكر الخصيبيِّ الفريدِ.
إنَّ الإطلالةَ على هذهِ الشَّخصيَّةِ تكتسب أهميَّتها من مستوى تأثيرِها الدِّينيِّ الكبيرِ، ومدى اتِّساعِ ذلكَ التَّأثير خلالَ وجودِها، خاصَّةً إذا ما لاحظنا ندرةَ ما تحويهِ المكتبةُ العربيَّةُ من كتبٍ علميَّةٍ دقيقةٍ تعالجُ الفكرَ الدِّينيَّ لتلكَ الشَّخصيَّةِ، إذْ إنَّ معظمَ ما كُتِبَ غيرُ دقيقٍ.
وبرغمِ العديدِ من المقالاتِ والدِّراساتِ التي نُشِرَتْ حولَهُ، والتي كُتِبَتْ بأقلامِ أصدقائهِ أو أعدائهِ أو المحايدينَ، مسلمينَ وغيرَ مسلمين، إلاَّ أنَّ أحدًا لا يمكنُهُ أن يزعمَ بأنَّه استطاعَ أنْ يُقدِّمَ أو يتناولَ جميعَ أفكارهِ ونهجهِ ونهضَتِهِ، وهذا لا يعني أنَّ شخصيَّةَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) وحركتَهُ مُبهَمَةٌ لا يمكنُ التقاطُ أبعادِها ومضامينِها، بل هي واسعةُ الأبعادِ، شموليَّةٌ في مضمونِها وعميقةٌ في غَورِها. وبرغمِ صعوبةِ تناولِ كُلِّ بعدٍ من الأبعادِ على حِدَة، وتفسيرِ وبلورةِ النَّظريَّاتِ فيه، فإنَّ اختلافَ اهتماماتِ الكُتَّابِ الذينَ قاربوا فكرَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) ونهضتَهُ، أنتجَ اختلافًا في مناهجِ تناولِ شخصيَّتِهِ ونهضتهِ، فَنَرى أنَّ الفقهاءَ وعلماءَ الدِّينِ أَخَذُوا البُعْدَ الفقهيَّ والعلميَّ، والعُرَفَاءَ تناولوا البُعدَ العِرفانيَّ في شخصيَّتِهِ وفكرِهِ، وهكذا العلماءُ والمؤرِّخونَ، تناولَ كلٌّ منهم شخصيَّةَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) من خلالِ بُعْدٍ مُعيَّنٍ.
بعد هذا كلِّهِ نرى أنَّ المدخلَ الطَّبيعيَّ لقراءةِ الفكرِ الخصيبيِّ يمرُّ عبرَ التَّعرُّفِ إلى شخصيَّتِهِ والظُّروفِ التي أحاطَتْ بشأنِهِ، وما تراكمَ من عوامل ذاتيَّةٍ وفكريَّةٍ أعطتهُ تلكَ الشَّخصيَّةَ القياديَّةَ، وبعدها يمكنُ الانتقالُ إلى التَّعرُّفِ إلى النَّهجِ الفكريِّ الذي يَحمِلُهُ، وكيف عملَ على إعادةِ إحياءِ هذا النَّهجِ القديمِ الجديدِ للإسلامِ (المحمَّديِّ الأصيلِ)، عبرَ نفثِ الرُّوحِ من خلالِ طريقةِ التَّدريسِ المعتمدةِ لمنهجيَّةِ دِراسةِ العلومِ الإسلاميَّةِ، وكيفَ نفضَ الغبارَ عن المفاهيمِ الأساسيَّةِ للدِّينِ التي يَختزنُها هذا النَّهجُ. لقد حَمَلَ نهجَ (الإسلامِ المحمَّديِّ الأصيلِ)، ليكونَ منهجًا حياتيًّا لنا.
ولقد قادتِ الرَّغبةُ الشَّديدةُ لشبابِنا في معرفةِ حقيقةِ فكرِ سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) وسرِّ نجاحِ طريقتِهِ إلى المضيِّ في هذه المحاولةِ، فوجدتُ نفسي بعد القراءةِ الأوَّليَّةِ للمعطياتِ أمام عناوينَ أساسيَّةٍ تشكِّلُ المدخلَ الطَّبيعيَّ لقراءةِ فكرهِ، ذلكَ أنَّ الاستنهاضَ الفكريَّ الذي أسَّسَهُ كان يرتكزُ على العمليَّةِ، وهي تشكِّلُ المُستَندَ النَّظريَّ والفكريَّ الواضحَ والصَّريحَ.
وسيشتملُ البحثُ على ركيزتينِ، تعالجُ إحداهُما الإشكاليَّةَ النَّظريَّةَ، وتعالجُ الأخرى الإشكاليَّةَ العمليَّةَ، أي النَّهضةَ وأثرَ حركةِ التَّوحيدِ فيها، وبرغمِ أنَّ الحركةَ النَّظريَّةَ لمْ تكُ سابقةً للحركةِ العملَّيَّةِ، بل كانتا تسيرانِ جنبًا إلى جنبٍ في كثيرٍ من الأحيانِ عند سيدنا الخصيبيِّ (ع)، فإنَّ الدِّقَّةَ العلميَّةَ اقتضتْ أنْ نُفرِدَ لكلِّ بحثٍ قسمًا خاصًّا بهِ، يأتي عادة مرتكزًا على الفكرِ والرُّؤيةِ والتَّخطيطِ والبرمجةِ.
دفعَ المقامُ السَّامي لسيِّدنا الخصيبيِّ (ع) إلى عدمِ الاكتفاءِ بدراسَةِ الفقهِ والأصولِ والتَّعمُّقِ بهما، فَدَرَسَ علمَ المعاني والبيانِ، وكذا الهيئةَ والعرفانَ، إضافةً للعروضِ والقوافي والفلسفةِ.
وسرعانَ ما كوَّنَ كيانًا علميًّا ومجالاً عمليًّا مستقلّاً، وشاعَ عنهُ الزُّهدُ والتَّواضعُ والتَّعبُّدُ والتَّقوى، وبدأ الطُّلابُ والأساتذةُ ينجذبونَ إليهِ، فصارَ في عصرِهِ مُعلِّمًا مُميَّزًا بآرائهِ في الفقهِ والأصولِ والفلسفةِ والعرفانِ، ومنظِّمًا لشؤونِ الحياةِ تنظيمًا دقيقًا وشاملاً، وعُرِفَ عنهُ اهتمامُهُ بالوقتِ واستثمارُهُ لكلِّ لحظةٍ منه، وبرغم كثرةِ مريديهِ من العلماءِ والطَّلبَةِ للمرجعيَّةِ.

أصلُهُ العريقُ وَنَشأتُهُ:
تنحدرُ الأسرةُ الحَمْدانيَّةُ مِنْ قبيلةِ تغلبَ التي يعودُ نَسَبُهَا إلى وائلَ بنِ قاسط بنِ هنب بنِ أفعى بنِ دعمي بنِ جديلة بنِ أسد بنِ ربيعة بنِ نزار بنِ معد بنِ عدنان. ومِنْ أشهرِ بطونِهَا الأرقامُ؛ وهم جشم وعمرو وثعلبة ومعاوية والحارث بنو بكر بنُ حبيب بنُ غنم بنُ تغلب. وقد انحدرَ حمدان بنُ حمدون جدُّ الأمراءِ الحَمْدانيِّين مِنْ أسامة بنُ مال ومنهم بنو شعبة بالطَّائف.
وقد نزلَتِ القبيلةُ شمالَ الجزيرةِ الفُراتيَّةِ وسكنَت ديارَ ربيعةَ، ومنها انتشرَتْ في محيطها حيثُ استقرَّ جدُّهُ خصيبُ بنُ أحمد الخصيبيِّ الحَمْدانيِّ التغلبيِّ في بلدةِ جنبلاء الواقعةَ بين واسط والكوفة، في أكثر المناطق الزِّراعيَّةِ خِصْبًا (لذا سُمِّي مَن انحَدَرَ منهم جنوبًا باسم الخصيبيِّ نسبةً إلى توضُّعِهم الجغرافيِّ بالقربِ من سنجار والموصل).
وكانت هذه العائلةُ النَّبيلةُ على قدرٍ عالٍ من الثَّقافةِ الدِّينيَّةِ، أَهَّلَهَا لذلكَ اتِّصالُها الدَّائمُ بالأئمَّةِ المعصومين (ع) وخاصَّتِهم.
في هذا البيت الطَّاهرِ ظهرَ سيدنا أبو عبدِ الله الحسين بنُ حَمْدان بنُ خصيب بنُ أحمد الخصيبيِّ الجَنْبلانيِّ في العام (260هــ)، وكان أبوه وعمَّاه إبراهيمُ وأحمدُ ابنا الخصيبِ من خواصِّ المَولَيَين العسكريَّين (ع) وأخَذَا عنهما، كما كانا مُلتَزمَين بالتَّوقيعاتِ العليا والعلمِ الصَّادرِ عن سبيلِ الهدى (ع) سيدنا أبي شعيب محمَّد بنُ نُصير (ع) عن طريقِ سيدنا أبي محمَّد عبد الله بنِ محمَّد الفارسيِّ المُلقَّب بالجنَّانِ الجَنبلانيِّ (ع) المُلقَّبِ بـ(زاهدِ العراقِ)، وهو مِمَّنْ لقيَ الموليَين العسكريين (ع)، وأخذَ العلمَ من العارفِ باللهِ سيدنا محمَّد بنُ جندب (ع) الذي أخذ العلمَ من سيدنا أبي شعيب محمَّد بنُ نصيرٍ (ع). فسيدنا أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد الجنَّان (ع) كان مسؤولاً عن استمراريةِ طريقِ سيدنا أبي شعيب (ع) بنقلِ نَهجِهِ وتعاليمِهِ وإيصالِهَا إلى سيدنا الخصيبيِّ (ع).
ترعرعَ سيدنا الحسينُ بنُ حَمْدان الخصيبيِّ (ع) على التَّمسُّكِ بنهجِ المعصومينَ وعاشَ طفولَتَهُ في خِضَمِّ الأحداثِ التي رافقتْ غيبةَ الإمامِ المهديِّ (ع)، حيث حصَلَ ارتباكٌ بين الفِرَقِ بعدَ غيبةِ الإمامِ الثَّاني عَشَر (ع)، فالفِرَقُ الشِّيعيَّةُ اتَّبعتِ السُّفراءَ أصحابَ المالِ والسُّلطةِ، وأمَّا فرقتُنَا النُّصيريَّةَ فاتَّبعَتْ صاحبَ الوراثةِ الحقيقيَّةِ العلميَّةِ الدِّينيَّةِ وهو سيدنا أبو شعيب (ع)، ولهذا السَّبب فإنَّ أهلَ الشِّيعةِ تتَّهمُنَا بأنَّنَا غُلاةٌ، وأهلَ السُّنَّةِ تَتَّهمنَا بَأنَّنَا مُشرِكينَ.
وقد قضى سيدنا الخصيبيُّ (ع) طفولَتَهُ في التَّفقُّهِ والعلمِ والعبادةِ، فحفظَ القرآنَ الكريمَ وعمرُهُ أحدَ عشرَ عامًا، وحجَّ إلى بيتِ الله سنة (282هـ)، وكانَ عِلمُهُ لَدُنيًّا، وقد عاشَ (89) سنة، وانتقلَ عام (349هـ)، ومقامُهُ في حلب وهو يُعرفُ بمقامِ الشَّيخ (البُرَاق).

الظُّروفُ المحيطةُ بِنَشأتِهِ:
عايشَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) منذُ طفولَتِهِ أحداثًا جِسَامًا في البلادِ المجاورةِ، وبالتَّالي فإنَّ شخصيَّتَهُ أخذتْ تنشأُ في ظِلِّ تَعدُّدِيَّاتٍ محليَّةٍ وخارجيَّةٍ في ظلِّ هذه الأجواءِ المشحونةِ بالتَّحدِّي.
لقد اعتنى بالنَّفْسِ وتهذيبِهَا وكَسْبِ الفضائلِ المعنويَّةِ والمعارفِ الحقيقيَّةِ بسطوحِهَا العاليةِ، انطلاقًا من اعتقادِهِ الرَّاسخِ بأنَّ بناءَ النَّفْسِ هو حجرُ الأساسِ، فمَا لمْ نُصلِحْ أنفُسَنَا، لنْ نتمكَّنَ من الإصلاحِ، وهذا ترجمةٌ للآيةِ القرآنيَّةِ: (إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، وَطِبقًا لهذه المعادلةِ القرآنيَّةِ شَقَّ الطَّريقَ، ليكونَ كلامُهُ مؤثِّرًا وَفَاعلاً في الغيرِ.
وإذا كانتِ الخطوةُ الأولى عندَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) في ميدانِ النَّفْسِ، فهيَ المُقدِّمَةُ الصَّحيحةُ التَّعليميَّةُ النَّاجحةُ لنَا.
هُنَا يكمُنُ أحدُ أهمِّ أسـرارِ النَّجاحِ والتَّميُّزِ في شخصيَّةِ سيدنا الخصيبيِّ (ع)، إذ لمْ يُحدِّثْنَا تاريخُ المرحلةِ التي عاشَ فيها عن شخصيَّةٍ اهتمَّتْ بتربيةِ النَّفْسِ بالمستوى الذي كان عليهِ ســيدُنا الخصيبيُّ (ع)، وهو ما يُظهرُهُ سُلوكُهُ وكتاباتُهُ في بناءِ النَّفسِ وتهذيبِهَا وممارسةِ الجهادِ الأكبرِ (جهادِ النَّفْسِ)، ولمْ يَكنِ العلمُ عندَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) عِلمًا نظريًّا وَتَرَفًا فكريًّا، بل كان طَريقًا عَمَليًّا في تهذيبِ النَّفسِ.
لقد غدا سيدنا الخصيبيُّ (ع) من خلالِ سلوكِهِ طريقَ العرفانِ والتَّقوى رجلاً ربَّانيًّا حكيمًا، تجلَّتِ الحكمةُ على لِسَانِهِ بعد أن انفتَحتْ في قلبهِ المليءِ بالإيمانِ، حتَّى أنَّه جسَّدَ حقيقةَ العالِمِ الرَّبَّانيِّ الحكيمِ الذي جعلَهُ اللهُ خليفةً وحُجَّةً.
ولمْ تقتَصِرْ شخصيَّةُ سيدنا الخصيبيِّ (ع) على نيلِ جانبٍ من جوانبِ الكمالِ، بل حَوَتْ كُلَّ الجوانبِ والفضائلِ السَّاميَةِ التي تعطي لشخصيَّتِهِ صفةَ القُدوةِ والمثاليَّةِ، ولعلَّ المقامَ لا يَسَعُ للتَّفصيلِ أكثر، ولكنْ لابُدَّ مِن ذكرِ بعضِ تلكَ الصِّفاتِ من بابِ الإشارةِ والتَّنويهِ فقط، ففي التَّقوى نجدُهُ في مقاماتِها الرَّفيعةِ، وقد تجسَّدَتْ في شخصيَّتِهِ أعلى مراتبِ التَّواضُعِ والحُلْمِ والصَّبرِ، حتى اجتَمَعَتْ فيها مثاليَّةُ الصِّفاتِ وتكامُلِهَا. لقد حاكَتْ شـخصيَّتُهُ في صـفاتِهَا وشـمائِلها صـفاتِ الأنبياءِ والأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، فكانَتْ تجسيدًا فريدًا للشَّخصيَّةِ المعاصرةِ والمُتكاملةِ الاستثنائيَّةِ ذاتِ الخصبِ والعُمقِ، التي تتعدَّدُ فيها الجوانبُ بتناغمٍ قَلَّ نظيرُهُ، وقد تميَّزَ بذلكَ عن جميع رموزِ النَّهضةِ في عَصرِهِ، فهو أستاذُ الفقهِ والأصولِ والفلسفةِ والأخلاقِ والعَرفانِ، وهو المُفكِّرُ والأديبُ والشَّاعرُ والخطيبُ، وهو العارفُ العابدُ الزَّاهدُ والعاشقُ السَّالكُ، ثمَّ إلى ذلك كُلِّهِ هو أبرعُ مَنْ فَهِمَ وَمَارسَ، وهو جزءٌ لا يتجزَّأ من الدِّين، يُحقِّقُ أهدافَ الحقيقةِ ومقاصِدَها في حمايةِ البلادِ والعبادِ ومقارعةِ الظُّلمِ والطُّغيانِ وإحداثِ النَّهضةِ بعد تحديدِ مصادرِ الخللِ ومكامِنِهِ في الفكرِ، وبعد انتقاءِ الأساليبِ الأنجحِ للعلاجِ.
فالخصيبيَّةُ ترى أنَّ اللهَ قد أكملَ الدِّينَ وأتمَّ النِّعمةَ بتسميةِ الرَّسولِ (ص) لوليِّ عَهدِهِ وخليفَتِهِ من بَعدهِ، عبرَ العديدِ من النُّصوصِ القرآنيَّةِ والأحاديثِ الشَّريفةِ ومنها الآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وهي نزلتْ في حقِّ أميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام. وكذا الحديثُ المرويُّ عن الرَّسولِ (ص): (أيها الناس، إنِّي تاركٌ فيكُمُ الثَّقلين: كتاب اللهِ وعترتي أهل بيتِي، ولنْ يفتَرِقا حتى يردا عليَّ الحوضَ، ومَثَلُهُما كَمَثَلِ سفينةِ نوح، مَن ركبَ فيها نَجَا).
وهكذا تَعتَبرُ الخصيبيَّةُ أنَّ الإمامَ يتعيَّنُ بالنَّصِّ مِنَ النَّبيِّ (ص)، كما لابُدَّ للإمامِ أنْ يكونَ مَعصومًا عن الكبائرِ والصَّغائِرِ. بينما يَرَى أهلُ السُّنَّةِ بأنَّ الخليفةَ يمكنُ أنْ يَتَسَمَّى عن طريقِ الشُّورى، كما حدثَ في سَقيفةِ بني ساعدة، فأبو بكرٍ سَمَّى عمرًا أو أبا عبيدةَ ولكنَّ عمرَ رفضَ تسميةَ أبي عبيدةَ وسمَّى أبا بكرٍ، ثم بايعهُ النَّاس. وهم أيضًا لا يَرونَ ضَيرًا في أنْ يَتَفَرَّدَ الخليفةُ بتسميةِ خليفتِهِ وهو ما فَعَلَهُ أبو بكرٍ عندما سمَّى عُمَرَ خليفةً لهُ، ونفسُ الأمرِ فَعَلَهُ عمرٌ في تسميةِ عثمانَ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ عبر شُورى شَكليَّةٍ، إضافةً إلى ما اعتُمِدَ في خلافةِ بني أميَّة وبني العبَّاس وبني عثمان، حيث تحوَّلتِ الخلافةُ عمومًا إلى إمارةٍ آليَّةٍ وراثيَّةٍ صرفةٍ.
أمَّا في الجانبِ التَّاريخيِّ فإنَّ الجذورَ تمتدُّ إلى عهدِ الرَّسولِ (ص) عندما كانَ يُؤكِّدُ على أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام، ويُوصي المُسلمينَ بالتزامِ طاعتهِ من بعدِهِ كما حدثَ في أكثر من موقعٍ كان آخرُها وأكثرها صراحةً ما قالَهُ في حجَّةِ الوداعِ: (اللَّهمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وانصُرْ مَن نَصَرَهُ واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ)، وَنَزَلَتْ بعدَها الآيةُ الكريمةُ على الرَّسولِ (ص) وفيها كانتْ خاتمةُ الوحي: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).


اتِّصالُهُ بسيِّدِنا أبي شُعَيب (ع):
كانتْ حياةُ سـيِّدنا الحسـين بن حَمْدان الخصيبيِّ (ع) أعلى اللهُ مقامَهُ جِهادًا متواصِلاً في سبيلِ الدَّعوةِ منذُ أن انضَمَّ إليها وتعلَّمَ على يَدِ مُعلِّمِهِ سيدنا الجنَّانِ الجنبلانيِّ (ع)، والذي أخذَها عن محمَّد بن جندب (ع) الذي أخذَها عن سيدنا أبي شعيب محمَّد بن نصير (ع) الذي أخذَها عن الإمامين عليِّ الهادي والحسنِ العسكريِّ (ع).
وقد قالَ الإمام أبو الحسن صاحبُ العسكر (ع): (محمَّدُ بنُ نُصَير نورٌ منَّا وَحُجَّةٌ لنا، وكلُّ ما قالَه عنَّا فهو صادقٌ).
وتشيرُ مصادرُ العارفينَ عندنا إلى الاتِّصالِ المباشرِ لسيدنا محمَّد بن حمدان الخصيبيِّ (ع) بسيدنا أبي شعيب محمد بن نصير (ع) في سامرّاء بعد غيبةِ سيدنا الجنَّان (ع) وغيبةِ سيدنا محمد بن جندب (ع)، حيث كان نشاطُهُ بتوجيهٍ من سيدنا أبي شعيب (ع) الذي بقي بدارِ ابن الرِّضا في إيوانِ النُّصيريَّةِ، وقد أخبَرَنَا بأسماءِ الشُّيوخِ الذين لَقِيَهم والذينَ أخذَ عنهم، وفيهم ما ينوفُ عن السِّتِّين مِمَّن لَقِيَ الموليَين العسكريَّين (ع) وَدَانوا بِهُدَى سبيلِ الهدى سيدنا أبي شعيب (ع) وكانوا مجاورينَ في سَامرَّاء، حيث قال سيدنا الخصيبيُّ (ع): (لَقِيتُ من الشُّيوخِ ما يَنُوفُ عن الستِّين رجلاً مِمَّن لَقِيَ الموليَين العسكريَّين، وَرَويتُ عنهم شَتَّى الأخبارِ)، وهذا الإثباتُ من العارفين والعلماءِ هو الذي وسمَ كتاباتِ سيدنا الحسين بن حَمْدان الخصيبيِّ (ع) بالدقَّةِ التَّاريخيَّةِ والموثوقيَّةِ عن أهلِ العصمةِ (ع) كونَهُ لم يأخذْ إلاَّ عَمَّن شاهدَ الإمامين وَجَاوَرَهم.
فقد اتَّسمَ هذا النَّهجُ العلويُّ الخصيبيُّ بارتباطِهِ التَّامِ والدَّقيقِ بما خرجَ عن الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) حولَ توحيدِ اللهِ تعالى، إذْ نرى أنَّ كلَّ المسائلِ التي تفرَّعَتْ مِن التَّوحيدِ أُخِذَتْ عن أصلٍ هو كتابُ اللهِ تعالى، وحديثُ رسول الله (ص) وتفسيرُ إمامٍ معصومٍ (ع)، وقد رفضَ الاجتهادَ الشِّيعيَّ والقياسَ السُّنيَّ لقول أمير المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السلام لكميل بن زياد (ع): (يا كميل، لا تأخُذْ إلاَّ عنَّا)، وقولِ سيدنا أبي شعيب (ع): (لا تأخذوا دينَكُم إلاَّ عَمَّن أَخَذَ عنَّا نَصًّا، مِنَّا بعضًا عن بعضٍ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الأربعاء أبريل 05, 2017 8:15 pm

علومُهُ ومُؤلَّفاتُهُ:
ينتمي سيدنا الخصيبيُّ (ع) إلى أسرةِ العلمِ والتَّقوى والعملِ الصَّالحِ والقياداتِ الرُّوحيَّةِ الدِّينيَّةِ، وقد تميَّزَ بالعلمِ الرَّبَّانيِّ الغزيرِ والشُّموليِّ، كما عُرفَ بكثرةِ الإنتاجِ والعطاءِ الفكريِّ والعمليِّ والفقهيِّ، إذْ أنَّ لهُ الكثير منَ المؤلَّفاتِ والكتبِ والموسوعاتِ العرفانيَّةِ. كما أنتجَتْ مدرستُهُ العرفانيَّةُ المتميِّزةُ طوالَ أكثرَ منْ نصفِ قرنٍ الكثيرَ منَ العلماءِ والمفكِّرينَ والخطباءِ والأدباءِ والمؤلِّفينَ في مجالاتٍ شتَّى.
وفيما روي أن أباهُ حَمْدان وعمَّهُ أحمَد كانا يتذَاكَرانِ في مسائلَ تخصُّ الدَّعوةَ، دخلَ عليهما الحُسين ليجالِسْهُمَا فمنعاهُ، فخرجَ إلى الشَّارعِ حزينًا فالتقى برجلٍ مهيبٍ، جميلِ الطَّلعةِ يبتسمُ في وجهِهِ ويقولُ له: يا حُسين بنَ حَمْدان، أحزنكَ مَا فعلَ أبوكَ وعمُّكَ؟ فحارَ في جوابهِ وقال: نعم يا سيِّدي، فقال: ادنُ منِّي. فوضعَ يدَهُ عليه ودَعا بدعواتٍ، ثم قال: عُدْ إليهما فلنْ يمنعاكَ بعدَ الآن. فسألهُ: من أنتَ يا سيدي؟ فأجابَ: أنا أبو شعيب محمَّد بنُ نُصير.
وعادَ الحسين إلى أبيه وعمِّه، وما أنْ حدَّثهُمَا بذلك حتى قالا: (إنَّ لكَ منَ اللهِ تعالى منزلةً لا نعلَمُهَا)، ثمَّ حملاهُ إلى سيدنا أبي محمَّد عبد الله الجنَّان (ع)، فتولى رعايته وتعليمه حتَّى صارَ من خيرةِ الدُّعاةِ.
وكان يكنَّى أبا عبد الله، ونسبتهُ الجنبلانيُّ نسبةً إلى سيدنا الجنَّان الجنبلاني الذي كانَ منشؤه في جنبلاء، كما يكنَّى بالخصيبي نسبةً إلى جدِّه الخصيب، ويتكلَّم الخصيبي (ع) موضِّحًا ذلك في بعضِ أشعاره قائلاً:
قد غاص في بحرِ علم سادته
نجلُ خصيبٍ بهاجس عَرَفِ

وقالَ في مكانٍ آخر:
جنبلانيَّكُمْ سليلُ خَصِيبٍ
يَسْتَقِيها مِنْ فَيضِ بَحْرٍ


دوَّنَ سـيدنا الخصيبي (ع) علومَ التَّوحيدِ بحسب القواعِدِ والمبادئ التَّوحيديَّةِ التي وضعها الأئمَّةُ (ع)، وبيَّنَ في جدليَّةٍ تاريخيَّةٍ وعقليَّةٍ، أحقيَّةَ ما يُؤمنُ بهِ مستعينًا بكُلِّ المعارف الرَّبَّانيَّةِ مؤيِّدًا أقوالَهُ بالشَّواهدِ القرآنيَّةِ، والأحاديثِ النَّبويَّةِ، وتراثِ المعصومينَ (ع) والحُججِ العقليَّةِ في نشرِ تعاليم الدَّعوةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ.
وقد تَرَكَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) قدوةَ العارفين تراثًا منَ الكتبِ التَّوحيديَّةِ، والمناهجِ العرفانيَّةِ والوصايا الأخلاقيَّةِ والمعارفِ اللاهوتيَّةِ، ما تُعَدُّ لوحدها مكتبةً متكاملةً، وكانت عبارةً عن مجموعةٍ من الكتبِ التي تتناولُ مسائلَ دينيَّةٍ متعدِّدَةٍ على شكل سؤالِ المُريدِ وجوابِ سيدنا الخصيبيِّ (ع)، وأصبحَ لهُ من المؤلَّفاتِ الكثير أشهرها: كتاب الهدايةِ الكبرى الذي دفعه إلى سيفِ الدَّولةِ الحَمْدانيِّ، كما وردَ أنَّ له الكَثير من المؤلفات.
كما كانَ لهُ الفضلُ الأوَّلُ في كتابةِ تاريخِ الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ، وحياةِ الرَّسولِ الكريم (ص) وسيرَةِ الأئمَّةِ الصَّادقينَ (ع) وسيرةِ خواصِّهم وأعلامِ مدرستِهِم بنهجٍ علميٍّ اعتمدَ النَّقدَ التَّاريخيَّ للأحداثِ مراعيًا طبيعةَ كلِّ واقعةٍ تاريخيَّةٍ وخلفيَّاتِهَا ومَرَاميها ونتائِجَها، وكانَ مَنْ سبقَهُ إلى كتابةِ التَّاريخِ يكتفي بتدوينِ الحوادثِ دونَ إخضاعِهَا للتَّحقيقِ، ولنَا في النّسخةِ الأصليَّةِ لكتابه (الهداية الكبرى) الذي وضعَهُ للأميرِ سيفِ الدَّولةِ الحَمْدانيِّ، خيرُ دليلٍ على المنهجيَّةِ العلميَّةِ والعقليَّةِ العظيمةِ لسيدنا الخصيبيِّ (ع).
لقدْ بلغتْ بهِ البَصيرةُ، وما وصلَ إليهِ من علمٍ أخذَهُ بمددٍ من الهُداةِ (ع)، وما ذاقَ مِن جواهرِ اللَّطائفِ اللَّدُنيَّةِ التي شَهِدَهَا، محلِّقًا بأجنحةِ مَلَكٍ إلى عالمِ النَّقاء ناقلاً ما رآه إشارةً إلى السَّالكينَ وعبارةً للبالغينَ، فَمَنْ اعتصَمَ بحبلِهِ المتين طارَ على أرجوحةِ العارفين وأدركَ اليقين.
ولمْ يألُ سيِّدنا الحسين بن حمدان الخصيبي (ع) جهدًا في التَّنقُّلِ والاتِّصالِ بالقبائِلِ التي انتشرَ فيها الدُّعاةُ، والحُكُوماتِ ذاتِ العلاقة بالتَّنظيمِ العَرْفانيِّ، وقد عملَ بنفسِهِ داعيًا موجَّهًا علمَهُ ومعارِفَهُ الواسعةَ وثقافَتَهُ العرفانيَّةَ لإيجادِ رابطةٍ تُوَحِّدُ القوى الإماميَّةَ، وتعيدُ تطبيقَ الشَّرائعِ الإلهيَّةِ على النَّاسِ الذين غابَت عن أذهانِهِم كُلُّ علاقةٍ يمكنُ أنْ تربطَ الدِّينَ بالدَّولةِ والمجتمعِ.

طَريقَتُهُ المُقَدَّسَةُ:
إنَّ التَّرجمَاتِ التَّاريخيَّةَ التي تَحَدَّثتْ عن سيدنا الخَصيبيِّ (ع) في غالبيَّتِها ناقصةٌ، ولا توجدُ أبحاثٌ تهدفُ إلى إيضَاحِ صورةٍ حقيقيَّةٍ لسيدنا الخصيبيّ (ع)، فمكانتُهُ (ع) هي أعلى من مكانةِ مؤسِّسٍ فقط، وقدْ كانَ أجلُّ لقبٍ للحُسين بنُ حمدان لقَّبَّه به طلَّابُهُ هو (شيخُ الطَّريقةِ وقدوةُ العارفينَ)، ونعلمُ أنَّ أميرَ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام هو مَن استخدمَ تعبيرَ (الطَّريقةِ) ليُعبِّرَ بها عن الخاصَّةِ، فهوَ في نُصحهِ للمؤمنين يقول: (لزم الطريقة الغراء والمحجة البيضاء واغتنم المهل وبادر الأجل وتزود من العمل)، فنهجُ الطَّريقةِ الغرَّاءِ سبيلُ الهدى، والمحجَّةُ البيضاءُ هي التَّمسُّكُ بالعترةِ الطَّاهرةِ التي لا يَضُّلُ مَنْ آوى إليها.
وقد بُنِيَتْ قواعدُ طريقة سيدنا الخصيبي (ع) على أربعة أصول وهي:
1. كتابُ اللهِ تعالى: قالَ أميرُ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام: (كتابَ اللهِ تبْصِرُونَ)، وما جاء من تأويلِ أميرِ المؤمنينَ (علي) لأنَّهُ صاحبُ التَّأويلِ.
2. أحاديثُ الأوصياءِ والأنبياءِ والرُّسلِ (ع) مؤيَّدَةً بكتبِ اللهِ السَّماويَّةِ وكلامِ المعصومين (ع).
3. أحاديثُ رسولِ الله (ص) وأهلِ البيت الأئمَّةِ المعصومين (ع): الواردةِ مِن طريقِ أهلِ الإيمانِ الثِّقةِ علماءِ آل بيتِ محمّد (ص) ومَن آلَ إليهم من أهلِ الولاءِ ممَّا أوردوهُ وكتبوهُ مِنْ علومِهِم.
4. حجةُ العقل: كما قال الإمام الكاظم (ع): (إنَّ للهِ على النَّاسِ حُجَّتينِ، حُجَّةً ظاهرةً وحجَّةً باطنةً، فأمَّا الظَّاهرةُ فالرُّسلُ والأنبياءُ والأئمَّةُ، وأمَّا الباطنةُ فالعقولُ).

إذن: لا بُدَّ لكلِّ خطٍّ وطريقٍ من معالمَ يهتدي بها السَّائرونَ، ومن دونِ وجودِ معالم على الطَّريقِ لا يهتدي الإنسانُ إلى شيءٍ. فما هي المعالمُ على هذا الخطِّ (الصِّراطِ المستقيمِ)؟
إنَّ القرآنَ يوضِّحُ هذهِ المعالمَ، بإيجازٍ، في سورة الفاتحةِ، وبعد الدُّعاءِ بـ(اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) يأتي مباشرةً إيضاحُ معالِمِ هذا الصِّراطِ وعلامَاتِهِ وأدلَّتِهِ بقوله تعالى: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)، فإنَّ العلامةَ المميَّزةَ التي تهدي إلى الصّراطِ المستقيمِ، هي السَّائرونَ على هذا الصِّراطِ، والسَّالكونَ له. فإذا اختلطتِ السُّبلُ عليكَ، فاتَّبعْ خُطى الذين أنعمَ اللهُ عليهم منَ الأنبياءِ والمرسلينَ والأئمَّةِ ومن تبعهم من عبادِ الله الصَّالحينَ.

فِكرُهُ وَتَعاليمُهُ:
سيدنا الحُسينُ بنُ حمدانٍ الخصيبيّ (ع) صاحبُ نهجٍ وفكرٍ وعَرفانٍ، ولقد بلغَ العَرفانُ العلويُّ النُّصيريُّ شأنًا عظيمًا زادهُ رفعةً سيدنا الخصيبيُّ (ع)، فقد حوَّلَ دارَهُ المباركةَ إلى جامعةٍ كبيرةٍ تشعُّ بالنُّورِ والحكمةِ، وقامَ بتدريسِ مختلفِ العلومِ والمعارفِ والمنطقِ والفلسفة والفقهِ والشَّريعةِ والدِّينِ والعقيدةِ.
وفي الحقيقةِ فإنَّ ســيِّدَنا الحُسين بنُ حَمْدان الخصيبي (ع) كانَ السيد والقائدَ والمُعلِّمَ، فالحُسين بنُ حَمْدان من أقرباءِ سيفِ الدَّولةِ الحمداني، وهو من سادةِ العربِ وأمرائِهِم، بلْ زادَ على ذلكَ بأنَّهُ سادَ وقادَ أمراءَ العرب.
ويُذكَرُ أنَّ سيِّدَنا الخصيبيَّ (ع) هاجرَ إلى الموصل قاصدًا الأميرَ الحَمْداني داود بن حمدان، ولمْ يمكُثْ طويلاً في الموصل بل توجَّهَ من هناكَ إلى حلب، وبقي مدَّةً يعلِّمُ ويؤسِّسُ لتلامذتِهِ في حلب إلى أن استقامَتْ لهمُ الأمورُ وأوكلَ إليهم متابعةَ نهجهِ القويمِ في حلب، وذلك ما حكاه الشَّيخ أبو صالح الديلمي (ق) بقولِهِ: (كانَ هؤلاء السَّادةُ الذين كانُوا في الغالب مِنَ العارفينَ بمعرفةِ الحقِّ المبينِ)، وكأنَّما كانَ مَنْ عرفَ التَّوحيدَ في عصرِهِم في أمانٍ وغبطةٍ، وهوَ العصرُ الذي كانَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) فيه مقيمًا في حلب. ومن هذا النَّصِّ يمكنُ الاستنتاج أنَّ عقيدةَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) العلوية الإسلامية كانتْ قد استقرَّتْ في قلوبِ كثيرٍ مِنَ الملوكِ والأمراءِ قبلَ غيابِهِ.
ثم عقدَ العزمَ على التَّنقُّلِ في بلادِ الشَّامِ لنشرِ دعوتهِ العلويَّةِ الإسلامية النُّصيريَّةِ الخصيبية في مناطقِ الثُّغورِ بالدَّرجةِ الأولى، ثمَّ وصل إلى دمشق.
لقد حملَ لواءَ الدَّعوةِ والتَّوحيدِ وهو في السَّابعةِ والعشرينَ من عمرِهِ فكانَ ينتقلُ في البلادَ الشَّرقيَّةِ، ناشرًا دعوَتَه علنًا رغمَ وجودِ الخلافةِ العباسيَّةِ المُزَعزَعةِ في النِّصفِ الأوَّلِ منَ القرنِ الرَّابعِ الهجريِّ الموافق للقرنِ العاشر الميلادي.
وفي عام (336هـ) تغيَّرتِ الأوضاعُ في بغداد عندما سيطرَ البُوَيْهِيُّونَ على الحُكمِ فعادَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) إلى العراق وزارَ بني بُوَيه الذين سبقَ إليهم الدُّعاة فاستجابُوا وانتظمَ في سلكِ الدَّعوةِ العديدُ منهم، وكانَ أوَّلُّ طُلَّابهِ فيهم، سيدنا أبا منصور شهاب الدين بختيار الدَّيلمي (ق) الذي وضع له سيدنا الحُسين بنُ حَمْدان الخصيبيّ (ع) كتابَ (رأس الحكمة) ثمَّ عادَ إلى دارتِهِ في الكوفة عام (340هـ) ليستقبلَ أقرباءَهُ الحَمْدانيِّينَ ويُوجِّهُ الدُّعاةَ إليهم، حتَّى عاد في سنواته الأخيرة إلى بلاد الشَّام واختارَ أنْ يقيمَ في حلب حيث كانت الأسرة الحَمْدانيةُ تحكمُ حلب منذ سنة (333هـ)، وكانَ سيدنا الخصيبيُّ (ع) يؤمُّ سيدنا سيفَ الدَّولةِ فكتبَ له الهدايةَ الكُبرى، وغيرَها، وعيَّنَ سيدنا محمّد بن علي الجِلّيِّ (ق) ليرأسَ أتباعَهُ في حلب، ثم حجَّ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ والتقى بالدُّعاةِ في الكعبةِ المطَّهرةِ، كما التقى بدُعاةِ المدينةِ، ثمَّ التقى بوفودِ اليمنِ وبالدُّعاةِ المصريِّينَ، وعادَ إلى بغداد فأنشأ أوَّلَ مدرسةٍ علميَّةٍ أوكَلَهَا إلى سيدنا أبي الحسين علي بن عيسى الجسري (ق) بعدَ مغادَرَتِهِ بغداد، والتي تخرَّجَ منهَا العلماءُ العراقيُّون. وخلالَ زيارتِهِ ضمَّ عددًا من الأمراءِ الذين عُرِفوا في الدَّعوةِ باسم (العلماءِ المُستَتِرةِ).
فسيِّدُنا الحُسين بنُ حَمْدان الخصيبي (ع) عاشَ بعقلهِ وفكرِهِ هذا التُّراثَ المَعرفيَّ العظيمَ وكانَ لهُ فضلٌ كبيرٌ برفدِهِ بعارفينَ جُددٍ، اهتَدُوا بالخصيبيِّ القُدوةِ ومنهاجِهِ النُّصيريّ في الدَّعوةِ العلويَّةِ إلى الحَقِّ المبينِ، وقدْ أدَّى سيدنا الخصيبيُّ (ع) هذه النِّعمةَ إليهم وهم الذين اختارَهم من صفوةِ هذا العالمِ البشري مِصداقًا لقوله: (فلمَّا أسبغَ علينا نعمَهُ بمعرفتِهِ ألزمَتْنا الطاعةُ أن نُحدِّثَ بها مستحقِّيها ونُبيِّنها لهم ولا نكتُمَها عنهم)، وسمَّى دعاته العارفين (أهل البصيرات) فهم المُستَبْصِرون الذين قَطَعُوا التَّراكيبَ لأنَّهم صفوةُ عالمِ البشرِ.
وكانَ دُعاةُ سيدنا الخصيبيّ (ع) وتابِعُوه حينَ وضعوا مؤلَّفاتِهم قد تَوَخَّوا شرحَ عقيدةِ سيدنا الخصيبيِّ (ع) العلوية الإسلامية، فتناولُوها بالدَّرسِ والتَّمحيصِ لغايةٍ جليلةٍ هي خدمةُ هذا الدّينِ وأهلِهِ، مُمْتَثلينَ لقولِ سيدنا أفلاطون: (طبقاتُ النَّاسِ معروفةٌ في أطرافِ أقلامِهم وظاهرةٌ في حُسنِ اختيارهم)، فأصبحَ إنتاجُهم مصدرًا لا غِنَى عنهُ، لأنَّ مِنهم مَن أخذَ مُشَافَهَةً، لذلكَ فإنَّ المُتكلِّمَ عن عقيدةِ سيدنا الخصيبيِّ (ع) العلوية الإسلامية لا بُدَّ أنْ يتناولَ آثارَ التَّابعينَ، فعندما نبحثُ عن الأمورِ النَّائرةِ والأخبارِ العُليا البَاهرةِ لا نجدُ منها شيئًا إلاَّ وقد سَبَقَ إلى إيرادِهِ الأوَّلونَ، وتداوَلَهُ الرَّاوونَ، والفضلُ للسَّابقِ، ولا يُدرِكُ فضلَهُ اللاَّحقُ، ولابُدَّ من التَّنبيهِ إلى أنَّ جميعِ أقوالهم في كتبهم وإنْ اختلفَتْ باللَّفظِ فقد اتَّفَقَتْ بالمعنى والأصلِ. وسيجدُ القارئُ أنَّ أيَّ موضوعٍ من مواضيعِ التَّوحيدِ مدعومٌ بشواهدَ مأثورةٍ عن الموالي والسَّادات، وذلك قطعًا لألسنةِ المغرضينَ الذين ربَّما كانوا في هذا الوقت أكثرَ من أيِّ وقتٍ مَضَى. وبذلكَ دَعَمَ- أعلى الله منزلتَهُ- القولَ بالعملِ في تأديةِ النّعمةِ إلى مستحقّيها، وتلقَّاها تابعوهُ بالرِّضَا والقبول.

لقد تولَّى العالمُ الثِّقةُ سيدنا أبو الحسين محمّد بن علي الجلي (ق) الدَّعوةَ في حلب وكانَ سيدنا العارفُ أبو الحسن علي بن عيسى الكتّاني الجسري (ق) يتولاَّها في العراق. ثمَّ تولاَّهَا سيِّدُنا أبو سعيد الميمون سرور بن القاسم الطَّبراني الهمذاني (ق) الذي ولد في العام (337هـ) في بيتِ علمٍ ومعرفةٍ وأدبٍ وزهدٍ وعرفانٍ في عائلةٍ عربيَّةٍ عريقةٍ بنسبِها وأمجادِها عُرِفَتْ بولائها لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام واتِّباعها النَّهجَ العلويَّ الإسلامي النُّصيريَّ الخصيبيَّ، وكانتْ طبريَّة آنذاك عربيَّة نقيَّةً ومِنْ معاقلِ العرفانِ الخصيبيِّ، ومجمعًا للعلماءِ، فأخذَ العلمَ صغيرًا متفقِّهًا على يدِ سيدنا الجلي (ق).
وكان سيِّدُنا أبو سعيد (ق) عالمًا بليغًا وفيلسوفًا ورعًا زاهدًا مجاهدًا وذا فضلٍ عميمٍ، تشهدُ لهُ كثرةُ تصانيفِهِ وقوَّةُ حُجَّتِهِ فيهَا، ومعرفتُهُ الشَّاملةُ بالأحكامِ والحكمةِ القرآنيَّةِ وحفظِهِ أحاديثَ المعصومين (ع). وقد ألَّفَ سيِّدُنا أبو سعيد (ق) كتبًا كثيرةً في مباحثِ التَّوحيدِ تنوفُ عن العشرين كتابًا، وله ديوانُ شعرٍ.
شَهِدَ لهُ السَّادةُ العارفينَ بالفضلِ وقوَّةِ الحُجَّةِ وكانَ من المُجاهدينَ والمُدافعينَ عن نَهجِ سيدنا الخصيبيِّ (ع)، حتى لقَّبهُ سيِّدُهُ الجلي بالثِّقةَ وجعلَهُ خليفةً له.
ولا بُدَّ منَ التَّنويهِ إلى أنَّ الوليَّ صفةٌ تطلقُ على ثلاثةٍ: أوَّلُهُم سيِّدُنا محمّد بن جندب (ع)، والثَّاني سيِّدُنا أبو الحسين محمّد بن علي الجلي (ق) الذي توَّلى الدَّعوةَ بعد سيِّدِنا أبي عبد الله الحسين بن حَمْدان الخصيبي (ع)، والثَّالث هو الوليُّ الثِّقة سيدنا الميمونُ سرور بن القاسم الطَّبراني الهمداني (ق) لأنَّه حملَ رايةَ العَرفانِ بعدَ سيدنا أبي الحُسين الجلي (ق) وتابَعَ مثله على نهج سيدنا الخصيبي (ع).
ومن دُعاةِ سيِّدنا الخصيبيِّ (ع) أيضًا سيدنا محمد بن مقاتل البغدادي (ق) القاضي أبو الفتح شيخ عاصم الدولة الذي عرف بتقواهُ وإيمانِه ودعائِهِ المُستجاب، وكانَ شيخًا فاضلاً زاهدًا فقيهًا مجتهدًا لهُ الكثيرُ من الكتبِ والمسائلِ الدِّينيَّةِ والعقائديَّةِ التي رسَّخَ فيها النَّهجَ العلويَ الإسلامي النُّصيريَّ الخصيبيَّ.
كما وعلينا أنْ نلحظَ أنَّ دعاةَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) وَفدُوا مِنْ بقاعٍ شتَّى، وأنَّهُم نَشَرُوا العلومَ العلويَّةَ الخصيبيَّةَ وامتدَّتْ حتَّى طالَتْ معظمَ المناطقِ الإسلاميَّةِ، وهمُ الذينَ وصفَهُم سيدنا الجنَّان (ع) بقوله: (عَمِلُوا بمَا عَلِمُوا فأدرَكُوا الحياةَ السَّرمديَّةَ ونالُوا الرَّحمةَ الأبديَّةَ، أجسامُهُم بينَ الوَرَى وقلوبُهُم في الملكوتِ الأعلى، دأبُهُم الصَّلاةُ والعبادةُ، وشغلُهُم بالورعِ والزَّهادةِ، مَنْ استَرشَدَهُم رشدَ ومَنْ أخذَ عنهُم سَعدَ).

دَعوَتُهُ المُخلِصَةُ للولايةِ العَلَويَّةِ:
يؤكِّدُ سيِّدُنَا الخصيبيُّ (ع) أنَّ النَّجاةَ لا تكونُ إلاَّ بالولاءِ لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام لقولِ رسولِ الله (ص): (يا علي، لا يُحبّكَ إلاَّ مؤمنٌ) وهوَ الحُبُّ الذي يَسِمُ صاحبَه بِسِمةِ الإيمانِ وهو معبرُ الخلاصِ يومَ المعادِ.
وإنَّ تَمَسُّكَ سيِّدِنا الحسين بنْ حَمْدان الخصيبي (ع) بولائِهِ وجهرِهِ بدعوتِهِ علانيَّةً في معقلِ خُصُومِهِ أمرٌ يثيرُ الدَّهشةَ في ظلِّ الظُّروفِ التي تُحيطُ به، وهذا يعبِّرُ عن تمسُّكِهِ بنهجِهِ وشجاعتِهِ وتضحيَتِهِ في سبيلِ الدَّعوةِ إلى الولاء لأمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام.
ونَرَى أنَّ سيدنا الخصيبيَّ (ع) يعبِّرُ عن النَّهجِ العلويِّ الإسلامي النُّصيريِّ الحقِّ الذي يُؤكّدُ على جوهَرِ الشَّـريعةِ المعبَّرِ عنه بالحكمةِ، ويدلُّ على الحبلِ المتينِ في هذه الطَّريقةِ، وهي طريقُ الهُدَى إلى الــولاء لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّــلام إذْ قال تعالى: (وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ)، وقال تعالى: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وقال تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وقال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا)، فرسولُ الله (ص) صاحبُ التَّنزيلِ وأميرُ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام صاحبُ التَّأويلِ، ومحمَّدٌ المنذرُ وعليٌّ الهادي، فالأنبياءُ دلَّوا على الشَّريعةِ والأوصياءُ دلَّوا على الحقائقِ. وهذهِ الطَّريقةُ هيَ من مختصَّاتِ أهلِ الإيمانِ والولاءِ، وهؤلاءِ أخذُوهَا عن المعصومينَ (ع) ودلالاتِ المُعتصمينَ إلى حقيقةِ حقِّ اليقينِ فمَنْ تزَّكى وطابَ نَسَبُهُ استحقَّ أنْ يكونَ مِنَ الواردين.
وليكنْ معلومًا لدى الجميع أنَّ الولاءَ لأمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام هو الجوهرُ الذي لا يضرُّه جهلُ الجاهلين به، ولا إهمالُهُم له، ولا إعراضُ المعرضينَ عنه، ولو تمعَّنَ أبناؤُنَا اليوم فيما صدرَ عن أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام، الذي يقول: (أنا أعرفُ منكم بُطُرقِ السَّماءِ وطرقِ الأرض) لأحسُّوا بشيءٍ ما يشدُّهُم إلى التَّعرُّفِ على صاحب هذا النُّطقِ العظيمِ، وعلى ما وراءَ هذا الكلامِ من حقائقَ، لأنَّهُ لم يَستنكرْهُ أحدٌ من العالمين، ولمْ يتجاسَرْ أنْ يطعَنَ بصحَّتِهِ أحدٌ من البشرِ، فمَن عَسَاهُ أنْ يكونَ صاحبَ هذا المقامِ الرَّفيعِ؟ ومَنْ هُوَ الذي يَعرفُ طرقَ السَّماءِ أكثرَ ممَّا يعرفُ أيُّ امرئٍ طُرقَ الأرضِ؟ مع أنَّهُ لا يقصِدُ بِطُرقِ الأرض خريطةَ القارَّاتِ فقط، بل أيضًا الجُزئيَّات حتَّى مواقعِ الألفاظِ؟ وماذا يقصدُ بطُرقِ السَّماءِ؟ وهَل في السَّماءِ طرقٌ كالتي تُشاهَدُ في الأرض؟ أمْ أنَّ المعنى أعمقُ والرَّمزَ أجلُّ باعتبارِ أنَّ السَّماءَ تُطلَقُ على كلِّ متناهٍ في العظمِ والرّفعةِ؟ فمَن هُوَ هذا الذي يُصرِّحُ هذه التَّصريحاتِ ولا أحد يستطيعُ أنْ ينكرَها عليه أو يعترضَ عليه؟
وهُوَ القائل: (ولقد أُعطيتُ خصالاً لم يُعطَهَا أحدٌ قبلي؛ علمتُ المنايا والبلايا والقضايا والأنسابَ وفصلَ الخطابِ، ولقد نظرتُ في الملكوتِ فما غابَ عنِّي ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي...).
وكلُّ ما صرَّح به لا يشكِّلُ جزءًا يسيرًا مِن أجزاءَ لا تُحصى مِنْ معارفِهِ التي يضيقُ عن استيعابها أو تحمُّلِها العقلُ البشريُّ، وقد احتارَ الخلْقُ فيه حتَّى وصلَ بهم العجزُ إلى القول عنه: (ليسَ لَهُ أن يفصحَ بَمَا تنبو عنه الأفهام)، وبمثلِ هذهِ العبارةِ وجدوا لأنفُسِهِم المخرجَ من حيرَتِهِم، والله يَهدي مَنْ يشاءُ للمُثُولِ إلى قولِ الإمامِ الصَّادقِ (ع): (إنَّا أهل البيتِ أوتينا علمَ المنايا والبلايا وفصلَ الخطاب).
ولقد أعربَ سيِّدُنا الخصيبيُّ (ع) عَن حرصِهِ على تأديةِ الالتزامِ بالواجِبِ الحقِّ، وحبًّا ورفقًا بأهل الاستحقاقِ، بقوله (ع): (قدْ ألزَمْنَا أنفُسَنَا للهِ جلَّ اسمُهُ أنْ لا نَكتُمَ شيئًا مِنْ ذلكَ عن أهلهِ جَهْدَنَا، ونأتي منهُ بمَا سَنَحَ)، وقوله (ع): (آلَيْنَا ألاَّ نكتمَ شيئًا ممَّا نعلمُهُ عن أحدٍ من أهلِ التَّوحيدِ).
هذهِ العبارةُ مع شروحِهَا تُشكِّلُ القانونَ التَّوحيديَّ الذي أتَى بِهِ سيدنا الخصيبيُّ (ع) عن سيدنا الجنَّان عن سيدنا محمَّد بن جَندب عن سيدنا أبي شعيب عن مولانا الحسن الآخرِ العسكريِّ (ع).

الخصيبيُّ ليسَ شيعيًّا مُقَصِّرًا كما زَعَمُوا:
منَ المقرَّرِ أنَّ التُّراثَ هوَ القاعدةُ الوحيدةُ الصَّحيحةُ التي يمكنُ إقامةُ صرحِ النَّهضةِ الإيمانيَّةِ عليها، والتُّراثُ وحدهُ سبيلُ النَّجاةِ والخَلاصِ إنْ أُحسِنَ التَّعاملُ معهُ بفهمٍ وإيجابيَّةٍ ولذلكَ يتوجَّبُ العَملُ على بعثِ هذا التُّراثِ كُلِّهِ.
إنَّ العقيدةَ الخصيبيَّةَ ليستْ إضافاتٍ وتَجميعًا لمعتقداتٍ دينيَّةٍ مختلفةٍ شيعيَّةٍ أو فارسيَّةٍ أو غنوصيَّةٍ أو وثنيَّةٍ أو إسحاقيَّةٍ أو إسماعيليَّةٍ أو صابئيَّةٍ، كما يزعمُ الواهمونَ، بل إنَّ سيدنا الخصيبيَّ (ع) بعرفانِهِ بعيدٌ كُلَّ البعدِ عن الشَّعائرِ الشِّيعيَّةِ كالبُكاءِ والتَّباكِي والمَآتمِ وشقِّ اللِّباسِ واللَّطمِ وضربِ السَّلاسِلِ والتَّمثيلِ والتَّطبيرِ و...
لذلكَ كَذبَ الذينَ خَلَطُوا بينَّ التَّاريخِ الشِّيعيِّ والحقائِقِ الخصيبيَّةِ من أمثالِ أسعد علي ومحمد علي إسبر وفضل خاسكة وعبد الكريم جامع وشوقي الحداد وغيرِهم الكّثير، بالإضافة لمحمَّد الأمين الحسيني وهاشم عثمان في مؤلَّفاتِهِم، ومحمَّد أمين غالب الطَّويل في كتابه (تاريخ العلويين)، وسليمان الأذني في كتابه (الباكورة السُّليمانية)، فأولياءُ الطَّاغوتِ هم الذين اتَّهَموا سيدنا الخصيبيَّ (ع) أنَّهُ على مذهبِ أهلِ الشِّيعةِ فَصَاروا مُبعَدينَ مطرودينَ، ملعونينَ مُستَوجِبِينَ للنَّارِ خالدينَ، لأنَّ هؤلاء الجاهلينَ المُنافقين هُم أعداءُ النَّهجِ الخصيبيِّ الذينَ لمْ يَمْلُكُوا سلاحًا مِنَ العقلِ والدِّينِ، فكانَ النَّهجُ الخصيبيُّ أصلبُ مِنْ أنْ يَنَالَ منه الحديدُ والنَّارُ وسلاحُ المُبطلينَ الذين لا قيمَةَ لهم.
وكلُّ غويٍّ جَهُولٍ له الفطرةُ الشَّيطانيَّةُ التي تُغذِّيهِ، والفطرةُ الشَّيطانيَّةُ لهؤلاء المُتَهجِّمينَ على سيِّدنَا الخصيبيِّ (ع) هي التي جعلتهُم مَغرورينَ مَفتونينَ بدارِ الغرُورِ، مَسرورينَ بِمَا عندَهُم مِنَ القُشورِ، باتِّهامِهِم لسيِّدنا الخصيبيِّ (ع) أنَّهُ عالمٌ شيعيٌّ وباتِّهامات أخرى، وقد غَرَّهُم باللهِ الغرورُ.
فأين مذاهبُ هؤلاء المُتَهجِّمينَ مِنَ الفهمِ الحقيقيِّ لعلومِ سيدنا الخصيبيِّ (ع) التي تنقُلُ المفاهيمَ من قشورِ العقولِ الإِنسانِيَّةِ إلى لُبِّ المواهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ؟

إنَّ مُصطلحَ (الشِّيعَةِ) الواردِ في أقوال سيِّدنا الخصيبـي (ع) وفي كتبِهِ شبيهٌ بمصطلحِ (الشِّيعةِ) الواردِ في أقوالِ رسول الله (ص) والأئمَّةِ (ع)، ويبدو أنَّ المُتَشيِّعينَ اتَّخذُوا ذلك ذريعةً لتحقيقِ زعمِهم، فهم لا يعرفونَ ما الفرقُ بينَ (مصطلح الشِّيعةِ) ككلمةٍ، وبين (مذهبِ الشِّيعةِ) كاسمٍ خاصٍّ لفرقةٍ محدَّدةٍ من المسلمين اليوم. لذلكَ كانَ لابُدَّ مِنْ أنْ أوضِّحَ الفرقَ بين مصطلحِ الشِّيعةِ عند أهلِ العصمةِ، وجماعةِ الشِّيعةِ الذينَ سَمُّوا أنفسَهم بهذا الاسمِ.
إنَّ كلمةَ (الشِّيعة) في معجمِ لسان العربِ تعني القومَ الذين يَجتمعونَ على أمرٍ ما، وشيعةُ الرَّجلِ هم أتباعُهُ وأنصارُهُ، وأصلُ ذلكَ من المُتَابعةِ والمُطاوَعَةِ والمُنَاصَرةِ والمُوالاةِ، وهذا هو القصدُ الحقيقيُّ الذي قَصَدَهُ رسولُ اللهِ (ص) والأئمَّةُ (ع) في أقوالِهِم، وكذلكَ سيدنا الخصيبـيُّ (ع) في أقوالِهِ:
شيعةَ الحقِّ من الخلقِ
يا شيعةَ آلِ رسولِ اللهِ إنَّ لنا
تعالَوا فاشهَدونا
سرًّا خفيًّا عن الأبصارِ مُسْتَتِرُ


فمصطلحُ الشِّيعةِ الواردُ في أقوالِ رسولِ اللهِ والأئمَّةِ والخصيبـيِّ (ع) يُقصَدُ بهِ الذينَ تابَعُوا على نهجِ أهلِ البيتِ واستقرُّوا على ولائِهِم، وَنَهَجُوا نَهْجَهُمْ، وأحْيَوا علومَهُم، وهم الذين ذكرهم القرآنُ الكريمُ في قوله تعالى: (هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ)، وقوله: (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ، إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
أمَّا (الشِّيعةُ كمذهبٍ) فهو فرقة ُ(أهلِ الشِّيعةِ) الذين ظهرتْ نزعَتُهم وتبلورَ اتِّجاهُهُم السِّياسيُّ بدخولِ العناصرِ الأخرى في الإسلامِ، والذينَ كانَ لهم الأثرُ الأكبرُ في التَّشيُّعِ، وهو مذهبُ الألقابِ الخلاَّبةِ، المُستَتِرَةِ تحتَ الأسماءِ الجذَّابةِ، فكانَتْ أعمالُهم وآراؤهم حاقدةً علينا، أي أنَّ تسميةَ هذا المذهبَ وُلِدَت ولادةً بعدَ أنْ لمْ تكنْ تُوجَد كتسمية، وكان لهم تسميات أخرى.
وبالعودة لعهدِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام، كانوا أقسامًا: النَّاكثونَ لبيعتِهِ أهلُ الجَمَلِ الذينَ قال فيهم في نهج البلاغة: (وَإِنَّهُمْ لَيَطْلُبُونَ حَقًّا هُمْ تَرَكُوهُ، وَدَمًا هُمْ سَفَكُوهُ، فَلَئِنْ كُنْتُ شَرِيكَهُمْ فِيهِ فَإِنَّ لَهُمْ لَنَصِيبَهُمْ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانُوا وَلُوهُ دُوني، فَمَا التَّبِعَةُ إِلاَّ عِنْدَهُمْ، وَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِهِمْ لَعَلَى أَنْفُسِهِمْ، يَرْتَضِعُونَ أُمًّا قَدْ فَطَمَتْ، وَيُحْيُونَ بِدْعَةً قَدْ أُمِيتَتْ)، والقاسطونَ أهلُ الشَّام الذينَ وصَفَهُم بقوله في نهج البلاغة: (جُفَاةٌ طَغَامٌ وعَبِيدٌ أَقْزَامٌ جُمِّعُوا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ وتُلُقِّطُوا مِنْ كُلِّ شَوْبٍ... لَيْسُوا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ، وَلاَ مِنَ الَّذِينَ تَبَوَّؤا الدَّارَ)، والمارقونَ الخوارج الذينَ خاطَبَهم بقوله في نهج البلاغة: (أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ ولا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ... فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الأعْقَابِ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلاً شَامِلاً وسَيْفًا قَاطِعًا وأَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً)، وأهلُ البصرة الذين فَسَدُوا في خلافَتِهِ، وَخَاطَبَهُم بقوله في نهج البلاغة: (أَرْضُكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَاءِ بَعِيدَةٌ مِنَ السَّمَاءِ خَفَّتْ عُقُولُكُمْ وسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِلٍ وأُكْلَةٌ لِآكِلٍ وفَرِيسَةٌ لِصَائِلٍ)، وَأهلُ الكوفةِ الذينَ حَمَّلَهُمْ وِزْرَ الخيانةِ ووبَّخَهم على قُعُودِهِم عن الحربِ بقولِهِ في نهج البلاغة: (فَيَا عَجَبًا! عَجَبًا- واللَّهِ- يُمِيتُ الْقَلْبَ ويَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِمَاعِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، فَقُبْحًا لَكُمْ وتَرَحًا حِينَ صِرْتُمْ غَرَضًا يُرْمَى، يُغَارُ عَلَيْكُمْ ولا تُغِيرُونَ، وتُغْزَوْنَ ولا تَغْزُونَ، ويُعْصَى اللَّهُ وتَرْضَوْنَ... يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلاَ رِجَالَ!)، ثم نَكَثَ بعضُهُمْ مع الإمامِ الحسينِ (ع) في كربلاء، وَخَاطَبَهُمْ الإمامُ الحسينُ (ع) بقوله: (ألا فلعنةُ اللهِ على الظالمينَ النَّاكثينَ الذينَ ينقضونَ الأيمانَ بعدَ توكيدِها).
إنَّ مذهبَ التَّشـيُّعِ اصطلاحًا هو الاعتقادُ بآراءَ وأفكارٍ لا علاقةَ لأميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام ولا لرسولِ اللهِ (ص) ولا للأئمَّةِ (ع) ولا لأبي شعيب (ع) ولا للخصيبيِّ (ع) ولا للثقاة (ق) بها مُطلَقًا، لأنَّ أحكامَ مذهبِ التَّشيُّعِ ترجعُ إلى الاجتهاد والقياسِ، فأصحابُهُ تمسَّكوا بالعلومِ القشريَّة، وأنكَرُوا العلومَ الحقيقيَّةَ، ولم ينكشفْ لهم ما هو أعلى من القشور.
وليعلم كلُّ شيعيٍّ أو متشيِّع أنَّهُ لنْ يستطيعَ أنْ يَصِلَ إلى التَّشكيكِ بسيِّدِنا أبي عبد الله الحسين بن حَمْدان الخصيبـيِّ (ع)، أو بِنَسْبِهِ إلى أيِّ مذهبٍ آخر. فاعترافُ علماءِ الشيعةِ- محسن الأمين العاملي في كتابه (أعيان الشيعة)، والمحدِّث النُّوري في كتابه (مستدرك وسائل الشيعة)، والمجلسي صاحبُ كتاب (بحارِ الأنوارِ)- بسيدنا الخصيبيِّ (ع) لا يعني كما زَعَمَ المتشيِّعون أنَّهُ عالمٌ شيعيٌّ.
فمن منقولات الشِّيعة: (الحُسين بن حَمْدان الخصيب له كتاب تاريخ النَّبي والأئمَّةِ، وكتب أخرى). وقد ذكر المجلسيُّ سيدنا الخصيبيَّ في عدادِ من نقلَ عنهم في بحارِهِ بقوله: (كتابُ الهداية الكبرى في تاريخ الأئمَّةِ ومعجزاتِهم للشَّيخ الحُسين بن حَمْدان الخصيبي)، وقال في موضعٍ آخر: (وكتابُ الحسين بن حمدان مشتملٌ على أخبارٍ كثيرةٍ في الفضائلِ).
ولَطالَما اعترفَ الخصمُ بنا عبر التَّاريخ، وخيرُ مثالٍ على ذلكَ احتجاجَاتُ الأئمةِ (ع) على الدَّهريِّينَ والثَّنويِّينَ والنَّصارى واليهودِ والنَّواصبِ والخوارجِ. فهل اعترافُ هؤلاء بالضَّعفِ أمامَ الأئمَّةِ برأيكم يجعلُ الأئمَّةَ على اعتقادِهم معاذَ اللهِ؟
إنَّ سيِّدَنَا الخصيبيَّ (ع) لا يُربَطُ إلاَّ مع التَّشـريفِ الرَّبَّانيِّ من الله والرَّسولِ (ص) والأئمَّةِ (ع)، بدليلِ ما وردَ عنهُ من العلومِ التَّوحيديَّةِ الخاصَّةِ والمعارفِ الفقهيَّةِ التي لم ولن يصلَ مذهبُ الشِّيعةِ والمذاهب الأخرى إلى فهمِها.

العِصمَةُ التَّكوينيَّةُ المُطلَقَةُ للخَصِيبيِّ:
انطلاقًا منْ اعتباراتِ أنَّ العقيدةَ هي عقيدةُ صياغَةِ الإيمانِ، فإننا بِحاجةٍ إلى مرجِعِيَّةٍ عقائديَّةٍ في تكوينِ منهجيَّةِ التَّفكيرِ عندَ الإنسانِ، لا سيَّمَا وأنَّ لدى الإسلام كُلَّ شيءٍ لهذا الإنسانِ، أي أنَّ لديه أطروحةً مُتكاملةً في كُلِّ مراتِبِهِ بدءًا مِنْ مرتبةِ الطَّبيعةِ إلى مَا وراءِ الطَّبيعةِ، بَل وحتَّى عالمِ الألوهيَّةِ.
إلاَّ أنَّ الشُّموليَّةَ التي نِجدُهَا عندنا تَدفعُنَا إلى اعتبارِ أنَّ قَوانِينَنَا جامعةٌ وشاملةٌ إلى درجةٍ تَجعلُ مَنْ يطَّلعُ عَليها يَعترفُ أنَّها تَفوقُ حُدودَ الفِكرِ البَشريِّ ولا يُمكنُ أنْ تكونَ من نتائجِ القدرةِ العلميَّةِ والفكريَّةِ للإنسانِ.
ولأنَّ قوانِينَنَا جامعةٌ وشاملةٌ وإلهيَّةٌ في الوقتِ نفسِهِ فإنَّهُ ليسَ في الدِّينِ حاكميَّةٌ سِوى لقانونٍ واحدٍ هو القَانونُ الإلهيُّ، وهذا ما يحسُمُ الأمرَ في نَهجِنَا النُّصيريِّ الخصيبيِّ الذي يعودُ للقانونِ الإلهيِّ أو النَّصِّ المُقَدَّسِ المُتَمَثِّلِ بالكتابِ الكريمِ، ومِنْ هُنَا نَجدُهُ ينظرُ إلى الولايةِ للإمامِ المَعصومِ والنَّبيِّ المُرسَلِ المعتمِدَةِ إلى ولايةِ اللهِ لقوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
فمهمَا حاولَ البعضُ أنْ يُشكِّكوا بعصمةِ سَيِّدِنا الخصيبيِّ (ع) وبعقيدتِه ومبادئِهِ بما صنَّفوهُ ونَمَّقوهُ من الشُّـبهاتِ، فإنَّ ما قالوهُ افتراءً بحقِّ سيدنا الخصيبيِّ (ع) هوَ كالبذورِ الزَّائفةِ، وإنِ اختَلَفَتْ عبارَاتُهُم وَتَبَايَنَتْ طُرُقُهُم في كُتُبِهم، لأنَّ ذلكَ يرجعُ إلى جُنُوحِهم للهَوى في مقابلَةِ النَّصِّ الإلهيِّ، فَهُم بعُقُولِهِم الواهِمَةِ لا يُميِّزونَ بين المرآةِ والشَّخصِ، ولا يُفرِّقُونَ الظِّلَّ مِنَ الأصلِ، إذِ اتَّبعُوا الهوى فأدَّى بِهِم إلى الرَّدى.
واليوم يتابِعُ هؤلاءِ إنكارَ مبعوثِ الرَّحمةِ الرَّبانيَّةِ، لأنَّهُم تَعَامَوا فعُمُوا وتَصامَموا فأصمَّهُم اللهُ وأعمى قلوبَهُم وأبصَارَهُم، كما قال تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا)، فالرَّذائلُ أمراضُ القلوبِ، والجهلُ أعظمُ الأمراضِ لأنَّه يُوجِبُ الهلاكَ في العاقبةِ. وأولئك عندما شكَّكوا وطَعَنوا في عصمةِ الخصيبيِّ (ع) وأهْبَطوهُ عن منـزلَتِهِ، مُثبِتين برأيهِم السَّفيهِ أنَّه ليسَ من أهلِ العصمةِ، بادِّعائهم المَشبوه: (أنَّ الخصيبـيَّ هُوَ مِنَ العالمِ المزاجيِّ البشريِّ وأنَّهُ ليسَ معصومًا!!).
لكنَّ الاعتقادَ الحقَّ الذي نادَت بهِ تعاليمُ الفرقةِ العلويَّةِ النُّصيريَّةِ هو ثبوتُ العصمةِ التَّكوينيَّةِ والذَّاتيَّةِ المطلقةِ لسيِّدنا الخصيبيِّ (ع)، وهذا خاضعٌ للحُجَجِ النَّاطقةِ والأدلَّةِ الصَّادقةِ، وهي الأساسُ في تحصيلِ الأصولِ الاعتقاديَّةِ، لأنَّ سيدنا الخصيبـيَّ (ع) أشهرُ مشاهيرِ علماءِ الدينِ، وأكثرُهُمْ صِيتًا وأغزَرُهُم علمًا في عصرِهِ، فهو الرُّكنُ الأساسيُّ، ومبعوثُ الحقِّ العلويِّ إلى الخَلقِ، الذي جمعَ خِصَالَ الكمالِ والفضائِل، وَقَامَ بالأعمالِ الجلائل، وهو صاحبُ الدَّعوةِ العادلةِ والأوامرِ الشَّاملةِ.
وإذا كانَ اللهُ ســـبحانَهُ وتـعالى لا يُخلي الأرضَ من حجَّةٍ ظاهرةٍ أو مخفيَّة، لقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكر السَّلام: (اللَّهُمَّ إنَّكَ لا تُخلي الأرضَ مِن حُجَّةٍ لَكَ عَلى خَلقِكَ، ظاهرٌ مَوجودٌ، أو خَافٍ مَغْمُورٌ لِكَي لا تُبطِلَ حُجَّتَكَ)، فإنَّ سيِّدَنا الخصيبيَّ (ع) كانَ الحُجَّةَ التي فجَّرَتْ ينابيعَ الحكمةِ، ونطقَتْ بدلائلِ العصمةِ.
فسيِّدُنا الخصيبيُّ (ع) شخصيّةٌ من شخصيَّاتِ عالَمِ العِصمةِ، وهذا يعني استحالَةَ تطرُّقِ أيِّ شكٍّ إلى ما أُثِرَ عنهُ، لذلكَ فإنَّ مبادِئَهُ تشكِّلُ قانونًا توحيديًّا، لأنَّ علمَ سيدنا الخصيبيِّ (ع) لدنيٌّ، والعلمُ اللَّدنيُّ لا يَقوى غيرُهُ على مُنَاهَضَتِهِ.
وَذَكَرَ العالمُ محمود بن عسكر الزَّجاجُ الحلبيُّ (ق) في كتابِهِ خبرًا يدُلُّ على حدوثِ واقعةٍ في حياةِ الخصيبيِّ (ع)، وهو قولُهُ في ترجمةِ دُعاتِهِ: (أوَّلُهُم الدَّيلميُّ، عراقيٌّ، وكانَتْ علومُهُ ببغدادَ حينَ رأى مِنهُ كرامةً، حيث علَّمَهُ بالموجب الشرعي، وصنَّفَ له الكتابَ المُسمَّى باسمِهِ، ثمّ حفظَ القرآنَ وَحَجَّ).

مَنْ هُمُ المُقَصِّرة؟
روى سيِّدُنَا الخصيبيُّ (ع) في حديثٍ طويلٍ عن سيدنا جابر الجعفي (ع) وهو يسألُ الإمامَ عليّ زين العابدين (ع) عن معنى المُقَصِّرةِ، فقالَ: يا مولاي، ومَنِ المُقَصِّرةُ؟ فقالَ الإمامُ زينُ العابدين (ع): (الذينَ يُقَصِّرونَ عن معرفةِ الأئمَّةِ وعن مَعرفةِ ما فوَّضَ إليهُم من رُوحِهِ)... إلى أنْ قالَ: (ثمَّ وقعتِ الشُّبهَةُ عندَ المُقَصِّرَةِ والمُرتَابينَ مِنَ الشِّيعةِ وكانَ الأمرُ الحقُّ من الحَسنِ العسكريِّ للحُجَّةِ الحقِّ أبي شعيب).
من خلالِ المقاطعِ السَّابقةِ مِنْ رواياتِ سيدنا الخصيبيِّ عن أهلِ بيتِ النُّبوة (ع) نستطيعُ أنْ نقولَ بأنَّ المُقَصِّرَةَ هُمُ الشِّيعةُ الذين ضَلُّوا عَن معرفةِ الحُجَّةِ لأنَّهُم لا يتَّبعونَ الحُجَّةَ الحَقَّ، وقد جاءَ رجلٌ إلى أميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام في معركةِ الجَمَلِ واشتكى لهُ من حيرَتِهِ فيمن يتَّبعُ وبأيَّ ركبٍ يلتحقُ. هَلْ يلتَحِقُ بركبهِ أم بركبِ الطَّرفِ الآخرِ؟ فَنَهَرَهُ أميرَ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام قائلاً: (يَا حَارِ، إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ وَلَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ! إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَبَاهُ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاهُ).
وهنا شُبهَةٌ وقعتْ عندَ الشِّيعةِ فلمْ يَستَطيعُوا تَحديدَ سبيلِ الهُدى عندَ الإمامِ العسكريِّ لأنَّهُم لمْ يَعرفُوا الحُجَّةَ الحَقَّ، واكتَفُوا باتِّباعِ من ادَّعى أنَّهُ وكيلُ الإمامِ طالمَا أنَّهُ يُصَلِّي فِيهِم أو يقومُ ببعضِ الواجبَاتِ دونَ معرفةِ ادِّعائِهِ والفحصِ عمَّا فوَّضَ اللهُ إليهِم مِنْ أمرهِ والعلاماتِ التي تُخَوِّلُهُ ليقومَ بهذا المنصِبِ القياديِّ، ولذلكَ نقرأُ في جَوابِ الإمامِ جعفر الصَّادق (ع) للمفضّل (ع) روايةً أخرى يَتَكَلَّمُ فيها عن معنى المُقَصِّرةِ قائلاً: (عَرفُوا حقَّنا وفضلَنا فأنكروهُ وجحدوهُ، وقالوا هذا ليس لهم لأنهم بشرٌ مثلُنا).
وهنا تتوضَّحُ الصُّورةُ أكثرَ عَن هؤلاءِ الذينَ قَصَّرُوا في معرفَةِ سُبُلِ الهُدَى وحُجَجِ الأئمَّةِ ومَا فوَّضَ الله إليهِم منَ الأمورِ والتَّكَاليفِ والعلومِ الذين يَهدُونَ مِنْ خِلالها النَّاسَ ويُطَوِّرُونَهَا ويَسَعُونَ جَادِّين بهذِهِ القيادَةِ الربَّانيَّةِ لاستكمالِ النَّفسِ الإنسانيَّةِ التي كانَتِ الهَدَفَ الأساسَ مِن بعثةِ الأنبياءِ والمُرسَلِينَ عبرَ تَاريخِ البَشَريَّةِ.
إنَّ سيِّدَنا الخصيبيَّ (ع) يُريدُ لأتباعِ أميرِ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام أنْ يُجَاهِدُوا في ولائِهِم ويَتَصدُّوا لهؤلاءِ المُقَصِّرَةِ. وقدْ ردَّ سيدنا الخصيبيُّ (ع) على أعداءِ أهلِ البَيتِ (ع) وعَلَى مَن ادَّعى مَقَامَاتِهِم، وأثبتَ أحقيَّةَ النَّهجِ العَلويِّ النُّصيريِّ بالولاءِ لأميرِ المُؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام والسَّيرِ على الصِّراطِ المُستقيمِ، وقد أدَّى اشتهارُ دعوةِ سيِّدِنا الخصيبيِّ (ع) وثباتُ نهجهِ وظهورُ صِدْقهِ وتَغَلُّبُ مَدرستِهِ على باقي المَذَاهِبِ الشِّيعيَّة والسُّنيَّة وغيرِهَا في ذلكَ الزَّمن إلى جعلِهِ مصدرَ خطرٍ على هؤلاءِ جميعًا ممَّا أدَّى إلى محاربتِهِ واتِّهامِهِ بتهمٍ باطلةٍ، فلجأَ أعداؤه إلى خلقِ المشقَّاتِ والتُّهمِ والسَّجنِ.

غَيبَةُ سيِّدِنا الخَصيبيِّ (ع):
مرفوعٌ هذا الخبرُ إلى العالِمِ أبي الخير سلامة بن أحمد الحدَّا (ق) عن الشيخ الثقة أبو الحسين محمد بن علي الجلي بحلب سنةَ تسعٍ وتسعينَ وثلاثمئة حيث قال: حَضَرْتُ في اليوم الذي قَضَى الله عزَّ وجلَّ غيبةَ سيِّدِنا الخصيبيِّ (ع) وهو يومُ الأربعاءِ لأربع عشرة ليلةً خَلَتْ من ذِي القَعدةِ سنةَ تسعٍ وأربعين وثلاثمئة، ولمَّا اشتدَّ الأمرُ بسيدنا قال للجماعَةِ: ابعدُوا قليلاً، فخرجنا جميعًا من عندِهِ ما بينَ باكٍ وحزينٍ وَمُتلهّفٍ مَغمومٍ وشَارقٍ بدمعتِهِ مَهمومٍ، فَنَاداني: يا محمَّد، قلتُ: نَعم يا سيِّدي، قال: ادنُ مِنِّي، فَدَنوتُ منه، فقال: وجِّهني وخُذْ رأسي في حِجْرِكَ، ففعلتُ ما رَسَمَهُ لي ووجَّهتُهُ إلى القِبلةِ وأخذتُ رأسَهُ في حِجري، والجماعةُ قد انشغلوا بالبكاءِ عَن سماعِ ما يُخاطبني به، ولمَّا فعلتُ ما أمرني قال: هَدِّئ مِنْ بُكائِكَ يا محمَّد واشْهَدْ بما تُعَاينُهُ مِنِّي، قلتُ: أحفظُ وأعي وأُشْهدُ سيّدَنا بما يقوله مولاي وأتمسَّكُ به حسبَما سبقَ من عميمِ نعمتِكَ وعطائِكَ وما تعلَّمتُهُ من حسنِ حبائِكَ، فقال سيدي ومولاي: يا محمَّد، قال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ)، فقلت: آمنتُ وصدَّقْتُ يا سيدي لا أشكُّ ولا أُشرِكُ، قال: ثَبَّتَكَ اللهُ بالقولِ الثابتِ- أشهدُ أنِّي عبدٌ من عبيدِ اللهِ- عِلمي من سيدي أبي محمد عبد الله الجنَّان الجنبلاني وإنّه ممَّن شاهدَ الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (ع)، ورويتُ الأخبارَ عمَّن شاهدَ وَرَوَى، رضيَ الله عن ماضيهم وأدامَ سلامةَ باقيهم، وَمَا علَّمتُكُم إلا ما عُلِّمْتُ عن شهودٍ ثقاةٍ، لا تقولوا عنّي غيرَ ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الأربعاء أبريل 05, 2017 8:26 pm

الفصل الثاني
المسائل الدينية وفق القانون الخصيبي
============
المسألة الأولى
العصمة وفق القانون الخصيبي

إنَّ مبدأ جميعِ القبائحِ يرجعُ إلى ترويجِ تلبيسِ الباطلِ لِيُشبِهَ صورةَ الحقِّ، فترويجُ الأفكارِ السَّامَّةِ تَبَعٌ للمكرِ الشَّيطاني، وهو فعلُ الإغواءِ والوبالِ، وتزيينُ سيِّءِ الأهواء والأعمال، وهذه هي بذورُ النِّفاقِ واللِّدادِ، ومنبتُ الكبرِ والعنادِ، ومَن كانوا على هذا نزلَ فيهم قوله تعالى: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) باعتقادِهِم أنَّ حالاتِ الضَّلالِ والخطيئةِ والغِوايَةِ والصَّلبِ والقتلِ والسَّهوِ والنِّسيانِ والولادَةِ والمَوتِ والزَّواجِ واقعةٌ بالأوصياءِ والأئمَّةِ والأنبياءِ والرُّسلِ!!!
إنَّ إظهارَهم لكلِّ هذه الحالات لا يقعُ بهم إنَّما يقعُ بالبشرِ، وكلُّ ذلك تعليمٌ لنا ولطفٌ، لأنَّ الهدى بعدَ الضَّلالةِ لا يكونُ إلاَّ للبشَرِ، والذُّنوبَ ما هي إلا حصيلةُ أخطاءِ البشرِ، والمعاصي لا تليقُ إلاَّ ببني البَشرِ.
وكُلُّ ما أظهروه ما هوَ إلاَّ تعليمٌ لنا للالتزامِ والارتقاءِ بأنفسِنا إلى صفائِها، فلا المعصيةُ لَحِقَتْ بِهم، ولا الخسارةُ ولا المخالَفَةُ ولا التَّحذيرُ وقَعَ عليهم، إنَّما كلُّ ذلكَ راجعٌ وواقعٌ بالبشر، فالأئمَّةُ والأنبياءُ والرُّسلُ أسمى وأرقى من ذلك لأنَّهم أنوارُ الله لقول الإمام الصَّادق (ع): (إنَّنَا معاشر الأنبياءِ والأوصياءِ لا نُحمَلُ في البطون ولا نخرجُ من الأرحامِ لأنَّنَا نورُ اللهِ الذين لا تنالهُ الأدناسُ)، وقد سُئلَ الإمام الباقرُ (ع) عن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) فقال: (النُّورُ واللهِ: الأئمَّةُ من آل محمَّد إلى يوم القيامةِ، وهم واللهِ نورُ اللهِ الذي أُنزِلَ، وهم واللهِ أنوارُ اللهِ في السَّماواتِ وفي الأرضِ).

مفهوم العصمة المطلقة:
إنَّ كلَّ مَن كانَ منصفًا، واطَّلَعَ على الفِرَقِ بتأمُّلٍ وإنصافٍ يجدُ أنَّ قانونَنا الخصيبي هو القانون واجبُ الإتباعِ لموافَقَتِهِ للأدلَّةِ الصحيحةِ، فهو الخالصُ من الأباطيلِ في الفروعِ والأصولِ، لأنَّ مفهومَ العصمةِ عندَنا يختلفُ اختلافًا جوهريًّا عن مفهومِ العصمةِ عندَهم، فالعصمةُ عندَهم تُلازِمُها التَّجزئةُ، أمَّا عندنا فتنزيهُ سيدنا المسيحِ (ع) مثلاً عن القتلِ والصَّلبِ لا يعني اجتزاءَ الآياتِ، فالأمرُ ينطبقُ على جميعِ الأنبياءِ والرُّسلِ (ع)، لقوله تعالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).

العصمة التكوينية الذاتية المطلقة للأئمة:
هناكَ مقولةٌ عندَ الحشويةِ والشِّيعةِ تزعمُ بأنَّ الأئمَّـةَ (ع) بَشَرٌ كَسَائِرِ البَشَرِ في الخصائصِ البشريَّةِ، وإنَّما تَمَيُّزُهم وفَضلُهُم فقط في طَهَارَتِهِم وَعِلْمِهِم، وأنَّ اللهَ يُكَمِّلُهُمْ بالتَّدريجِ. وزعموا وقوعَ الخوفِ والغضبِ والخطأ على الأئمَّةِ المعصومينَ، فهل يُعْقَلُ هذا الكلام؟!!
وتعدَّدَتْ شبهاتُ الحشويَّةِ والشِّيعةِ في موضوعِ السَّهو، فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّ الأئمَّةَ وأهلَ العصمةِ كانوا يَسهونَ في صلاتهم، ومنهم مَن زَعَمَ أنَّهم يَنسونَ في تبليغِ الرِّسالةِ فقالوا: (العقلُ لا يحكمُ بضرورةِ امتناعِ الخطأ والنِّسيانِ والسَّهو عن الأئمَّةِ، وَمِنَ الممكنِ أن يُخطِئَ الأئمَّةُ في آيةٍ أو يَنسوها في وقتٍ مُعيَّنٍ لِيُصَحِّحوا ذلكَ وَيُصوِّبوهُ بعدَ ذلكَ)؟!!
لقد سقطَتِ الحشويَّةُ والشيعةُ في هذا الاعتقادِ إذْ لمْ يَتَسَنَّ لهم إلاَّ ذلكَ، فغايةُ ما سَلَكوا في إثباتِ أباطيلِهم أنَّهم يحتجُّونَ علينا بأحاديثَ مزوّرة ملفَّقة، لا يُسَلَّمُ بها لعدمِ الثِّقةَ بِرُواتِها، ومن الواضحِ أنَّ الدَّليلَ الذي يَصِحُّ الاحتجاجُ به لا بُدَّ أنْ يُسَلِّمَ به أهلُ الحقِّ، والحشويَّة الشِّيعيَّة ليست كذلك كلُّها.
فالأئمَّةُ الإثنا عشر أظهروا الحالاتِ البشريَّةَ تعليمًا ولطفًا وتأنيسًا وتفهيمًا، لأنَّ الشَّيءَ لا يفهمُ عن خلافِ جنسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يكلِّموا البشرَ من صورةٍ تشاكلُهم. ولكنَّ للأئمَّةِ مقامًا محمودًا ودرجةً ســاميةً تكوينيَّةً تخضعُ لولايَتِها وسـيطرَتِها جميعُ ذرَّاتِ هذا الكونِ. وإنَّ لهم مقامًا لا يبلغُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ حيث قال جبرائيل (ع) كما وردَ في رواياتِ المعراجِ: (لو دَنَوتُ أُنمُلَةً لاحتَرَقْتُ)، وقد ورد عن الأئمَّةِ (ع): (لنا مع اللهِ حالاتٍ هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو).
فلا شُبهَةَ في ولايَة الأئمَّةِ المعصومين على المخلوقِ لِكَونِهِم واسطةٌ في الإيجادِ وَبِهِم الوجودُ. فإطلاقُ لفظِ (البشر) عليهم مَجَازٌ، إذ لمَّا كانَ الموجودُ على الأرضِ بشرًا، أرسلَهم اللهُ سبحانه وتعالى مبشِّرين ومُنذرينَ يَرَونَهُم بشرًا مثلَهم على هيئتِهم وصفَتهم البشريَّةِ، وهم يجلُّون عن ذلكَ.
فأنوارُ الله في الأرض لا يَليقُ بهم فعلُ العِصيانِ والغوايةِ والغضبِ، وهذا القولُ والخطابُ لا يَليقُ بهم، إنَّما يقعُ هذا القولُ بِمَن هو مركَّبٌ من الطَّبائِعِ الأربعةِ من البشرِ، ومثل هذه الآيات قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وقوله سبحانه: (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)، وقوله جلَّ جلاله: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً).
فلا يجوزُ إثباتُ العصيانِ والغوايةِ على أنبياءِ اللهِ والأئمَّةِ المعصومينَ، لأنَّ الغوايةَ هي التَّوقُّفُ عن إجابةِ الدَّعوةِ، وهذا لا يقعُ في الأئمةِ (ع)، ومَن عَقِلَ عن مولاهُ حقيقةَ التنـزيلِ أدركَ أنَّهُ أوقَعَهُ ببني البشر، وعَقِلَ قولَ الإمام الصادق (ع): (نزلَ القرآنُ بإيَّاكِ أعنـي واسـمَعي يا جارة).
لهؤلاء نقول: لا يُمكننا الاعتقاد أنَّ الأئمّةَ (ع) كانوا مجتهدينَ كبقيَّةِ المجتهدينَ الذينَ قد يخطِئونَ ويصيبونَ، أو كانوا معصومينَ من ناحيةِ فترةِ التَّبليغِ فقط، أو كانوا معصومينَ في أمورِ الحياةِ فقط، بل إنَّ الأنبياءَ والأئمَّةَ معصومونَ بِكُلِّهم في كلِّ شيءٍ من دونِ تجزئةٍ، فَعصمَتُهم ذاتيَّةٌ وشموليَّةٌ، لا تقعُ عليهم أيَّةٌ من الحالاتِ البشريَّةِ كالخوفِ والعصيانِ والغوايةِ والسَّهوِ والنَّقصِ والقتلِ والصلبِ و.... إلخ، لأنَّ مثلَ هذهِ الحالاتِ المذكورةِ في المُتَشَــابِهِ من الآياتِ لا يمكنُ أنْ تقعَ عليهم، بل هي واقعةٌ في عَالَمِ البشرِ.
إنَّ هؤلاء هم خصومُ هذا القانون الخصيبي، وقد زَعَموا أنَّ التَّطهيرَ بمعناهُ في الآيةِ القرآنيَّةِ مجزَّأٌ، أي محصورٌ فقط بالذُّنوبِ والقولِ الباطلِ والخطأ، وأثبتوا عدمَ التّطهيرِ من أمورٍ بشـريَّةٍ أخرى، ولكنَّ سيِّدَنَا الخصيبيّ (ع) رفضَ أنْ تكونَ المخالفةُ والمعصيةُ لائقةً بالأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسلِ، وأثبتَ العصـــمةَ المطلقةَ لأنَّ الرِّجـــــسَ لا ينحصـرُ في معنى واحدٍ فقط، فالعقيدةُ التي دعا إليها الخصيبيُّ في الأنبياءِ والأئمَّةِ والرُّسُلِ (ع) هي أنَّهُم معصومون مُطَهَّرونَ تطهيرًا تكوينيًّا لقولهِ تَعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وهذه الآية تُعتبرُ من دلائلِ العصمةِ الذَّاتيَّةِ عند الأئمَّةِ، فالطَّهارةُ كما قال سيِّدنا الجنَّان (ع): (في هذهِ الآيةِ الكريمةِ يُبَيِّنُ أنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ طَهَّرَ الرَّسولَ من كلِّ رِجسٍ، وَمَنْ طَهَّرَهُ اللهُ تعالى فهو مُطَهَّرٌ مَعصومٌ).

العصمة التكوينية الذاتية المطلقة للأنبياء:
تزعمُ السُّنَّةُ والشِّيعة أنَّ الأنبياءَ كانَ لهم ذنوبٌ في تفسيرِهم لقوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَـا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) ولآياتٍ أخرى، وقسَّموا ذنوبَ الأنبياءِ لصغائرَ وكبائرَ و....
إنَّ هذه المقالةَ الرَّديئةَ تهدفُ إلى إنكارِ العصمةِ التَّكوينيَّةِ الذَّاتيَّةِ المطلقةِ للأنبياء (ع) كما فَعَلَ اللَّعينُ ابنُ تيميَّةَ وأتباعُهُ، وهو الذي يَرَى إثباتَ كونِ الحالاتِ البشريةِ عليهم. فاللَّعينُ ابنُ تيميَّةَ وأتباعُهُ يعتقدُونَ بزعمهم أنَّ أنبياءَ اللهِ عامَّةً ورسلَهُ خاصَّةً ليسوا معصومين عن الخطأ والسَّهو والمعصيةِ، من أوَّلِ العمرِ إلى آخرِهِ، وقبلَ بعثَتِهم وبعدَها، وفيما يبلِّغونَهُ وما لا يبلِّغونَهُ، وأنَّهم ليسوا منـزَّهينَ عن كلِّ ما يُنفِّرُ عنهم من الصِّـفاتِ الذَّميمةِ والطِّباعِ السَّـيئَةِ والأفعالِ القبيحةِ. كذلكَ جَوَّزُوا على النَّبي محمَّد (ص) أنْ يسهوَ في صلاتِهِ حتى صَلَّى الظهرَ ركعتين، وأنْ يغفلَ عنها حتَّى نامَ عن صلاةِ الفجرِ، وأنْ يَظُنَّ أنَّ النُّبوَّةَ انتقلَتْ إلى غيرِهِ، وأن يضـربَ مَن لا يَستحقُّ، ويلعنَ بغيرِ حقٍّ، وغيرَ ذلكَ ممَّا لا يليقُ بمقامِهِ. وَصَحَّحَوا خلافةَ كلِّ مَن تولَّى أمورَ المسلمينَ بالقهرِ والقوَّةِ وإنْ كانَ من الطُّلَقَاءِ وأبناءِ الطُّلقاءِ، وَجَوَّزوا خلافةَ مَن عبدَ الأصنامَ في سالفِ عمرِهِ وَفَعَلَ أفعالَ الجاهليَّةِ.
أمَّا القانونُ الخصيبيُّ فيقولُ بعدمِ جوازِ صُدور الذُّنوبِ والمعاصي عن الأوصياءِ والأنبياءِ والرُّسلِ والأئمَّةِ (ع) مطلقًا لا قبل إظهارهِم النُّبوَّةَ والرِّسالةَ ولا في حالها ولا بعدَها و....
فقد سُئِلَ الإمامُ الرِّضا (ع) عن قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَـا تَأَخَّرَ) فقال: (لمْ يكُن أحدٌ عند مشركي أهلِ مكَّةَ أعظمُ ذنبًا من رسول اللهِ "ص" لأنَّهُم كانوا يَعبُدُونَ من دونِ اللهِ ثلاثمائةَ وستِّينَ صنمًا فلمَّا جاءَهُم "ص" بالدَّعوةِ إلى كلمةِ الإخلاصِ كَبُرَ ذلكَ عليهم وعَظُمَ، فلمَّا فتحَ اللهُ عزَّ وجلَّ على يدِ نبيِّهِ مكَّةَ قال لهُ: يا محمَّد "إنَّا فَتَحْنَا لكَ" مكَّةَ "فَتْحًا مُبينًا لِيَغفِرَ لكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبكَ ومَا تأخَّرَ" عند مشركي أهلِ مكَّةَ بدعائِكَ إلى توحيدِ اللهِ).
إنَّ الاعتقادَ الصَّحيحَ المُحكمَ لقانونِنَا لا يكونُ إلاَّ بعصمةِ الأنبياء والرُّسلِ (ع) عصمةً ذاتيَّةً تكوينيَّةً مطلقةً، لقول الإمامِ الرِّضا (ع) لسـائلٍ سألَ عن الآياتِ المتشـابهات كقولِهِ تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى)، فقال (ع): (ويحَكَ، اتَّقِ اللهَ ولا تنسبْ إلى أنبياءِ اللهِ الفواحشَ، ولا تتأوَّلْ كتابَ اللهِ برأيكَ).
فالضَّلالُ على وجوهٍ: منه محمودٌ ومنه مذمومٌ، فأمَّا الضَّلالُ المحمودُ فهو كقولهِ تعالى: (يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءْ) وأما الضَّلالُ المذمومُ فهو كقوله تعالى: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)، وقوله تعالى: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى)، وقد ذكر الله تعالى الضَّلالَ في مواضع من كتابهِ، فمنها ما نسبَهَا إلى نبيِّهِ على ظَاهرِ اللَّفظِ كقولهِ سبحانه: (وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى) معناهُ: وأوجدنَاكَ في قومٍ ضالِّينَ لا يعرفونَ نُبُوَّتَكَ فهديناهُم بِكَ.
أما الشِّيعةُ والسُّنةُ المُنخَنقةُ الذينَ ضَلَّ سعيُهُم باعتقادِهِم أنَّ ســيِّدَنا محمد (ص) بشـريٌّ ضالٌّ، وكانَ لهُ ذنبٌ قبل الدَّعوةِ، مُستَنِدين إلى المتشابهاتِ في القرآنِ الكريمِ فقد جاءَت مقولاتُهم المُريبةُ لتنشرَ فكرةَ أنَّ مُحمَّدًا ما هوَ إلاَّ رَسولٌ قد اختَارَهُ اللهُ بشريًّا مثل البشرِ!!
هؤلاء مُغتَرُّونَ بفِطْنَتِهم البتراءِ، ولو أنصَفُوا قليلاً، وَزَالَتْ عنهم غشاوةُ المرَاءِ والامتراءِ، لَعَلِمُوا أنَّهم بقولِهم المَزعومِ عن رسولِ اللهِ (ص) أنَّهُ بشـريٌّ يسيرُون على طريقِ أبي لهبٍ وأبي جهلٍ، لأنَّهم كانوا من أهلِ الغفلةِ والاحتجابِ الكلِّيِّ، عُمْيُ القلوبِ عن مشاهدةِ الحقائقِ، صُمُّ العقولِ عن سماعِ ذكرِ عصمَةِ الحبيبِ، بُكْمُ الأرواحِ عن قبولِ دعوةِ الإلهِ، وقد قال تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).
فاللهُ تعالى يقول: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وقد جاء عن رسولِ اللهِ (ص): (لقد أخذَ اللهُ تعالى على النَّبِيِّينَ والمُرسَلينَ العهدَ والميثاقَ لي، وإنِّي أنا النَّبيُّ الذي خَتَمَ بهِ الأنبياءَ، فكنتُ واللهِ قَبلَهُم، وبُعِثْتُ بعدَهُم، وأُعطيْتُ ما أُعطوهُ، وَزَادَني ربِّي إذْ أخذَ لي الميثاقَ عليهم، ولم يُؤخذ ميثاقي لأحدٍ).
وقد وردَ أنَّهُ (ص) ما كانَ يُرى لـهُ فيءٌ في شــمسٍ ولا ظِلٌّ في قـمرٍ، ولو كانَ ذا جسمٍ بشريٍّ لكانَ لهُ ظلالٌ، لذلكَ قالَ: (إنِّي لستُ كأحَدِكُم)، فالأنبياءُ والرُّسلُ مُباينونَ للبَشَرِ، ليسوا منهم، فما كانَ من آياتٍ بِذكرِ الأنبياءِ بالمجدِ والتَّعظيمِ فَهُوَ لَهُم، وما كانَ من نهيٍ وأمرٍ فَهُوَ للبَشَرِ.

براءة المعصوم آدم (ع):
تتّجه أنظارُ الشِّيعةِ والسُّنَّةِ إلى آدم واحدٍ، وهو المنصوصُ عنه في الكتاب الكريم بأنَّهُ خالفَ الوصيَّةَ وأكلَ من الشَّجرةِ المنهيِّ عنها بإغراءٍ من حواء مُنخَدِعًا وإيَّاها بمكيدةٍ دبَّرها لهما إبليس، فعُوقِبا بالهبوطِ إلى الأرضِ.
لقد أثبتَ هؤلاء على سيِّدنا آدمَ المعصيةَ والعصمةَ في وقتٍ واحدٍ عندما زعموا أنَّهَ عَصـَى ربَّهُ ولكنَّ معصيتَهُ إرشاديَّةٌ لا قانونيَّةٌ، فما هذا التَّفسيرُ لهؤلاء المختومِ على أبصارِهم؟
كيف زعموا أنَّ سيِّدنا آدمَ لمْ يكُنْ نبيًّا في المقامِ، إنَّما كُلِّفَ بالنبوةِ بعد ذلك؟! وهل يُقبَلُ تفسيرُهم لقولهِ تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى) أنَّ الرَّسولَ قبل إرسالهِ كانَ كافرًا وضالاَّ؟!
زعم بعض الشيعة: إنّ المقصود بقوله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) أنَّ آدمَ وحوّاءَ وإبليسَ والحيَّةَ هَبَطوا من الجنَّةِ، وبعضهم الآخرُ استثنى الحيَّةَ فادَّعى أن آدمَ وإبليسَ فقط هما المقصودان في قوله تعالى: (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، وآخرون منهم اعتبروا أنّ المقصودَ بقوله تعالى: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) هما آدمُ وحواءُ فقط!!
لكنَّ أهلَ الاجتهادِ الشِّيعيِّ والقياسِ السُّنّيِّ أجمَعوا برأيهِم أنَّ المخاطَبَ في هذهِ الآيات هو سيِّدنا آدم، وهذا يُشعِرُ بأنَّ الهبطةَ ابتدأت بآدم وحوَّاءَ فقط، وأنَّ قولَهُ تعالى في كلٍّ من الآياتِ: (اهبطوا)، وإنْ يَكُن بصيغةِ الجمعِ فكذلكَ يمكنُ أنْ يكونَ إعجازًا قرآنيًّا بلاغيًا للتَّفخيمِ مقصودُهُ التَّثنيةُ كما في الآيةِ: (اهبطَا)، بصيغة التَّثنيةِ!!
لكنَّ الثِّقَاةَ عندنا عالجوا هذه النُّقطةَ بقولهم: إنَّ اسمَ آدمَ واقعٌ على الطَّبيعةِ البَشريَّةِ، والطَّبيعةُ البشريَّةُ عمَّتِ الجميعَ، والطَّبيعةُ من أديمِ الأرضِ، ولهذا سُمُّوا: بني آدم، يعني بني الطَّبيعةِ الأرضيَّةِ. فالآدميُّ المذمومُ هو إبليسُ الأبالسةِ لعنهُ اللهُ لأنَّهُ أصلُ الكفرِ والمخالفةِ، وأمَّا الآدميُّ المحمودُ: فهمُ المؤمنونَ المُهبَوطونَ الذين وقعَ عليهُمُ الخطابُ.
ومع أنَّ هذا الخطابَ القرآنيَّ لشخصٍ واحدٍ خاصٍّ باسمٍ واحدٍ إلا أنَّه صارَ عامًّا للجميع، فالآدميُّ المذمومُ هاهنا اسمٌ لجميع الخاطئين، كما أنَّ الآدميَّ المحمودَ يعمُّ الجماعةَ المطيعين، وإنَّما سمّاهم باسمٍ واحدٍ للمشاركةِ في الحالة البشرية.
وفي القانون الخصيبي: إنَّ المخاطَبَ بالمعصيةِ ليسَ سيِّدنا آدمَ النَّبيَّ (ع)، لأنَّ المخاطبةَ بالمعصيةِ، والأكلِ من الشَّجرةِ، والمخالفةِ والهبوطِ، لائقةٌ بعالمِ البشـر، وعائدةٌ للبشر، فالغوايةُ ليست لسيِّدنا آدمَ (ع)، بل هي تَوقُّفُ الخَلْقِ عن إجابةِ الدَّعوةِ، والهبوطُ ليسَ لسيدنا آدمَ النَّبيِّ (ع) في قوله تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا)، لقول الإمام الرضا (ع): (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلقَ آدمَ حُجَّةً على عبادِهِ، وخليفَتَهُ في أرضِهِ).
فالهبوطُ ليسَ لسيِّدنا آدمَ وحواءَ وإلا لَقالَ: (اهبطا)، بل جاءَ الفعلُ بصيغةِ الجمعِ، لأنَّ اللهَ تعالى أهبَطَ المؤمنينَ بذنبٍ أسلَفوهُ. أمَّا الهدى الذي أتَى من اللهِ في قولِهِ تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) فهو وجودُهُ، لأنَّ الهادي حاضرٌ موجودٌ، فَكُلُّ مَن اقتدَى بِهِ اهتَدَى.

خلق حوّاء وطهارة آدم (ع):
إنَّ روايةَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ حول خلقِ حوَّاء من ضلعِ آدم هي روايةٌ باطلةٌ، وقد سُئل الإمام الصَّادق (ع) عن خلْقِ حوّاء من ضِلْعِ سيِّدنا آدم الأيسر الأقصى؟ فقال: (سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، فمن يقولُ هذا فكأنَّما يقول: إنّ الله تبارك وتعالى لمْ يكنْ لهُ من القُدرةِ ما يخلقُ لآدمَ وحوَّاء مِن غيرِ ضِلْعِهِ، وكأنَّما جعلَ لمتكلّمٍ من أهلِ التَّشنيعِ سبيلاً إلى الكَلامِ ليقولَ: إنَّ آدم كان ينكحُ بعضَهُ بعضًا)، معاذ الله من هذه المقالة!!
لكنَّ الرِّوايةَ الصَّحيحةَ جاءَتْ عن الإمامِ الباقرِ (ع) حيثُ قيلَ له: أخبرني عن حوَّاءَ من أيِّ شيءٍ خُلِقَتْ؟ قال (ع): (ما يقولُ النَّاسُ؟) قِيلَ: يقولونَ أنَّها خُلِقَت من ضلعٍ من أضلاعِ آدم، قال (ع): (كذبوا، سبحان اللهِ، ما كانَ يقدِرُ أنْ يَخلقَهَا من غيرِ ضلعٍ من أضلاعِ آدمَ؟) قيلَ: من أيِّ شيءٍ خلَقَهَا؟ قال (ع): (أخذَ الرَّبُّ قبضةً من طينٍ بيدِهِ اليمنى، فخلقَ منها آدمَ، وفضَّلَ شيءٌ خلقَ منه حوَّاء).
أمَّا ما رُوي عن السُّنَّةِ والشِّيعةِ بزواجِ الأخوةِ من أبناءِ وبناتِ سيِّدنا آدمَ فهو باطلٌ جملةً وتفصيلاً وهو الكفرُ بعينِهِ، لأنَّ الجوابَ الصَّحيحَ وردَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) حيث سُئِلَ: كيفَ زوَّجَ آدم وِلدَهُ؟ فقال (ع): (أيُّ شيءٍ يقولُ هذا الخلقُ؟) قيل: يقولونَ إنَّهُ كان إذا وُلِدَ له ولدٌ جعلَ بينَهُما بطنًا ثمَّ زوَّجَ بطنهُ من الولد الآخرِ، فقال (ع): (كذبوا، هذه هي المجوسيَّةُ المَحضَةُ. أخبرَني أبي عن آبائهِ قال: قال رسول الله (ص): لمّا وَهَبَ الله لآدمَ هابيل وَهِبَةَ الله بعثَ الله إليه حوريّتين من الجنّة يُقال لإحداهما ناعمة، والأخرى مُزنَة، وأمر أن يُزوِّج ناعمة من هابيل وَمُزنة من هِبَةِ اللهِ، فزوَّجَهُما إيَّاهما فَتَوالدوا، فكانَ يزوِّج بناتِ العمِّ).
=============
المسألة الثانية
ولاية الأئمة وفق القانون الخصيبي

ما مِنْ شَكٍّ أنَّ مِنَ المَحَاوَرِ المُهِمَّةِ جدًّا معرفةُ رؤيةِ سيِّدِنَا الخصيبيِّ (ع) حولَ الأئمَّةِ (ع)، وهُوَ الموضوعُ الذي أولاهُ أهميَّةً عاليةً في أكثرَ من موضعٍ، وأفردَ لهُ كتابًا خاصًّا أسماهُ (الهداية الكبرى)، وأكَّدَ أنَّ الإيمانَ بهذا الجانبِ هُوَ من أصولِ القانونِ الصَّحيحِ.

مَقَامُ الأئمَّةِ (ع) في القانونِ الخَصيبيِّ:
لا يُمكِنُنَا أنْ نَصِفَ المعصومَ كما يجبُ إلاَّ بلسانِ المعصومِ، حيثُ يقولُ أميرُ المؤمنينَ (علي) علينَا من ذكرهِ السَّلام: (وهل يُعرفُ أو يُوصَفُ أو يُعلَمُ أو يُفهَمُ أو يُدرَكُ أو يُملَكُ شأنُ من هو نقطةُ الكائناتِ وقطبُ الدَّائراتِ وسرُّ المُمكناتِ وشُعاعُ جلالِ الكبرياءِ وشرفُ الأرضِ والسَّماءِ...
فعندما يكونُ الحديثُ عن مقامِ الأئمَّةِ (ع) تغدو المعاني صعبةَ الإدراكِ بعيدةَ المنالِ، وقد عبَّرَ سيِّدُنا الخصيبيُّ (ع) في أكثرِ من موضعٍ أثناءَ أبحاثهِ العرفانيَّةِ والأخلاقيَّةِ عن العجزِ وعدمِ القُدرةِ لدى أيِّ إنسانٍ للإحاطةِ بحقيقتِهِم ومعرفةِ منزلَتِهِم (ع) والوقوفِ على أسرارِهِم إلاَّ أنفُسهُم (ع)، حيث قال: (إنَّ مقامِ الأئمَّةِ أسمى وأرفعُ من أنْ تَنالَ آمالُ أهلِ المعرفةِ أطرافَ كبرِياءِ جلالِهِم وجمالِهِم، وأنْ تَبلُغَ خطواتُ معرفةِ أهلِ القلوبِ ذروةَ كمالِهِم... إنَّ للأئمَّةِ المعصومينَ الطاهرينَ مقامًا روحانيًّا شامخًا، في السَّيرِ المعنويِّ إلى اللهِ، يفوقُ قدرةَ استيعابِ الإنسانِ حتَّى من النَّاحيةِ العلميَّةِ، وأسمى من عقولِ ذوي العقولِ وأعظمُ من شهودِ أصحابِ العرفانِ)، ولمْ يقفْ أحدٌ على حقائقِهِم وأسرارِهِم إلاَّ أنفُسَهم، معتبرًا أنَّ أرقى ما يصلُ إليهِ الذي يصفُ نبذةً من مقامِ الولايةِ لهم هو كوصفِ الخفَّاشِ للشَّمسِ المضيئةِ للعالم.
فما هو المقامُ الذي تحدَّثَ عنهُ (ع) مُعْرِبًا من خلالِهِ عن صميمِ نظرتِهِ الإلهيَّةِ لهم وكاشفًا النِّقابَ عن أمورٍ جهلَهَا الكثيرونَ من أهلِّ الزَّمانِ؟

إنَّهُ مقامٌ لا يُنالُ ولا يُعرفُ، لكن بالإمكانِ إيجازُ بعضِ الصِّفاتِ كما يأتي:
1. معرفتُهم وجوهرُهم: حيثُ يؤكِّدُ القانونُ الخصيبيُّ بأنَّهُم مفتاحُ الدَّائرةِ ومختمها، ومؤخَّرُ السِّلسلةِ ومُقدَّمُهَا، المُصطَفَونَ من اللهِ، الذين بهم فَتحُ اللهِ، وبِمَعرِفَتِهِم عُرِفَ اللهُ، الأسبابُ المُتَّصِلَةُ بينَ سماءِ الإلهيَّةِ وأراضي الخلقيَّةِ، معرفتُهُم بالإمامةِ، وجوهَرُهم النُّبُوَّةُ والرِّسالةُ، الهادونَ بالهدايةِ التَّكوينيَّةِ سرًّا والتَّشريعيَّةِ جهرًا، الآياتُ التَّامَّاتُ، والأنوارُ الباهِرَاتُ.
2. عندَهُم روحُ القدس: أثناءَ حديثِهِ عن نُورانِيَّتِهِم التي يفتَقِرُ إدراكَهَا الإنسانُ، ينتهي سيِّدُنا الخصيبي (ع) إلى شرحِ مقامِ روحِ القُدسِ الذي هو عبارةٌ عن المكانةِ والقدرةِ والإحاطَةِ التي لمْ يصلْ إليها أقربُ المُقرَّبينَ من ملائكةِ اللهِ تعالى كجبرائيل (ع)، حيثُ يؤكِّدُ القانونُ الخصيبيُّ أنَّ لهُم مقامًا شامِخًا من الرُّوحانيَّةِ يُدعى بـ(روح القدس)، يتمتَّعونَ من خلالهِ بالإحاطةِ القيُّوميَّةِ لجميعِ الكائناتِ حتى ذرَّاتها الصَّغيرةِ جدًّا، ولا توجدُ فيها الغفلةُ ولا النَّومُ ولا السُّهولةُ ولا النِّسيانُ ولا كافَّةُ الحوادثِ والتَّغيُّراتِ والنَّقائضِ المُلكيَّةِ، بل مكانتُهم من عالمِ الغيبِ المُجرَّدِ، والجبروتِ الأعظمِ. وإنَّ تلكَ الرُّوحَ المجرَّدَةَ الكاملةَ أعظمُ من جبرائيلَ وميكائيلَ (ع) رغمَ أنَّهُم أعظمُ القاطنينَ في مقامِ قربِ الجبروتِ.
3. مَقَامُهم واحدٌ: هناكَ أمرٌ هامٌّ يشدِّدُ القانونُ الخصيبيُّ على معرفتهِ والتَّمسُّكِ بهِ حولَ رؤيتهِ للأئمةِ المعصومين (ع) بحيث أنَّ إنكارَهُ يؤدِّي إلى الخللِ العقائديِّ والانحرافِ عن الأصولِ أو الضَّرورياتِ التي تؤدِّي إلى الانخراطِ في زمرةِ الضَّالِّينَ عن طريقِ الهدايةِ والاستقَامةِ والثَّباتِ، وهُوَ أنَّ أئمَّتنا الأبرارَ (ع) لهم مقامٌ واحدٌ. ويعتبرُ سيِّدُنا الخصيبيُّ (ع) أنَّ هذا الأمرَ من ضروريَّاتِ القانونِ الخصيبيِّ، فهُم مُتَّحِدُونَ من جهةِ الولايةِ، حيثُ وردَ في الأثرِ قولُ الأئمَّةِ (ع): (أوَّلُنَا محمَّدٌ وأوسَطُنُا محمَّدٌ وآخرُنا محمَّدٌ وكُلُّنَا نورٌ واحدٌ).
4. تشريفُهُم من النَّبيِّ (ص) في مقامِهِ: يُؤكِّدُ القانونُ الخصيبيُّ مستفيدًا من الأحاديثِ الشَّريفةِ أنَّهُم مُكرَّمونَ من الرَّسولِ الأكرمِ (ص) في مقامِ الرُّوحانيَّةِ، وإنَّ مِنْ ضروريَّاتِ قانونِنَا أنَّ لأئمَّتِنَا مقامًا لا تبلُغُهُ الملائكةُ، وأنَّ أنوارَهُم المُطَهَّرةَ كانتْ تُسبِّحُ وتُقَدِّسُ للإلهِ قبلَ خلقِ العالمِ.
5. لديهم المقامُ الأعظمُ: يُؤكِّدُ القانونُ الخصيبيُّ أنَّ الأحاديثَ المنقولةَ في خلقِ أرواحِهِم ونُفُوسِهِم وفيما مُنِحُوا منَ العلومِ الغيبيَّةِ الرَّبَّانيَّةِ من علومِ الأنبياءِ والملائكةِ، وممَّا هُوَ أعظمُ ممَّا لا يخطُرُ على بالِ أحدٍ، ويُؤكِّدُ على ثبوتِ ذلكَ لهم (ع) بأنَّ مقامَهُم الأعظمَ لا يتجلَّى بحسبِ الحقيقةِ تامًّا إلاَّ لنفسِهِ ولمَن ارتضى مِن عبادِهِ.

المقام الحقيقي لأمير المؤمنين في القانون الخصيبي:
إنَّ لأميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام ولايةٌ تكوينيَّةٌ تخضعُ لسَيطَرتِهَا جميعُ ذرَّاتِ هذا الكونِ، فهوَ صاحبُ الولايةِ المُطلَقَةِ الكُلِّيَّةِ، والولايةُ جوهرُ الوصايةِ، وهو قائمٌ على كُلِّ نفسٍ بما كَسبَتْ.
فكلامُ سيدنا الخصيبيِّ (ع) حولَ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام غيرُ محتاجٍ إلى تعليقٍ، بل هو بيانٌ فصلٌ ومعنًى جامعٌ، قلَّما بلغَ إلى مقصدِهِ السَّابقونَ من أهلِ العلمِ، والأوَّلونَ من أهلِ الفضلِ.
وهذا الفهمُ البعيدُ في أعماقِهِ والرَّاقي في مبادئِهِ يُعطي لمقامِ الإمامةِ جامعيَّةً وإحاطةً أنكرَهَا بعضُ الباحثينَ عن الحقيقةِ الذين لمْ يصلوا إلى ضالَّتِهِم اعتمادًا على نظرَتِهِم إلى أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام باتِّجاهٍ واحدٍ وهو المقامُ الظَّاهريُّ له، وهو ما دعاهُم إلى الجرأةِ عليهِ في الماضي والحاضرِ مع إغفالِهِم لمقامِهِ ومكانتِهِ، وجهلِهِم بِكُلِّ المقاماتِ التي تحدَّثَ عنهَا سيِّدُنا الخصيبيُّ (ع) لأنَّهم لم يكونوا لِيبلغوا معرفةَ مقامِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام.

الولاية وقبول الإيمان في القانون الخصيبي:
هنالك معنيانَ ترتكزُ عليهُما رؤيةُ القانونِ الخصيبيِّ في هذا الشَّأن:
الأوَّل: أنَّه يستحيلُ حصولُ الإيمانِ باللهِ تعالى دونَ ولايةِ الأئمَّةِ (ع).
الثَّاني: أنَّهُ لو فرضنا إمكانيَّةَ حصولِ الإيمانِ دونَ ولايَتِهِم (ع) لما كانَ مقبولاً على الإطلاقِ.

حيثُ القانونُ الخصيبيُّ (ع) أنَّ الإيمانَ لا يحصلُ إلاَّ بواسطةِ ولايةِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام والأئمَّةِ المعصومينَ الطَّاهرينَ (ع)، بل لا يُقبلُ الإيمانُ باللهِ ورسولهِ من دونِ الولايةِ، فهي شرطٌ في قبولِ الإيمانِ باللهِ والنَّبيِّ الأكرمِ (ص).
وينقلُ سيِّدُنا الخصيبيُّ (ع) في بحثِهِ الشَّريفِ بالهدايةِ الكبرى مجموعةً من الأخبارِ التي تدُلُّ على هذا الأمر، ثمَّ يُصرِّحُ بأنَّ كونَ ولايَتِهِم (ع) شرطًا في قبولِ الأعمالِ من المُسلَّماتِ والضَّروريَّاتِ التي لا يُشرِّعُ إنكارَها بحالٍ ولا التَّشكيكَ في حقيقتها إلاَّ حائدٌ عن جادَّةِ القانونِ المقدَّسِ الذي أرادَهُ ربُّ العالمينَ.
فَمِنْ أُسُسِ القانونِ الخصيبيِّ أنَّ ولايةَ الأئمَّةِ (ع) ومعرِفَتَهُم شرطٌ في قبولِ الأعمالِ، وهذا من الأمورِ المُسلَّمَةِ، بل من ضروريَّاتِ القانونِ المُقدَّسِ. والأخبارُ في هذا الموضوعِ وبهذا المضمونِ كثيرةٌ، فقد وردَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) أنَّهُ قالَ: (أمَا لو أنَّ رجلاً قامَ ليلَهُ وصامَ نهارَهُ وتصدَّقَ بجميعِ مالهِ وحجَّ جميعَ دهرِهِ ولمْ يعرِفْ ولايةَ وليِّ اللهِ فَيُواليهِ وتكونُ جميعُ أعمالُهُ بدلالاتهِ إليهِ، ما كانَ لهُ على اللهِ حقٌّ في ثوابِهِ ولا كانَ من أهلِ الإيمانِ)، كما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّه قال: (مَنْ لمْ يأتِ اللهَ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ بما أنتُم عليهِ، لمْ يتقبَّلْ منهُ حسنةً ولم يتجاوَزْ لهُ سيِّئَةً).
فالولايةُ شرطٌ في قبولِ الأعمالِ كما هو صريحٌ في حديثِ مولانا الصادق (ع): (هذهِ الأمَّةُ العاصِيةُ بعد تركِهِم الإمامَ الذي نصَّبَهُ نبيُّهُم لهم، لنْ يقبَلَ اللهُ لهم عملاً، ولنْ يرفعَ لهم حسنةً حتَّى يأتوا إليهِ من حيث أَمَرَهُم ويتولَّوا الإمامَ الذي أمرَهُم اللهُ بولايَتِهِ ويدخلوا من البابِ الذي فتحهُ اللهُ ورسولُهُ لهم).

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:14 am

المسألة الثالثة
القائم المهدي وفق القانون الخصيبي

العَدلُ الإلهيُّ (إحقاقُ الحقِّ):
لقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الحياةَ لِتَكونَ مَسرحَ ابتلاءٍ وقاعةَ امتحانٍ للإنسانِ عَن طَريقِ احْتِدَامِ المَعرَكَةِ بينَ الخَيرِ والشَّرِّ، والحَّقِّ والبَاطِلِ، حيثُ يقولُ تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، ومَا دَامَتِ الحَيَاةُ دَارَ ابتِلاءٍ وامتحَانٍ، وميدانَ معركةٍ وصراعٍ، فقدْ منحَ اللَّهُ الإنسانَ حُرِّيَّتَهُ الكاملةَ في اختيارِ الجَبهَةِ التي يُنَاضِلُ ضِمنَ خُطُوطِهَا في مَيدانِ الحَياةِ، لقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)، ودَعَا الإنسانَ للانضمَامِ إلى جبهةِ الحَقِّ ومقاوَمَةِ إغراءَاتِ البَاطِلِ وجَحَافِلِ الشَّرِّ، لقوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، ودَارتْ رَحَى المعركةِ الخَطيرةِ بينَ دَوَاعي الخَيرِ ونَوازِعِ الشَّرِّ في الحَيَاةِ منذُ نُعُومَةِ أظفارِ الإنسانِ وبدايَةِ وجُودِهِ، ولا تَزَالُ مُستمرَّةً، تمرُّ على كُلِّ جيلٍ من أجيَالِ البَشَريَّةِ فتفرزُ عناصِرَهُ وتكشفُ عن اتِّجاهاتِ أفرَادِنَا، وتُمَيِّزُ بينَ رُوَّادِ الحَقِّ وأتباعِ البَاطِلِ لقوله تعالى: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقدْ شَاءَ اللَّهُ تعالى أنْ تكونَ المَعركةُ أبديَّةً ترافقُ استمرارَ الإنسانِ في الحَيَاةِ (لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)، فِي جَميعِ الأجيالِ وكُلِّ العُصُورِ، وكشفَتْ هذهِ المَعركةُ الدَّائمَةُ عَن سُقوطِ الأغلبيَّةِ السَّاحقَةِ مِنَ النَّاسِ فِي أوحَالِ البَاطِلِ ومَزَالِقِ الشَّرِّ، وثُبُوتِ أقليَّةٍ مُؤمِنَةٍ صَمَدَتْ فِي مَوَاقِعِ الخَيرِ، وأصرَّتْ على مَواقفِ الحقِّ لقوله تعالى: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).
وقدِ اختَارتْ مشيئةُ اللَّهِ الإمامَ القَائمَ المَهديَّ المُنتَظَرَ (ع) ليكونَ قائدَ تِلكَ المَعركَةِ الحَاسِمَةِ فِي مَيدانِ الصِّرَاعِ بينَ الحَقِّ والبَاطِلِ. لذلكَ تحرصُ أكثرُ الأحَاديثِ التي تَتَحَدَّثُ عَن ظُهُورِهِ (ع) بالتَّأكيدِ عَلَى أنَّ ظُهورَهُ لا يَكُونُ إلاَّ فِي آخرِ الزَّمَانِ، وقُبَيْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ لقَولِ رَسَولِ اللهِ (ص): (وَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنيَا إلاَّ يومٌ واحدٌ لطوَّلَ اللَّهُ ذلكَ اليومَ حتّى يملكَ رجلٌ من أهلِ بيتي).
بالمُقَابِلِ قَدْ يَتَصَوَّرُ البَعضُ أنَّ الشُّبهةَ لا يكونُ لهَا مَوقعٌ ولا تَجدُ لهَا منفذًا إلاّ في الأمُورِ الشَّائِكَةِ، وبِعبارةٍ ثَانيةٍ أنَّ مدارَ الشُّبهاتِ يَنحصِرُ في القَضَايَا اللاّيقينيَّةِ والتي يكونُ للشَّكِّ فيها مَجَالٌ واسعٌ. لكنَّ هذا التَّصوُّرَ ناقصٌ فمَا أكثرَ القَضَايَا البَديهيَّةَ والأمورَ اليَقينيَّةَ التي عَلقَتْ فيها الشُّبهات، وأنشَبتْ فيها الأوهامُ مخالِبَهَا، بلْ يُمكِنُنَا القولُ أنَّ القَضيَّةَ كلمَّا كانتْ واضحةً وجليَّةً تَتَرَادفُ عليهَا الشُّبُهاتُ وتَزدادُ الشُّكوكُ في كُلِّ مَجَالاتِهَا وكافَّةِ مُرتَكَزَاتِهَا بِهدفِ تَضليلِ العِبَادِ عَنِ الصِّراطِ المُستقيمِ كَمَا هُوَ الحَالُ في قَضِيَّةِ ظُهورِ سيدنا القَائِمِ المَهديِّ المنتظرِ (ع).
وقضيَّتُنَا مِن هَذَا القَبيلِ مَعَ ثبوتِ يَقينيَّتِهَا وصِدقِهَا تواترًا نصيًّا سماويًّا ودليلاً عقليًّا، لمْ تَخْلُ من تَوَافُرِ الشُّبهَاتِ وتَرَادُفِ الشُّكوكِ عَلَيْهَا بشكلٍ خاصٍّ فضلاً عن التَّشكيكِ بأصلِ قضيَّةِ الإمامِ الثاني عشر القَائِمِ المَهديِّ المنتظرِ (ع).
فعقيدةُ السُّنَّةِ الرَّافِضَةِ لوجودِ القَائِمِ المَهديِّ المُنتَظرِ (ع) هي نسيجٌ من التَّخيُّلاتِ زَرَعَتْها الرُّوحُ الانهزاميَّةُ في عَقلِهِم، ووطَّدَ لها عجزُهُم عن تغييرِ الوَاقِعِ المُنحَرِفِ عندَهُم الذي ابتعدَ عَن مَبَاني الرِّسالةِ وقِيمِ الدِّينِ الحَنيفِ، كَمَا سَاعَدَ على ذَلكَ جَهلُهُم بالكيفيَّةِ والطَّريقةِ التي تُمَكِّنُهم مِنَ الخَلاصِ المَريرِ، لذلك اخترعتْ مخيِّلتُهُم فكرةَ رفضِ القَائِمِ المَهديِّ المُنتَظَر ويُمكنُ الرَّدَّ على هَذِه الشُّبهةِ بقوَّةٍ.

مَذهَبُ المُشَكِّكينَ بوجودِ القائمِ المهديِّ:
يتساءلُ هؤلاءُ: إذَا كانَ الإمامُ الثاني عشر القَائمُ المَهديُّ المُنتظَرُ يعبِّرُ عن إمامٍ عَاصَرَ كُلَّ هذه الأجيال المُتَعَاقِبَةِ منذُ أكثرَ مِن عشرةِ قُرونٍ، وسَيَظلُّ يُعَاصِرُ امتدَادَاتِها إلى أنْ يظهرَ، فكيفَ تأتَّى لهذا الإمامَ أنْ يعيشَ هَذَا العُمرَ الطَّويلَ، ويَنجو مِنْ قوانينِ الطَّبيعةِ؟!
لقدِ اختلفَتِ الآراءُ وتَبَايَنتِ المَوَاقفُ مِن مَسألةِ الإمامِ الثاني عشر القَائِمِ المَهديِّ المُنتظَر، تِبعًا لاختلافِ المَوَاقِفِ مِن مَسألةِ الغَيبِ الدِّينيِّ والنُّصوصِ الدِّينيَّةِ المَشهورَةِ والمُتَواتِرَةِ، عَلَى أنَّ هُناكَ اتِّفاقًا بينَ عُلماءِ المُؤمنينَ والمُحقِّقينَ على صِحَّةِ عَقيدَتِنَا بإمامنا القائِمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ، وعدمِ جَوازِ التَّشكيكِ بِهَا.
هذا تساؤلُ فريقٍ منَ النَّاسِ، والواقعُ أنَّهُ يُمكنُ القَولُ: جَاءُ نصُّ القُرآنِ الكَريم في مَسألةِ نوحٍ (ع) في قوله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا)؛ وهذا التَّساؤلُ أُثيرَ من قبلٍ ويُثَارُ اليومَ بَأساليبَ مُختلفةٍ، وكلُّهَا تَستَندُ إلى مَوهُومَاتٍ وافتِرَاضَاتٍ لا تقومُ على أساسٍ من العلمِ، بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ تَشكيكاتٍ، ومُحاولاتٍ بائسةٍ للفَرَارِ من أصلِ القضيَّةِ ولَوَازِمِهَا الضَّروريَّةِ، فهي لا تَعدو أنْ تكونَ أشبهَ بِتَشكيكاتٍ عندما جُوبهُوا بأدلَّةِ العقلِ والمَنطقِ والعلمِ فِيمَا يتعلَّقُ باللهِ تعالى، فلجَؤوا إلى تَساؤلاتٍ سَاذَجةٍ تَحكي عَدمَ إيمَانِهِم بمَا قامَتْ عليهِ الأدلَّةُ الوَفيرةُ، نظير قولِهِم: لَوْ كَانَ مَوجُودًا فَلِمَاذَا لا نَرَاهُ؟ ولماذا لا يفعلُ كَذَا وكَذَا؟ وهَكَذَا شأنُ هَؤلاءِ، فعندَمَا جُوبِهُوا بالأدلَّةِ المَنطقيَّةِ والرِّوايَاتِ المُتَواتِرَةِ في مَسألةِ القَائِمِ المَهديِّ المنتَظَرِ مِمَّا اتَّفقَ عليه الخاصُّ والعامُّ وبِمَا لا يسعُ المرءُ إنكارَهُ، لجؤوا إلى التَّشكيكِ في أنَّهُ لمْ يُعرَفْ بعدَ الإمامِ الحسنِ العَسكريِّ (ع) أيُّ إمامٍ.

الاستدلالُ على بطلانِ مَذهَبٍِ المُشَكِّكينَ بوجودِ القائمِ المهديِّ:
قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بأَفْواهِهِمْ)، فنورُ اللهِ هوَ القائمُ المَهديُّ المُنتَظَر (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ)، هذا إخبارٌ منَ اللهِ عزَّ وجلَّ بأنَّ نُورَهُ سوفَ يتمُّه على جَميعِ العَالَمِ، ومِصداقُ ذلكَ لمْ يتحقَّقْ بعد، وحيثُ أنَّهُ لا يحتَمِلُ في حقِّهِ سُبحانَهُ عزَّ وجلَّ الإخبارَ على خلافِ الواقعِ، فلابُدَّ وأنَّ إتمامَ النُّورِ سوفَ يَتحقَّقُ يومًا منَ الأيَّامِ، ولا يحتملُ تحقُّقُه إلاّ على يدِ هذا الإمَامِ (ع)، هذهِ الآيةُ بنَفسِهَا ظاهرةٌ بلا حاجةٍ إلى تفسيرٍ رِوائيٍّ. ومِنْ هَذَا القبيلِ قولُهُ تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُون). المَقصودُ منَ (الأرض) جميعُ الأرضِ، ولحدِّ الآن لمْ يرثْ جميعَ الأرضِ العبادُ الصَّالحونَ، ولا بدَّ وأنْ يتحقَّقَ هذا فيما بعد فِي المُستقبلِ، ولنْ يتحقَّقَ إلاّ على يدِ الإمامِ القَائِمِ المَهديِّ المُنتظَرِ (ع).
فالاعتقادُ بالإمامِ القائِمِ المَهديِّ المُنتظَرِ (ع) قضيَّةٌ أساسيَّةٌ في عقيدَتِنَا وقد شَغلتْهُم ومَا تزالُ منذُ بشَّرَ خَاتَمُ النَّبيِّينَ (ص) بِهِ وأكَّدَ ظهورَهُ في آخرِ الزَّمانِ في أحَاديثَ جَمّةٍ، وفِي موارِدَ ومُناسَبَاتٍ لا تُحصى بَلَغتْ حدَّ التَّواتُرِ، فصَارَ الاعتقادُ بِهِ مِن ضَروريَّاتِ الإيمَانِ، ومَعَ ذلكَ كُلِّهِ فقدْ نجمَ في القُرونِ المَاضيَةِ وفي قَرنِنَا الحاليِّ منْ أنكَرَ وشَكَّكَ فيه إمَّا تأثُّرًا بمناهِجَ ماديَّةٍ أو بسببِ عصبيَّةٍ مذهبيَّةٍ أو لجهلٍ بِمَا أودِعَ في الصّحاحِ والأسَانيدِ والسُّنَنِ من مئاتِ الرِّوايَاتِ، ولقد ألَّفَ العُلماءُ المُتَقدِّمونَ والمُتَأخِّرونَ عشراتِ الكُتبِ، كمَا كُتِبَتْ فصولٌ ودراساتٌ تَضَمَّنتْ أدلَّةً معتَبَرَةً واحتِجَاجاتٍ سليمةً وقويَّةً على وجودِ القَائمِ المَهديِّ المنتَظَرِ (ع) وصدقِ القضيَّةِ بما لا ينبغي مَعَهُ أنْ يَرتابَ فيهِ مؤمنٌ يؤمنُ بمَا يُخبِرُ بِهِ الأنبياءُ والرُّسُلُ (ع). ولقد بلغَ رسوخُ هَذهِ العقيدَةِ في الأمَّةِ أنِ استغلَّهَا بعضُ الأدعياءِ، وادَّعَوا المَهدَويَّةَ، ولكنْ سُرعانَ مَا انكشَفُوا وافتُضِحُوا، كما افتُضِحَ أدعياءُ النُّبوَّةِ، وقدْ حاوَلَتِ السُّنَّةُ في كُتبِهَا أنْ تجعلَ مِن ادِّعاءِ المَهدويَّةِ سببًا للطَّعنِ على فكرَةِ القائمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ وأصالَتِهَا، ولكنَّ العكسَ هُوَ الصَّحيحُ، فالادِّعاءُ يَدُلُّ على أنَّ المُدَّعينَ يَستغلُّونَ حقيقةً موضوعيَّةً، واعتقادًا راسخًا عندَ النَّاسِ.
فالإمامُ القائمُ المَهديُّ المنتَظَرُ له دورٌ ومهمَّةٌ تَغييريَّةٌ على مستوى الوجُودِ برمَّتِهِ كمَا يُشيرُ الحَديثُ الصَّحيحُ: (يَملأ الأرضَ قسطًا وعدلاً بعدَ ما مُلِئَتْ ظُلمًا وجُورًا)، وهَذَا الدَّورُ وهذهِ المهمَّةُ عليهمَا الإجماعُ بينَ العُلماءِ، فَقَد مَارَسَ النَّبيُّ نوحٌ (ع) دورَهُ في المَاضي وقدْ نصَّ القرآنُ الكَريمُ على أنَّهُ مَكَثَ في قومِهِ ألفَ سنةٍ إلاّ خمسينَ عامًا، وقدّرَ لهُ مِن خِلال الطُّوفانِ أنْ يَبنيَ العالمَ مِن جديدٍ. وسيدنا القائمُ المَهديُّ المنتَظَرُ سيُقَدَّرُ له في اليومِ المَوعودِ أنْ يبنيَ العَالمَ مِن جديدٍ.
فلمَاذَا يقبلونَ نوحًا الذي نَاهزَ ألفَ عامٍ على أقلِّ تقديرٍ ولا يقبَلونَ القَائِمَ المهديَّ المنتَظَرَ (ع)؟ هل قرأتَ سورةَ الكَهفِ؟ وهلْ قرأتَ عَن أولئِكَ الفِتيةِ الذينَ آمنُوا بربِّهم وزَادَهُمُ اللهُ هدًى؟ وواجَهوا كيانًا وثنيًّا حاكمًا لا يرحَمُ ولا يتردَّدُ في خَنقِ أيَّةَ بذرةٍ من بُذورِ التَّوحيدِ والارتفاعِ عن وحدةِ الشِّركِ، ولجَؤوا إلى الكهفِ يَطلبونَ من اللهِ الفَرَجَ، وكَبُرَ في نفوسِهِم أنْ يظلَّ الباطلُ يحكُمُ ويظلمُ ويقهَرُ الحقَّ ويصفِّي كلَّ من يخفِقُ قلبَهُ للحقِّ. هل تعلمْ ماذَا صَنَع الله تعالى بهم؟
إنَّهُ جَعَلَهُم يَنامونَ ثَلاثمائةَ سنةٍ وتسعَ سنينٍ في ذلك الكَهف كما قال تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)، ثمّ بعثَهُم مِن نَومِهِم ودفَعَ بهم إلى الحَياةِ، بَعدَ أنْ كَانَ ذَلكَ الكيانُ الذي بَهَرَهُم بقوَّتِهِ وظُلمِهِ قد تَدَاعى وسقطَ، وأصبحَ تاريخًا لا يُرعِبُ أحدًا ولا يحرِّكُ ساكنًا، كلُّ ذلكَ لكَي يشهدَ هؤلاءِ الفتيةُ مصرعَ ذلكَ البَاطِلِ، ويَرَوا انتهاءَ أمرَهُ بأعيُنِهِم ويتَصَاغَرَ الباطلُ في نُفُوسِهِم ليكُونُوا حُجَّةً للهٍ في على خلقِهِ في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ، إشارةً إلى الآيةِ القُرآنيَّةِ المباركَةِ: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى).

الدَّليلُ على وجودِ القائمِ المهديِّ:
النَّظَرُ إلى الأدلَّةِ العقليَّةِ والنَّقليَّة يؤكِّدُ ويدلِّلُ على صحَّةِ عقيدةِ وجودِ إمامنا القَائمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ (ع)، إذْ حاولَ الإنسانُ المؤمنُ رفعَ وَعيَهُ إلى مُستوى الحَقيقةِ، فالسُّنَّةُ أصحابُ الشُّبهةِ حينما رَأوا أمَامهم أمرَينِ أحدُهُمَا وجودُ فكرةِ القائمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ في الأوساط كحقيقةٍ لا يُمكنُ أنْ يَتَنَصَّلوا مِنها أو يتَغَافَلوا عنها، كَرَّسُوا الشُّبهةَ بأنَّ فرقَتَنَا الخصيبيَّةِ اعتقدَتْ بالقائِمِ لأنَّها عَانَتِ الوَيلاتَ منذُ نُشوئِها وإلى يومنا هذا، فأقامَ السُّنَّةُ معلولاً مِن دونِ عِلَّةٍ، وأثبَتُوا نتائِجَ مِنْ دونِ أسبابٍ، علمًا أنَّهُ مِنْ حقِّنَا ومِنْ حقِّ أي مُنصفٍ يحترمُ عقلَهُ أنْ يَتَساءَلَ: ما هُوَ الدَّليلُ على أنَّ حالةَ الضَّعفِ والعَذَابِ المُصاحِبِ لفرقَتِنَا الخَصيبيَّةِ هُوَ الذي ولَّدَ عقيدةَ الإيمانِ بسيدنا القائِمِ المَهديِّ المُنتَظرِ وغرسَ في نُفُوسِنَا هذهِ العَقيدةَ؟
إنَّ المُشكِّكينَ في قضيَّةِ ظُهورِ سيدنا القَائِمِ المَهديِّ المُنتظرِ يثبِتُونَ قطعًا أنَّهم لَيسُوا من أتباعِ سيِّدِنَا محمَّد (ص)، وهذه الشُّبهةُ التَّحليليَّةُ المُنكرةُ مشابهةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ لشُبهةِ المُلحدينَ المَاديِّينَ التَّحليليِّينَ وتَفسيراتِهِم، ولنَا أنْ نُسجِّلَ عَلَى هذه الشُّبهةِ جَهلَهَا التَّاريخيَّ في نُشوءِ عقيدةِ القائِمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ، إذْ في زمنِ رسولِ اللهِ (ص) نَرَاهُ مُصرِّحًا ورافعًا صوتَهُ عاليًا بِضَرورةِ الإيمانِ بسيدنا القائِمِ المَهديِّ المُنتَظَر وإنَّ المُنكِرَ لهُ يعدُّ كافرًا. بلْ أكثرُ مِن هذا فإنَّ انتظارَ القَائمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ المَوعودِ هُو عقيدةُ الأنبياءِ والمُرسَلينَ كمَا سَبقَ الإشارةُ إليهِ في قوله تعالى: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ)، والتي فسَّرَهَا الإمامُ الرِّضَا (ع) حين سُئِلَ عن الفَرَج فقال: (إن الله عزّ وجلّ يقول: انتظروا إنِّي معكُم مِنَ المُنتَظِرينَ).
كما قالَ الإمامُ الرِّضَا (ع): (مَا أحسنَ الصَّبرَ وانتظارَ الفَرَجِ أمَا سَمعتَ قول الله عزّ وجلّ: "وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ"، وقوله: "فانتَظِروا إنّي مَعَكُم مِنَ المنتَظِرِين"، فعليكم بالصَّبرِ، فَقَد كانَ الذينَ مِنْ قَبلِكُم أصبرُ مِنكُم).

صِحَّةُ الاعتقادِ بإمامةِ القائمِ المهديِّ:
الإمامُ القائمُ المَهديُّ المنتَظَرُ (ع) هُوَ العُنصرُ الاعتقاديُّ اليَقينيُّ الهامُّ الذي يُميِّزُنَا، فالبحثُ عنِ الإمامِ القائمِ المَهديِّ المنتَظَرِ (ع) يرتبطُ بالبحثِ عن إمامتِهِ كآخرِ الأئمَّةِ، وهذهِ حقيقةٌ من الحقائقِ الإيمانيَّةِ التي قدَّرَها اللهُ واستمرَّ عليهَا لقوله تعالى: (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً).
فقد قدَّرَ اللهُ بحكمَتِهِ أنْ يكونَ الإمامُ القائمُ المَهديُّ المنتَظَرُ (ع) آخرَ الأئمَّةِ، وأنْ يكونَ مهديَّ هذهِ الأمَّةِ، وأنْ يكونَ هوَ الذي يملأ الأرضَ قسطًا وعدلاً بعد ما مُلِئَتْ ظلمًا وجورًا.
فهوَ إرادَةُ اللهِ في عالَمِ الحقيقةِ، أي إنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى هو الذي قدَّرَ أنْ يكونَ لهذِهِ الأمَّةِ مهديٌّ يظهرُ في آخرِ الزَّمانِ، وأنْ يكونَ من أهلِ البيتِ، وهذهِ حقيقةٌ هامَّةٌ يجبُ أنْ لا يغفلَ عنهَا أحد، وهذا يوجِبُ القولَ: إنَّ الإيمانَ بإمامنا القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ تسليمٌ لإرادةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وهناكَ الكثيرُ من النُّصوصِ عندَ عُلماءِ الاجتِهادِ من الشِّيعةِ تقولُ بأنَّ أحاديثَ القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ متواترةٌ، ولكنَّهم حينما يجمعونَ أحاديثَهُم ويُفسِّرونها فإنَّ أسلوبَ التَّفسيرِ عندَهُم يختلفُ عن منهجِ التّفسيرِ عندَنَا، والنَّتيجةُ عندَهُم تنتهي إلى ما لا تنتهي إليه بحوثُنا العقائديَّة، ولذلكَ فإنَّنَا حينما نتكلَّمُ عن إمامنا القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ (ع) نتكلَّمُ عن مقامِهِ الخاصِّ في عقيدتِنَا.
فالمجالُ العقائديُّ عندَ الشِّيعةِ لهُ تفسيرٌ خاصٌّ للإمامةِ، وعدد خاصٌّ للأئمَّةِ، فكيفَ لهُم أنْ يحذفوا واحدًا؟ أو أنْ يُضيفوا واحدًا؟ أو أنْ يُؤخِّروا من قدَّمَهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى؟
إنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى وعدَ وعدًا قاطعًا صريحًا بظهورِ دينِهِ على الدِّينِ كُلِّهِ، دينِهِ الذي بدأ بهِ مَنْ أوَّلُ مَنْ أرسَلَهُ رسولاً إلى خلقهِ ثمَّ بِمَن أرسلهُ رسولاً خاتمَ النَّبيِّينَ، الدِّينِ الذي جاءَ به نبيُّنَا (ص). وهذا الوعدُ جاءَ ضمنَ آياتٍ ثلاثٍ، ومِنَ الحكمةِ الرَّبَّانيَّةِ أنَّ آيتينَ منها متماثلتانِ، ولا أقول متشابهتانِ، بل مُتماثِلتانِ تمامًا من أوَّلِ حرفٍ من الآيةِ إلى آخر حرفٍ منهَا، وجاءتَا في سورتينِ بينَهما فاصلٌ زمنيٌّ:
الأولى هي قولُهُ تعالى في سورة التَّوبة: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ)، فاللهُ سبحانَهُ وتعالى أرسلَ رُسُلَهُ السَّابقينَ واللاَّحقينَ بالهُدى ودينِ الحقِّ، ووعدَ وعدًا قاطعًا أنْ يُظهِرَ دينَهُ على الدِّينِ كُلِّهِ، ونفس هذهِ الآيةِ بما بدأتْ بهِ وبما انتهتْ بهِ حتَّى من حيثِ الحرفِ، لا الكلمةِ وحدها، جاءَتْ في سورةِ الصَّفِّ: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ).
ولا بُدَّ أنْ يكونَ على يدِ مهديِّ هذه الأمَّةِ، لماذا؟ لأنَّ عددَ الأئمَّةِ عندنَا عددٌ معيَّنٌ ثابتٌ، اثنا عشرَ إمامًا.
ونفسُ المعنى وردَ في آيةٍ كريمةٍ أخرى، تختلفُ من حيثِ الانتهاءِ، وهي قولُهُ تعالى في سورةِ الفتح: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بالله شَهِيدًا).
وهذا المقطعُ: (وَكَفَى باللهِ شهيدًا) أقوى بالدَّلالَةِ على قولهِ تعالى حينمَا ختمَ بهِ الآيتينِ الكريمَتين: (وَلَو كَرِهَ المُشرِكونَ)، فقوله: وكَفَى باللهِ شهيدًا) معنَاهُ: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى الذي وعدَ هو الذي يشهدُ.
إذن هذا الوعدُ وعدٌ يُؤمنُ بهِ كُلُّ مؤمنٍ ووعدٌ يأخذُ بهِ كلُّ مَن يُؤرِّخُ الدِّينَ الحقَّ، ولا يتحقَّقُ هذا الوعدُ إلاَّ إذا قُلنا بأنَّ أئمَّةَ الهُدى سوفَ يتحقَّقُ بهم في إمامِهِم الأخيرِ أكملُ الأشواطِ في تاريخها الطَّويلِ، وهوَ خاتَمُهُم (ع)، وسوفَ يكونُ هوَ الذي يحقّقُ اللهُ سبحانه وتعالى على يديهِ هذا الوعدَ الذي وعدَ بهِ وعدًا صريحًا أكَّدَهُ في الآياتِ الثَّلاثِ الكريمةِ، وأيضًا في قولهِ تعالى: (كَتَبَ الله لأغلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي إنَّ الله قَوِيّ عَزِيزٌ).
فهذا الوعد متى يأتي؟ لا بُدَّ وأنْ يكونَ هذا الوعدُ هو الذي يأتي على يدِ مهديِّ هذهِ الأمَّةِ في آخرِ الزَّمان.
وأمَّا قولُه تعالى: (نَتْلُوا عَلَيْك مِنْ نَبَأ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ.... وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِيْنَ اسْتُضْعِفُوا) فمعناهُ أنَّ سيرةَ الحقِّ، لا تختصُّ فقط بالماضي لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يأتي بـ (نُريدُ أنْ نَمُنَّ) لا أردنَا أنْ نمنَّ، كما قال عزّ مِنْ قائل: (وكذلك مكَّنَّا ليوسُفَ في الأرض). أما هنا يقول: (نُريدُ أنْ نَمُنَّ)؛ يعني: أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى جَرَتْ سنَّتُهُ على الذين واجَهُوا باطلَ البَشريَّةِ، فاللهُ سبحانه وتعالى جَرَتْ إرادَتُهُ التي لا يُخلف فِيهَا والتي لا يَمنعُ منها مانعٌ أنْ يأتي دَورٌ يغلبُ هؤلاءَ على أعداءِ زمانِهِم لقوله تعالى: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) إلى آخرِ الآيةِ الكَريمِةِ.
فوعدُ اللهِ سبحانَهُ في قرآنِهِ الكريمِ جاءَ ضمنَ وعودَ مختلفةٍ في صِيَغِهَا، متَّفقةٍ في معناها، (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه)، (كَتَبَ اللهُ لأغلِبَنَّ أنا وَرُسُلِي)، (وَنُرِيْدُ أَنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ استُضْعِفُوا فِي الأرض وَنَجْعَلهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ).
وهيَ صيغٌ مختلفةٌ تختلفُ في التَّعبيرِ وتتَّفقُ في المَغزَى والهَدفِ. هذَا الوعدُ لا يُمكنُ أنْ يتحقَّقَ إلاّ على يدِ آخرِ الأئمَّةِ، ولا بُدَّ أنْ يتحقَّقَ على يدِ هَذا الإمامِ لأنَّهُ آخرُ الأئمَّةِ، لأنَّ عددَ الأئمَّةِ عندَهُ اثنَا عشرَ إمامٍ، ومهديُّ هذه الأمَّةِ آخرُ الأئمَّةِ، ويكونُ لمهديِّ هذهِ الأمَّةِ غيبةٌ تفصلُ بينَ ظُهُورِهِ وإنجَازِ وعدِ الله سبحانَهُ وتعَالى على يدِهِ، سواءَ في ذلك طالَتْ الفترةُ أمْ قَصُرَتْ، كوعدِ اللهِ سبحانه وتعالى: (قَالَ مَنْ يُحْي العِظَامَ وَهِي رَمِيمٌ قل يُحْيِيهَا الَّذِي أنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة).
إذنْ فغيبةُ مهديِّ هذهِ الأمَّةِ غيبةٌ لا بُدَّ منهَا، لأنَّهُ مهديُّ هذه الأمَّةِ، ولأنَّ وعدَ اللهِ سبحانَهُ وتَعَالى صَادِقٌ صَريحٌ قاطِعٌ أكدَّهُ في آياتٍ كريمةٍ مختلفةٍ وبألفاظَ وتعابير متعدِّدَةٍ.
وقيامُ إمامنا القَائمِ المَهديِّ المُنتظَرِ (ع) وظُهورُهُ يكونُ بإرادةٍ مُبَاشرةٍ من اللهِ سبحانَهُ وتعَالى. فاللهُ سُبحانَهُ وتَعَالى حِينَما يُريدُ أنْ يُخبِرَ عن رسالةِ رسولِهِ (ص) يقول: (هوَ الَّذي بَعَثَ فِي الأُمّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آياتِهِ وَيُزَكّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والحِكْمَةَ) إلى آخرِ الآيةِ الكَريمةِ.
وأمَّا قولُه: (هوَ الَّذي بعثَ) يعني إمامًا قدَّرَ اللهُ سبحانَهُ وتَعَالى لَهُ الإمامَةَ مُبَاشرةً وأنَّ اللهَ سبحانَهُ وتَعَالى قَدْ غيَّبَهُ عَن خَلقِهِ بَأمِرٍ مِنهُ مُبَاشرٍ، وأنَّهُ يُريدُ لَهُ الغيبةَ بِحكمتِهِ كما يُريدُ، طالَ الزَّمنُ أو قَصُرَ.
إذنْ فإمامَةُ القائِمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ إمَامةٌ بأمرٍ إلهيٍّ، لأنَّ كلمةَ (بَعَثَ) تدلُّ عليهَا، وظُهورُ القائمِ المَهديِّ المُنتظَرِ ظهورٌ بأمرٍ إلهيٍّ. فإمامُنا القائِمُ المَهديُّ المنتَظَرُ إذن إمامٌ معصومٌ لا إمامٌ اخترنَاهُ فَرَضِيَ الله لنا مَا اختَرْنَاهُ بخيرَتِنَا نحن، وغيبتُهُ غيبةُ إمامٍ وظهورُهُ ظهورُ إمامٍ، ومثلُ هذا الإمام يكونُ من أئمَّتنَا لقولِ رسولِ الله (ص) عنه: (هو منَّا، بنا يُختمُ الدِّينُ كما بنا فُتح)، وهذا ينسجمُ مع رأيِنَا في الإمامةِ، ومعنى ذلكَ أنَّ أحاديثَ القائِمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ عندنا تُشيرُ إلى أنَّ إمامةَ القائِمِ المَهديِّ المنتظَرِ (ع) إمامةٌ معصومةٌ، وأحاديثَ القائمِ المَهديِّ المنتظَرِ (ع) فيها مَا يدُلُّ دلالةً قاطعةً على النَّظرةِ التي نَنظرُ بِهَا إلى القَائِمِ المهديِّ المنتظَرِ (ع).

سببُ ظهورِ القائمِ المهديِّ والإيمانُ بوجودِهِ:
إنَّ المُرادَ والمَأمولَ من ظُهورِ القائِمِ المَهديِّ المنتَظَرِ، والمنتظَر من هَذا المِصداقِ هو تحقيقُ وعدِ اللهِ جلَّ وعلا للمؤمنينَ بوراثَةِ الأرضِ، وتحقيقِ الحكمَةِ الإلهيَّةِ.
إنَّ فكرةَ القَائِمِ المَهديِّ المنتَظَرِ بوصفِهِ المنتظَر قد جاءَتْ في أحادِيثِ الأنبيَاءِ والرُّسلِ (ع)، وفي رواياتِ أئمَّةِ أهلِ البيتِ خصوصًا، وأُكِّدَتْ في نصوص كثيرةٍ بدرجةٍ لا يُمكنُ أنْ يرقى إليها الشَّكَّ، وهذا تعبيرٌ عن حقيقةٍ ربانيَّةٍ نطقَ بهَا مَنْ لا ينطقُ عن هوى، وجاءَ الواقعُ الإماميُّ الاثني عشري ابتداءً من رسول الله وانتهاءً بالقائم المَهديِّ المنتظَرِ، ليكونَ التَّطبيقَ الوحيدَ لذلكَ الحديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ.
ويقول تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا).
وقدْ تَكَرَّرَ هذا الانقِلابُ في التَّاريخِ، ومِن ذلكَ مَا حَدثَ في التَّاريخِ عندَمَا استكبَرَ فِرعونُ وأفسدَ فِي الأرضِ. إذْ يقولُ تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).
وهذهِ هِي الحَتميَّةُ الأولَى، وهِيَ انقلابُ القوَّةِ مِنَ الظَّالمين إلى الصَّالحينَ، وهي سُنَّةٌ مِن سُننِ اللهِ الحَتميَّةِ، لقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ).
فالإمامُ الثَّاني عَشر القائمُ المَهديُّ المُنتظَرُ يَبسطُ العَدلَ والقُسطَ بَعدَمَا مُلِئَتْ ظُلمًا وجورًا، ويُجَدِّدُ مَا عُطِّلَ مِن أحكامِ كِتابِ اللهِ، ويُشيِّدُ مَا وردَ مِن أعلامِ دينِ اللهِ وسُنَنِ أنبيائِهِ (ع)، ويقومُ بإعزازِ المُؤمنينَ وإذْلالِ الكَافِرينَ والمُنَافِقينَ وإحيَاءِ سُنَنِ المُرسَلينَ وتَدريسِ حكَمِ النَّبيِّينَ.
ومِمَّا جَاءَ في كِتَاب تُحفِ العُقولِ عن آلِ الرَّسولِ (ص) عن المفضل بن عمر (ع) عن الإمام الصَّادق (ع) أنَّه قال: (افتَرَقَ النَّاسُ فِينَا ثَلاثَ فرقٍ: فِرقَةٌ أحبُّونَا لِيُصيبُوا من دُنيَانا فَقَالوا وحَفِظُوا كَلامَنَا وقَصَّرُوا عن فِعلنَا فَسَيحشُرُهُم اللهُ إلى النَّارِ، وفرقةٌ أحبُّونا وسَمعُوا كَلامَنَا ولَمْ يُقَصِّرُوا عَن فِعلِنَا لِيَستَأكلُوا النَّاسَ بِنَا فَيَمْلأ اللهُ بُطُونَهُم نَارًا ويُسلِّطُ عَليهِمِ الجُوعَ والعَطَشَ، وفرقةٌ أحبُّونا وحَفِظُوا قَولنَا وأطَاعُوا أمرَنا ولمْ يُخَالِفُوا فِعلنَا فأولئكَ منَّا ونَحنُ مِنهُم).
وهذا يُذكِّرنُا بحالِ الذين بَايعوا الإمامَ طمعًا في أنْ ينالوا منهُ سُلطانًا أو جاهًا فلمَّا خابوا وخسئوا نكثُوا بيعَتَهُم وأخلَفوا وعدَهُم وباؤوا بالخُسرانِ المُبينِ في الدُّنيا والآخرة.
فقد جاءَ في الحديثِ الشَّريفِ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع): (مَنْ سَرَّهُ أنْ يكونَ من أصحابِ القائمِ المهديِّ فليَنتَظِرْ، ولِيَعملْ بالورعِ ومحاسنِ الأخلاقِ وهو منتَظِرٌ، فإنْ ماتَ وقامَ القائمُ المهديُّ بعدَهُ كانَ له منَ الأجرِ مَثَلُ أجرِ مَن أدرَكُه).
ومنَ الأدلَّةِ التي نســتدُّلُ بها على إثباتِ القانونِ الخصيبيِّ في معرفةِ الإمامِ القائمِ المهديِّ المنتظَرِ (ع) هي الرِّواياتُ التي تخصُّ الإمامَ المنتَظَرَ (ع) بشكلٍ عامٍّ، وهي في الغالبِ واردةٌ عن أهلِ البيتِ (ع)، وتنطبقُ على صحَّةِ الفكرِ العلويِّ الخصيبيِّ في إمامنا القائمِ المهديِّ المنتَظَرِ، وهذهِ الرِّواياتُ صحيحةٌ بالتَّأكيدِ وبعضُها بلغَ حدَّ التَّواتُرِ في المصادِرِ، والإيمانُ بصحَّةِ هذهِ الأحاديثِ يؤدي إلى الإثباتِ العلميِّ والقطعيِّ للفكرِ العلويِّ الخصيبيِّ في تشخيص وتعيينِ الإمامِ المنتَظَرِ، وذلكَ بسببِ تطابقهِ أوَّلاً مع ما هوَ المعروفُ عند الخصيبيِّينَ.
أمَّا الحكمُ فهو وجوبُ طاعةِ الحجَّةِ في كُلِّ زمانٍ فهذا واجبٌ، وأمَّا السُّنَّةُ الإلهيَّةُ التي يستبطِنُها هذ الحكم فهو وجودُ الحُجَّةِ في كلِّ زمانٍ، وإلاَّ فكيفَ يطلبُ اللهُ تعالى من الإنسانِ أنْ لا يموتَ إلاَّ وهو في طاعةِ إمامِ زمانِهِ، وعلى عهدَتِهِ البيعةُ لهُ، غير ناقضٍ ولا ناكثٍ لها، وغير جاهلٍ بهِ، فإذا خرجَ عن الطَّاعةِ أو نكثَ الحجَّةَ أو جهلَ به ماتَ ميتةً جاهليَّةً، بهذهِ الدَّرجةِ من التَّغليظِ والتَّشديدِ في الجزاءِ والعقوبةِ، وهذهِ الحُجَّةُ موجودةٌ دائمًا.
فالأرضُ لا تخلو من حجَّةٍ للهِ ظاهرًا أو مغمورًا، وإمامُنا القائمُ المَهديُّ المنتَظَر في كلماتِ أهلِ البيتِ (ع) مصطلحٌ معروفٌ لِمَن يَألَفُ كَلمَاتِهِم، وهذهِ الأحاديثُ صَريحةٌ في ضرورةِ وجودِ الحُجَّةِ فِي كُلّ زمانٍ، ولا تفسيرَ لهذِهِ الرِّوايَاتِ بِغيرِ مَا يَعرفُهُ الخَصيبيُّونَ ويعتقدُونَهُ مِن وجودِ الإمامِ المنتَظَرِ.
وهذهِ الحقائقُ تثبتُ جميعًا أنَّ حكمةَ اللهِ تعالى قدِ اقتَضتْ وجودَ إمامِ عدلٍ في آخرِ الزَّمانِ، قَد فرضَ اللهُ طاعتَهُ على النَّاسِ، ولمْ يأذنْ بالخروجِ عَن طاعتِهِ فَهي حكمٌ شرعيٌّ يستبطنُ تقريرًا لسُنَّةٍ إلهيَّةٍ لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ)، فهنالكَ يخرجُ الإمامُ القَائمُ المَهديُّ المنتَظَرُ لتَطبيقِ شَريعتِهِ وتنفيذِ رسالَتِهِ. ولهذَا الأمرُ يُشيرُ الإمَامُ الصَّادقُ (ع) في قوله: (ما يَكونُ هذا الأمر- يعني قيام المَهديِّ المنتظر- حتَّى لا يَبقى صنفٌ من النَّاسِ إلاّ وقَد وُلُّوا من النَّاس، حتَّى لا يقولَ قائلٌ: إنَّا لَو وُلِّينَا لَعَدَلْنَا. ثمَّ يقومُ القَائمُ المهديُّ المنتظرُ بالحقِّ والعَدلِ)، كما يقولُ الإمامُ البَاقر (ع): (القائمُ المَهديُّ ومَن مَعَهُ يُمَلِّكهم اللَّهُ مشارقَ الأرضِ ومغارِبِهَا، ويظهرُ الدِّينَ ويُميتُ البِدَعَ والبَاطلَ).

علاماتُ ظهورِ القائمِ المهديِّ المُنتَظَرِ:
إنَّ موعِدَ الظُّهورِ مَجهولٌ فقدْ سُئِلَ الرَّسولُ الأكرمُ (ص): يا رسول اللَّهِ متى يَخرجُ المهديُّ؟ فقال (ص): (مَثَلُ القائمِ المهديِّ مَثَلُ السَّاعةِ لا يُجليها لِوَقتِهَا إلاَّ الله عزَّ وجلَّ، لا تَأتيكُم إلاَّ بغتَةً).
لكنَّ هناك علاماتٍ للظُّهورِ ذُكرَتْ في الأحاديثِ والرِّواياتِ منها:
1. الدَّجَّالُ الأعورُ الذي يستعملُ الباطِلَ فيُغري أتباعَهُ، ويُضلَّهُم ويدَّعي الرُّبوبيَّةَ، وتتضمَّنُ أحاديثُهُ غرائِبَ غيرَ مألوفةٍ تُحيط بشخصيَّتِهِ وحركتِهِ وأفعالِهِ. والدَّجَّالُ هو إبليسُ الذي طلبَ مِنَ اللهِ تعَالى أنْ ينْظُرَهُ إلى يَومِ يُبعَثُون فأجابه عزَّ وجلَّ: (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)، وقدْ وردَ أنَّ قَتلَهُ فِي يومِ الوَقتِ المَعلومِ يَكونُ على يدِ سيدنا القَائِمِ المَهديِّ المُنتَظَرِ (ع).
2. الآياتُ السَّماويَّةُ كالنِّداءِ مِنَ السَّماءِ، ويُسمَّى في الأحاديثِ الشَّريفةِ أيضًا: الصَّوتُ، والصَّيحةُ. وأحاديثُ هَذهِ العَلامَةِ فِي مَصَادِرَ كثيرةٍ متواترةٌ: فَظُهُورُ سيدنا القَائِمِ المَهديِّ المُنتظَرِ (ع) يسمَعُهُ أهلُ الأرضِ، كُلُّ قومٍ بلُغَتِهِم، ويذهلونَ لَهُ، ويُبَشِّرُهُم بظهورِ القَائِمِ المَهديِّ المنتَظَرِ. وإنَّ قضيَّةَ سيدنا القَائِمِ المَهديِّ المنتَظَرِ بعدَ النِّداءِ تُصبحُ الشُّغلَ الشَّاغِلَ للنَّاسِ. وكثيرٌ مِنَ المَصَادِرِ يَذكُرُ أنَّ النِّداءَ يَكونُ مِن مَلَكٍ يسيرُ في غمامةٍ مع القَائِمِ المَهديِّ المنتَظَرِ يقولُ: (هَذَا القائمُ المَهديُّ خليفَةُ اللهِ فاتَّبعوهُ).
ومِن أشهرِ أحاديثِ النِّداءِ مَا وردَ عَن الإمامِ الصَّادقِ (ع) حين سُئِلَ: إنَّ هؤلاءَ العامَّةِ يُعيِّرونَنَا ويقولونَ لنَا: إنَّكُم تَزعمُونَ أنَّ مناديًا يُنادِي مِنَ السَّماءِ بِاسمِ صَاحِبِ هَذَا الأمرِ! فقالَ (ع): (واللهِ إنَّ ذلكَ فِي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجلَّ بَيِّنٌ حيثُ يقولُ: إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:23 am

المسألة الرابعة
بدء الخليقة والهبطة وفق القانون الخصيبي

الآدَامُ والنَّشآتُ:
قالَ سيِّدُنا الفيلسوف أفلاطون الحكيم: (إنَّ واجبَ الوجودِ يظلُّ دومًا على حالٍ واحدةٍ، وإنَّ الصَّيرورَةَ لا تنفكُّ تتحوَّلُ من حالٍ إلى حالٍ)، إذْ تتبدَّلُ الأرضُ غير الأرضِ، والسَّماءُ غير السَّماءِ، والخلقُ غير الخلقِ، وهذا يُسمَّى بالنَّشأة، وهذا باقٍ دائمٌ مع دوامِ الأزلِ لا نفادَ لهُ، كما أنَّ المُلْكَ ما له من نفادٍ.
ولكلِّ نشأةٍ (آدم) خاصٌّ بها، لهذا نعتبرُ أنَّ تسميةَ (آدم) تقعُ على عديدين، ومن هنا يتبيَّنُ للبصيرِ روعةَ عقيدَتِنَا في رمزيَّةِ شخصيَّةِ آدم، باستثناءٍ واحدٍ لآدم، فآدمُ ليسَ شخصًا واحدًا في جميعِ المواقعِ.
وهناكَ الكثيرُ من الأدلَّةِ على هذا منها ما نُقِلَ عن سيدنا أبي حمزة الثَّمالي (ع) أنَّ اللهَ خلقَ ألف ألفَ آدم، فهل كانَ هناكَ آدمٌ قبل آدمنَا المعروف لنا؟
وما هذا التَّعدُّدُ بالأرقامِ إلاَّ للدَّلالَةِ على عجزِنَا نحنُ البشرَ عن إدراكِ عظمةِ الخالقِ التي لا يستطيعُ مخلوقٌ أنْ يُدرِكَها أو يحدَّ آفاقَها، وفي هذا الكونِ العظيمِ ما يعجزُ الإنسانُ أنْ يتخَيَّلَهُ أو يَتَصوَّرَهُ من الخلقِ، لكنَّنا مطالبونَ بمعرفةِ أنَّهُ مع كلِّ آدمٍ هناكَ حقٌّ وباطلٌ وإيمانٌ وكفرٌ وخيرٌ وشرٌّ، فالأوادمُ كثرٌ والنَّشآتُ كثيرةٌ، ولكلِّ آدمٍ نشأةٌ فيها مؤمنٌ وكافرٌ، ففي القرآنِ سبعةُ أمكنةٍ مختلفةٍ في مخاطبةِ موسى وفرعون، لكلِّ آدمٍ منهم موسى وفرعون، ستَّةٌ منهم فعلَ اللهُ بهم ما يشاء، وسابعُهُم آدمنا هذا، يجعلُ اللهُ لهُ الخلودَ، وقد مضى سبعةُ آدامٍ، ستَّةٌ منهم في الدَّورِ السَّادسِ، لكلِّ دورٍ سبعةُ آدام، مع كلِّ آدمٍ موسى وفرعون.
وقدْ يتسَاءَلُ أحدُنا عن الأوادِمِ الكثرِ، والهَبطاتِ الكثيرةِ، إذْ أنَّ هناكَ هبطاتٌ كثيرةٌ وعديدةٌ، وأوادمُ عديدونَ وأوقاتُهم مديدةٌ، وكثيرٌ من القُرَّاءِ يلتَمِسونَ معرفةَ عَدَدِ هذهِ الهبطاتِ، وتاريخَ كلٍّ منها، ولكنَّ هذا ما لم يتواجَدْ في النَّصوصِ المَنقولةِ، ولمْ يُحدَّدْ، إذْ لا يُحصيها إلا الله، لكنَّ المهمَّ هنا من كلِّ هذا هو العالَمُ الهابطُ، وهو ما وردَ أنَّه مكثَ في آمادٍ طويلةٍ قضاها في التَّعلُّمِ والتَّأدُّبِ قبلَ الهبطةِ، لأنَّ اللهَ أوجبَ علينا أنْ نعرفَ عالَمَنا الذي نحنُ عليه من أمورِ الأديانِ، أمَّا عِلْمُ ما لا نصلُ إليهِ فلا يتوجَّبُ علينا، فلَنَا أنْ نعرفَ ما عرَّفَنا، وذلك قوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، فاللهُ لم يلكِّفِ العبادَ معرفةَ ما ليسَ لهم استطاعتَهُ، وقد قالَ أميرُ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام لكميل بن زياد (ع): (يا كميل إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يسألُكَ إلاَّ عمَّا فَرَضَ).

إبليسُ والشَّكُّ:
إنَّ بدايةَ إبليس كانتْ منَ الاعتراضِ الذي هوَ الاعتراضُ في جوابِ الاختبارِ لهم بقولهِ: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
فاللهُ تعالى قالَ لآخر خلقٍ خلقَهُ من عالمِ العقلِ وهمْ أقلُّهم يقينًا: إنِّي مُنزِّلُكُم إلى الأرضِ لأبْلُوَكُم أيُّكُمْ أحسنُ عملاً، قالوا: إلهنا دَعنَا في السَّمَاءِ نسبِّحُكَ ونعبُدُكَ، فقالَ تعالى: هَا قدْ عصيتُمُوني بِرَدِّكُم عليَّ، لو قُلتُم: إلهَنَا لا عِلمَ لنا إلاَّ ما علَّمتَنَا، سلَّمنَا لأمرِكَ، واتَّبعنَا رضاكَ، لكانَ خيرًا لكُم. فلمَّا قالوا ذلكَ وهم لا يعلمونَ أنَّ ذلكَ معصيةٌ وَرَدٌّ على اللهِ، اجتعموا إليه وكانَ عزَّ وجلَّ يومئذٍ ظاهرًا لهم يُؤدِّبُهُم ويخاطبونَهُ ويخاطِبُهُم، فقالوا: (إلهنا ومولانَا وسيِّدنا أخبَرتَنا أنَّك ستُهبِطَنا إلى الأرَضِ وتبلُوَ بعضَنَا ببعضٍ وتخلقَ من معاصينا عدوًّا لنا، فلكَ المشيئةُ في أمركَ والبِدَا في فعلكَ فلا تهبِطْنَا إلى الأرضِ ودَعنَا في سمائِكَ نحمَدُكَ ونعبدُكَ ونشكرُكَ)، فقالَ الله: (ها قَدْ عصيتموني بردِّكُم عليَّ قولي، فلو قلتم: إلهنا أنتَ أعلمُ استسلَمنَا لأمرِكَ واتَّبعنا رضاكَ، لكنتُ أشكرُ ذلكَ منكم، ولكنَّكم ردَدْتُم عليَّ قولي وأخلَفتُم أمري).
ثمَّ خلقَ اللهُ حجابًا من قولِهِم وحجَبَهُم بهِ عنه، فَبَقَوا حَيَارى، لا جَحَدوا ولا أنكرُوا، فخلقَ لهم من ذلكَ الوقوفِ والتَّحيُّرِ الأبدانَ الطِّينيَّةِ.
وإبليس بحالهِ ليسَ فيهِ شيءٌ إلاَّ الشَّك، وسُمِّيَ إبليسًا لأنَّهُ أبلسَ من رحمةِ اللهِ (أي يَئِسَ)، وسَهَا عن معرفتِهِ وأنكرَ وحدانيَّتَهُ وَجَحَدَ ربوبيَّتُهُ، وقد جاءَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّهُ قال: يا مفضّل أتدري لمَ عصى إبليس؟ قالَ: لا، قالَ (ع): (لأنَّ إبليسَ وذريَّتَهُ جَهَلةٌ)، فمعنى إبليس: الجهل، لأنَّهُ لم يعلمْ ابتداءَ خلقِ العالمِ، ولمْ يشهَدْ ما شهدَ مَنْ كانَ قبلَهُ، ودليلُ ذلكَ قوله تعالى: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).
ثمَّ دعا اللهُ إبليسَ وذريَّتَهُ إلى عبادتِهِ، فقالوا: أخبرنا كيفَ خَلَقتَنَا في البدءِ حتَّى نكونَ من ذلك على علمٍ، فأخبَرَهُم، وقالَ اللهُ للملائكةِ: اسجدوا لآدم، يعني: اسجدُوا لي من جهةِ آدم، وإنَّما سجدُوا للهِ لا لسيِّدنا آدمَ، حيثُ وردَ في جوابِ مسائل عن الإمامِ الصَّادقِ (ع) أنَّهُ سُئِلَ: أيَصلُحُ السُّجودُ لغيرِ اللهِ؟ قال: لا، قال: فكيفَ أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ؟ قال (ع): (إنَّ مَنْ سجدَ بأمرِ اللهِ فقد سجدَ للهِ، فكانَ سجودُهُ للهِ إذْ كانَ عن أمرِ اللهِ).
قال إبليس: أنَا خيرٌ منه، وأنا أسجدُ لكَ لا لهُ لأنِّي منكَ لا منهُ، وهؤلاءَ يسجدونَ لهذا لأنَّهُم منه، فتوجَّبَ عليه الذَّمُّ، إذْ أمرَهُ بالسُّجودِ لسيِّدنا آدمَ فأبى واستكبَرَ وعصى وظَّنَّ أنَّهُ خيرٌ منهُ كما في قولهِ تعالى: (قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، فسمَّاهُ اللهُ ذميمًا وهو المذمومُ المخذولُ، حيثُ قالَ تعالى: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ).
ولمْ يُدرِكْ إبليسُ ما أدركَ الملائِكَةُ منَ السُّجودِ والطَّاعةِ، فكانَ السُّجودُ لسيِّدنا آدمَ تعظيمًا لهُ وتحيَّةً، كالسَّلامِ منهم عليه، وقدِ اتَّفقَ المؤمنونَ على أنَّ ذلكَ السُّجودَ ليسَ سجودَ عبادةٍ، لأنَّ سجودَ العبادةِ لغيرِ اللهِ كفرٌ.
وفي وقتِ الدَّعوةِ الأولى قالَ تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا)، فكانت بمعنى: بلى شَهِدُوا بألسِنَتِهِم ما ليس في قُلوبِهِم، فكان ذلك مكرًا منهم.
ثمَّ أُخرِجَ إبليس ملعونًا كما قصَّ الله تعالى بقوله: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)، وكرَّره بقوله: (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)، فطلبَ عدوُّ الله النظرةَ متوعِّدًا المؤمنينَ في الآيةِ: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ، إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ).
واعتقدَ إبليسُ عداوةَ المُؤمنينَ وقاتَلَهُم حسدًا حيث قال عزَّ من قائل: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ، لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ).
فجعلَ مِنَ المَعصيَةِ ذريَّةَ إبليس، مَن لهم عذابُ جهنَّمَ ولهُم عذابُ الحريقِ، وهمْ إبليس وذريتُّهُ، حيث قالَ عدوُّ الله متوعِّدًا كمَا جاءَ في التَّنزيلِ: (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً، قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا، وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا)، لهُمْ في الدُّنيَا وفي الآخرةِ العذابَ الأدنَى والأكبَرَ، بدليلِ قولِهِ تَعَالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ)، أما المؤمنون فَحَمَاهم اللهُ بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً).

هبوطُ عالَمِ المزَاجِ:
هناكَ الكثيرُ مِنَ التَّساؤلاتِ التي لا تَستطيعُ أنْ تُحدِّدَ تحديدًا دقيقًا: كيفَ ومتَى هبَطَ العالَمُ الهابطُ مثلاً؟ فُرادى أم جماعات؟ في وقتٍ واحدٍ أم في أوقاتٍ؟ بواسطةٍ أم بغير واسطةٍ؟ إلخ....؟ لأن أبناءَ عصرِ الحَضَارة اليومَ بعدَمَا تعلَّموا التَّحقيقَ والتَّدقيقَ يَنشُدونَ الإيضاحَ عقلاً وحِسًّا، والموقفُ هنا حرِيٌّ بمحاولةٍ لإيجادِ بعض الإجاباتِ.
وتأتي صيغةُ السُّؤالِ عن تكوينِ البشرِ: أينَ كان بَدؤهُم وتكوينُهُم، وأينَ كانَ النِّداءُ في أوَّلِ البدءِ؟ هَل هُوَ في المَنزلِ الأعلى أم لا؟ ومن أينَ صَارَ الهُبوطُ؟ وما سبُبُه ؟
والجوابُ: إنَّ عالَمَ الجِنَانِ كانَ بَدؤهُم وتكوينُهم من صفوةِ كونِ عالمِ العقلِ، وعن إفاضَةِ ظلالِهم كانتْ أرواحُ المؤمنينَ، ثمَّ أمرَ اللهُ المؤمنينَ المَهبوطينَ بطاعَةِ عالمِ العقلِ فقالوا: لا تفاضُلَ بيننا، وكلُّنا عبيدُ اللهِ، والمؤمنونَ المَهبوطونَ ليسَ علمُهُم مخلصًا كعلمِ العالَمِ العقليِّ، وسبقتْ مشيئةُ البَاري بهبطَتِهِم للدَّارِ السُّفليَّةِ لأنَّهم وقعوا تحتَ الامتحَانِ فلم يتحمَّلوهُ، ووجبتْ عليهم الهَبطةُ، ولمْ يَدخُلُوا تحتَ الحصرِ والعَددِ بلا شكٍّ، ومشيئتُه أن يُهبطها إلى الدَّار السُّفليَّةِ لعمارة دارِ البلوى.
ولا تكَادُ المصادرُ تُحدِّدُ العالَمَ الذي ارتكبَ الخطيئة المؤدِّيةَ إلى الهبطة تحديدًا قانونيًّا يعطي صورةً جليّةً تغطي كلَّ تساؤلٍ، فاللهَ خلقَ أرواحَ المؤمنين من طينةِ ما بقي من آخرِ العالَمِ العقليِّ، وإنّ الأرواحَ كانتْ في السَّماءِ مجاورةً للملائكةِ وتُشاهدُ ربَّها، وذلك قُبيْلَ الهبوطِ، فالهبطةُ كانت من عالمٍ أدنى ملحقٍ بآخرِ مرتبةٍ من مراتبِ العالَمِ العقليِّ، والهابطون هم العالمُ الذين أُخذ عليهم الميثاق المذكور في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى). وهم الذين مكثوا قبلَ الهبطة آمادًا لا يعلمُها إلا الله يؤدَّبون ويُعلَّمُون، وهم أيضًا الذين قال لهم الباري: سأهبِطُكم...، وأجابوه: ربَّنا لا تُهبطنا ودَعْنا هنا نعبدُكَ، فقال: ها قد عَصَيتُموني بردِّكم عليَّ. فكلُّ ما شاكلَ هذه المنقولاتِ هو واقعٌ على هذا العالم الملحَقِ، وإليه يرتقي مَنْ يخلصُ من المؤمنينَ الهابطينَ منهُ إلى دارِ الامتحانِ، وإليه يصيرُ.
ويمكنُ إيجادُ التَّعليلِ لتَسمِيَةِ العالَمِ الهَابِطِ بالعالَمِ المُلحَقِ، فجميعُ المُؤمنينَ بدؤُهُم من أصلٍ واحدٍ، وإليهِ يعودُونَ، فكُلُّ الخلقِ كانَ حاضرًا في البدءِ ليتحقَّقَ العدلُ الإلهيُّ لقولِ سيِّدنا الحكيمِ محمَّد بن سنان (ع): سمعتُ الإمامَ الصَّادقَ (ع) يقولُ: (خلقَ اللهُ المؤمنين مرَّةً واحدةً بأمرٍ واحدٍ، وصاروا كلّهم إلى شيءٍ واحدٍ).
وقد ورد في الخبرِ أنَّهُ لمَّا رتَّبَ العوالِمَ وجعلَ لها صفوفًا أمرَ كُلَّ صَفٍّ أنْ يُطيعَ الصَّفَّ الذي فَوقَهُ في العُلُوِّ، فأطَاعُوا إلاَّ الصَّفَّ الَّذي أقلُّهُم إيمانًا وأضعَفُهُم يقينًا، أَبَوا أنْ يُطيعُوا مَنْ هُو فَوقَهَم مِنَ المَرَاتِبِ، وقالوا: كلُّنا عبيدٌ للهِ فلماذا يُفضَّلُ بعضَنَا على بعضٍ؟ فاستحقُّوا الهُبوطَ والدُّخولَ في مَزاجِ الطَّبائعِ الأربعَةِ (المَاءِ والرِّيحِ والتُّرابِ والنَّارِ)، وجَعلَ لهمُ السَّمعَ والبَصرَ والعقلَ والفهمَ والنُّطقَ والحسَّ والعلمَ والذَّوقَ والطَّعمَ والشَّمَّ.
وقدْ تسَاءَلَ النَّاسُ عن هَذهِ الآيةِ فقالوا: إنَّ هذهِ الجَنَّةَ إنْ كانتْ في السَّماءِ فَهل هي الجَنّةُ التي هِيَ دارُ الثَّوابِ، أو جَنّةُ الخُلدِ، أو جنَّةٌ أخرى؟ قيلَ: كانتْ في الأرضِ، والإهباطُ هُوَ الانتقالُ من بقعةٍ إلى بقعةٍ كما في قوله تعالى: (اهبطوا مصرًا). وهذه الجنَّةُ لوْ كانتْ هيَ دارُ الثَّوابِ لكانتْ جَنَّةَ الخُلْدِ، والمَوجودُ في جنَّة الخُلْد لمْ يَلْحَقْهُ الغرورُ من إبليس، وقالوا: إنَّ قولَه تعالى: (اهبطوا)، يدلُّ على الإهباطِ من السَّماءِ إلى الأرضِ وليسَتْ بجنّةِ الخُلْد، مَع أنَّ الانتقالَ من أرضٍ إلى أخرى قد يُسمَّى هبوطًا كما في قوله تعالى: (اهبطوا مصرًا)، ولكنَّ الظَّاهرَ من آخرِ الآيةِ كون الهبوطِ مِن غيرِ الأرضِ، مع العلمِ أنَّ بني آدم كانتْ له جنّةُ عدنٍ منزلاً ومنها أصبحَ هابطًا، فالهبطةُ من جنّةِ عدنٍ لقول الإمام الصادق (ع): (إنّ بني آدم لو سكنَ جنَّةَ الخُلْدِ لم يكنْ له هبوطٌ منها، وإنما سكنَ جنّة عدنٍ)، وقوله حين سئل عن جنَّة بني آدم فقال (ع): (جنّةٌ من جِنانِ الدنيا، ولو كانتْ من جِنانِ الخُلْدِ ما خرجَ منها أبدًا).
وقد سبق نقلاً عن سيِّدنا الفيلسوف أفلاطون الحكيم ما يثبتُ الهبطةَ من عالمٍ سابقٍ على الحياة الرَّاهنَةِ، حيث قال: (إنَّ النُّفوسَ كانتْ في عالمِ المجرَّداتِ، وكانتِ الحكمةُ في هبوطِهَا إلى هذا العالم ومقارَنَتِهَا لهذِهِ الهَيَاكِلِ الجِسمانيَّةِ الكثيفَةِ فِي دارِ الغربةِ هو أنْ تحصَلَ لها الكمالاتُ العَقليَّةُ، ثمَّ ترجعُ بعد الاستكمالِ منهَا إلى عالَمِها الأعلى طاهرةً من علائِقِ هذه الهياكلِ كما أُخِذَ عَليهَا في العهدِ القَديمِ).

ارتقاءُ العَالَمِ المزَاجيِّ:
ليسَ في الوجودِ إلاَّ إيمانٌ أو كفرٌ، لكنْ وقَعَ بعدَ الهبطةِ الاختلاطُ والتَّمازُجُ لحكمةٍ إلهيَّةٍ وهي عمارةُ الدَّارِ، فأولَدَ المؤمنُ كافرًا، والكافرُ مؤمنًا، كما قال تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)، فالحيُّ من الميِّتِ هو المؤمنُ الذي يخرجُ من الكافرِ طينيًّا، والميّتُ من الحيِّ هو الكافرُ الذي يخرجُ من المؤمن طينيًّا.
فالنَّفسُ المؤمنةُ إذا ارتكبتْ ذنوبًا وخطايا تَخلصُ بعمَلِهَا الصَّالحِ لأنَّ عنصرها الإيمان، لكن ربَّما طال أمدُ خَلاصِهَا إلى أوقاتٍ لا يعلمُ عددُها إلا الله، وربَّما شملتِ العنايةُ الإلهيَّةُ الأرواحَ المؤمِنَةَ فيقتربُ أجلُ خَلاصِهَا بعفوٍ ربّانيٍّ لقوله تعالى: (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ). ولولا هذا الفضلُ والعَفو لتعذَّرَ الخلاصُ بدليلِ قولِهِ أيضًا عزّ وجلّ: (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا). وهذه الإجراءاتُ كلُّها غيبيَّةٌ خارجةٌ عن إمكانيَّةِ الإحاطَةِ الفكريَّةِ، وهي في كلِّ الأحوال لا تَعدو إطارَ العدالةِ الإلهيَّةِ، ومِن كَرَمِهِ ولُطفِهِ جعلَ فِي الحِسابِ السَّيئةَ بواحدةٍ فقط، والحسنةَ بعشرةِ أمثالِها، وذلك قوله: (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)، هذا عدا عمَّا يشملُه العفو كَمَا تقدَّمَ وكمَا قالَ وهُوَ أصدقُ القَائلينَ: (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، ولكنَّه تعالى يَغفرُهَا للمستحقِّينَ فقط لا للجَميعِ لأنَّ هُناكَ ذنوبًا لَنْ تُغفرَ ومنها ما بيّنهُ عز وجل بقوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء)، فالشِّركُ منَ الذُّنوبِ التي لا تُغتَفَرْ، وكذلكَ قتلُ المُؤمِنِ العَمدِ لقولِهِ تَعَالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، فالنَّفسُ المؤمِنَةُ مَشمُولَةٌ بالعِنَايَةِ الإلهيَّةِ، ومُسَهَّلٌ لها الخلاصُ، من ذلك ما يُصيبُها مثلاً من مرضٍ ونكباتٍ وعُسرٍ وأرزاءٍ وأذى وبلاءٍ وضَرَرٍ، كما قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ)، والجاهلُ لا يفقهُهُ، بل يحسبُ الأحداثَ صدفةً، وهذا إبطالٌ لقوله تعالى: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ)، فالنَّفسُ الكافرةُ لا ترتقي، وإذا عَمَلتْ حسنةً كُوفِئتْ عليها في هذِهِ الدَّارِ بتحسينِ أحوالها الدُّنيويَّةِ كالغِنى والسُّلطَةِ والجَاهِ، لا بالارتقاء لأنَّها عاجزةٌ عن القيامِ بعملِ أهل الخَلاصِ ولِكَونِ الانحطاط علَّتُها وشأنُها، حتّى تَسلكَ في دَرَكَات العَذابِ الأكبرِ حيثُ أنَّ للكفر درجاتٍ كدرجاتِ الإيمانِ.
فليسَ هُناكَ إلاَّ مؤمنٌ أو كافرٌ، لقَولِهِ تَعَالى: (إِمَّا شَاكِرًا أو كَفُورًا)، وكلٌّ منهمَا سَيؤولُ إلى عُنصُرِهِ، هَذَا إلى الخَلاصِ، وذاكَ إلى العَذَابِ، كَمَا وردَ في الخَبرِ أنَّهُ عزَّ وجلَّ حينَ أخذَ بالقَبضَتينِ قال: (هَذِهِ إلى الجَنَّةِ ولا أُبَالي، وهَذِهِ إلى النَّارِ ولا أُبَالِي). وقالَ الإمَامُ الصَّادقُ (ع) للمفضّل (ع) ما مُلَخَّصُهُ: عليكَ بيانُ ما أُلقِيهِ إليكَ وأكشُفُهَ لكَ لِتكشُفَهُ وتُلقيهِ لأهلِ عِقَابِ الصِّراطِ الذي لا يَرتَقِي المُرتَقِي إليهِمْ إلاَّ بمقدارِ علْمِهِ وعمَلهِ، فإنَّهُ إذا كانَ لهُ علمٌ وعملٌ يجاوزُ عقبةً جَازَها، وإنْ زادَ علمُهُ وعملُهُ بمقدارِ ما يلحقُ بهِ عقبةً ثانيةً لحقَ بهَا، وإنْ رقَّاهُ علمُهُ وعملُهُ إلى الثَّالثَةِ رُقِّي إليهَا، وإنْ استوجَبَ أنْ يرفَعَهُ مولاهُ إلى العقبَةِ الرَّابِعَةِ فيكونُ عندَ ذلكَ قد اجتازَ ثلاثَ عقباتٍ مِن مسلَكِ الصِّراطِ، وهو قوله تعالى: (فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ)، فالمُؤمنُ إذا صحَّ عملُهُ وعلمُهُ في الأكوَارِ والأدوارِ والدُّهورِ والعُصُورِ وتجنَّبَ أهلَ الرَّدى وعَمِلَ بأعمَالِ أهلِ الخَلاصِ يزيدُ عملُهُ وعلمُهُ، ويصلُ إلى حقيقةِ المَعرفَةِ.

مَسيرُ المؤمنِِ:
إنَّ المؤمنَ لهُ في هذِهِ الدُّنيَا صورةً ملكيَّةً دنيويَّةً، خَلقَهَا اللهُ تباركَ وتَعَالى فِي كمالِ الحُسنِ والجَمَالِ والتَّركيبِ البَديعِ، والمُتَحَيِّرةُ إزاءَهَا عقولُ جميعِ الفَلاسفةِ والعُظمَاءِ، إذْ لمْ يَستَطِعْ علمُ معرفةِ الأعضاءِ والتَّشريحِ حتَّى الآنَ أنْ يتعرَّفَ على حالِهَا بصورةٍ صحيحةٍ، وقد ميَّزَ اللهُ تَعَالى المُؤمنَ عَن جميعِ المَخلُوقاتِ بِحُسنِ التَّقويمِ وجُودَةِ وجَمَالِ المَظهَرِ، كذلكَ فإنَّ لهُ صورةً وهيئةً وشكلاً ملكوتيًّا غيبيًّا، وهذهِ الصُّورةُ تابعةٌ لمَلَكاتِ النَّفسِ ودَرَجَاتِهَا.
وفي عالَمِ مَا بعدِ المَوتِ، سواءَ في البَرزَخِ أو القِيَامَةِ، إذا كانَ خلقُ الإنسانِ في النَّفسِ الملكوتيَّةِ والسَّريرةِ الإنسانيَّةِ، تكونُ الصُّورةُ المَلَكوتيَّةُ لهُ صورةٌ إنسانيَّةٌ أيضًا، وأمَّا إذا لمْ تكنْ ملكاتُهُ ملكاتٍ إنسانيَّةٍ، فصورتُهُ في عالَمِ ما بَعدِ المَوتِ، تكونُ غيرَ إنسانيَّةٍ أيضًا وهي تابعةٌ لتلكَ السَّريرةِ والمَلَكَةِ، فمثلاً إذا غَلَبَتْ على نفسِهِ مَلَكَةُ الشَّهوةِ والبَهيميَّةِ، وأصبحَ حُكمُ مَمَلكةِ النَّفسِ حُكمَ البَهيمةِ، كانتْ صورةُ الإنسانِ على صُورَةِ إحدى البَهَائِمِ التي تَتَلاءَمُ وذلكَ الخلقُ، وإذَا غَلَبتْ على سَريرتِهِ ملكَةُ الغَضَبِ السَّبعيَّةِ، وكانَ حكمُ المَملكَةِ والسَّريرةِ حُكمَ سَبْعٍ كانَتْ صُورتُهُ الغيبيَّةُ صورةَ أحدِ السِّبَاعِ والبَهَائِمِ، وإذَا أصبحَ الوَهمُ والشَّيطنَةُ هُمَا المَلَكَةُ، وأصبحتِ السَّريرةُ مَلكاتٍ شَيطانيَّةٍ كالخِداعِ والتَّزويرِ والنَّميمَةِ والغيبَةِ، تكونُ صورتُهُ صورةَ أحدِ الشَّياطينِ بِمَا يتناسَبُ وتِلك.
والمِعيارُ لهذِهِ الصُّورِ المُختلفَةِ، هُوَ وقتُ خُروجِ النَّفسِ مِنَ هَذَا الجَسَدِ. وظُهورِ مَمْلَكَةِ البَرزَخِ واستيلاءِ سُلطَانِ الآخرَةِ والذي أوَّلُهُ في البَرزَخِ عندَ خُروجِ النَّفسِ من الجَسَدِ، فبأيَّةِ مَلَكَةٍ يَخرُجُ بِهَا مِنَ الدُّنيَا، تَتَشَكَّلُ على ضَوئِهَا صُورَتُهُ الأُخرَويَّةُ، وتَرَاهَا العينُ المَلَكوتيَّةُ البَرزخيَّةُ، وهُوَ نفسُهُ أيضًا، عندما يفتحُ عينيهِ البَرزخيَّتين يَرى نفسَهُ بالصُّورةِ التي هُوَ عليها إذَا كانَ لديهِ بَصَرٌ، وليسَ مِنَ المُحتَّمِ أنْ تكونَ صُورةُ الإنسانِ في ذَلكَ العَالَمِ علىِ نَفسِ تلكَ الصُّورةِ التي كانَ عَليهَا في هَذِهِ الدُّنيَا، يقول سبحانه وتعالى نقلاً عن لسان البعضِ حينَ الحشرِ: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا) فيأتيه الجواب من الله: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)، أي: كَانَتْ لديكَ عينٌ مَلَكيَّةٌ ذاتُ بصرٍ ظاهريٍّ ولكنكَّ في حقيقتِكَ كنتَ أعمَى، وقد أدرَكْتَ الآنَ هذَا الأمرَ، وإلاَّ فإنَّكَ كُنتَ أعمى منذُ البِدَايَةِ ولمْ تَكُنْ لديكَ عينُ البَصيرةِ التي تَرَى بِهَا آياتِ اللهِ.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:30 am

المسألة الخامسة
الكتاب السَّماوي الجامع وفق القانون الخصيبي

إنَّ كتابَ اللهِ هُوَ كتابُ المَعرِفَةِ والدَّعوَةِ إلى الكَمَالِ، لذلكَ فإنَّ معرفةَ هذا الكِتَابِ لا بُدَّ أنْ تكونَ عرفَانِيَّةً ومُبَيِّنةً للجهاتِ العرفانِيَّةِ وسائِرِ جِهَاتِ الدَّعوَةِ إلى السَّعادَةِ الأبدية، فالمعرفةُ التي تغفلُ عن هذهِ الجهةِ أو تَصرفُ عنهَا النَّظَرَ أو لا تهتمُّ بِهَا هي غافلةٌ عن مقصودِ الكِتابِ والمنظورِ الأصليِّ لإنزالِ الكُتُبِ وإرسَالِ الرُّسُلِ، وهذا هُوَ الخَطأ الذي حَرَمَ الأكثريَّةَ ومنَعَهُم من الاستفادةِ من الكتابِ الشَّريفِ وسدَّ طريقَ الهِدَايَةِ على النَّاسِ، لذا لا بُدَّ لنا من أنْ نأخُذَ المقصودَ من تنزيل هذا الكتَابِ.
وإذا نَظَرنَا إلى آياتِ الكتابِ، نرى أنَّه يقول: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) فعرَّفَ أنَّ هذا الكتابَ كتابُ هدايةٍ، كما نرى أنَّهُ في سورةٍ قصيرةٍ كرَّرَ مرَّاتٍ عديدةٍ: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)، كما نرى أنَّهُ قال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقال: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)، إلى غير ذلكَ من الآياتِ الشَّريفةِ التي يطولُ ذكرُهَا.
لَكِنَّ التَّبَعِيَّةَ والتَّقليدَ وحُجُبَ الآرَاءِ الفَاسِدَةِ والمَسَالِكِ والمَذَاهِبِ البَاطِلَةِ التي تَحجبُ عَنْ مَعَارِفِ الكِتابِ تزيدُ السُّوءَ لدى المنحرفينَ، فمثلاً إذَا رُسِّخَ في قُلوبِ الضُّعفاءِ اعتقادٌ بمجرَّدِ الاستِمَاعِ مِن بَعضِ الجَهَلةِ، سَيكونُ هذَا الاعتقَادُ حَاجِبٌ بَينَهُم وبينَ الآيَاتِ الشَّريفَةِ الإلهيَّةِ، فإنْ وَرَدتْ آلافٌ مِنَ الآيَاتِ والرِّوايَاتِ تُخَالِفُ ذَلكَ الاعتقَادَ، فإمَّا أنْ يُحَرِّفُوهَا عَن حَقيقَتِهَا أو لا يَنظُروا فِيهَا نَظَرَ الفَهمِ والأمثَالِ.
وسَيَظْلُمُ هَؤلاءِ أنفسَهُم عندَمَا يَتَفَوَّهُونَ بِكَلامٍ سَفيهٍ بِحَقِّنَا لأنَّهُم يدَّعون أنَّ مَعَارِفَنَا الخَاصَّةَ بَاطِلَةً، لِيَصِلُوا إلى مَرحلةِ النَّدَمِ فَيَقُولُونَ كَمَا في الآيَةِ: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا).
وهُنَا تَتَّضِحُ فَضيحَةُ العَقَائِدِ الفَاسِدَةِ النَّاشِئَةِ عن الجَهلِ والغُرورِ الشَّيطَانِيِّ، وبِالمُقابِلِ لا بُدَّ أنْ نَذكُرَ المَعَارفَ التي وَقَعَتْ وراءَ سِتْرِ النِّسيانِ حتَّى يَعلمَ الجَميعُ أنَّها أحدُ مَراتبِ مَهجُوريَّةِ القُرآنِ الكريمِ كَمَا يقولُ تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).
إنَّ في الكتابِ السَّماويِّ كلُّ الشُّؤونِ الإلهيَّةِ، فهُوَ الحبلُ المتَّصِلُ بينَ الخالقِ والمخلُوقِ، ولا بُدَّ أنْ يوجدَ الرَّبطُ المعنَويُّ والارتباطُ الغيبيُّ بتعليماتِهِ بينَ عبادِ اللهِ ومُرَبِّيهم، ولا بُدَّ أنْ تُحَصَّلَ من القُرآنِ العلومُ الإلهيَّةُ والمعارِفُ اللَّدُنيَّةُ التي تُفَاضُ من قبلِ اللهِ سبحانهُ مباشرةً من دونِ واسطةٍ كما قال اللهُ سبحانه: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا).
ولا بُدَّ أنْ يُحصِّلَ الإنسانُ بالتَّفَكُّرِ في الآياتِ الشَّريفةِ مراتبَ النَّجاةِ من المرتبَةِ الدَّانيَةِ والرَّاجِعَةِ إلى القوى المَلَكِيَّةِ إلى منتهى النِّهايةِ فيها، وهي حقيقةُ القلبِ السَّـليمِ على ما وردَ تفسيرُهُ عن أهلِ البيتِ (ع)، وتكونَ سلامةُ القوى الملكيَّةِ والمَلَكوتيَّةِ ضالَّةَ المتفكِّرِ في القُرآنِ، فهي موجودةٌ في الكتابِ السَّماويِّ ولا بُدَّ أنْ يستَخرِجَهَا بالتَّفَكُّرِ، وإذا صارتِ القوى الإنسانيَّةُ سالمةً عنِ التَّصرُّفِ الشَّيطانيِّ، وتحصَّلَ الإنسانُ على طُرُقِ النَّجاةِ وعَمِلَ بها ففي كُلِّ مرتبةٍ من النَّجاةِ تحصلُ لهُ ينجو، ويتجلَّى لهُ النُّورُ السَّاطعُ الإلهيُّ قهرًا، حتَّى إذا خَلُصَ من عوالِقِ عالَمِ الطَّبيعَةِ يتجلَّى الحقُّ لقلبِهِ ويهديهِ إلى طريقِ الإنسانيَّةِ المُستقيمِ؛ وهُوَ في هذا المقامِ طريقُ الصِّراطِ المستقيمِ (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
وَقَد كَثُرتِ الدَّعوَةُ إلى التَّفكُّرِ وتَمجِيدِهِ وتَحسينِهِ في القُرآنِ الكَريمِ كَمَا قالَ تَعَالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وَفِي هَذهِ الآيةِ مَدحٌ عظيمٌ للتَّفَكُّرِ، لأنَّ غَايةَ إنزَالِ الكِتَابِ العَظيمِ السَّماويِّ والصَّحيفَةِ المَلكُوتيَّةِ قَد جَعلَتِ احتمالَ التَّفكُّرِ مُوجِبًا لهذِهِ الكَرَامَةِ العَظيمَةِ.

ارتقاءُ النَّفسِ لِفَهمِ عِرفانِ الكتابِ:
إن الذينَ يقِفُونَ خَلفَ حُجُبِ أهوائهم لا يُمكِنُهُم أنْ يُدرِكُوا الحقَائِقَ، مع ظنِّهم بأنَّهُم يَستطيعُونَ إدراكَها، لذلك يجبُ تَزكيةُ النُّفوسِ وتَطهيرُهَا مِن جَميعِ الأدرَانِ، وأعظمُ الأدرانِ للنَّفسِ الإنسَانيَّةِ هيَ الأهواءُ النَّفسيَّةُ، لكن مَا دامَ الإنسَانُ لَمْ يَخرُج من حِجَابِ نَفسِهِ، فإنَّهُ لن يستَطيعَ أنْ يُدرِكَ حقيقةَ الكتابِ، وطَالمَا أنَّهُ مبتلٍ بالأهواءِ النَّفسيَّةِ فإنَّهُ لا يَكونُ مُؤهَّلاً لانعكاسِ نورِ الكِتابِ الإلهيِّ في قلبِهِ.
فالذينَ يُريدونَ فَهمَ القُرآنِ ومُحتَوَاهُ، لا صُورَتَهُ النَّازِلَةِ المَحدُودَةِ، يَزدادُونَ سُمُوًّا ورُقِيًّا كُلَّمَا قَرأوه، ويَقتَرِبُونَ مِن مَصدرِ النُّورِ والمَبدأ الأعلى كُلَّمَا قَرأوه، لكنَّ هَذَا لا يَتَحَقَّقُ إلاّ بِزَوالِ الحُجُبِ، والإنسانُ بنَفسِهِ حجابٌ لنَفسِهِ، لذَا يجبُ رفعُ هَذِهِ الحُجب حتَّى يَتَمَكَّنَ مِن رُؤيَةِ هذَا النُّورِ القُرآنِيِّ كَمَا هُوَ وكمَا يَليقُ بالإنسانِ أنْ يُدرِكَهُ.
فَمِنَ الحُجُبِ المَانِعَةِ مِن فَهمِ الكِتابِ الشَّريفِ، ومِنَ الاستفَادةِ مِنَ مَعَارِفِ هَذَا الكِتَابِ السَّماويِّ ومَوَاعِظِهِ حِجَابُ المَعَاصِي والكُدُورَاتِ الحَاصِلَةِ مِنَ الطُّغيانِ والعِصيانِ بالنِّسبَةِ إلى سَاحةِ رَبِّ العَالمينَ المُقَدَّسةِ، فَتحجُبُ القلبَ عَن إدرَاكِ الحَقَائِقِ. إذْ أنَّ لِكُلِّ عملٍ مِنَ الأعمَالِ الصَّالحَةِ أو السَّيِّئةِ صُورةٌ في عَالَمِ المَلَكوتِ تَتَنَاسَبُ مَعَهُ، وله صُورةٌ أيضًا في مَلَكوتِ النَّفسِ، فأمَّا مَنْ كَانتْ نَفسُهُ عَقليَّةٌ فيكونُ قلبُهُ مُطَهَّرًا ومُنَوَّرًا، وفِي هَذِه الحَالَةِ تَكونُ النَّفسُ كالمِرآةِ المَصقُولَةِ صَافيةً، ويليقُ بِهَا الاستعدادُ لِقبُولِ التَّجلِّياتِ وظُهورِ الحَقَائِقِ والمَعَارِفِ، وأمَّا مَنْ كَانت نَفسُهُ خَبيثةً فَيكونُ قلبُهُ كالمِرآةِ المُدَنَّسَةِ لا تنعكِسُ فِيهَا المعارفُ الإلهيَّةُ ولا الحقائقُ الغَيبيَّةُ، وحيثُ أنَّ القلبَ فِي هذهِ الحَالةِ يقعُ بالتَّدريجِ تَحتَ سُلطةِ الشَّيطانِ ويَكونُ إبليسُ هو المُتَصَرِّفُ في مَملكةِ النَّفسِ، فيقعُ السَّمعُ والَبصرُ وسَائِرُ القِوَى أيضًا في تَصَرُّفِ ذاكَ الخَبيثِ، وينسَدُّ السَّمعُ بالكُلِيَّةِ عَنِ المَعَارفِ والمَوَاعِظِ الإلهيَّةِ، ولا تَرَى العينُ الآياتِ البَاهرَةَ الإلهيَّةَ وتَعمَى عنِ الحقِّ وآثارِهِ وآياتِهِ ولا يتفَقّهُ القَلبُ في الدِّينِ ويُحرَمُ منَ التَّفكُّرِ في الآياتِ والبَيِّناتِ وتَذَكُّرِ الحَقِّ، كمَا قالَ الحقُّ تَعَالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
وكُلَّما زادَ التَّمَسُّكُ بالشَّكِّ ازدادَ حجابُ القلبِ وساترُهُ ضخامةً، وربَّما تَغلُبُ هذهِ العلاقةُ على القلبِ ويَتَسَلَّطُ سلطانُ حبِّ الجاهِ والشَّرفِ على القلبِ بحيث يُطفَأُ نورُ فِطرَةِ اللهِ بالكُلِّيَّةِ وتُغلَقُ أبوابُ النَّجاةِ على الإنسانِ، ولعلَّ المرادَ من إقفالِ القُلوبِ المذكُورَةِ في الآية الشَّريفَةِ (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) هُوَ الأقفالُ وأغلالُ العلائقِ الدُّنيَوِيَّةِ، ومَنْ أرادَ أنْ يستفيدَ من القُرآنِ ويأخُذَ نصيبَهُ من المواعظِ الإلهيَّةِ لا بُدَّ وأنْ يُطَهِّرَ القلبَ من هذهِ الأرجاسِ، ويزيلَ لوثَ المعاصي القلبيَّةِ لأنَّ غيرَ المُطَهَّرِ من هذهِ الأرجاسِ محرَّمٌ عليهِ هذهِ الأسرارَ لقولهِ تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ، لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ).
فَكَمَا أنَّ غيرَ المُطَّهَّرِ الظَّاهريِّ ممنوعٌ عن ظاهرِ هذا الكِتَابِ ومَسِّهِ في العالمِ الحسيِّ تشريعًا وتكليفًا، كذلكَ ممنوعٌ من معارِفِهِ ومواعظِهِ وسرِّهِ مَن كانَ قلبُهُ مُتَلَوِّثًا بأرجاسِ التَّعلُّقاتِ الدُّنيويَّةِ، وقد قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، فغيرُ المُتَّقي وغيرُ المؤمنِ بحسبِ الظاهر محرومٌ من الأنوارِ الصُّوريَّةِ لمواعظِهِ وعقائدِهِ الحقَّةِ، وغيرُ المُتَّقي وغيرُ المؤمنِ بحسب الحقيقة ممنوعٌ من سائِرِ مراتبِ التَّقوى، وهي تقوى الخاصِّ وتقوى خاصِّ الخاصِّ وتقوى أخصِّ الخواصِّ، ومحرومٌ من سائرِ مراتِبِهَا، والتَّفصيلُ حولَ تلكَ المراتِبِ وذكرِ سائرِ الآياتِ الدَّالَّةِ على المقصودِ موجبٌ للتَّطويل.

البَعثةُ والكِتَابُ السَّماويُّ:
إنَّ الغَرَضَ مِنَ البعثَةِ هُوَ المَجيءُ بِهَذَا الكِتابِ العَظيمِ، ورَغمَ أنَّ فِي الكَونِ آياتِ الحَقِّ تعَالى، لكنَّ الكِتابَ الكَريمَ هُوَ عُصَارةُ الأشيَاءِ التي يَجبُ أنْ تَتُمَّ في البعثَةِ، فالكتابُ الكَريمُ عبارةٌ عَن مَائدةٍ أعدَّهَا البَاري تَبَارَكَ وتَعَالى للبَشَرِ بِواسِطَةِ نَبيِّهِ الأكرَمِ، لِيَستفيدَ كُلُّ إنسانٍ بِمقدارِ استعدَادِهِ مِن هَذَا الكِتابِ وَهَذِهِ المَائِدَةِ المُمتَدَّةِ في الشَّرقِ والغربِ، لِذَا فإنَّ أحدَ أهدافِ البعثَةِ هُوَ إظهارُ الكِتَابِ الذي كَانَ في الغَيبِ بِصُورَةٍ غَيبيَّةٍ وَفي عِلمِ اللهِ تَبَاركَ وتَعَالى.
فَفِطرَةُ التَّوحيدِ في الكِتَابِ هي التي جَعَلَتهُ مرتَبِطًا بالغيبِ، ثمَّ نزَّلَ هذا الكِتابَ المُقدَّسَ من مرتَبَةِ الغيبِ، بل وقعتْ للأصلِ عدَّةُ تنزُّلاتٍ، حتى وصلَ لمَرتبَةِ الشَّهادَةِ، وخرجَ بصورةِ ألفاظٍ، ويُمكِنُنَا فهمُ هذهِ الألفاظِ والاستفادَةِ من معانيهَا بمقدارِ استعدادِنَا، لهذا استَهدَفَتِ البعثةُ بسطَ هذهِ المائدةِ بينَ النَّاسِ أثناءَ نزولهِ وحتَّى النِّهايةِ، فهذهِ واحدةٌ من أهدافِ الكِتَابِ وأهدافِ البعثةِ (بَعَثَهُ عليكُم) رسولاً يتلو الكِتَابَ عليكم والآياتِ الإلهيَّةِ (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
فقد تكونُ هذهِ هيَ الغايةُ منَ التِّلاوَةِ، فالتِّلاوَةُ تكونُ لأجل التَّزكيَةِ وتعليمِ الحِكمَةِ التي هيَ مِنْ هذا الكتابِ أيضًا، وبالتَّالي فإنَّ هدفَ البعثةِ هوَ نزولُ الوحي ونزولُ الكتَابِ، وهدفُ تلاوَةِ القُرآنِ تزكيَةُ وإنقاذُ أنفُسِهِم حتى تتمكَّنَ أرواحُهُم وأذهانُهُم بعد ذلكَ من فهمِ الكتابِ والحكمَةِ. فالهدفُ هُوَ التَّزكيَةُ لأجلِ فهمِ الكتابِ والحكمَةِ فلا يستطيعُ أيُّ إنسانٍ وأيًّةُ نفسٍ أنْ تُدرِكَ نورَ الكتابِ.
و(هُوَ معكُم) الواردةُ في الآياتِ تعني معنا، أي إنَّهُ هنا، ونحنُ هنَا، ويعجزُ البشرُ حقًّا عن فهمِ حقيقةِ معنى (هُوَ مَعَكُمْ) فما هي هذه المعيَّةِ؟ وما هُوَ معنى (الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟
إنَّ وجودَ الحَقِّ جلَّ وعلا على حسبِ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) يتجلَّى بكسوَةِ الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعالِ، ويتكثَّرُ وجودُ الحقِّ على حَسَبِ تعدُّدِهِم، والكتبُ السَّماويَّةُ التي نزلتْ بنعتِ الإيحاءِ بِتَوَسُّطِ ملاكِ الوحي جبرائيل تتعَدَّدُ على حسبِ تعدُّدِ هذا الوجودِ وعلى حسبِ تعدُّدِ الأسماءِ التي لها المَبدئيَّةُ، كما أنَّ تَعَدُّدَ الأنبياءِ وشرائِعِهِم أيضًا بتعدُّدِ الصِّفاتيَّةِ والأسمائيَّةِ والفِعليَّةِ، والنُّبوَّةَ التَّابعةَ له أكثرُ إحاطة، والكِتابَ النَّازلَ منهُ أكثر إحاطة وجامِعيَّة، وتكونُ الشَّريعةُ التَّابعةُ له أكثرَ إحاطة ودوامًا. وحيثُ أنَّ النُّبوَّةَ الختميَّةَ والقرآنَ الشَّريفَ وشريعةَ سيِّدِ البشرِ من مظاهرِ المقامِ الجامعِ الأعظمِ ومجالِيها، أو مِن تَجَلِّياتِهَا وظهورَاتِهَا، فلهذا صارت أكثرَ النُّبوَّاتِ والكتبِ والشَّرائعِ إحاطةً وَجَمعًا، ولا يُتَصَوَّرُ أكمل وأشرف من نُبوَّتِهِ وكتابِهِ وشريعتِهِ، ولا يُتُنَزَّلُ من عالَمِ الغيبِ على بسيطِ الطَّبيعَةِ علمٌ أعلم منه، أو شبيهٌ له، بمعنى أنَّ هذا هوَ آخر ظهورٍ للكمالِ المَربوطِ بالشَّرائعِ، والمظهرُ التَّامُّ الأعظمُ، ونبوَّتُهُ أيضًا أتمُّ النُّبوَّاتِ الممكِنَةِ، ولهذهِ الجهةِ فإنَّ لهذا الكتابِ أحديَّةُ الجمعِ والتَّفصيلِ وهو جوامعُ الكَلِمِ، كما أنَّ كلامه (ص) أيضًا كانَ من جوامعِ الكلمِ، والمُرادُ من كونِ القرآنِ أو كلامِهِ من جوامعِ الكَلِمِ ليسَ أنَّ القرآنَ أوَّ النبيَّ (ص) بيَّنَ الكُلِّيَّاتِ والضَّوابطِ كما هو معلومٌ في علمِ الفقهِ، بل جامِعِيَّتُهُ عبارةٌ عن أنَّ القرآنَ نزلَ لجميعِ طبقاتِ النَّاسِ في جميعِ أدوارِ العمرِ البشريِّ، وهو رافعٌ لجميعِ حوائجِ هذا النَّوعِ، وحقيقةُ هذا النَّوعِ حقيقةٌ جامعةٌ وواحدةٌ لتمامِ المنازِلِ، من المنزلِ الأسفلِ المَلَكِيِّ إلى أعلى مراتبِ الرُّوحانيَّةِ والملكوتِ والجبروتِ.

عِرفَانُ الكِتَابِ الجَامِعِ:
إنَّ التَّحوُّلَ العرفانِيَّ الحَاصِلَ بِواسِطَةِ الكِتَابِ هُوَ فَوقَ جميعِ المَسَائِلِ، وينظرُ كُلُّ واحدٍ مِنَ النَّاسِ مِن بُعدٍ واحدٍ إلى الكِتَابِ، فالبعضُ يَنظرونَ إلى بُعدِهِ الظَّاهرِيِّ، ويَتركونَ بُعدَهُ العرفانِيَّ، بَيدَ أنَّ البُعدَ الحَقيقيَّ والسِّرَّ المَوجودَ بينَ الحَقِّ والرَّسولِ الأكرَمِ (ص) لا يُمكِنُنَا أنْ نَفهَمُهُ نَحنُ.
وَبِالجُملةِ: فإنَّ اللهَ تباركَ وتَعَالى- لِسِعَةِ رَحمتِهِ عَلَى عِبَادِهِ- أنزَلَ هَذَا الكِتابَ الشَّريفَ مِن مَقَامِ قُربِهِ وقُدسِهِ، وتَنَزَّلَ بِهِ على حَسبِ تَنَاسُبِ العَوَالِمِ حَتَّى وَصَلَ إلى مَقَامِ القُربِ وحُصُولِ مَرتَبَةِ لِقَاءِ اللهِ التي هِيَ أعظمُ مَقَاصِدِ أهلِ الحَقِّ ومَطَالِبِهِم، وبيانُ كَيفِيَّةِ الوُصُولِ إلى هَذَا المَقَامِ تَعني مَعرِفَةَ السَّيرِ والسُّلوكِ والسَّفَرِ إلى اللهِ، فَأحدُ أهمِّ مَقَاصِدِهِ الدَّعوةُ إلى مَعرفَةِ اللهِ، وبيانُ المَعَارِفِ الإلهيَّةِ مِنَ الشُّؤونِ الأَسمائيَّةِ والصِّفاتِيَّةِ والأفعاليَّةِ، ثمَّ الوُصولُ إلى تَوحيدِ جَوهَرِهِ بعدَ إثباتِ الأسمَاءِ والصَّفاتِ والأفعَالِ عِيَانًا وَبَيانًا في الوُجُودِ، ثُمَّ تُقِرُّ مُوَحِّدًا أنَّ جَوهَرَهُ أحديٌّ مُنفَرِدٌ عَن هَذِه الشُّؤونِ المَحسُوسَةِ والمَعقُولَةِ.
وكُلُّ المَعَارِفِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوحيدِ قَد ذُكِرتْ فِي هَذَا الكِتَابِ الجَامِعِ لِجَميعِ مَرَاتِبِ الكَمَالاتِ، كَمَا أنَّ الآيةَ (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)، والآيةَ (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ)، والآيةَ (وَهُوَ مَعَكُمْ)، والآيةَ (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله)، إلى غَيرِ ذَلكَ من الآياتِ الكَريمَةِ الخاصَّةِ بإثباتِ الصِّفاتِ، والآيةَ (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ الله رَمَى)، والآية (الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، والآيةَ (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، لإثباتِ الأفعَالِ التي تَدُلُّ بَعضُهَا بوجهٍ دَقيقٍ وبعضُهَا بوجهٍ أدَّق عرفَانِيٍّ.
فَفِي قَولِهِ تَعَالى: (الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) حَصَرَ جَميعَ المَحَامِدِ باللهِ، فالثَّنَاءُ خَاصٌّ بالحَقِّ ولا يُشَارِكُهُ فيه أحدٌ.
وَمِن مقاصِدِ هذهِ الصَّحيفَةِ الإلهيَّةِ كَيفيَّةُ الاحتجَاجَاتِ والبَراهينِ التي ذكرَهَا اللهُ، لإثباتِ وجودِهِ واكتمالِ المعارفِ الإلهيَّةِ بإثباتِ العلمِ والقُدرةِ وسائِرِ الأوصافِ الكماليَّةِ وإتمامِ التَّوحيدِ بإخلاصِ التَّنزيهِ، كما في الآيةِ (شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ)، وهنالكَ براهينُ يستفيدُ الحُكمَاءُ والعُلماءُ منها على نحوٍ، وعامَّةُ النَّاسِ على نحوٍ آخر، كالآية (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتَا) والآية (لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ) وآياتُ سورَةِ التَّوحيدِ المُباركَةِ وغيرها.
ومِن مَقَاصِدِ الكتابِ الشَّريفِ بيانُ أحوالِ المَعَادِ وإثبَاتِهِ بِالبَراهينِ، وشرحِ كَيفيَّةِ العَذَابِ والعِقَابِ والجَزاءِ والثَّوابِ وتَفَاصيلِ الجنَّةِ والنَّارِ والتَّعذيبِ والتَّنعيمِ.
فالكِتابُ يشرحُ حَالاتِ أهلِ السَّعادَةِ ودَرَجَاتِهِم مِن أهلِ المَعرِفَةِ والمُقَرَّبينَ، ومِن أهلِ السَّالكينَ، ومِن أهلِ العِبادَةِ والنَّاسكينَ، وكَذلكَ حَالاتِ أهلِ الشَّقاوَةِ ودَرَجَاتِهِم مِنَ الكُفَّارِ والمَحجُوبينَ والمُنَافِقِينَ والجَاحِدينَ وأهلِ المَعصيَةِ والفَاسِقِينَ، ولكنَّ مَا كانَ أكثرَ فائدةٍ لحَالِ العَامَّةِ كانَ أكثر ذكرًا وبصراحةِ اللَّهجةِ، ومَا كانَ مفيدًا لطبَقَةٍ خاصَّةٍ، فَقَد ذُكِرَ بِطَريقِ الرَّمزِ والإشَارَةِ مثل (وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ) وآياتِ لقاءِ الله لِتِلكَ الطَّائفَةِ، ومثل (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) للطَّائفَةِ الأخرى، وقَد ذُكِرَ فِي الكِتابِ الشَّريفِ تَفصيلُ المَعَادِ والرُّجوعِ إلى اللهِ، وكَذلكَ ذُكِرَتْ أسرارٌ صعبَةٌ مُستَصْعَبَةٌ لا يُمكِنُ الاطِّلاعُ على كَيفيَّتِهَا إلاّ بالسُّلوكِ البُرهانِيِّ أو النُّورِ العرفَانِيِّ.

القَصَصُ في الكِتَابِ:
مِنْ مَقَاصِدِ الكتابِ الإلهيِّ قِصصُ الأنبيَاءِ والحُكمَاءِ، فَفِي تِلكَ القِصصُ فَوائدُ لا تُحصَى وتَعليماتٌ كَثيرةٌ، ومِنَ المَعَارِفِ الإلهيَّةِ والتَّعليماتِ المَرموزَةِ فِيهَا مَا يُحيِّرُ العقلَ لِقَولِهِ تَعَالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
فَفِي قِصَّةِ إيجادِ سيدنا آدم (ع) والأمرِ بِسُجودِ المَلائِكَةِ وتَعليمِهِ الأسماءَ رموزٌ ومعارفُ ومعالمُ لِمَن كانَ لهُ (قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)، وقد كُرِّرَتْ القِصصُ في الكتابِ كَقِصَّةِ نوح وسليمان وعيسى ومُوسى وإبراهيم وسَائِرِ الأنبياءِ (ع) لِتُعَلِّمنَا كَيفيَّةَ سَيرِهِم وسُلُوكِهِم وكَيفيَّةَ تَربِيَتِهِم لِعِبَادِ اللهِ، وتُخبِرَنَا مَوَاعِظَهُم ومُجَادَلاتِهِم الحَسَنَةِ التي هي مِن أعظمِ أبوَابِ المَعَارِفِ والحِكَمِ، وأعلى أبوَابِ السَّعادَةِ والنِّعم.
فأهلُ المَعرفَةِ يُدرِكُونَ مِنَ الآيةِ الشَّريفَةِ (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا) كَيفِيَّةَ سيرِ سيدنا إبراهيمَ (ع)، ويَعلمُونَ طَريقَ السُّلوكِ إلى الله، وحَقيقةَ السَّيرِ، مِن مُنتَهَى الطَّبيعةِ التي عبَّر عنهَا في ذَلِكَ المَسلَكِ بقوله: (جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ)، والوُصُولِ إلى مقامِ القُدسِ والدُّخولِ في مَحفَلِ الإنسِ بقولِهِ: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ).
وعَلَى هَذا المِنوالِ سـائرُ القِصَصِ، مثلُ قصَّةِ إبراهيمَ وموسـى وعيسى (ع)، فسيدنا موسى الكليمُ (ع) مع ما لَهُ من المقامِ العظيمِ في النُّبُوَّةِ ما توقَّفَ عندَ ذلكِ المقامِ وما توقَّفَ في مقامِ عِلمِهِ الشَّامِخِ، وبِمُجرَّدِ أنْ لقيَ شخصًا كاملاً قالَ لهُ بِكُلِّ تواضعٍ وخضوعٍ: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)، وبالمقابِلِ كانَ جوابُ الخضرِ له، وهذا يُعَلِّمُنَا عظمَةَ مقامِ العِلمِ وآدابِ سلوكِ المُتَعَلِّمِ مع المُعَلِّمِ.
وسيدنا إبراهيمُ (ع) علَّمنَا مقامَ شامخِ الإيمانِ والعلمِ الخاصِّ للأنبياءِ فقال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى)، لأنَّهُ أرادَ أنْ يرتقيَ منَ الإيمانِ القلبيِّ إلى مقامِ الاطمئنانِ الشُّهوديِّ، وأعظمُ من ذلكَ أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى يأمُرُ نبيَّهُ الخاتمَ وهو أعرفُ خلقِ اللهِ بالآيةِ الشَّريفةِ (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، فهذهِ الأوامرُ في الكتابِ الإلهيِّ ونقلُ هذهِ القِصصِ لكي نتنَبَّهَ ونستيقظَ من نومِ الغفلةِ.
إنَّ استِفَادَاتِ أهلِ المَعَارِفِ والرِّياضيَّاتِ والمُجَاهَدَاتِ تَختَلِفُ بين الواحدِ والآخَرِ بِالوصُولِ إلى المَعَارِفِ الإلهيَّةِ والتَّوحيدِ والتَّنزيهِ الذي دَعَا إليهِ الحَقُّ في كِتَابِهِ كَمَا فِي سُورَةِ التَّوحيدِ المُبَارَكَةِ، وأوَاخِرِ سُورَةِ الحَشرِ وأوَائِلِ الحَديدِ، وسَائرِ مَوارِدِ الكِتابِ الشَّريفِ الإلهيِّ، ولِأصحابِ القُلوبِ والسَّوابِقِ الحُسنى مِن هَذَا التَّوحيدِ حُظوظٌ لا تُحصى.
فَمثلاً أصحابُ المَعَارفِ يَستفيدونَ مِنَ الآيةِ المُقَدَّسةِ (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى الله)، بالتَّفريقِ بينَ النَّافلةِ والفَريضَةِ، كأنْ يُفَرِّقُوا بينَ الخُروجِ بالبَدَنِ والهجرَةِ مثلاً لِمكَّةَ أو للمدينَةِ، أو الدَّعوَةِ إلى تَهذيبِ النُّفوسِ والرِّياضَاتِ الرُّوحيَّةِ كالآيةِ الشَّريفَةِ (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).
ويدخُلُ في مقَاصِدِ القِصَصِ أيضًا الحِكَمُ اللُّقمانيَّةُ وحِكَمُ سائرِ المؤمنينَ المَذكورةِ في الموَارِدِ المختلِفَةِ في هذهِ الصَّحيفةِ الإلهيَّةِ كقضايَا أصحابِ الكَهفِ. ومِن مطالِبِ هذهِ الصَّحيفَةِ النُّورانيَّةِ أحوالُ الكُفَّارِ والجاحِدِينَ والمُخالفينَ للحقِّ والحقيقَةِ والمُعاندِينَ للأنبياءِ والأولياءِ (ع)، وبيانُ كيفيَّةِ عواقبِ أمورِهِم وكيفيَّةِ بَوَارِهِم وهلاكِهِم كقضَايَا فرعونَ وقارونَ ونمرودَ وشدَّادَ وأصحابِ الفيلِ وقضايا إبليس الملعون وغيرِهم من الكَفَرةِ والفجَرَةِ، ففي كُلِّ واحِدَةٍ منها مواعظُ وحكمٌ، بل معارفٌ لأهلِهِ.
ويدخلُ في مقاصدِ القِصَصِ قضايا غزواتِ رسولِ اللهِ (ص) التي فيها أيضًا مطالِبُ شريفةٌ مذكورَةٌ، ومنها كيفيَّةُ مجاهَداتِ أصحابِ رسولِ اللهِ (ص) لإيقاظِ المُسلِمينَ من نومِ الغَفلةِ، وبَعثِهِم للمجاهَدَةِ في سبيلِ اللهِ، وتنفيذِ كَلمَةِ الحقِّ وإماتَةِ الباطِلِ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:34 am

المسألة السادسة
الفرقان والقرآن وفق القانون الخصيبي

عندمَا نَتَحَدَّثُ عنِ القُرآنِ فإنَّنَا نُفَرِّقُ بينَهُ وبينَ الفُرقانِ إذْ قالَ تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) ومَرجِعِيَّتِنَا في ذَلك مَا ورَدَ عن سيدنا محمَّد بن سنَان (ع) أنَّه قالَ: سألتُ الإمامَ الصَّادقَ (ع) عنِ القُرآنِ والفرقانِ أهمَا شيءٌ واحدٌ؟ فقال: (القُرآنُ جُملَةُ الكِتابِ، والفُرقانُ المُحكَمُ الواجِبُ العملُ بِهِ).
فالقُرآنُ سُمِّيَ قرآنًا لِقُربِهِ من اللهِ تعالى، إذْ هُوَ السَّيِّدُ الأكبرُ لِقولِ عزَّ وجلَّ: (يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، فَهُوَ ياسينُ وهُوَ القرآن لقوله تعالى: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)؛ فإلْ ياسين هم آلُ سيدنا محمد (ص).
وبناءً عليهِ فإنَّ جامِعَ القُرآنِ يجبُ أنْ يكونَ مُوكلاً بِذلكَ مِن قبلِ اللهِ ورسُولِهِ، وليسَ إلى مَا ذَهبتْ إليهِ العامَّةُ بادِّعائهم أنَّ مَن جَمَعَ القُرآنَ هُو عُثمان بِن عفَّان. وَوَرَدَ أنَّ عبدَ اللهِ بن عَمرو بُن العاصِ لقيَ أميرَ المُؤمنينَ (علي) علينَا مِن ذِكرهِ السَّلام فَقَالَ له: يا عليّ، بِتنَا اللَّيلةَ في أمرٍ نَرجُو اللهَ أنْ يثبِّتَ هذهِ الأمَّةَ، فأجَابَهُ: (ويلٌ للذينَ يَكتُبونَ الكِتَابَ بِأيدِيهم ثُمَّ يَقولونَ هذَا من عِندِ اللهِ).
وبناءً على ما تَقَدَّمَ وحفظًا للذِّكرِ نُؤمِنُ أنَّ أميرَ المُؤمنينَ (علي) علينا مِن ذكرِهِ السَّلام هُوَ جَامِعُ القُرآنِ على تَرتيبِ النُّزولِ عَقبَ غَيبَةِ النَّبيِّ (ص)، وقَدْ جَمَعَهُ بَعدَ غَيبَةِ رَسولِ الله (ص)، بِدَليلِ قَولِ النَّبيِّ (ص): (يَا عليُّ هَذَا كتابُ اللهِ خُذهُ).
وقد وردَ عنْ أميرِ المُؤمنينَ (علي) علينا مِن ذكرِهِ السَّلامَ قولَه: (لو ثُنِيَتْ لِي الوِسَادَةُ وعُرِفَ لي حقّي لأخرَجتُ لهم المُصحَفَ الذي أملاه عليَّ رسولُ الله).
وقَدْ جمَعَ أميرُ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلامَ القُرآنَ من أوَّلِهِ إلى آخرِهِ، فقدَّمَ المَكِّيَّ على المدنِيِّ، والمنسُوخَ على النَّاسخِ، ووضعَ كُلَّ شيءٍ منهُ في حقِّهِ.
إنَّ أميرَ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلام آلى أنْ لا يضعَ رداءَهُ على عاتِقِهِ إلاَّ للصَّلاةِ حتَّى يجمَعَهُ، فانقطعَ عنهُم مدَّةً إلى أنْ جمعَهُ، ثمَّ خرجَ إليهِم بهِ في إزارٍ يحمِلُهُ وهم مجتَمِعونَ في المسجدِ، فلمَّا توسَّطَهُم وضعَ الكتابَ بينَهُم ثمَّ قال: (إنَّ رسولَ اللهِ (ص) قالَ: "إنِّي مُخلِفٌ فيكُم كتابُ الله ِوعترَتي أهل بيتي، ما إنْ تَمَسَّكتُم بهِ لن تَضلُّوا"، وهذا الكِتابُ وأنا العترةُ).
كما نادى أميرُ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السَّلام بأعلى صَوتِهِ: (أيُّها النَّاسُ إنِّي لم أزَلْ منذُ قُبِضَ رسولُ اللهِ مشغولاً بِغَسلِهِ ثمَّ بالقُرآنِ حتى جَمَعتُهُ كُلَّهُ، فلم يُنَزِّلُ اللهِ على رسولهِ آيةً إلاَّ وقد جَمَعتُهَا).
والخلاصَةُ فيما وردَ عن سيدنا جابرٍ الجعفيِّ (ع) أنَّه قال: سمعتُ الإمامَ الباقرَ (ع) يقولُ: (ما ادَّعى أحدٌ من النَّاسِ أنَّهُ جمعَ القُرآنَ كلَّهُ كما أُنزِلَ إلاَّ كذبَ، فما جمَعَهُ كما أُنزِلَ إلاَّ الإمامُ علي والأئمَّة من بعدِهِ). كما وردَ عن سيدنا أبي حمزةَ الثَّمالي (ع) عن الإمامِ الباقِرِ (ع): (ما أحدٌ من هذهِ الأمَّةِ جمعَ القُرآنَ إلاَّ وصيُّ محمَّدٍ).

القرآنُ.. الثَّقَلُ الأكبَرُ:
حديثُ الثَّقلينِ مِنَ الأحادِيثِ المَعرُوفَةِ، رَواهُ أشخاصٌ كَثيرونَ عن النَّبيِّ (ص) مُبَاشرةً، وكثرةُ مَصَادرِ ورُواةِ هَذَا الحَديثِ مِن طَريقِ العَامَّةِ أمرٌ مُلفِتٌ، ويُستَنبَطُ مِن هَذَا الحَديثِ وَمِن نَظَائِرِهِ أمُورٌ مُهمَّةٌ مِنها: أنَّهُ كَمَا القُرآنُ باقٍ بينَ النَّاسِ، فَعترةُ النَّبيِّ (ص) أيضًا سَتَبقى، فَهَل هَذا هو مَقامُ اتِّصالِ الكَثرةِ بالوحدةِ واضْمِحْلالِ القَطَراتِ في البَحرِ؟ أم هُوَ شيءٌ آخر لا سبيلَ للعرفانِ والعقلِ البَشريِّ إلى إدراكِهِ؟
عندَ الحديثِ عن الثَّقلينِ لا نتحدَّثُ من حيثُ المقامات الغيبيَّة والمراتِب العرفانية، فاللِّسانُ أعجزُ من أنْ يتجرَّأ على الحديثِ عن مقاماتٍ عرفانيَّةٍ أحاطَتْ بكُلِّ دائرةِ الوجودِ من الملكِ إلى المَلَكوتِ الأعلى ومنهُ إلى اللاَّهوتِ، وهُوَ مقامُ الواحديَّةِ، والمقامُ الجامع باعتبارِهِ جامعًا للأسماءِ والصِّفاتِ والأفعالِ.
أمَّا الكثرةُ في الفَلسَفَةِ فهيَ سلسلةُ مراتبِ المَوجودَاتِ، وتنوُّعُ ظواهِرِ الوجودِ الماديَّةِ وغيرِ الماديَّةِ، وأمَّا الوحدةُ فهي للجوهرِ الذي هُوَ منشأُ ومبدأُ صُدورِ الوجودِ كُلِّهِ.
وما لا يُمكنُ أنْ يَصِلَ إلى الفهمِ يكونُ ثقيلاً تحمُّلُهُ، إنْ لمْ يَكُنْ مستحيلاً لأنَّهُ فوقَ الطَّاقَةِ، ولكنَّ تركَ الثّقلينَ إهمالاً متجاوزينَ قولَ رسولِ اللهِ (ص)، هُوَ السَّببُ فيما أصابَ البشريَّةَ من بُعدٍ وهوانٍ، لِهَجرِهَا حقائقَ المقامِ العالي للثِّقلِ الأكبرِ الذي هُوَ القُرآنُ الكريمُ.
إنَّ مَا أصابَ الثَّقلينِ مِن التَّزويرِ والتَّحريفِ عَلَى يدِ أعداءِ اللهِ والطُّغاةِ المَاكرينَ يَصعُبُ إحصاؤُهُ، وكُلَّمَا ارتفعَ البُنيانُ المُنحرِفُ ازدادَ الانحرَافُ، فقد عطَّلُوا القُرآنَ الكَريمَ إلى حَدٍّ بَدَا وكأنَّهُ لا دَورَ لَهُ في الهِدَايَةِ، وَهُوَ الكِتابُ الذي تَنَزَّلَ مِن مَقَامِ الأحديَّةِ السَّامِي، بالكَشفِ المُحمَّديِّ التَّامِ، هُدًى للعَالَمِينَ، لحقَائِقِ الأشياءِ. لذَا أرَى مِنَ المُناسبِ أنْ أذكِّرَ بإشارةٍ عابِرَةٍ مُقتَضَبَةٍ لِمَا جَرَى على الثَّقلينِ، فما ألمَّ بأيٍّ من الثَّقلينِ بَعدَ الوُجودِ المُقدَّسِ لرَسولِ الله (ص) قَد أصابَ الثِّقلَ الآخرَ أيضًا، وإنَّ هَجرَ أيٍّ مِنهُمَا هُوَ هجرٌ للآخَرِ، حتَّى يَرِدَ هَذَانِ المَهجُورانِ الحوضَ على رسولِ اللهِ (ص).

الفُرقَانُ.. المَقَامُ المُطْلَقُ:
الفُرقانُ هو الوجودُ المُستَقلُّ الذي لا يفتَقِرُ إلى محلٍّ وليسَ تابعًا لشيءٍ آخر، لا يحتاجُ للواسطَةِ، ولا يكشفُ عن عظمةٍ، وهذا موجودٌ في الصَّحيفَةٍ النُّورانيَّةِ، ومن مُختصَّاتِهِ أنَّ أيَّ كتابٍ آخر لا يشتركُ معهُ في شيءٌ منها أصلاً.
فهوَ المقامُ المُطلقُ الذي لا يُحَدُّ بحدٍّ، المُتعالي عن الوجودِ المُقيَّدِ كوجودِ العُقُولِ والنُّفوسِ و...، فجميعُ أنواعُ العظمةِ المُتَصَوَّرَةِ في الملك والمَلكوتِ، وجميعُ أنواعِ القُدرةِ النَّازلَةِ في الغيبِ (وهو مقامُ الجمعِ لدى العُرفاءِ) والشَّهادةِ (وهُوَ عالمُ الشَّهادةِ المَحسوسَةِ) هي رشحةٌ من عظمةِ فعلِ ذلكِ الجوهرِ المُقدَّسِ، ولا يمكنُ وجودُ الحقِّ تعالى بالعظمَةِ لأحدٍ، وإنَّما من وراءِ الحجبِ.

مَقامُ الوَحي:
إنَّ رسولَ الوحي وَواسطَةَ الإيصَالِ هُوَ الرُّوحُ الأعظَمُ الذي يَتَّصلُ بالرَّسولِ الأكرَمِ (ص)، وتَوجيهُ شَطرِ قلبِهِ إلى حَضرَةِ الجَبروتِ بِذلكَ الرُّوحِ الأعظمِ، وهُوَ أحدُ أركانِ دَارِ التَّحقُّقِ الأربَعَةِ، بَل هُوَ أعظمُ أركَانِهَا وأشرَفُ أنواعِهَا، لأنَّ تِلكَ الذَّرَّاتِ النُّوارنيَّةَ مَلَكٌ مُوَكلٌ للعلمِ والحكمَةِ وصَاحبُ الأرزاقِ الرُّوحانيَّةِ.
وأمَّا عظمَةُ المُرسَلِ إليهِ ومتحمِّله، فَهوَ القَلبُ التَّقيُّ النَّقيُّ الأحمديُّ الواحديُّ الجمعيُّ المُشَاهِدُ للحقِّ من دونِ انتباهٍ إلى الخلقِ، وهذهِ مَرتبةُ الفَنَاءِ المحمَّديِّ الذي ظَهَرَ لهُ الحقَّ تعالى بِجميعِ الشُّؤونِ الصِّفاتيَّةِ والأسمائيَّةِ والأفعاليَّةِ، لأنَّهُ صاحِبُ النُّبوَّةِ الخَتميَّةِ، والولايَةِ المُطلقَةِ، وهُوَ أكرمُ البَريَّةِ، وأعظمُ الخَليقَةِ وخُلاصَةُ الكَونِ، وجَوهرةُ الوُجودِ، وعصارَةُ دارِ التَّحقُّقِ، واللَّبنةُ الأخيرةُ، وصاحبُ البَرزَخِيَّةِ الكُبرَى والخِلافَةِ العُظمَى.
وأمَّا وقت الوحي فليلةُ القدرِ أعظمُ اللَّيالي و(خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) وأنوَرُ الأزمِنَةِ، وهيَ فِي الحقيقَةِ وقتُ وصولِ الوليِّ المُطلقِ والرَّسولِ الخَاتم (ص).
أمَّا حافِظُهُ وحارِسُهُ فهوَ الحقُّ جلَّ جلالُهُ، كما قال في الآية الكريمةِ المُبارَكَةِ: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وأمَّا شارِحُهُ ومُبيِّنُهُ فالذَّواتُ المُطهَّرةُ المعصومونَ من آلِ بيتِ رسولِ اللهِ (ص) إلى حجَّةِ العصرِ، والذينَ هُم مفاتيحُ الوجودِ، ومخازِنُ الكبرياءِ ومعادِنُ الحكمَةِ والوحي، وأصولُ المعارِفِ والعوارِفِ، ثاني الثَّقلينِ، وأصحابُ مقامِ الجمعِ والتَّفصيلِ، حيثُ يُؤكِّدُ القانونُ الخصيبيُّ أنَّ هذا الكتابَ التَّكوينيَّ الإلهيَّ وأولياءَهُ- الذينَ هُم كُلُّهُم كتبٌ سماويَّةٌ- نازلونَ من لدنِ حكيمٍ عليمٍ وحاملونَ للقُرآنِ التَّدوينيِّ، ولم يكُنْ أحدٌ حاملاً بظاهِرِهِ وباطنِهِ إلاَّ هؤلاء الأولياء المرضيِّين كما وردَ من طريقِهِم (ع) حيث قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (وعندَنا واللهِ علمُ الكتابِ كُلِّهِ).
==================

المسألة السابعة
المساجد والحج وفق القانون الخصيبي

هناكَ منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ مِن قَاصري الفهمِ الغائبينَ عن العلمِ، مَن لا يتَتبَّعونَ إلاَّ مَضيقَ المحسوساتِ، ولا يَفهمونَ الفرقَ أبدًا بين المحسوسِ والمعقولِ، وَيَخلطُون بينهما خلطًا كبيرًا، وهؤلاء يقعونَ بالحلولِ، لأنَّهم يقفونَ عندَ علمِ ظواهرِ الألفاظِ والأمورِ ويبتعدونَ عن علمِ مَعَارِفِنَا العَقليَّةِ.
فأصحابُ عِلومِ ظواهِرِ القولِ المُزَخرَفـَةِ عِندَ أَهلِهَا قال تعالى فيهم: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ)، لأنَّهُم مُغتَرُّونَ بِظَواهرِ الشَّــريعةِ من غيرِ تَــــدَبُّرٍ في أسرارِ الطَّريقَـةِ وأعماقِ الحقيقَـــةِ، إذْ يَـــــثقُلُ عـليهِم حمْلُها، وَمَا ذلكَ إلاَّ لأنَّ الآمالَ التي مَنْشَـــؤُها ظواهرُ الأعمالِ قد غَرَّتْهُم، فَرَكِبُوا جَهْلَ الجُهَّالِ وَفِتنَةَ الدجَّالِ، وكانوا ممَّن قال تعالى فيهم: (أُوْلَئِـــــكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ).
فقانونُنا الخصيبي صالحٌ لكُلِّ زمانٍ ومكانٍ، مُشتَمِلٌ على المبادئِ الخالدةِ، بعيدٌ عن مشـروعيَّةِ القياس والاجتهادِ البشـريِّ، لم يلحقْهُ الانصـرامُ ولن يَتغيَّرَ على مرورِ الأيامِ، ويُعتَبَرُ لؤلؤَ بحرِ الفرقة النَّاجية وقلادةَ نَصـرها وَعقدَها الفريدَ وبحرَها المديدَ، فهو أسمى وأقدسُ من نظـرةِ الجُهَلاءِ المُتَجَاهِلينَ، لأنَّهُ المنهاجُ التَّوحيديُّ الإيمانيُّ الذي شاءَهُ اللهُ لعبادِهِ المؤمنين، والدِّينُ الفطـريُّ الذي لا يُتَصَوَّرُ زوالُهُ بوجهٍ من الوجوهِ، بل سـيبقى لأبدِ الآبدينَ حجَّةً ناطقةً ودليلاً على بطلانِ المذاهبِ المُشركةِ القائمةِ على القياسِ والاجتهادِ، فهو الذي أوحاهُ اللهُ بقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطـرةَ اللَّهِ الَّتِي فَطـر النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
وتعاليمُ القانونِ الخصيبـيِّ هي المَدَدُ الرُّوحيُّ الذي يحيا به كلُّ مؤمنٍ الحياةَ الطـيبَةَ، وهي التي إذا عُمِيَ عنها الإنسانُ ضَلَّ في مسارِبِ الحياةِ وَتَاهَ في أوديةِ الضَّلالِ، لذلكَ كان قانونُنَا وسـيبقى دعامةً راسخةً لبناءِ رجالِ الإيمانِ، فغيرُ خفيٍّ أبدًا أنَّ هذا القانونَ هو كلامٌ معصومٌ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، وهذا هو ما نبَّهَ إليه سيدنا أبو شعيب (ع) كثيرًا في تعاليمِهِ مستندًا في ذلكَ إلى ما قاله أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ).
وسنبدأ بلَفْتِ النَّظرِ إلى بعض عقائدِنا الدِّينيَّةِ بالبراهينِ القطعيَّةِ والشَّواهدِ اليقينيَّةِ، فالسَّائرُ معنا سوفَ يجدُ المسيرةَ تحاولُ النَّفاذَ إلى أقطارِ السَّمواتِ والأرضِ، والخروجَ من حدودِ الزَّمانِ والمكانِ، حيثُ قانوننا لا تُسعِفُه العبارةُ، وحيثُ نجدُ الكلمةَ تقتصـرُ عن المعاني، وهذا هو الشَّأنُ دائمًا في بحرِ المعارفِ الإلهيَّةِ لهذا القانون الخصيبي.

المَسَاجِدُ وفقَ القانونِ الخَّصيبيِّ:
جاءَ الأمرُ دائمًا بعمرانِ المساجدِ، بمعنَى كثرةِ التَّردُّدِ إليهَا وإعطائهَا دورَ المحوريَّةِ في الحَرَكَةِ التي نقومُ بها حتَّى تكونَ هذهِ الأعمالُ مقبولةً وتحتَ عنايةِ اللهِ سبحانَهُ وتعالى لقولهِ: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
ولا يقتَصرُ الأمرُ على الزِّيارَةِ فقط، بلِ المطلوبُ أيضًا إكثارُ الجُلوسِ في المسَاجِدِ حتَّى تصبحَ أرواحُنَا مجبولةً على سكونِهِ ونفوسُنَا مستأنسةً بزواياه، وقد شجَّعَ الإسلامُ على ذلكَ، فالمطلوبُ إذًا أنْ يكونَ كلُّ فردٍ منَّا من أبناءِ المسجدِ مداومًا على التَّواجُدِ فيه، لكن بشرطِ أنْ تبقى المساجدُ بيوتًا للهِ سبحَانَهُ وتعالى، لا أنْ نُحوِّلَهَا إلى بيوتٍ لنا، فعلينا أنْ نُحافِظَ على احترامِهَا وقُدسِيَّتِهَا، ونلاحظَ أنَّنَا في حضرةِ اللهِ سبحَانَهُ وتعالى وفي بيتِهِ. فكيفَ نتعامَلُ مع المسجدِ الذي هو بيتُ اللهِ عزَّ وجلَّ؟
بعضُ النَّاسِ قد يقصدونَ المسجدَ للعبادَةِ فقط، وبعضهم يقصدُونَه لطلبِ الرَّحمةِ والمغفِرَةِ، وآخرونَ يقصدونَهُ لطلبِ التَّوفيقِ في الدُّنيا!!!
فهلِ المسجدُ بيتٌ يُتَوَقَّعُ فيه مغفرةُ الذُّنوبِ فقط؟ أو يُتَوَقَّعُ فيه التَّوفيقُ في الدُّنيا فقط؟ أم هو للعبادةِ فقط؟
لو كانَ المطلوبُ من المسجدِ أحدُ هذهِ الأمورِ دونَ غيرِهَا لكانَ المُناسِبُ أنْ نُسَمِّيهِ بها. فنقول: بيت الرَّحمةِ، أو بيتُ المغفرةِ، أو بيتُ العبادةِ. لكنَّنا نجدُ أنَّ الإسلامَ لم يُسمِّهِ بهذهِ الأسماء بل سمَّاهُ (بيت الله)، فما ميزةُ هذا الاسمِ المُقدَّسِ (الله)؟
ميزتُهُ أنَّهُ لا يُشيرُ إلى صفةٍ إلهيَّةٍ دونَ غيرِهَا من الصِّفاتِ، وإنَّما هو جامعٌ للصِّفاتِ كُلِّها، وقد قال تعالى عن نفسِهِ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله)، وعليهِ فبيتُ اللهِ هو بيتٌ شاملٌ يُتَوَقَّعُ فيهِ كُلُّ شيءٍ له علاقةٌ بالصِّفاتِ الإلهيَّةِ، فهوَ منطَلَقٌ لكُلِّ الخيراتِ على جميعِ المستوياتِ، كما أخبرَ عن نفسِهِ بقولِهِ: (الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فكُلُّ خيرٍ وكُلُّ أمرٍ يستَحِقُّ الثَّناءَ هو لله تعالى، والمسجدُ هو بيتُهُ ومركزُهُ، فما هو المسجدُ؟
يقولُ تَعَالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)، فأنْ يكونَ الشَّيءُ للهِ سُبحانُهُ وتَعَالى فهذا يَعني أنَّ هذا الشَّيءَ هُوَ خيرٌ محضٌ ومحورُ هدايةٍ وصَفَاءٍ إلهيٍّ في سَمَاءِ هذهِ الدُّنيا المُلَبَّدَةِ بِغيومِ الوَهمِ والضَّياعِ.
وأنْ يكونَ الشَّيءُ للهِ فهذا يعني أنَّه رافدٌ إلهيٌّ يستَمِدُّ منهُ الإنسانُ زَادَهُ في هذهِ الدُّنيا القَاحِلَةِ الجَردَاءِ لولا هَذِهِ الرَّوافِد.
هذا إذا كانَ الشَّيءُ للهِ سُبحانه وتعالى، ولكنَّ المسجِدَ ليسَ مجرَّدَ شيءٍ للهِ سبحانَهُ بل هُوَ بيت اللهِ، وعلى هذا فللمسجدِ حقُّ علينا أنْ نقيمَهُ عندما نتوصَّلُ إلى حقيقةِ معناه وفقَ القانونِ الخصيبيِّ والمُتَمَثِّلِ في قولِ رسولِ اللهِ (ص): (جُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا)، فللسَّالكِ أنْ يفهمَ نفسَهُ ويذوقَ بذائقةِ روحِهِ أنَّ دارَ الطَّبيعَةِ هي مسجدُ عبادةِ الحقِّ، وأنَّهُ قدمَ إلى هذهِ النَّشأةِ لأجلِ هذا المقصدِ كما يقولُ الحقُّ جلَّ وعلا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
هذا يعني معرفةَ مرتبَةِ القوى الظَّاهرةِ والباطِنَةِ التي هي جنودٌ ملكيَّةٌ وملكوتيَّةٌ للنَّفسِ، ومحلُّها الأرضُ الطَّبيعيَّةُ الإنسانيَّةُ، وهي هذهِ البنيَةُ والبدنُ، حيثُ جُعِلَتْ هذهِ النَّفسُ مسجدًا يُحرَّمُ دخولُ الشَّياطينِ إليهِ ليسجُدَ فيها جنودُ النَّفسِ، وأدبُ السَّالكِ في هذا المقامِ أنْ يفهمَ باطنَ قلبِهِ بأنَّ أرضَ الطَّبيعَةِ نفسُهُ وهي مسجدُ الرُّبوبيَّةِ ومحلُّ السَّجدَةِ للجنودِ الرَّحمانيَّةِ، وأحكامُ المسجديَّةِ تسري عليهِ، فلا يجوزُ تنجيسُهُ بنجاساتِ الأعمالِ الشَّيطانيَّةِ والهوى، فلا ينجِّسها بقاذوراتٍ إبليسيَّةٍ كي تشرقَ أرضُ الطَّبيعَةِ بشروقِ نورِ الرَّبِّ وتخرجَ عن ظلمةِ البعدِ عن ساحةِ الرُّبوبيَّةِ، فيرى قواهُ الملكيَّةَ الملكوتيَّةَ معتكفَةً في مسجدِ البدنِ، ويُعامِلَ بدنُهُ معاملةَ المسجدِ، ويرتقي بقواهُ بعين العكوفِ إلى فناءِ اللهِ. وتكليفُ السَّالكِ في هذا المقامِ أكثر لأنَّ تنظيفَ المسجدِ وطهارتَهُ أيضًا على عهدتِهِ كما أنَّهُ بنفسِهِ أيضًا يتكفَّلُ أدبَ المعتكفينَ في هذا المسجدِ.
هذهِ المعاني ترتبطُ بالنَّشأةِ الغيبيَّةِ للسَّالكِ ومحلُّها البدنُ البرزخيُّ الغيبيُّ للنَّفسِ الذي يتكوَّنُ بإنشاءِ النَّفسِ وأخلاقيَّتِهَا، وهذهِ النَّشأةُ تعتبرُ الأساسَ ولها انعكاسُها على باقي النَّشآتِ. وأدبُ السَّالكِ في هذا المقامِ أنْ يتذوَّقَ بنفسِهِ التَّفاوتَ بينَ هذا المقامِ والمقاماتِ الأخرى، فيحفظ هذا المقام، وهذا من مهمَّاتِ السُّلوكِ لأنَّ القلبَ هو إمامُ المعتكفينَ في هذا الجانبِ وبفسادِهِ يفسدُ الجميعُ، فإذا فسدَ العالِمُ فسدَ العالَمُ.
ويختلفُ هذا المقامُ عن غيرهِ لأنَّ تكليفَ الإنسانِ لا ينحصرُ بتطهيرهِ ورفعِ الدَّنسِ منهُ والتَّعامُلِ معهُ كمسجدٍ، بل هُوَ مكلَّفُ ببناءِ هذا المسجدِ من الأساسِ، أي أنَّ بناءَ المسجدِ النَّفسيِّ عهدتُهُ على الإنسانِ فعليهِ أنْ يبدأ بهذا البناءِ ليصلَ بعد ذلكَ إلى الاعتكافِ. وتكاليفُ السَّالكِ في هذا المقامِ تكونُ عظميةً لأنَّهُ قد كُلِّفَ بناءَ المسجدِ أيضًا بنفسِهِ ومن الممكنِ لا سمحَ الله أنْ يكونَ مسجدُهُ مسجدَ ضرارٍ، وهذا لا يجوزُ في المسجدِ الملكوتيِّ الإلهيِّ، بل إنَّ الولايةَ توجبُ عليهِ تطهيرَ هذا المسجدِ من جميعِ القاذوراتِ والتَّصرُّفاتِ الشَّيطانيَّةِ، فلا بُدَّ لهُ أنْ يُجاهِدَ حتَّى يُخرِجَ نفسَهُ من العُكوفِ في المسجدِ ويعتَكِفَ بفناءِ صاحبِ المسجدِ، فإذا تطهَّرَ عن التَّملُّقِ بالنَّفسِ وخرجَ عن قيدِ نفسِهِ يصيرُ هو بنفسِهِ منزلاً للحقِّ، بل مسجدًا للرُّبوبيَّةِ ويثني الحقُّ على نفسِهِ في ذلك المسجدِ بالتَّجليَّاتِ الفعليَّةِ ثمَّ الصِّفاتيَّةِ ثم الأسمائيَّةِ، وهذا الثَّناءُ هو صلاةٌ للرَّبِّ حين يقول: (سُبُّوح قُدُّوسٌ، ربِّي وربُّ الملائكةِ والرُّوح).

الحَجُّ وفق القانونِ الخَصيبيِّ:
اعتادَ أكثرُ النَّاسِ أنْ يحصُروا اهتمامَهُم عند زيارَتِهِم بيتَ اللهِ الحرامِ بالمظاهِرِ الخارجيَّةِ للحجِّ غافلينَ عن الأبعادِ المتوخَّاةِ منه، وجاءَ القانونُ الخصيبيُّ ليُلفِتَ النَّاسَ إلى الأبعادِ الكبيرةِ التي أرادَهَا اللهُ في الحجِّ الإبراهيميِّ المحمَّديِّ، ولمحتواهُ العباديِّ وليسَ فقط للمظهَرِ الخارجيِّ، فالبُعدُ الصُّوريُّ للحجِّ لا يتحقَّقُ إلاَّ بعد أنْ يتحقَّقَ البعدُ الحقيقيُّ، لقولهِ تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ)، فمنَ الأمورِ التي لا تقبلُ الإنكارَ ولا تحتاجُ إلى التَّذكيرِ أنَّ دينَنَا العظيمَ هو دينُ التَّوحيدِ ومُحطِّمُ الشِّركِ والكفرِ وعبادةِ الأصنامِ وهو دينُ الفطرَةِ، وهو الدِّينُ الهادي إلى الصِّراطِ المستقيم.
فالسَّفرُ إلى الحجِّ ليسَ سفرًا لتحصيلِ أمورِ الدُّنيا، إنَّما هو سفرٌ إلى اللهِ، فأتِمُّوا كُلَّ الأمورِ والأعمالِ المطلوبةِ منكم بطريقةٍ إلهيَّةٍ، فهذا السَّفرُ سفرٌ إلى اللهِ وليسَ سفرًا إلى الدُّنيا، فلا تُلوِّثوهُ بها.
ومن أهمِّ الأمورِ في جميعِ العباداتِ الإخلاصُ والعرفانُ، وبما أنَّ الجهاتِ الحقيقيَّةَ للحجِّ كثيرةٌ فمنَ المُهمِّ أنْ يعرفَ المؤمنُ إلى أينَ يذهبُ ودعوةَ مَنْ يُلبِّي؟ وأنَّهُ ضيفُ مَن؟
إنَّ للحجِّ حقائقَ هي التي تُقرِّبُ المؤمنَ من أفقِ التَّوحيدِ والتَّنزيهِ، ولنْ نحصلَ على شيءٍ ما لمْ نعلم أحكامَ وقوانينَ الحجِّ العباديَّةِ بشكلٍ معرفيٍّ صحيحٍ وحَسَنٍ، فحجَّاجُ بيتِ اللهِ الحرامِ يجبُ أنْ يعلموا أنَّ الحجَّ الإبراهيميَّ هو الحجُّ الحقيقيُّ من النَّاحيَةِ العرفانيَّةِ، وأنَّ الأسرارَ العرفانيَّةِ والمعنيَّةِ لبيتِ اللهِ يتكفَّلُ بها العرفاء غير المحجوبينَ فقط.
وعلى العارفينَ مراقبة البعدِ الحقيقيِّ لتكونَ كلمةُ (لبَّيكَ) التي يتلفَّظونُ بها استجابةً لدعوةِ الحقِّ تعالى، أمَّا المحرومونَ من الوصولِ إلى ساحةِ الحقِّ المقدَّسةِ فهمُ المشركونَ، فالتَّلبيَةُ لأجلِ الحقِّ تعالى توجبُ نفيَ صفةِ الشِّركِ بجميعِ مراتِبِهَا، لأنَّ البيتَ المعظَّمَ هو المركزُ الأوحدُ لتحطيمِ الشِّركِ، وقد رُفِعَ نداءُ التَّوحيدِ العلويِّ في أوَّلِ الزَّمانِ وسيرفعُهُ المهديُّ للبيتِ في آخرِ الزَّمانِ، وسيبقى مرتفعًا لقولِ الله تعالى لخليلهِ إبراهيم: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).
أمَّا المناسكُ فكلُّها إشاراتٌ عرفانيَّةٌ وروحيَّةٌ لا يتَّسعُ المجالُ لتفصيلها، بدءًا من الإحرامِ والتَّلبيَةِ وحتَّى آخرِ المناسِكِ، فالطَّوافُ حولَ الكعبَةِ المشرَّفَةِ يعني أنَّ الإنسانَ لن يطوفَ لغيرِ اللهِ، ورجمُ العقباتِ هو رجمُ شياطينِ الإنسِ والجنِّ، وعندما نرجمُ نعاهدُ اللهَ أنْ نقتلعَ شياطينَ الإنسِ.
كَمَا أنَّ كَلمةَ (لبَّيك) التي تَتَكَرَّرُ عدَّةَ مرَّاتٍ تعني: لا لِجميعِ الأصنامِ، وأثناءَ الطَّوافِ في حرمِ اللهِ يتجلَّى العشقُ الإلهيُّ، أي طهِّروا أرواحَكُم مِن أيِّ خوفٍ لغيرِ اللهِ، وفي موازَاةِ العشقِ الإلهيِّ، تَبَرَّؤوا من الأصنَامِ الكَبيرةِ والصَّغيرةِ، وحينَ تَلمسونَ الحجرَ الأسودَ اعقدوا البيعةَ مع اللهِ. أمَّا حقيقةُ كلمةِ (لبَّيك) فهي الاستجابةُ لدعوةِ اللهِ بالاسمِ الجامعِ، واستماعُ العارفِ بروحِهِ لنداءِ الحقِّ، فالمسألَةُ هي مسألةُ الحُضورِ بين يدي اللهِ ومشاهدَةِ تجلَّي الحقِّ، ويعقبُ بعدَ ذلكَ نفيُ الشَّريك للهِ بالمُطلِقِ، وليسَ الشَّريكِ في الألوهيَّةِ فقط، فنَفيُ الشَّريكِ في هَذَا المقامِ شاملٌ لقولِهِ عزّ من قائل: (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، فهذا تطهيرٌ من كُلِّ الأرجاسِ والبِدَعِ وعلى رأسها الشِّركُ كما في صَدرِ الآيةِ الكَريمةِ، وفي سورة التَّوبةِ: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ).
وأمَّا كلمةُ (الحمد) فهي من اختصاصِ الحقِّ المُقدَّسِ، وكذلكَ النَّعمة ونفيُ الشَّريك، وهذه غايةُ التَّوحيدِ الخَصيبيِّ عند أهلِ المعرفةِ، وهذا يعني أنَّ كلَّ حمدٍ وكُلَّ نعمةٍ تتحقَّقُ في عالمِ الوجودِ مقرونةٌ بحمدِ اللهِ ونعمةِ اللهِ بدونِ شريك، ويسري هذا المقصدُ وهذه الغايةُ على كُلِّ موقفٍ ومشعرٍ ووقوفٍ وحركةٍ وسكونِ وفي أيِّ عملٍ، فأثناء سعيكم بين الصَّفا والمروة اسعوا سعيَ من يريدُ الوصولَ إلى المحبوبِ، وسيروا إلى المشعر الحرامِ وعرفات وأنتم في حالة إحساسٍ وعرفانٍ، وبسكونٍ وهدوءٍ فكِّروا بآيات اللهِ الحقِّ، واطلبوا من الحقِّ تعالى في تلك المواقفِ الكريمةِ تحقيقَ سبلِ النَّجاةِ، بعد ذلكَ اذهبوا إلى منى واطلبوا هناكَ أنْ تتحقَّقَ الآمالُ الحقَّةُ حيثُ التَّضحية هناك بأثمن وأحبِّ شيءٍ في طريقِ المحبوبِ المُطلقِ، وارجموا الشَّيطانَ واطردوهُ من أنفُسِكُم وكرِّروا رجمَ الشَّيطانِ في مواقِع مختلفةٍ بناءً على الأوامرِ الإلهيَّةِ، لدفعِ شرِّ الشَّياطينِ وأبنائهم عنكم. وخلاف ذلك إنَّما يكونُ الشِّركُ بالمعنى الأعم هو المانع للنِّعم الإلهيَّةِ.
فالتزامُ المواقيتِ الإلهيَّةِ والمقاماتِ المُقدَّسةِ لبيتِ اللهِ، والاقتباسُ مِن أنوارِ التَّجليَّاتِ الإلهيَّةِ، يجعلُ الأعمالَ والمناسكَ في سَيرهَا إلى اللهِ مليئةً بمضمونِ الحجِّ الإبراهيميِّ المحمَّديِّ، وبمقدارِ تخفيفِ الحملِ من أفعالِ النَّفسِ يَسلَمُ الجميعُ ويحملُ ثقلَ معرفةِ الحقِّ، وبقبضاتٍ مليئةٍ بالقيمِ التي بُعِثَ لأجلِهَا الأنبياءُ العِظامُ، لأنَّ هذهِ القيم والدَّوافع هي التي تحرِّرُ المؤمنَ من أُسَرِ النَّفسِ الأمَّارة بالسُّوءِ.
فالكتابُ المُقَدَّسُ وَهُوَ (تبيانٌ لِكُلِّ شيءٍ)، وصادرٌ عن مقامِ الجمعِ الإلهيِّ إلى قلبِ النُّورِ الأوَّلِ، هذا الكتابُ السَّماويُّ الإلهيُّ هو الصُّورةُ العَينيَّةُ والكتبيَّةُ لجميعِ الأسماءِ والصِّفاتِ والآيات والبيِّناتِ، ولا يَعلمُ أحدٌ أسرارهُ غيرَ وجودِ الأقدسِ الجامعِ. ولكنَّ أهلَ المَعرفةِ والتَّحقيقِ فِي مختلفِ فُرُوعِهِ وبنسبةِ العلمِ والمعرفةِ والاستعدادِ لديهِم من خلالِ بياناتِهِم وخطبِهم وأحاديثِهم المتفاوِتَةِ إنَّما يُقَرِّبونَ الفهمَ مِن هذه الخزائنِ اللاَّمتناهيةِ بالعرفانِ الإلهيِّ والبحرِ المَوَّاجِ للكشفِ الابراهيميِّ ويقدِّمونَهُ للآخرينَ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:39 am

المسألة الثامنة
القضاء والقدر وفق القانون الخصيبي

مَفهومُ القَضَاءِ والقَدَرِ:
الحديثُ عن مَوضوعِ القضاءِ والقدرِ في القانونِ الخَصيبيِّ يَعتمدُ أساسًا عَلى مَا وردَ من أحاديثِ أهلِ العصمةِ (ع)، ولا اجتهادَ فيهِ.
فهذا الموضوعُ يَرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بالمشيئَةِ الإلهيَّةِ، وقانونُنَا الخصيبيُّ واضحٌ حولَ مفهومِ القضاءِ والقدرِ الذي تَاهَ النَّاسُ فيهِ لأنَّهم لمْ يأخذُوا عِلمَهُم من بابِ مَدينةِ العلمِ مَولانا أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام الذي قيل له: يا أميرَ المؤمنين أخبرْنَا عن القدَرِ. فقال: بحرٌ عميقٌ فلا تَلِجْهُ. قيلَ: يا أميرَ المؤمنين أخبرنَا عن القدرِ. قال: سِرُّ اللهِ فلا تتكلَّفهُ. قيل: يا أميرَ المؤمنين أخبرنَا عن القدرِ. قال: أمَّا إذا أبيتَ فإنِّي سائِلُكَ أكانتِ الرَّحمةُ للعبادِ قبلَ أعمالِ العبادِ؟ أم كانتْ أعمالُ العبادِ قبْلَ الرحمةِ؟ قال الرَّجلُ: بلْ كانتِ الرَّحمةُ للعبادِ قبلَ أعمالِ العباد. فقال أمير المؤمنين: قوموا فسلِّموا على أخيكُم فقد آمنَ.
كمَا جاءَ قولُ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السَّلام: (إنَّ أحدَكُم لن يَخْلُصَ الإيمانُ إلى قلبِهِ حتَّى يُقرَّ بالقَدَرِ كُلِّهِ).
وهذا الإقرارُ بالقَدَرِ أجابَ عنهُ أميرُ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السَّلام حين قيلَ لهُ: يا أميرَ المؤمنين إنَّ فلانًا يقولُ بالاستطاعَةِ وهو حاضِرُكَ! فقالَ: عليَّ بهِ. فأقاموهُ، فلمَّا رآهُ قالَ له: الاستطاعةُ تملِكُهَا مع اللهِ أو مِن دونِ اللهِ؟ وإيَّاكَ أنْ تقولَ أحدهما فترتدَّ. قالَ: فما أقولُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قال: قُلْ أملُكُهَا بإذنِ اللهِ الذي إنْ شاءَ ملَّكني إيَّاها.
فالقضاءُ والقدرُ كما وردَ عن الإمامِ الصَّادقِ (ع): (خَلْقانِ من أمرِ الله، والله يزيدُ في الخَلْقِ ما يشاءُ)، فنحنُ (لا نملكُ مع اللهِ شيئًا، ولا نملكُ إلاَّ ما مَلَّكنا، فَمَتى مَلَّكنا ما شاءَ أنْ يُملِّكَنَا إيَّاه فقد كلَّفنا، ومتى أخذهُ منَّا فقد وضعَ تكليفَهُ) وهذا هو معنى (لا حولَ ولا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ) كما وردَ عن مولانا أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام.

الجَبْرُ والتَّفويضُ:
النَّاسُ في الجبرِ والتَّفويضِ قسمانِ: قسمٌ يعتقدُ بالجبرِ الخالصِ وقسمٌ يعتقدُ بالتَّفويضِ الخِالصِ كما قالَ الإمامُ الصَّادقُ (ع): (النَّاسُ على ثَلاثةِ أوجهٍ: رجلٌ يزعمُ أنَّ الأمرَ مفوَّضٌ إليه، فقد وَهَّنَ اللهَ في سلطانِه فهو هالكٌ، ورجلٌ يزعمُ أنَّ اللهَ أجبرَ العبادَ على المَعَاصي وكلَّفهُم ما لا يَطيقونَ، فقد ظلمَ اللهَ في حُكْمِهِ فهو هالكٌ، ورجلٌ يؤمنُ أنَّ اللهَ كلَّفَ العبادَ ما يطيقُونَه ولمْ يُكلّفْهم ما لا يطيقُونه فإذا أحْسَنَ حَمَدَ الله وإذا أساءَ استغفرَ اللهَ فهذا المؤمنُ البالغُ)، ونحنُ وفقَ القَانونِ الخَصيبيِّ نعتقدُ أنَّ اللهَ جعلَ الاختيارَ للعبادِ، وجعلَ لهم السَّبيلَ والاستطاعةَ إلى الطَّاعةِ والمَعصيةِ، إذْ عندما سُئل الإمامُ الصَّادقُ (ع): أأَجْبَرَ اللهُ العبادَ على المعاصي؟ قال: لا. قيلَ: ففوَّضَ إليهم الأمرَ؟ قالَ: لا. قيلَ: فماذا؟ قالَ: (لُطْفٌ من ربِّكَ بينَهُمَا)، فَمَا أجبَرَهُم ولا فوَّضَ إليهم، بل حالةٌ بينَ حالتين كَمَا ورد عن الإمامِ الصَّادقِ (ع): (لا جَبْرَ ولا تفْويضَ).
فالجَبْرُ في مفهومنا يُلزِمُ مَنْ دانَ به الخطأ فهو قولُ من زعمَ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا أجبرَ العبادَ على المعاصي وعاقَبَهم عليها، ومن قالَ بهذا القولِ فقد ظلمَ اللهَ في حُكْمِهِ، وكذَّبَهُ وردَّ عليه قولَه: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، وقولَه: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)، وقولَه: (إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). فمن زعمَ أنَّه مجبرٌ على المعاصي فقد أحالَ بِذنبِهِ على اللهِ، وقد ظلَمهُ في عقوبَتِه، ومَن دَانَ بالجَبرِ أو بما يدعو إلى الجَبرِ فقد ظَلمَ اللهَ ونَسَبَهُ إلى الجورِ والعدوانِ.
كذلكَ التَّفويضُ يُلْزِمُ مَنْ دانَ به وتقلَّدَهُ الخطأَ في قولِهِ: إنَّ اللهَ جلَّ ذكرهُ فوَّضَ إلى العبادِ اختيارَ أمرِهِ ونهيهِ وأهملَهُم!! فلو فوَّض إليهم على جهةِ الإهمالِ لكانَ لازمًا له رضى ما اختارُوهُ واستَوجَبُوا منه الثَّوابَ، ولمْ يكنْ عليهم فِيما جَنَوهُ العقابَ إذا كانَ الإهمالُ واقعًا، فمَن زعمَ أنَّ اللهَ تعالى فوَّضَ أمرَهُ ونهيَهُ إلى عبادِهِ فقد أثبتَ عليهِ العَجزَ وأوجبَ عليهِ قبولَ كلِّ ما عملوا من خيرٍ وشرٍّ، لكننا نقولُ: إنَّ اللهَ خلقَ الخلْقَ بقدرتهِ ومَلَّكهُم استطاعةَ تعبُّدِهم بها، فأمرَهُم ونهاهُم بما أرادَ، فقَبِلَ منهم اتِّباعَ أمرهِ وَرَضِيَ بذلك لهم، وَنَهاهُم عن معصيَتِهِ وذَمَّ مَنْ عَصَاه، وعاقَبَهُ عليها، وللهِ الخِيَرَةُ في الأمرِ والنَّهي، يختارُ ما يريدُ ويأمرُ بهِ، ويَنهى عمَّا يكرهُ ويعاقبُ عليه، اختارَ من الأمورِ ما أحبَّ ونهى عمَّا كَرِهَ، فمَن أطاعَهُ أثابَهُ، ومَن عَصَاهُ عاقَبَهُ، ولم يُجِزْ لهم الاختيارَ بأهوائِهِم، ولم يقبلْ منهم إلا اتّباعَ أمرهِ واجتنابَ نهْيِهِ، وهذا القولُ بين القولين ليس بجبرٍ ولا تفويضٍ، وهو سرٌّ دقيقٌ أشارَ إليه الإمام الصادق (ع) حين سُئلَ: أفوَّض اللهُ إلى العبادِ أمرًا؟ فقالَ: اللهُ أجلُّ وأعْظَمُ من ذلك. فقيل: فأجبَرَهُم على ذلك؟ قال: اللهُ أعْدَلُ من أنْ يجبرَهم على فعلٍ ثمَّ يعذَّبَهم عليه. فقيل له: هل بينَ هاتينِ المَنزلتينِ منزلةٌ؟ قال: نعم، قيل: ما هي؟ قال: (سِرٌّ من أسرارِ الله ما بين السَّماء والأرضِ).
الفَرقُ بينَ المَشيئَةِ والقَدَرِ:
قالَ الإمامُ موسى الكاظمُ (ع): (لا يكونُ شيءٌ إلاَّ ما شاءَ اللهُ وأرادَ وقدَّرَ وقضى)، قيلَ له: ما معنى شاءَ؟ قالَ (ع): (ابتداءُ الفعلِ)، فقيلَ: ما معنى قدَّرَ؟ فقال (ع): (تقديرُ الشَّيءِ من طولِهِ وعرضِهِ)، فقيلَ: ما معنى قضى؟ فقالَ (ع): (إذا قضى أمضاهُ، فذلكَ الذي لا مردَّ له).
والمشيئةُ غيرُ الأمرِ، إذ وردَ عن سيِّدنا محمد بن سنان (ع) أنَّه قال: سمعتُ الإمامَ الصَّادقَ (ع) يقولُ: (أمرَ اللهُ ولمْ يشأ، وشاءَ ولمْ يأمر، أمرَ إبليسَ أنْ يَسجُدَ لآدمَ وشاءَ أنْ لا يسجدَ، ولَو شاءَ اللهُ لسجدَ). ويمكنُ توضيحُ الفرقِ بينهما بقولِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السَّلام عن القضاء والقدر: (لا تقولوا وكَّلَهُم الله إلى أنفُسِهِم فتوهّنون، ولا تقولوا أجبَرَهُم على المعاصي فتظلموهُ، ولكن قولوا: الخيرُ بتوفيقِ اللهِ، والشَّرُّ بخذلانِ اللهِ، وكلٌّ سابقٌ في علمِ الله).
وإنَّنَا نُؤمِنُ بالقدرِ والمشيئةِ الإلهيَّةِ لقولِ الإمامِ الحسنِ (ع): (مَنْ لمْ يؤمنْ بالقدرِ خيرَه وشرَّه أنَّ اللهَ يعلمُه فقد كفرَ، ومن أحالَ المعاصي على اللهِ فقد فَجَرَ، إنَّ اللهَ لمْ يُطَعْ مكْرَهًا، ولم يُعْصَ مغلوبًا، ولم يُهمِلِ العبادَ سُدىً من المملكةِ، بل هو المالكُ لما ملَّكهم، والقادرُ على ما عليه أقْدَرَهم، أمرَهم تخييرًا ونهاهُم تحذيرًا، فإنْ ائتَمَرُوا بالطَّاعةِ لمْ يجدُوا عنها صادًّا، وإنْ انتهوا إلى معصيةٍ فشاءَ أنْ يَمُنَّ عليهم بأنْ يحولَ بينهم وبينها فَعَلَ، وإنْ لمْ يفعَل فليسَ هُوَ الذي حَمَلَهم عليها جبرًا، ولا أُلزِموها كرهًا، بل مَنَّ عليهم بأنْ عرَّفهم وحذَّرهم وأمرَهُم ونهاهُم لا جَبرًا لهم على ما أمرَهُم به فيكونوا كالمَلائكةِ ولا جبرًا لهم على ما نَهَاهُم عنه).
وهكذا فإنَّ الصِّراعاتِ بينَ الخيرِ والشَّرِّ كلُّها صورٌ عن عداءِ الباطلِ للحقِّ، ومناهَضَتِهِ له، وهما يتصَارعَانِ إلى أنْ ينتهي كلٌّ منهما إلى المصيرِ المقرَّرِ، فحينَ أخذ عز وجلَّ بالقبضتينِ قال: (هذِهِ إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وهذه إلى النَّارِ ولا أُبَالي)، ولكليهِمَا جولاتٌ متتاليةٌ منذ القديمِ إلى ما يشاءُ اللهُ، وكمثال على ذلك: صراعُ مولانا هابيل ضدَّ قابيل، وسيِّدنا ابراهيم ضدَّ النَّمرودِ، وسيِّدنا موسى ضدَّ فرعون، والفلسفةُ اليونانيَّةُ ضدَّ السَّفْسَطَةِ، ورسول الله (ص) والهاشمييِّن ضِدَّ مُشركي قريش.
وقد شاءتِ الحكمةُ الإلهيَّةُ أنْ تتواجَدَ عناصرُ الشرِّ بهياكلَ تشبهُ هياكلَ عناصرِ الخيرِ، وهي الصُّورةُ الإنسانيَّةُ على خلافٍ في الجوهرِ كما قال مولانا أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السَّلام: (لو أنَّ الباطلَ خلَصَ من مزاج ِالحقِّ لم يَخْفَ على المرتادين، ولو أنَّ الحقَّ خَلَصَ من لُبْسِ الباطلِ انقطعتْ عنه ألسنُ المعاندين، ولكن يؤخَذُ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضِغْثٌ فيُمزجان، فهنالك يستولي الشَّيطانُ على أوليائِهِ، وينجو الذين سَبَقتْ لهم من الله الحُسْنى).
==============
المسألة التاسعة
التوحيد الخالص وفق القانون الخصيبي

استوحى سيدنا الخصيبي (ع) التوحيدَ الخالصَ من مدرسةِ أمير المؤمنين الإمام (علي) علينا من ذكره السلام الذي لخَّصَ معنى التوحيد بقوله: (التَّوحيدُ ألاَّ تتوهَّمَهُ)، واستفاضَ بشرحِهِ مما أوردهُ من مناهلِ الأئمةِ المعصومين (ع) حيث ورد عن سيدنا جابر الجعفي (ع) أنَّ الإمامَ الباقرَ (ع) سألَهُ: يا جابرُ أتدري ما المعرفةُ؟ أجابَ جابر (ع): زِدْني يا مولاي. فقال الإمام (ع): (إثباتُ التَّوحيدِ أولاً، ثم معرفةُ الحقِّ ثانيًا).
لقد عَلَّمنا سيِّدنا الخصيبي (ع) أنَّ التَّوحيدَ الخالصَ يقومُ على الإثباتِ والنَّفي في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَـيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، وهذا هو السِّـرُّ المستَسِرُّ لأنَّ الإثباتَ هو الإقرارُ بتجلي الحيِّ القيُّومِ، والنَّفيَ هو إفرادُ جوهرِ الحقِّ سُبحانَهُ وتعالى، وقد وَرَدَ عن الإمامِ الباقرِ (ع) أنَّه قال: (هذا أمرٌ صَعبٌ مُستَصْعَبٌ وسِرٌّ مُسْتَسِرٌّ مُقنَّعٌ بالدُّرِّ لا يَحمِلُه إلاَّ مَلكٌ مُقرَّبٌ أو نَبيٌّ مُرسَلٌ)، وتفسيرُهُ وردَ في الأثرِ عن سيدنا المفضل بن عمر (ع) عن سيدنا جابر الجعفي (ع) أنَّه قال: سُئل مولاي الباقرُ (ع) عن تفسيرِ الصَّعبِ المُستَصْعَبِ؟ فقال (ع): (الصَّعبُ الإقرارُ والمستصعَبُ الإفرادُ).
فإثباتُ تجلي الحيِّ القيُّومِ من دونِ تشبيهٍ واجبٌ ضرورةً، لقوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وهذا ما أكَّدَهُ أميرُ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكره السلام حين سُئلَ: هل رأيتَ ربَّكَ حينَ عبدتَهُ؟ فقال علينا من ذكره السلام: (لا أعبدُ ربًّا لا أراهُ)، وهنا الدَّلالة على وجوبِ تحقيقِ المُعايَنَةِ لتكونَ العبادةُ مُقترِنَةً بالمعرفةِ، فَمَن زَعَمَ أنَّه يعرفُ اللهَ بغيرِ معاينةٍ فقد ضَلَّ وكَفَرَ.
أمَّا النَّفي من دونِ تعطيلٍ في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فهو أنَّه سُبحانَهُ لا يقعُ تحتَ الكيفيَّةِ والماهيَّةِ والأينيَّةِ والحيثيَّةِ ولا يُمثَّل بِمَثَلِ ولا يُشبِهُهُ شَيءٌ لقول أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ، وَلاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ، وَلاَ صَمَدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ... سبَقَ الأوقاتَ كوْنُهُ، والعَدَمَ وجودُهُ، والابتداء أزلُهُ)، وهو ما توسَّــــعَ في ذِكْرِهِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام حينَ سُئلَ: أين كان ربنا قبل أن يَخلُقَ سماءً وأرضًا؟ فقال: ("أين" سؤالٌ عن المكانِ، وكانَ اللهُ ولا مكانَ). وقد اســـتمرَّ نهجُ الحقِّ الذي أسَّـــسَـــهُ (علينا من ذكر السلام) مع ما وردَ عن الأئــمَّةِ الأطـهار (ع)، وما جاء في تعاليم سيدنا الخصيبـيِّ (ع).
فسيدنا الخصيبي (ع) علَّمنا كيف نُثبِتُ التَّجلي وَنَنفي حقيقةَ الأجسامِ والحدودِ، فالإثباتُ هو إثباتُ تجلي الحقِّ تعالى إيمانًا ويقينًا، وسواءَ حصلَ الإقرارُ بإثباتهِ أم لم يحصلْ فهو ثابتُ الوجودِ، أمَّا النَّفي فهو تجريدُهُ تعالى عن التَّجسيم والعِلَلِ، فمَن زَعَمَ أنَّ الحقَّ تَجَلَّى بِجِسمٍ فقد حَدَّهُ وَبَعَّضَهُ. وَمَن زَعَمَ أنَّ الله تعالى ماهيَّةٌ أو جسمٌ أو جسدٌ! فقد شَبَّهَهُ بخلقهِ. كما قال تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، وهو ما ذكرَهُ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام حين قال: (لا تقعُ الأوهامُ لهُ على صفَةٍ، ولا تعقدُ القُلوبُ منهُ على كيفيَّةٍ، ولا تنالُهُ التَّجزئةُ والتَّبعيض)، فهو الأوَّلُ بلا بدايةٍ والآخِرُ بلا نهايةٍ، لا يَقَعُ تحت حَدِّ الزَّمانِ لقوله علينا من ذكره السلام: (أوَّلٌ قبلَ الأشياءِ بلا أوليَّةٍ، وآخِرٌ بعدَ الأشياءِ بلا نهايةٍ، عَظُمَ أن تَثْبُتَ ربوبيَّتُهُ بإحاطةِ قلبٍ أو بصرٍ)، يؤكدُ ذلك ما وردَ عن الإمام الباقرِ (ع) أنَّه قال: (تكلَّموا في كلِّ شيءٍ ولا تتكلَّموا في ذاتِ الله، فإنَّ الكلامَ في ذاتِ اللهِ لا يزيدُ صاحبَهُ إلا تحيُّرًا).
فقد وَقَعَـتْ المعاينةُ من جهةِ الوجودِ لأنَّ اللهَ مُتَجَلٍّ مُثبَتٌ بين خلقِهِ، بدليل قول الإمام الصادق (ع): (لو سُئِلَ الخَلقُ فقيل لهم: أنتم عبيدٌ أم أحرارٌ؟ قالوا: بل عبيدٌ، فيُقال لهم: عبيدُ مَن أنتم؟ فيقولون: عبيدٌ للهِ، فيُقال لهم: أَعَرفتمُوه حتى عَبَدتُّموهُ؟ فيقولون: عَرَفناهُ، فيُقال لهم: هل رَأيتُموه؟ فيقولون: ما رَأيناه، فيُقال: كيف يُعرفُ من لا يُرى؟)، لكنَّه عزَّ وَجَلَّ مجرَّدٌ عن النُّعوتِ والصِّفاتِ والأمثلةِ والحدودِ الكائنةِ حيث قال الإمام الصادق (ع): (لو كانَ اللهُ ممازجًا للأشياءِ لكان مُشاكلاً لها، ولو كان مُباينًا لكان ضِدًّا لها، ولو كان لا مباينًا ولا ممازجًا لكان مجهولاً، ولكن أقول: إنه مباينٌ لها في جوهرِها من الإلهيَّة، ولا أقولُ: إنه مُباينٌ لها- أي- مُضَادٌّ)، إلى أن قال: (يُقال: لا داخلٌ ولا خارجٌ ولا مباينٌ ولا ممازجٌ فهذا حدُّ المجهولِ)، فالحقُّ في جوهرِهِ ليسَ للقائلِ فيه مقالٌ، ولا نقولُ: إنَّه غيرُ ما شَهِدْنا، فَنُبطِلَ تجلِّيه.
وهكذا فإنَّ التوحيد الخالصَ في القانون الخصيبي يقومُ على الإثباتِ والنفي إذ لا عِلَّةَ للحقِّ ولم تُقيِّدْهُ عِلَّةٌ، وجوهرُ الحقِّ جلَّ جَلالُهُ مجرَّدٌ عن أن ينحصرَ في عِلَّةٍ مُعيَّنَةٍ، لقول أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (لا يَحولُ ولا يَزولُ، ولا يَجوزُ عليه الأفولُ، لا تَنَالُهُ الأوهامُ فَتُقدِّرُهُ، ولا تَتَوهَّمُهُ الفِطَنُ فتصوّرُهُ، ولا تدركُهُ الحواسُ فتحسُّهُ، ولا تلمسُهُ الأيدي فتمسُّهُ)، وقوله: (لاَ يُدْرَكُ بِوَهْم، وَلاَ يُقَدَّرُ بِفَهْم، وَلاَ يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَلاَ يَنْقُصُهُ نَائِلٌ، وَلاَ يَنْظُرُ بِعَيْن، وَلاَ يُحَدُّ بِأَيْن)، وقوله: (لا يُشملُ بِحَدٍّ، ولا يُحسبٌ بِعَدٍّ، وإنما تَحُدُّ الأدواتُ أنفُسَها، وتشيرُ الآلاتُ إلى نظائرِها)، وقوله: (لا يُدرِكُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، ولا ينالُهُ غوصُ الفِطَنِ، الذي ليس له حدٌّ محدودٌ، ولا نعتٌ موجودٌ، ولا وقتٌ معدودٌ، ولا أجَلٌ ممدودٌ، فمن وَصَفَ اللهَ سبحانه فقد قَرَنَهُ، ومَن قَرَنَهُ فقد ثَنَّاهُ، ومَن ثَنَّاهُ فقد جَزَّأهُ)، وقوله: (لم يزلْ ولن يزولَ، ليسَ كمثلِهِ شيءٌ، وهو بَعدَ كلِّ شيءٍ، ليسَ يدركُهُ بصرٌ، ولم يُحطْ به نظرٌ).
حتى إذا تناهى العبدُ في التَّنزيهِ أفرَدَ جوهرَ القادرِ عن القدرةِ وجوهرَ العالِمِ عن العلمِ، حيث وردَ في كتاب تحفِ العقولِ عن آلِ الرسولِ (ص) أنه قيل للإمامِ الرضا (ع): إنَّ قومًا يقولون: إنَّه عزَّ وجلَّ عالمًا بعلمٍ وقادرًا بقدرةٍ وقديمًا بقدمٍ وسميعًا بسمعٍ وبصيرًا ببصرٍ؟ فقال (ع): (اتَّخَذُوا مع اللهِ إلهًا آخرَ وليسَ هم مِن ولايِتنا على شيءٍ، تَعَالى اللهُ عمَّا يقولُ المُشركونَ والمشبِّهونَ علوًّا كبيرًّا).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:44 am

الفصل الثالث
فلسفتنا العلوية الإسلامية وفق القانون الخصيبي
========
فلسفة عصا موسى وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى).
إنَّ القرآنَ الكريمَ هو الكنزُ الذي لا تَنضبُ جواهرُهُ أبدًا، والنَّبعُ الصَّافي لمَن يَرِدُهُ، فَمَن يرتشفُ منه لا يَرتوي أبدًا. ونحنُ بصددِ دراسـةِ موضوعٍ في غايةِ الدِّقةِ والأهميَّةِ وهو فلســفةُ عصــا سيدنا موسى (ع) من خلال المعجزةِ في المثالِ القرآنيِّ الذي أجراهُ سيدنا موسى (ع) أمامَ سَحَرةِ فرعونَ، إذ يجبُ علينا الوقوفُ على بعضِ أسرارِهِ والإبحارِ في أغوارِهِ والتَّدبُّرِ والتَّعلُّمِ والارتقاءِ في الفكرِ والتَّأمُّلِ في فلسفةِ عصا سيدنا موسى (ع).
فسيِّدُنا موسى (ع) لم يُقِمِ المعجزاتِ ليجمعَ المريدينَ حولَهُ، بل أظهرَ ما أظهرَ من المعجزاتِ ﻷجلِ التَّعليمِ واﻹرشادِ، وِلِتَطمئنَّ قلوبُ العارفينَ، فالمعجزةُ الخارقةُ التي كان يؤدِّيها كانت لِيَتَعلَّمَ ويتيقَّنَ العارفونَ معاني ومبادئَ التَّوحيدِ، وفي هذه النُّقطةِ ينبغي علينا أن نُمعنَ النَّظرَ لِفَهمِ فلسفتِنا العلويَّةِ الإسلاميَّةِ القرآنيَّةِ في الآيةِ المذكورةِ.
لابدَّ هنا من التَّفكُّرِ والتأمُّلِ في الخطابِ الإلهيِّ، فاللهُ تعالى سألَ سيدنا موسى (ع) لتمييزِ ما عندَهُ من إثباتِ التَّجلي على سبيلِ التعليمِ بقوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ)، واللهُ سبحانه هو العالمُ بما تُكِنُّهُ الصُّدورُ فكيف بما هو في الأيدي، فكانت الحكمةُ الربَّانيَّةُ في جوابِ نبيِّ الله موسى (ع) أن قال: هِيَ عَصَايَ، ولم يقل: عَصَا؛ أرادَ بذلك تعليمنا أنَّها العَصَا الدَّالةُ على المشابهةِ لذلكَ قال: عَصَايَ، ثم جاءَ الخطابُ الإلهيُّ بقوله تعالى: (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى)، ولو دقَّقنا في هذا الخطابِ الإلهيِّ سوفَ تتبيَّنُ لنا المعاني التوحيديَّةُ، فالتَّوحيدُ أكبرُ هديَّةٍ إلهيَّةٍ يمكنُ أن تعطى، وقد بعثَ اللهُ الأنبياءَ لِنَشرِ هذه المواهبِ الإلهيَّةِ وتعليمِ النَّاسِ التَّوحيدَ، فالخطابُ الإلهيُّ في الآيةِ يشيرُ لنا أنَّ الحيَّةَ هي العَصَا بالجواهرِ والحقائقِ، ولكنَّ العصا ليستْ حيَّةً من حيثُ الأعراضِ والأعيانِ، ولو تمَّ القولُ أنَّ جوهرَ العصا حيَّةٌ لَتَمَّ بذلكَ إبطالُ المعجزةِ الإلهيَّةِ وإنكارُ صاحبِها لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، ولو تمَّ القولُ أنَّ جوهرَها عَصَا وحيَّةٌ لَوَقَعَتِ الإشارةُ في المعجزةِ الإلهيَّةِ إلى اثنينِ وكان ذلك شركٌ لقوله تعالى: (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً).
والتَّوحيدُ الخالصُ للهِ تعالى يُوجِبُ علينا القولَ: إنَّها عَصَا بالحقيقةِ وإنْ بَدَتْ للعِيَانِ حيَّةً تَسعى لقولِ سيدنا المسيح (ع): (لا تَحكُمُوا حسبَ الظَّاهرِ ولكنْ احكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا)، ﻷنَّ صِفَةَ الفعلِ لا تُطلَقُ على الحقِّ إلا بعدَ وقوعِ الفعلِ، فلا يُقالُ فاعلٌ إلا بعدَ تحقيقِ الفعلِ، وليسَ الفعلُ حقيقةً لذاتِ الفاعلِ، فكلُّ كلمةٍ في الآيةِ القرآنيَّةِ تشتملُ على معانٍ توحيديَّةٍ دقيقةٍ، ففي قوله: (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى) كانت الحركةُ للحيَّةِ لذلك قال: حَيَّةٌ تَسْعَى، ولم يقل: إنَّ العَصَا تَسْعَى، ﻷنَّ العصا كانت ساكنةً، فالحركةُ بعدَ السُّكونِ ﻷنَّ الحركةَ مثالُ التَّجلي للموجوداتِ فَسُبحان القائل: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
فسيِّدُنا موسى (ع) أظهرَ المعجزةَ على المَلأ باجتماعِهِ مع السَّحَرَةِ أمامَ فرعونَ حيث قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)، فَفِعلُ السَّحَرَةِ كان سِحْرًا إذ ثَبَتَ التَّحَوُّلُ على الحِبَالِ والعصيِّ إلى ثعابينَ ثمَّ عَجِزَتْ عن العودةِ، وَفِعْلُ سيدنا موسى (ع) معجزةٌ ﻷنَّ العصا أصبحَتْ كالحيَّةِ من دونِ أن تتحوَّلَ في الحقيقةِ إلى حيَّةٍ بدليلِ عودَتِها إلى ما كانت عليه؛ أي عَصَا، ولو كانت في الحقيقةِ حيَّة لما عَادَتْ إلى عَصَا.
فَمِن خلالِ معجزةِ نبيِّ اللهِ موسى (ع) في فلسفةِ عصا سيِّدنا موسى نَستَدِلُّ بالدَّليلِ المُحكَمِ والبرهانِ القويِّ على أنَّ اللهَ وَحدَهُ لا شريكَ له بذاتِهِ، أبدَى سِمَاتِ الوجودِ كالموجوداتِ والهيئاتِ، بِيَدِهِ كلُّ شيءٍ وإليهِ تُرجَعُون.
==============

فلسفة العدل وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
اعلم- أيُّها المؤمنُ- عَلَّمَكَ اللهُ الخيرَ وَوَفَّقَكَ للعملِ به، إنَّ اللهَ الأزلَ سبحانَهُ تَجَلَّى لِخَلقِهِ كَخَلقِهِ، وأوجدَهُم نَفسَهُ، وَدَلَّهُم على وجودِهِ، فَنَاجَاهُم خِطَابًا وَاضِحًا، وَنُطْقًا بَيِّنًا، وَرُؤيةً وَوُجُودًا، وَدَعاهُم إلى إلوهيَّتِهِ والإقرارِ بوحدانيَّتِهِ، فَأقَرَّ مَن أقرَّ باختيارِهِ، وأنكرَ مَن أنكرَ باختيارِهِ، لقوله تعالى: (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ).
إنَّ اللهَ جلَّ ثَنَاؤُهُ عَلِمَ مَنْ هو المُقِرُّ الطَّائِعُ، ومَنْ هو المُنكِرُ العاصي الجاحدُ الأعمى لقوله تعالى: (لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، وقوله تعالى: (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وإنَّما دَعَاهُم إلى الإقرارِ بإلوهيَّتِهِ لتمامِ الحُجَّةِ عليهم وإقامةِ العدلِ فيهم لقوله تعالى: (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)، ثم تَجَلَّى للمُقرِّينَ بعد ذلك في تجليَّات شَتَّى، مُختلفاتٍ مُتَبايناتٍ في سِمَاتِها وَحُدودِها وَشُؤونِها لقوله تعالى: (كُلُّ يَوْمِ هُوَ فِي شَأْنٍ) وقوله تعالى: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)، وإنِ اخْتَلفَتْ في الرُّؤيةِ فما زالَتْ عن حقيقَتِها، وإنْ وَقَعَ الاختلافُ في الشُّؤونِ والسِّمَاتِ لقوله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا)، وقوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، حيث أنَّ الحَقَّ جَلَّ ثناؤُهُ لَمَّا أرادَ امتحانَ عالَمِ العقلِ- وهو أعلَمُ بِهِم- تَجلَّى لهم كَهَيئاتِهم وأشكالِهم، فَأَبْدَى الأوليَّةَ والجامعةَ والآخريَّةَ، لكنَّ عالمَ العَقلِ الذي لم يختلفْ عليهم الجوهرُ ولا خَفِيَتْ عليهم الحقيقةُ ولا قُلِّبَتْ أبصارُهم ولا قلوبُهم، بل قالوا: تَجَلَّى بِمَا شِئْتَ كيفَ شِئْتَ فأنتَ أنتَ، وذلك بتوفيقِهِ لهم. قال لهم: إنِّي سأتجلَّى لكم في عالمِ الحسِّ رحمةً لكم وَرِفْقًا بكم وَتَأنيسًا لكم، فقالوا: تجلَّى كيفَ شِئْتَ بِمَا شِئْتَ أنتَ أنتَ، فَلَمَّا تجلَّى لهم بالعالمِ الحسِّيِّ أُهبِطُوا إلى هذا العالمِ وَلَبَّسَهُم الهياكلَ النَّاسوتيَّةَ وتجلَّى لهم على مِثَالِهِم، فَعِنْدَ أوَّلِ تَجَلِّي له بالعالمِ الحسِّيِّ رأوهُ وقالوا: أنتَ رَبُّنا ذلك التَّجلِّي العظيمُ وأنتَ بارئُنا الأحَدُ القديمُ، فَلَمَّا ثَبتَ لهم الإقرارُ بالتَّجلي العقليِّ والحسيِّ أظهَرَ السِّتْرَ كما أظهرَهُ في عالمِ العقلِ فَثَبتَ إقرارُهم، وَأُلزِمَ أهلُ الجُحُودِ جُحُودُهم باختيارِهِم لقوله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ)، ثم أظهَرَ السِّترَ عنهم لِوقتِهِ وَجَعَلَ ذلكَ السِّتْرَ تَلبيسًا على أهلِ الجحودِ، وَجَعَلَ التَّجلي الأوَّلَ لعالمِ العقلِ، ولم يَزَل اللهُ تعالى يتجلَّى زَمَانًا بعد زمانٍ وَأوَانًا بعد أوانٍ، لأنَّ السُّنَّة في كلِّ تَجَلٍّ أن يُظهِر صاحبَ الرِّسالةِ، ويتجلَّى جَلَّتْ عظمَتُهُ لِتَرجِعَ الدَّعوةُ إليهِ والدَّلالةُ عليه لقول سيدنا عيسى المسيح (ع): (أَبَانَا الذي في السَّمواتِ لِيَتَقَدَّسِ اسمُكْ، لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ، لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ كما في السَّماءِ كذلكَ على الأرضِ).
والحمدُ للهِ الذي هَدَانا ومَا كنَّا لِنَهتدي لولا أنْ هَدَانا اللهُ.
==================

فلسفة التجلي في القرآن والحديث وفق القانون الخصيبي

قال رسول الله (ص): (إنِّي مُخلفٌ فيكم الثَّقَلَين، أحدُهُما أعظمُ من الآخرِ، كتابُ اللهِ حَبلٌ مَمدودٌ من السَّماءِ إلى الأرضِ، وَعِترَتي أهلُ بَيتي، ولن يَفتَرِقا حتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحوضَ، ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بهما لَن تَضلُّوا الطَّريق).
إنَّ الدَّلائِلَ على تجلِّي الخالقِ بِعَدَدِ أنفاسِ الخلائقِ، وَمِن أعظمِ الدَّلائلِ الآياتِ القرآنيَّةِ وأحاديثِ أهلِ العصمةِ وما جاءَ فيها مِن البَيِّناتِ.
فَمَن أرادَ استجلاءَ الحقائقِ وكشفَ الرَّانِ عن القلوبِ والسُّلوكَ على الصِّراطِ المستقيمِ فَعَلَيهِ أن يَتدبَّرَ آياتِ اللهِ عزَّ وجلَّ لقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، فالقرآنُ فيه من المعاني والحقائقِ التي تأخذُ بِيَدِ كلِّ مُتَدَبِّرٍ لآياتِهِ إلى مَعَانٍ سَمَاويَّةٍ وحقائق يقينيَّةٍ وهي معرفةُ وجودِ الحقِّ المُعَايَنِ وتوحيدِهِ، مُقتَرِنَةً ضرورةً بمعرفةِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام، لذلك قال سيِّدُنا رسول الله (ص): (عليٌّ معَ الحقِّ والحقُّ مع عليٍّ، اللهم أَدِرِ الحقَّ مَعَهُ كيفَما دَارَ).
هذه المعرفةُ الإلهيَّةُ التي تُخلِّصُ المؤمنَ من غواشي المادَّةِ وعلائقِ الجرميَّةِ، وَتَنقُلُهُ من عالمِ الحسِّ إلى عالمِ العقلِ. وهذه المعرفةُ هي غايةُ العبادِ من الوجودِ المُعَايَنِ لقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) فمعرفةُ اللهِ هي الغايةُ الأسمى والطريقُ الأقومُ لِعِبَادَتِهِ، وهذهُ المعرفةُ والعبادةُ لا تتحقَّقُ إلا بمعرفتِهِ جلَّ جلالُهُ حقَّ معرفَتِهِ.
لمَّا تَجَلَّى الحقُّ عِيَانًا لعالمِ الحسِّ وَقَعَ الاختلافُ في معاينةِ الخَلْقِ له. فالحقُّ تجلَّى وأبدَى آياتِهِ عِيَانًا في سمواتِهِ وأرضِهِ، ولكنَّه في الحقيقةِ أحدٌ فردٌ صمدٌ لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، ولا حالَ ولا زالَ، ولا انتقلَ من حالٍ إلى حالٍ، دَلَّهُمْ على وجودِهِ وأظهرَ قدرَتَهُ وأوجدَهُم القدرةَ المُعَايَنَةَ في السَّماءِ والأرضِ، وهذا ما أخبرَ به القرآنُ الكريمُ عن القدرةِ التي يختصُّ بها اللهُ عزَّ وجلَّ وحدَهُ ومنها: ردُّ الشَّمسِ، وإحياءُ الأمواتِ، وإماتةُ الأحياءِ، وإخبارُ ما في الأرحامِ مِن وَلَدٍ، وبذلك وَصَفَ نفسَهُ فقال عزَّ وجلَّ: (إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
وَقَد دَعَا سائرُ الأنبياءِ والأئمَّةِ وأولو العَزمِ والرُّسُلُ وأصحابُ الشَّرائِعِ إلى معرفةِ تجلِّي الحقِّ وأشارُوا إليهِ فقالوا: إنَّه يعلمُ الغيبَ وينزِّلُ الغيثَ ويعلمُ ما في الأرحامِ ويعلَمُ علمَ السَّاعةِ وأنه سَطَحَ الأرضينَ وَسَمَكَ السَّمواتِ وأنبتَ الشَّجرَ وخلقَ المَدَارَ وأجرَى الأنهارَ وأمطرَ السَّحابَ وخلقَ الجنَّةَ والنَّارَ وخلقَ الخَلْقَ، وإنَّ جميعَ الأنبياءِ الذين ذكرناهم ذَكَرُوا هذه الأشياءَ، وأنَّها لا تَكُونُ إلا مِن اللهِ عزَّ وجلَّ، فكانَ هذا القولُ منهم لَمَّا أجابوا وأقرُّوا مُفتَقِرِينَ بالعلمِ للحقِّ وَمُشيرينَ بالفَضلِ إليهِ، وقد صَرَّحَ القرآنُ تصريحًا إشارةً إلى الحقِّ، فقالَ جلَّ مِن قائلٍ في آية الكرسي: (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
وَمِن دقيقِ المعنى في ذلكَ إشارةُ النَّبيِّ في كلامِهِ إلى ربوبيَّةِ اللهِ جلَّ ثناؤهُ وَتَجلِّيهِ عِيَانًا في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)، وأنَّه مُتَجَلٍّ حَكيمٌ، يُظهِرُ حِكمَتَهُ فيكم، وحَاكِمٌ عليكم، خَبيرٌ بِسِرِّكُم وَجَهرِكُم. وممَّا رُويَ عن أهلِ العصمةِ أنَّ عالمَ العقلِ يقولونَ أنَّ إلهَنا في الأرضِ، كما يقولُ عالمُ الحسِّ أنَّ إلهنا في السَّماء، لكنَّه تجلَّى لعالمِ العقلِ وعالمِ الحسِّ، وكان هذا التجلِّي لإثباتِ الحُجَّةِ على الخلقِ لئلاَّ يقولوا: دَعَانا إلى ما لا نَرَاهُ وَتَجلَّى لنا بِمَا لا نعرفُهُ!! فقال: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فَمَن عَبَدَ مَعدومًا أُحيلَ على معدومٍ، وَمَن عَبَدَ ما لا يَعرِفُهُ حقيقٌ عليه إذا لقِيَهُ أن لا يعرفَهُ، لأنَّ مِن صفةِ الحكيمِ أن لا يَعبُدَ إلا مَوجودًا مُتجليًا، لأنَّ مَن غابَ فلا يُعايَن، يوشِكُ أن لا يكونَ شيئًا، لأنَّ الحقَّ لمَّا خلقَ الخلقَ دَعَاهُم إلى وحدانيَّتِهِ ثم تجلَّى بينهم عِيَانًا، فَمَن عرفَهُ هناكَ أي بالتجلِّي لعالمِ العقلِ عَرَفَهُ ها هنا بالتَّجلي لعالمِ الحسِّ، وَمَن أنكرَهُ هناك أنكرَهُ ها هنا، وَكَفَى بِجهنَّم سَعيرًا.
وممَّا رُويَ عن مولاي الصَّادق (ع) أنَّه كان سَائِرًا في طرقاتِ المدينةِ فإذا بأعرابيٍّ يقولُ: سبحانَ الذي اسْتَتَرَ عن خلقِهِ فلا عينٌ تراهُ، فَزَجَرَهُ مولايَ الصادقُ وقالَ له: (مَهْ يا أعرابيُّ، ما اسْتَتَرَ اللهُ عن خَلقِهِ وإنَّما اسْتَتَرَ عن أهلِ الشَّكِّ والكَدَرِ الذين غابُوا واسْتَتَرُوا عنه).
وممَّا يُؤكِّدُ وجودَ اللهِ عِيَانًا قولُ سيدنا عيسى المسيح (ع): (طُوبَى لأصفياءِ القَلبِ لأنَّهم يُعاينُونَ اللهَ).. وقولُ اللهِ جلَّ مِن قائلٍ: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) ، يؤيِّدُ ذلك قوله عزَّ وجلَّ: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا)، وقولُهُ في يومِ الخندقِ أيضًا: (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا).
ولو أحببتُ أنْ أُقيمَ الشَّواهِدَ في إثباتِ وجودِ الحقِّ المُعايَنِ عَزَّ عزِّهُ، وما أظهرَ من الآياتِ المَشهودَةِ، وروايةِ الأخبارِ المأثورةِ لَطَالَ بي الشَّرحُ وَعَمَّ الوصفُ، ولكنَّ كلمةً واحدةً عند رجلٍ عاقلٍ تُنبي عن كلامٍ كثيرٍ، ولا خيرَ في كلامٍ كثيرٍ لِتُنبي عنه كلمةٌ واحدةٌ.
نَصَرَ اللهُ أولياءَهُ على أعدائِهِ إنَّه هو العليُّ العظيمُ.
=============

فلسفة إبداع العقل وفق القانون الخصيبي

اعلم أيها المؤمنُ عَلَّمَكَ اللهُ الخيرَ بِمَعرفَتِهِ وأعانَكَ على طاعتِهِ وَوَفَّقَكَ وَهَدَاكَ وأرشدَكَ وأعانَكَ وأغناكَ أنَّ الحقَّ مُعِلُّ كلِّ عِلَّةٍ، كانَ ولا كونَ مَعَهُ، ولا مكانَ يُقصَدُ بِهِ إليهِ، ولا فِعْلٌ يُسْتَدَلُّ بهِ عليهِ، مُنفَرِدٌ قبلَ الإيجادِ، تَحَيَّرتْ عن إدراكهِ العُقولُ والأبصارُ، ثم أَبدَعَ العقلَ الذي هوَ كَلِمَتُهُ العظمى لقول سيدنا المسيح (ع): (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ)، والذي ظهرَتْ منهُ المشيئةُ والإرادةُ، ثمَّ ظهرَتْ عنه نفوسُ السَّماواتِ والأرضِ، فَتَجلَّى لها الحقُّ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ.
وَقَد مُثِّلَ قرْبُ العقلِ من الحقِّ كالكلمةِ من المتكلِّمِ من دونِ حلولٍ أو اختلاطٍ، ومن غَيرِ تَمثيلٍ ولا تَحديدٍ لجوهرِ الحقِّ تعالى، فالحقُّ غيرُ العقلِ، والعقلُ غيرُهُ لأنَّه فِعلُهُ، وإنَّما سُمِّيَ //عَقلاً// لأنه مُعَقِّلُ العبادِ والأممِ بالشَّرائعِ، وَرَابطُ المحبِّينَ بالمعرفةِ.
والحقُّ تعالى لما أبدى العقلَ، سَبَّحَ نفسَهُ فَسَبَّحَهُ، وَهَلَّلَ نفسَهُ فَهَلَّلَهُ، وَمَجَّدَ نَفسَهُ فَمَجَّدَهُ، وقال له: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)، فَقَلَّدَهُ مقاليدَ مُلكِهِ ثم أَمَرَهُ بإبداءِ تَكوينِ ما يريدُ أن يكوِّنَ من مُكوِّناتِ مَخلوقاتِهِ.
وبعدَ إيجادِ الخَلْقِ أرادَ الحقُّ هِدَايَتَهُم، فأعادَ الحقُّ القولَ الأوَّلَ على حَدِّ التَّذكيرِ لا على جهةِ الاختبارِ: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي)، فَأَجَابَهُ.
فالإلهُ هو الحقُّ والمألوهُ هو العقلُ، وقد تُطلَقُ على تجلِّي الإلهِ للمَألوهِ السِّماتُ والحدودُ بعدَ التَّجلي على سبيلِ المُمَاثَلَةِ، فالإلهُ حين يُثبِتُ وجودَهُ للمألوهِ يَشهَدُ له بالحقيقةِ والإقرارِ، لقوله تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فالموجوداتُ شَهِدَتْ للحقِّ بأنَّهُ الإلهُ سبحانَهُ.
وبعدَ التَّفويضِ يُوجِدُ الخلقَ، فكلُّ المُحدَثَاتِ هو مُحْدِثها، وكلُّ المَصنوعاتِ هو صَانِعُها، وكلُّ المُنشَآتِ هو مُنْشِئُها، ولولا الفصلُ بينَ المألوهِ والإلهِ، والعقلِ والحقِّ ما عُرِفَ شَيءٌ من شيءٍ، ولا انفصلَ شيءٌ عن شيءٍ، لأنَّ العقلَ ليس هو الحقُّ، بل هو الدَّليلُ على الحقِّ بعدَ التَّجلي لا قَبلَهُ.
وعندما سُئِلَ النبيُّ (ص) عن ماهيَّةِ الحقِّ وعن نَعتِهِ، أنزلَ اللهُ عليهِ سورةَ الإخلاصِ محكمةً دليلًا لِنَفي الضِّدِّ والنِّدِّ والعَرَضِ والجوهرِ، فنقول: هو الرَّبُّ قبلَ التَّجلي بمعنى التَّجريدِ والإفرادِ، وبعدَ التَّجلي يتسمَّى باسمِ ربِّ العقلِ.
وممَّا يدلُّ على ذلك قولُهُ جلَّ مِن قائلٍ: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، ولو أنَّهم عَلِموا لَمَّا سُئِلوا وقيل لهم: مَن خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ؟ قالوا: اللهُ، فقال تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، لأنَّهم لم يَعلَمُوا الفرقَ بين الحقِّ والعقلِ، إذ لا يَدُلُّ على الحقِّ إلا العقلُ، ولا يُعرَفُ الحقُّ إلا بالعقلِ.
وهذا أيها المؤمنُ شاهدٌ واضحٌ ودليلٌ لائحٌ يُثبِتُ أنَّ العقلَ دليلٌ على الحقِّ. والحقُّ لا يقبلُ من عاملٍ عَمَلًا إلا بمعرفتِهِ، لأنَّ ما لِلْحَقِّ من دليلٍ يَدُلُّ عليه أعظمُ من العقلِ، ولا يمكنُ الوصولُ إلى معرفةِ الحقِّ إلا بِهِ.
وقد ذكرنا أن قليلًا من الكلامِ يُغني عن كثيرٍ حسبَ ما رويناه عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (خَبَرٌ واحدٌ ترويهِ وَتَدريهِ وَتَعيهِ خَيرٌ من ألفِ خبرٍ تَرويهِ ولا تَدريهِ ولا تَعيهِ).
أعاننا اللهُ وجميعَ المؤمنينَ على امتثالِ أوامرِهِ والانتهاءِ عن نواهيهِ برأفتِهِ ورحمتِهِ، والسَّلامُ على مَن اتَّبَعَ الهدى وَخَشِيَ عواقبَ الرَّدى وآثرَ الدِّينَ على الدُّنيا.
=================

فلسفة الثالوث المقدس وفق القانون الخصيبي

يقولُ سيِّدُنا المسيح (ع): (فاذهَبُوا وَتَلمِذُوا جميعَ الأممِ وَعَمِّدُوهُم باسمِ الآبِ والابنِ والرُّوحِ القُدُسِ).
اعلمْ أيُّها المؤمنُ عَلَّمَكَ اللهُ الخيرَ وَزَادَكَ هُدًى وبصيرةً ويقينًا وكان لكَ على سبيلِ الخيرِ عَونًا وَمُعينًا وعلى فعلِ الخيرِ ناصرًا وحافظًا، إنَّ الابنَ الجليلَ لَمَّا كوَّنَهُ الآبُ القدُّوسُ، أوجدَ روحَ القُدُسِ بأمرِهِ، وذلكَ قبلَ خَلقِ الموجوداتِ. فلمَّا أوجدَهُ عاينَ رُوحُ القُدُسِ نورَ الابنِ الباهرَ، فكَبَّرَهُ في نفسِهِ إجلالًا وإعظامًا، وَعَلِمَ أنَّ هناكَ غايةً فوقَ الابنِ، ثم اسْتَتَرَ الابنُ وتجلَّى له الآبُ فَعَايَنَهُ على قَدْرِهِ، فقال عندَ تجلِّي الآبِ له: اللهُ أكبرُ؛ يعني: الآبُ أعظمُ وأجلُّ من الابنِ، وقال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنتَ، يريدُ بذلكَ الآبَ القدُّوسَ، وذلك أنَّه لمَّا أوجدَ الابنُ روحَ القُدُسِ بأمرِ الآبِ القُدُّوسِ، نَظَرَ إلى الابنِ الجليلِ، فألهَمَهُ الآبُ القُدُّوسُ للقولِ: لا إلهَ إلا أنتَ، إشارةً وليسَ للابنِ لذلكَ قال تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ).
وفي القرآنِ الكريمِ آياتٌ كثيرةٌ مثلُ هذه أكثرُ مِن أن تُحصى، ومنها قول الله عز وجل: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، فالابنُ لمَّا أوجَدَ روحَ القُدُسِ أقامَهُ بأمرِ الآبِ، ثم عرَّفَهُ الابنُ حقيقتَهُ، فكبَّرَهُ تعظيمًا وحارَ في إدراكِهِ، وَعَلِمَ أنَّ فوقَهُ غايةً، فَوَقَفَ وارتقبَ وأجَّلَ مُرادَهُ، فعندما تجلَّى له الآبُ، عَرَفَهُ بالقدُّوسيَّةِ فَسَلَّمَ لَهُ.
ثم أنَّ الابنَ أمرَ روحَ القُدُسِ بمادَّةِ النُّطقِ كما أوحى الآبُ للابنِ بالنُّطقِ له لمَّا كوَّنَهُ، فقال: الحمدُ للهِ، اللهم صَلِّ، وقال: الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، فكانت تلكَ الزِّيادةُ مَدَدٌ من الآبِ إلى روحِ القُدُسِ.
واعلم علمَ اليقينِ أنَّ الآبَ عند تجلِّيهِ، يتجلَّى كروحِ الابنِ فَتُطلَقُ عليهِ سِمَاتُ الابنِ كقوله تعالى: (وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، مِن دونِ أن يَحلَّ الآبُ أَبَدًا لا بالابنِ ولا بروحِ القُدُسِ لقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وإنَّما يماثِلُهما مُمَاثَلَةً.
ثم إنَّ الابنَ إذا أرادَ أن يَمُدَّ روحَ القُدُسِ يَرفَعُهُ إلى مقامٍ أعلى من مَقَامِهِ بأمرِ الآبِ، وشاهدُ ذلك من كتابِ اللهِ قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، فالمسجدُ الحرامُ هو مثالٌ على مقامِ روحِ القُدُسِ لأنَّه هو المقامُ المُحَرَّمُ على مَن دونَهُ البلوغُ والارتقاءُ إليه، يؤيِّدُ ذلك قوله عزّ وجل: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ)، وأمَّا المسجدُ الأقصى فهو مثالٌ على مقامِ الابنِ وهو المُسْرِي بِعَبدِهِ، والعبدُ المُسرَى به هو مثالُ مقامِ روحِ القُدُسِ، وأمَّا الآبُ فُيبدِي لُطْفًا في السَّمواتِ والأرضِ لقوله: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فَيُعاينُ أبصارَ الخلقِ جَميعًا ولا يعاينونَ منهُ إلا بمقدارِ ما يَستحقُّونَ لِيَثبُتَ الوجودُ وَتَصحَّ العبادةُ، لأنَّ كلاًّ يُعاينُ التَّجلي بحسبِ طاقَتِهِ وَقُدرَتِهِ وَبِقَدْرِ معرفَتِهِ، وأنَّه لا يَتَساوى اثنانِ في العبادةِ لذاتِ المُتجلِّي.
وَخِتامًا أُذَكِّرُ بقولِ سيدنا المسيح (ع): (تَبَارَكَ اسمُ اللهِ القُدُّوسُ الذي بِرَحمَتِهِ أَشْفَقَ على خَلائِقِهِ فَأرسَلَ إليهم أنبياءَهُ لِيَسيروا في البَرِّ أمامَهُ، الذي أنقذَ عَبيدَهُ مِن كلِّ شَرٍّ وأعطاهُم هذهِ الأرضَ كما وعدَ إبراهيمَ إلى الأبدِ، ثم أعطانا ناموسَهُ الطَّاهرَ على يَدِ مُوسى لكي لا يَغُشَّنَا الشَّيطانُ وَرَفَعَنا فوقَ جميعِ الشُّعوبِ).
===================

فلسفة الفيض وفق القانون الخصيبي

يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا).
إنَّ المؤمنينَ هم الَّذِيْنَ اعْتَنَقُوا التَّوحيدَ عَقِيْدَةً وَسُلُوْكًا، لأَنَّهُمْ فُطِرُوا عَلَيْهِ فَتَفَانَوا فِي سَبِيْلِهِ، فالتوحيدُ قرَّةُ عيونِ الكِرَامِ، ومعدنُ الجواهرِ في رياضِ الجِنانِ، ونهجُ البيانِ لتفهُّمِ معاني الكتابِ، الذي هو الكلامُ الواضحُ والدليلُ اللائحُ في الحقِّ والبرهانِ المُصَانِ على مرِّ الزَّمانِ، ولا يَقِفُ عليه جاهلٌ ولا ظالمٌ، لأنَّه بحاجةٍ إلى فهمِ المعاني، والغوصِ في حقيقةِ المباني، لكثرةِ ما فيه من الجواهرِ الإلهيَّةِ النَّفيسةِ والأسرارِ الربَّانيَّةِ العويصةِ.
فأهلُ الإيمانِ الموحِّدينَ المُخلصِينَ في دِينِهم والسَّالكينَ على الصِّراطِ المستقيمِ عندَهم أنَّ التَّجلي دلالةٌ على وجودِ واهبِ الفيضِ، فَوَاهِبُ الفيضِ ليسَ بداخلٍ في الفيضِ الكلِّيِّ وَفُيوضاتِهِ دُخُولَ حلولٍ واختلاطٍ، وليسَ بخارجٍ عن الفيضِ الكليِّ وفيوضاتِهِ خروجَ إنكارٍ، وهذا ما أكَّدَهُ أميرُ المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام بقوله: (دَاخِلٌ في الأشياءِ لا كَشَيءٍ في شيءٍ داخلٌ، وخارجٌ منها لا كشيءٍ من شيءٍ خارجٌ)، وهذا هو اعتقادُ أهلِ الإيمانِ، أنَّ واهبَ الفيضِ سبحانَهُ لا داخلٌ في الأشياءِ كَدخولِ شَيءٍ في شيءٍ، ولا خارجٌ منها كخروجِ شيءٍ من شيءٍ، وقد رُويَ عن سيِّدنا أشعيَّا (ع) أنَّه قالَ في السِّفرِ الأوَّلِ: (إنَّ رَبَّ الأربابِ عندنا إلهُ الآلهةِ المُوجِدُ لكلِّ شيءٍ ليسَ هو ممَّنْ يَدخلُ عليه ما، ولا في، ولا قبل، ولا بَعد، ولا عند، ولا إلى، ولا من، ولا كم، ولا عن).
فَجَوهرُ واهبِ الفيضِ قبلَ إيجادِ الفيضِ الكليِّ وفيوضاتِهِ لا تقعُ عليه سِمَاتُ أو حدودُ الموجوداتِ، بل كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في سورةِ الإخلاصِ لِنَفي النِّدِّ والضِّدِّ والجوهرِ والعَرَضِ: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، وهو لا يُعجِزُهُ شيءٌ من الأشياءِ لا في عالمِ الحسِّ ولا في عالمِ العقلِ لقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، أمَّا عندَ إيجادِ الفيوضاتِ يتجلَّى لها مماثلةً لقوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وهو في الحقيقةِ أجلُّ وأعظمُ من سِمَاتِ وحدودِ جميعِ الفيوضاتِ لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، فهو قبلَ الفيضِ الكليِّ وفيوضاتِهِ مجرَّدٌ عما يُتصوَّرُ في ضمائرِ الأفكارِ وعن تناهي لطائفِ الأسرارِ، لا سِمَةَ تَلحَقُ به ولا مِثال يقعُ عليه، قائمٌ بذاتِهِ، غنيٌّ عن الفيضِ الكليِّ وعن فيضِهِ وسماتِهِ وحدودِهِ، ومعرفتهُ بعدَ إيجادِهِ للفيضِ الكليِّ العظيمِ وفيوضاتِهِ وتجلِّيهِ لهم لا تتمُّ إلا بمعرفةِ الفيوضاتِ العقليَّةِ، لأنَّ المحسوساتِ أعراضٌ، والأعراضَ زائلةٌ، ولأنَّ معرفتَهُ لا تكونُ بالشَّيءِ الزَّائلِ وإنَّما تكونُ بالشَّيءِ الثَّابتِ الدَّائمِ، ولا يمكنُ الإشارةُ إليه إلا بهذا الفيضِ المُعايَنِ الذي لا يمكنُ زوالُهُ، وقد يُطلَقُ عليه اسمُ الجوهرِ والجسمِ والشَّيءِ وكلُّ ذلكَ على سبيلِ المجازِ والتَّقليدِ لا على سبيلِ التَّوحيدِ والتَّجريدِ، والوجودُ بأسرِهِ جواهرُ وأعراضٌ ما خَلا حقيقةَ واهبِ الفيضِ فهو ليسَ بِجَوهرٍ يَقبلُ الأضدادَ فَيَتغيَّرُ، ولا بِعَرَضٍ فَيَسبِقُ وجودُهُ الجوهرَ.
وأَدَلُّ دليلٍ على إثباتِ وجودِهِ، هوَ وجودُ هذه الفيوضاتِ الثَّابتُ لها التَّغيُّرُ، فهي ممكنةُ الوجودِ لِثُبُوتِ تغيُّرِها، وهي موجودةٌ فتحتاجُ إلى مُوجِدٍ قائمٍ بذاتِهِ هو واجبُ الوجودِ الغنيُّ عنها، ولا يدخلُ عليه النَّقصُ والفسادُ، ولا يقعُ عليه التَّغييرُ والانتقالُ.
فالتَّوصُّلُ إلى تحقيقِ معرفةِ واهبِ الفيضِ هو أوَّلُ درجاتِ الفوزِ والسَّعادةِ التي ليسَ وَرَاءَها مقصدٌ لقاصدٍ ولا مَنهلٌ لِوَاردٍ لقولِ سيدنا المسيح (ع): (أتيتُ إلى العالَمِ لأشهَدَ للحقِّ، كلُّ مَن هُوَ مؤمنٌ بالحقِّ يَسمَعُ صَوتِي)، وقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أوَّلُ الدِّينِ معرفَتُهُ، وكمالُ معرفَتِهِ التَّصديقُ به)، فالمُهتدي لمعرفةِ هذا الوجودِ أحقُّ بالأمانِ لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ)، لا المنكرُ لَهُ الجاحدُ لآياتِهِ، الذي أنكرَ الوجودَ وألحَدَ بآياتِ اللهِ.
أمَّا الفوزُ المبينُ فيكونُ بِتَوحيدِهِ وَتَجريدِهِ- بعد تحقيقِ الشَّهادةِ والمعايَنَةِ له- الذي هو كمالُ معرفَتِهِ والتَّصديقُ بهذه المعرفةِ كما قالَ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (وَكَمَالُ التَّصديقِ به تَوحيدُهُ)، وكما قال سيدنا عيسى المسيح (ع): (أنتَ الإلهُ وَحْدَكَ، ويسوعُ المسيحُ الذي أرسَلْتَهُ)، فيَصلُ إلى عينِ اليقينِ، حيث قَالَ تَعَالَى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:50 am

فلسفة الاتصال والانفصال وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا).
إنَّ فلسفةَ الاتِّصالِ والانفصالِ هي مثالُ الصَّلاةِ والعبادةِ الحقيقيَّةِ التي يُقيمها العبدُ مع مولاهُ، فالاتِّصالُ شهادةُ العبدِ بوجودِ واهبِ الفيضِ المُنْعِمِ علينا بوجودِهِ وشُهودِهِ، والانفصالُ إجلالُ جوهرِ واهبِ الفيضِ عن التَّحديدِ والتَّصويرِ، فبالاتصالِ صلاتُنا وبالانفصالِ عبادَتُنا.
إنَّ معرفةَ اتصالِ الفيضِ الأوَّلِ بواهبِ الفيضِ هي مثالُ الصَّلاةِ الحقيقيَّةِ من غيرِ إثباتِ حلولٍ ولا مساواةٍ بين الفيضِ الأوَّلِ وواهبِ الفيضِ، فواهبُ الفيضِ كَوَّنَ الفيضَ الأوَّلَ بقوله: (كُنْ فَيَكُونُ)، فكانَ الفَيضُ الأولُ وهذا هو الإبداعُ، والإبداعُ هو إيجادُ الشَّيءِ لا من شيءٍ، إذ إنَّ واهبَ الفيضِ ليسَ مفتقرًا إلى شـيءٍ حتى يوجِدَ منه شيئًا آخرَ، فَمَن زَعَمَ غيرَ ذلك فهو ناقصُ عقلٍ ودينٍ، لقول الإمام الباقر (ع): (مَن قَالَ أنَّ اللهَ خَلَقَ شَيئًا مِن شيءٍ فقد كَفَرَ)، فَهُم بِزَعمِهِم جَعَلوا الشَّيءَ الأوَّلَ أقربَ إلى واهبِ الفيضِ من الفيضِ الأولِ، وهذا محالٌ عند أهلِ الإيمانِ، وَمَن زَعَمَ أنَّ الفيضَ الأوَّلَ تَبَعَّضَ مِن ذاتِ واهبِ الفيضِ فقد جَزَّأ، وَمَن جزَّأ فقد أشركَ، بل الحقُّ أن نقول: إنَّ واهبَ الفيضِ أبدَعَ الفيضَ الأولَ وجعلَهُ أقربَ فيوضاتِهِ إليهِ، وفوَّضَ إليهِ مقاليدَ الأمورِ، فأوجدَ باقي الفيوضاتِ السَّاميةِ، تلك معرفةٌ يقينيَّةٌ تُمَكِّنُ العبدَ المؤمنَ من إفرادِ ذاتِ واهبِ الفيضِ عن الأفعالِ، وذلك هو الإخلاصُ في التَّوحيدِ، وإنَّ كمالَ المعرفةِ بها كمالٌ لسَائرِ المعارفِ وأَتَمِّها وأعلاها، لأنَّها معرفةُ واهبِ الفيضِ الحقِّ وإثباتُ أحديَّتِهِ ونفيُ الشَّريكِ له.
اعلم أيها المؤمنُ زادَكَ اللهُ عِلمًا أنَّ هذه المسألةَ شأنُها رفيعٌ ولفظُها بديعٌ، وقد تبيَّنَ من مَعناها أنها تشيرُ بالوصولِ إلى بلوغِ المأمولِ، فلا خَفَاءَ أنَّ الفيضَ الأولَ واتصالَهُ بواهبِ الفيضِ هو اتصالُ قُربٍ وَعُلُوِّ مقامٍ، لا اتصالُ خَلطٍ وحلولٍ، كما في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) فهوَ اتِّصالُ قُربٍ وعلوٍّ من دونِ أنْ يكونَ بينهما واسطةٌ، فالفيضُ الأولُ المعبَّرُ عنه كمثالٍ بالعرشِ لم يختلطْ بواهبِ الفيضِ المعبَّرِ عنه بالرَّحمنِ، والاستواءُ هو كمُمَاثَلَةِ واهبِ الفيضِ للفيضِ الأولِ.
وبالتالي فإنَّ معرفةَ هذه المماثلةِ كمثالِ الصَّلاةِ الحقيقيَّةِ، فمَن عَرَفَ أنَّ الفيضَ الأولَ من واهبِ الفيضِ بَدَا وإليهِ عادَ وانتهى، فقد أفردَ واهبَ الفيضِ وَصَارَ مُصَلِّيًا على الحقيقةِ لا يَتَّجِهُ لغيرِ واهبِ الفيضِ في صَلاتِهِ.
وعندما نقولُ: من غيرِ خلطٍ ولا حلولٍ بين الفيضِ الأولِ وواهبهِ وموجِدِهِ، أي لا اختلاطَ بينهما ولا حلولَ، لأنَّ الفيضَ الأولَ مُرسَلٌ وواهبُ الفيضِ هو الذي أرسَلَهُ، لقول سيدنا المسيح (ع): (الآبُ الذي أرسَلَنِي هو الذي أعطانِي ماذا أقولُ وماذا أتكلَّمُ).
إنَّ إثباتَ الأفعالِ المطلقةِ المجرَّدةِ حقيقةٌ وماهيَّةٌ للفيضِ الأولِ، أي أنَّ واهبَ الفيضِ هو المُبدِعُ، وَتُنسَبُ إليهِ هذه الأفعالُ عندما يتجلَّى للفيضِ الأولِ، وإنَّنا بإفرادِ ذاتِ واهبِ الفيضِ عن الأفعالِ نكون قد وَصَلنا إلى حقيقةِ الصَّلاةِ وهي العبادةُ، إذ يُعبَدُ صاحبُ الأفعالِ، وصاحبُ الأفعالِ هو واهبُ الفيضِ.
فَتَجلِّي واهبِ الفيضِ قد وَرَدَ ذِكرُهُ في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وإنَّ كلَّ عاقلٍ يعلمُ بالبداهَةِ أنَّ إلهَ عالَمِ الحسِّ وعالمِ العقلِ- الذي هو واهبُ الفيضِ- ليسَ هو هذا المَدَدُ الصَّادِرُ عن الفيضِ الأولِ فَضلًا عن أن يكونَ هو، وبالتالي فإنَّهُ هادي أهلِ السَّمواتِ والأرضِ وَمُنَوِّرهما على الوجهِ الحَسَنِ والتَّدبيرِ الأكمَلِ.
وإنَّ ذاتَ واهبِ الفيضِ عند أهلِ الإيمانِ لا تليقُ بها الأسماءُ لقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ)، فهو مُستَغْنٍ عنها لأنَّه هو مَن أبدَاها وأوجَدَها فاللهُ تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهذا كلامٌ لفظُهُ واقعٌ ومعناهُ ساطعٌ وَحُكمُهُ قاطعٌ لقول سيدنا عيسى المسيح (ع): (أعتَرِفُ بكَ إلهَنا الأحد الذي ليس لكَ من بدايةٍ ولا يكونُ لك من نهايةٍ، لأنَّكَ برحمَتِكَ أعطيتَ كلَّ الأشياءِ بِدَايَتَها وسَتُعطي بِعَدلِكَ الكلَّ نهايةً، لا شَبَهَ لكَ، لأنَّكَ بجودِكَ غير المتناهي لستَ عُرضَةً للحركةِ ولا لِعَارِضٍ، ارحمْنا لأنَّكَ خَلَقْتَنا ونحنُ عَمَلُ يَدِكَ).
وفلاسِفَتُنا العظماءُ حين سُئِلُوا عن الفيضِ الأولِ قالوا: بِهِ بَدَا واهبُ الفيضِ وبِهِ دُعِيَ، فهو الدَّليلُ إليهِ في عالمِ العقلِ وعالمِ الحسِّ.
كما تمامُ الإخلاصِ في قولهم: إذا جَرَّدْنَا ذاتَ واهبِ الفيضِ عن السِّماتِ والألفاظِ والحدودِ العقليَّةِ التي تَجَلَّى بها لعالَمِ العقلِ وَقَعَ ذلكَ على الفيضِ الأوَّلِ ومَن دُونَهُ لأنَّها حقيقَتُهُم وأصلُهُم، كما السِّماتُ والحدودُ والألفاظُ الحسيَّةُ واقعةٌ بنا وهي عِلَّتُنا وأصلُنا.
وَمَن توصَّلَ إلى هذه المعرفةُ كان مُصَلِّيًا وَمُنَزِّهًا وَمُجَرِّدًا وَمُوَحِّدًا وَمَالكًا لنفسِهِ وَعَارفًا لِرَبِّهِ. وهذا المقامُ السَّامي هو مقامُ أهلِ الاتِّصالِ باللهِ، وهو معرفةُ الحقِّ حقَّ معرفَتِهِ ونفيُ الشَّريكِ له، تعالى اللهِ عما يُشرِكُون. وهذا ما سَمَحَ به الأنبياءُ والأئمةُ المعصومونَ (ع)، وإنِّنا لهم من التَّابعين بإحسانٍ، جَعَلنا اللهُ من مُواليهم وَتَابعيهم إلى يومِ القيامةِ والدِّينِ.
================

فلسفة العيان والشهود وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ).
الحمدُ للهِ الذي تسامى عن الحَدِّ والمكانِ، والكيفِ والزَّمانِ، الذي تقدَّستْ عن سِمَةِ الحِدْثِ ذاتُهُ، ودلَّتْ على وجودِهِ مُحدَثَاتُهُ، المشهودِ بآياتِهِ والمعلومِ بمعجزاتِهِ، الذي لا يُقاسُ بهِ مَثلٌ، جَلَّ عنِ التَّحديدِ والتَّقديرِ والتَّكييفِ والتَّغيير، والتَّأليفِ والتَّجسيمِ، ليس كَمِثْلِهِ شيءٌ وهو السَّميعُ البصيرُ.
إنَّ مقامَ الشَّهادةِ هو إثباتُ وجودِ الحيِّ القيُّومِ وهو الإلهيَّاتُ المعلومةِ سماءً وأرضًا على حسبِ أصولِ العِيَانِ، وأوَّلُ شاهدٍ نرويهِ وَنُوردُهُ ونقرِّرُ عليهِ وَنُؤكِّدُهُ، ما أشار به أصدَقُ القائلين ونطقَ به النَّبيُّونِ في الخطابِ الواضحِ المبينِ في قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآكِلِينَ)، الباسقةِ الفروعِ المُشَارِ إليها في الذكرِ الحكيم: (وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ)، المُبَلِّغَةِ النِّداءَ: (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وهو الشَّاهدُ الأوَّلُ الذي كان أوَّلَ مَن شَهِدَ للمَشهودِ فجاءَ قوله تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ)، أي شَهِدَ وأقرَّ وآمنَ بمقامِ الشَّهادةِ المَنعوتِ كمثالٍ بالشَّجرةِ المباركةِ، والمُنفَردِ بالخروجِ عن جميعِ الجهاتِ في قوله الحقِّ: (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ)، مُجرَّدَةٍ عن سماتِ عالَمَي الحسِّ والعقلِ وعن التَّكييفِ والإحصارِ، المشارِ إليها في قولِ أصدقِ القائلين: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ)، فَصِبغَةُ اللهِ هي مقامُ الشَّهادةِ الذي تفرَّدَ الحقُّ عزَّ وجلَّ به، وهو المقامُ المُعايَنُ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، فَمَقامُ الشَّهادةِ لا يوجدُ إلاَّ في سِمَةٍ يتعلّقُ بها، إثباتًا لشهودِهِ وهو الإلهُ القديرُ الذي تَجَلَّى للشَّاهدِ الأوَّلِ وللشُّهودِ الصَّادقينَ النَّاظرينَ إليه المؤمنينَ به، من غيرِ تحويلٍ ولا تغيُّرٍ لذاتِ المشهودِ، المنزَّهةِ عن السِّماتِ والحدودِ.
فالإلهُ القديرُ تعالى ذِكرُهُ لم يزَلْ مُعايَنًا في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، والشُّهودُ الصَّادقونَ ينظرونَ إليه ويتحقَّقونَهُ بحواسِّهم وعقولِهم وقلوبِهم. فَمَقامُ الشَّهادةِ أمرٌ صَعبٌ مُستصعبٌ وسِرٌّ مُستَسِرٌّ مُقَنَّعٌ بالدُرِّ، لا يَحملهُ إلا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أو نبيٌّ مُرسَلٌ أو مؤمنٌ امتحنَ اللهُ قلبَهُ بالإيمانِ، لأنَّ الإلهَ القديرَ لا يدركُهُ أحدٌ مِنْ خَلقِهِ بِكُلِّيَّتِهِ إلاَّ هو، لكنَّ الرَّبَّ يُعايَن في الحقيقةِ ويتجلَّى في الخليقةِ بَينَ خَلقِهِ، والخلقُ في شَكٍّ منه، فَليَنظُرْ مَنْ كان له قلبٌ أو ألقى السَّمعَ وهو شهيدٌ، لأنَّ مَنْ زَعمَ أنَّهُ يعرفُ اللهَ بغيرِ تجلٍّ فقد كفرَ وَضَلَّ وَغَوى، فإذا أنكرَ العبدُ ما تجلَّى فهو لما لا يتجلَّى أشدُّ إنكارًا، ومَنْ زعَمَ أنَّ له إِلَهًا لا يتجلَّى فلا ربَّ له، ومَنْ زَعَم أنَّ له إِلَهًا غيرَ معلومٍ فإنَّهُ من حزبِ الشَّيطان.
فالمشاهَدَةُ لا يمكنُ أن تَتُمَّ إلاَّ بتجلِّيهِ، وبتجلِّيهِ لا تُدرَكُ حقيقتُهُ، لأنَّ التجلِّي يقع بحسبِ مقامِ النَّاظرِ إليه، من غير تَغيُّرٍ في ذاتِ المشهودِ بحركةٍ تُوجِبُ الانتقالَ، وإنَّما شَهِدَ بذلك من قِبَلِ تقلُّبِ الأبصارِ، حيث أنَّ الإلهَ القديرَ لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ بحقيقتِهِ، وإنَّما التَّبديلُ والتَّغييرُ في معايَنَةِ الخلقِ له.
فذاتُ المشهودِ غيرُ متعدِّدةٍ، جوهرٌ أَصَمٌّ لا تدخلُ في عددٍ ولا يحدثُ عليها تغيُّرٌ. وعندما تَكَرَّمَ على خلقِهِ بوجودِهِ بمقامِ الشَّهادةِ، تَسَمَّى بِسِمَاتِ وحدودِ الشُّهودِ الصَّادقين، أما قبلَ إيجادِ الشَّاهدينَ فلا شهادةَ تقعُ عليه ولا للقائلِ فيه مقالٌ، وهذا ما عَبَّرَ عنهُ رسولُ اللهِ (ص) عندما سُئِلَ: أينَ كانَ ربُّنا قبلَ أن يخلقَ الخلقَ؟ فقال (ص): (كان في عَمَاء)، فَحَصَلَتْ تَسميَةُ القادرِ بعد إيجادِ الخَلْقِ لا قبلَهُ، بدليلِ قولِ الإمام الرِّضا (ع) سأله رجلٌ فقال له: يا مولاي، ما الدَّليلُ على حُدوثِ العَالمِ؟ قال (ع): (أنّك لم تَكُنْ ثم كُنْتَ).
فانظرْ يا مَنْ وفَّقَهُ اللهُ تعالى إلى هذا القولِ الجَلِيِّ المُخَبِّرِ عن تقلُّبِ الأبصارِ، فالسِّماتُ والحدودُ التي أبداها المشهودُ لعالمِ العقلِ أو لعالمِ الحسِّ لم يُظهِرْها بشكلٍ ثابتٍ عليهِ، إذ لو كان لها سِمَةٌ ثابتةٌ عليه لَمَا كُنَّا نَرَاه (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، بل أبدى الأوليَّةَ وأبدى الآخريَّةَ، فأيَّةُ سمةٍ يُبديها يُبدي ضِدَّها دائمًا، وهذا ما نُسمِّيهِ بالكمالِ الصِّفاتيِّ، وهو الجمعُ بين السِّماتِ المتضادَّةِ كقوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)، وهذه سِمَةُ مقامِ الشَّهادةِ مُشاهَدًا، وجميعُ هذِهِ السِّماتِ المُتَضَادَّةِ حالةٌ وجوديةٌ، أمَّا ذَاتُ المشهودِ فلا شَــــبيهَ لهَا ولا ضدَّ، والسِّماتُ والأفعالُ تَقَعُ على الشَّاهدِ الأولِ عند تعظيمِ ذاتِ المشهودِ. فالمَشهودُ أبدى الضِّديَّةَ الوجوديَّةَ الصِّفاتيَّةَ عندَ التَّجلي، والمَثَلُ والضدُّ الصِّفاتيُّ وُجودٌ وَعِيانٌ، فلو أبدَى الحقُّ سبحانه وتعالى سِمَةً واحدةً ولم يُبدِ ضِدَّها لَكُنَّا أَوقَعْنَا هذه السِّمةَ على ذاتِ المشهودِ، فكما أنَّ السِّماتِ الثُّبوتيَّةَ الكماليَّةَ مُتعدّدَةٌ متكثّرةٌ، فالسِّماتُ السَّلبيَّةُ متعددةٌ متكثرةٌ أيضًا، لأنَّ في مقابلِ كلِّ سِمَةٍ كماليَّةٍ سِمَةٌ سلبيَّةٌ، وذاتُ المشهودِ تَجِلُّ عن السِّمَتَين، وقَد قال أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، والْوُضُوحَ بِالْبُهْمَةِ)، فهذهِ السِّماتُ الوجوديَّةُ المتضادَّةُ تُطلَقُ على مقامِ الشَّهادةِ في عالمِ العقلِ وعالمِ الحسِّ.
وكلُّ شاهدٍ من العالمِ العقليِّ يُعاينُ المشهودَ بما لا يعاينُهُ مَن هو دونه، فالنَّاظرُ ينظرُ إلى ذلك التَّجلي بحسبِ طاقتهِ وجوهرِ مقامِهِ، فيُلقي شُهودَهُ إلى ذلكَ التَّجلي المنظورِ فَيَمنَعُهُ منْ الإدراكِ للجوهرِ. فنحنُ معَاشِرَ المؤمنينَ قد وَصَفنا ما عَرَفنا وَعَبدْنا ما وَجَدْنا وَتَحقَّقنا فَوَجدنا، فمَن جَهِلَ موجودًا مشهودًا كان كافرًا، والأَولى أَنْ يجهلَ مالا يوجدُ ولا يُشهَد، لأنَّ كلَّ مَشهودٍ مَعروفٌ، وكلَّ معروفٍ مَوصوفٌ، وكلَّ مَعدومٍ مَفقودٌ، وكلَّ مَفقودٍ مَجهولٌ.
فأيٌّ مَن تَدَبَّرَ هذا وأنصفَ عقلَهُ مِنْ هواهُ عَلِمَ بأنَّ المشهودَ تعالى عزَّ شأنُهُ مَوجودٌ، ولم يُثبَتِ المشهودُ إلاَّ بمعرفةِ السِّمةِ، والسِّمةُ لابُدَّ لها من مَقامٍ توجدُ به لكي يتَّصلَ المُوَحِّدُ بمعرفةِ السِّمةِ إلى مولاه المشهودِ، كما أنَّ العارفَ هو المحتاجُ إلى السِّمات والحدودِ ليدعو بها، وَيَستدلَّ منها على الوجودِ، ولو كانت السِّماتُ لا تدلُّ عليه، والحدودُ لا تدعو إليه، لكانَ المعبودُ غيرَهُ والمطلوبُ سواه.
فهذا ممَّا يدلُّ على الوجودِ إذْ كانت الحدودُ والسِّماتُ للعارفين أدلَّةً لوقوعِ الوجودِ والعيانِ، ولو لم يقع الوجودُ والعيانُ لَسَقطتْ أسماءُ المعرفةِ عن العارفينَ وَبَطلَتْ منازلُ المؤمنين وتساوى الخلقُ أجمعين وَسَقطَ التفاضُلُ بينهم.
فأيُّ بيانٍ أفصحُ وأيُّ دليلٍ أوضحُ على وجودِ الإلهِ القديرِ المُعايَنِ في عالَمَي الحسِّ والعقلِّ من هذه الشواهدِ السَّنيَّةِ والرواياتِ الجليَّةِ؟ فإذا تبصَّرَ في معانيها مُتبصِّرٌ وتدبَّرها متدبِّرٌ فَيَبانٌ لهُ وجهُ الحقِّ على سبيلِ المشاهدةِ، وشاهدُ ذلك قوله تعالى في فاتحة الكتاب: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وهذا بين سائرِ الناسِ إذ إنَّ الخطابَ بالكافِ لا يكونُ إلاَّ لمُشاهَدٍ بالعِيانِ مَوجودٍ لمُخاطِبِهِ.
فإن قالَ قائلٌ واحتجَّ علينا مُحتَجٌّ بأنَّ هذا خطابُ الشَّاهدِ الأولِ له لأنَّهُ يراهُ ويشاهدهُ دونَ سائرِ خلقِهِ، فنقولُ لهُ: يا هذا، إنَّ إبليسَ كانَ يخاطبُهُ ويحاورُهُ بالكافِ وهو أعظمُ الناسِ وِزْرًا وأظلمُهم كَدَرًا وشاهدُهُ من الكتاب في قوله: (أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، وقوله: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، ثمَّ استثنى فقالَ: (إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، فأجابَ الحقُّ جلَّ جلالهُ على قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)، وقال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)، فجميعُ هذه المحاورةِ دالَّةٌ على أنَّ إبليسَ رآهُ وشاهدَهُ ثم أنكرَ وَجَحَدَ، فإذا كانَ إبليسُ رآهُ وشاهدَهُ، فكيف يُحجَبُ المؤمِنُ العارفُ عن مُشاهَدَتِهِ، والعارفُ لم يُسَمَّ عارفًا إلاَّ لأنَّه شَهِدَ بما علِمَ وحقَّقَ ما وجَدَ، وقد ذُكرَ في مناظرةٍ جَرَتْ لعمران الصَّابي مع مولانا الرضا (ع) وقوله له: (إيَّاكَ إيَّاكَ يا عمران قولَ الجهَّالِ أهلِ العمى والضَّلالِ الَّذينَ يقولونَ إنَّ الإلهَ القديرَ حاضرٌ موجودٌ في الآخرةِ للحسابِ والعقابِ، وليسَ بموجودٍ في الدُّنيا للرِّضا والثَّوابِ).
فالإلهُ القديرُ أشهَدَ نفسَهُ لخلقِهِ، وعرَّفَ شهادَتَهُ مَنْ شاءَ مِنْ عباده، ولولا ذلك ما جَهِلَ أحدٌ معرفتَهُ، وهذا يبيِّنُ وجودَ الإلهِ القديرِ، وحقيقةَ المشاهدةِ والمكاشفةِ لأهلِ الخاصَّةِ المحقِّينَ الذينَ شَهِدُوا بما عَلِموا، المشارِ إليهم على لسانِ نبيه الصادقِ الأمين في قوله تعالى: (إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، فَبِقَدرِ بلوغِ الجدِّ وَصَقْلِ مرآةِ البصيرةِ تكونُ المشاهدةُ، لذلك جاء قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ)، فالآياتُ في الآفاقِ هي مقامُ الشَّهادةِ، وقوله: في الآفاق، يعني: في عالمِ العقلِ، وفي أنفسهم: يعني: عالمِ الحسِّ.
فمَن جدَّ وجَدَ، ومَنْ قرَعَ البابَ ولجَّ ولَجَ، وما توفيقي إلاَّ باللهِ عليهِ توكَّلتُ وهو ربُّ العرشِ العظيم.
===================

فلسفة وجود الجزئيات الجوهرية وفق القانون الخصيبي

اعلم أيها الأخُ المؤمنُ أيَّدَكَ اللهُ باليقينِ، أنَّ حقَّ اليقينِ يكونُ في إثباتِ الجزئيَّاتُ الجوهريَّةُ التي يُستدلُّ عليها بوجودِ البسائطِ الوجوديَّةِ التي عَايَنَها الجوهرُ الأولُ والجوهرُ المعقولُ والجواهرُ الحسيَّةُ، فهذه البسائطُ الوجوديَّةُ هي علامةُ الإيجادِ عندما تُنسَبُ إلى هذهِ الجواهرِ العقليَّةِ، أما إذا نُسِبَتْ إلى صاحبِ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ فلا حقيقةَ لها بنسبَتِها إليهِ، فقد أبدَى هذه الجزئيَّاتِ الجوهريَّةَ لحاجَتِهم إليها، وليس لحاجتِهِ هو، فَمُحالٌ إثباتُهُ قادرًا عالمًا لنفسِهِ، بل الحقُّ أن نقولَ: إنَّه أبدَى الذَّواتِ الجوهريَّةَ، وتلطَّف بها وَتَجلَّى لها فَعَايَنَتْهُ بالجزئيِّاتِ الجوهريَّةِ.
وهذه البسائطُ الوجوديَّةُ هي الوجودُ الحقُّ الذي وَسِعَ بقدرتِهِ السَّمواتِ والأرضَ، وليسَ هو بحاجةٍ للماهيَّةِ على رأي فيلسوفنا أرسطاطاليس، لأنَّ الماهيَّةَ عَرَضٌ في الوجودِ. فصاحبُ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ منفردٌ بذاتِهِ عن الأعراضِ والجواهرِ، وَغَنيٌّ عن التحديدِ والتَّعريضِ، لوضوحِهِ وظهورِهِ عند الذَّكيِّ والبليدِ، والغَويِّ والرَّشيدِ، وَتَصَوُّرُهُ بديهيٌّ فطريٌّ، ولنا هاهنا مبدأٌ يقينيٌّ وبرهانٌ نظريٌّ لا يَشُكُّ فيه عاقلٌ لبيبٌ، وهو قولُ القائلِ: تَصُوُّرٌ وجوديٌّ بديهيٌّ، وَتَصوُّرُ جزءِ المُتَصَورِ بالبديهيَّةِ بديهيٌّ، فالوجودُ بديهيٌّ، وهو من حيث مفهومُهُ لا جزءَ له ولا أعمَّ منه، فهو بذاتِهِ لا جنسَ له، فلا فَصلَ ولا حدَّ ولا رسمَ له، وإنَّما أبدى الرَّسمَ عندما أبدعَ الوجودَ، والرَّسمُ عبارةٌ عن تعاريفِ الشَّيءِ الحقِّيِّ الواضحِ من البسائطِ الوجوديَّةِ، ولا أظهرَ منه ولا أشهرَ حتى يُعرَفَ به.
إذن: صاحبُ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ هو الأمرُ الذي لا تَخرجُ عنه حقيقةٌ من الحقائقِ الموصوفةِ بالوجودِ، ولا يُوصَفُ ولا يُنعَتُ ولا يُسمَّى ولا يُحدُّ ولا يُوسَمُ إلا بالنَّظرِ إلى بسائطِهِ الوجوديَّةِ التي عايَنها الجوهرُ الأوَّلُ والجوهرُ المعقولُ والجواهرُ الحسِّيَّةُ، مع يقيننا أنَّ الذَّواتِ الجوهريَّةَ هي حقيقةٌ لهذهِ الجواهرِ العقليَّةِ المذكورةِ، وإنَّ صاحبَ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ منفردٌ بذاتِهِ عنها.
وليس في الوجودِ موجودٌ يُوصَفُ بإطلاقٍ إلا وَلَهُ وجهٌ إلى التَّقييدِ، ولو مِن حيث تَعيُّنُهُ، وكذلك ليس في الوجودِ موجودٌ محكومٌ عليه بالتَّقييدِ إلا وَلَهُ وجهٌ إلى الإطلاقِ، لكنْ لا يَعرِفُ ذلك إلا مَن عَرَفَ الأشياءَ معرفةً تامةً بعد معرفةِ البسائطِ الوجوديَّةِ. وَمَن لم يشهدْ ذَوقًا لم يتحقَّقْ بمعرفةِ الشُّهودِ الجوهريِّ والذَّواتِ الجوهريَّةِ.
واعلم أيها المؤمنُ وفقك الله لمرضاتِهِ وأداءِ مفترضاتِهِ، أنَّ الحقيَّةَ والخلقيَّةَ والربوبيَّةَ والعابديَّةَ والمعبوديَّةَ لمُبدي الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ الذي هُوَ هُوْ في جميع هذه الدلالاتِ ذاتيٌّ، فلا تحصرُهُ العينُ، والكلُّ مفتقرٌ وراجعٌ إليه في الحقيَّةِ والخلقيَّةِ لأنه حقٌّ باعتبارِهِ الحقُّ الجوهريُّ، فإذا نظرتُم إلى الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ فلا تَغفلوا عن أنها مُمَاثِلَةٌ للجواهرِ العقليَّةِ، ومفارِقَةٌ لها بحقيقتها، وأن الذَّواتِ الجوهريَّةَ حقيقةٌ وماهيةٌ للجواهرِ العقليَّةِ، التي بِدَورها تَفتقرُ إلى صاحبِ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ لأنها لا تقومُ إلا به ولا غنى لها عنه لأنه مُبدِيها ومُوجِدُها.
وإذا نظرتُم إلى الذَّواتِ الجوهريَّةَ، فإنَّها وإنْ دَلَّتْ على ذواتِها من جهةِ قيامِها، فهي أيضًا دالَّةٌ على وجودِ صاحبِ الجزئياتِ الجوهريَّةِ لأنه المُتفَضِّلُ عليها، فوجودُ الذَّواتِ الجوهريَّةِ دلالةٌ على تجلِّي الحقِّ، كما وجودُ العلمِ والقدرةِ مثلًا يدلُّ على وجودِ صاحبِ العلمِ وصاحبِ القدرةِ، فالجزئياتُ الجوهريَّةُ كِسْوَتُهُ التي بها تجلِّيهِ في الوجودِ على مثالِ الجواهرِ العقليَّةِ، من غير امتزاجٍ ولا اختلاطٍ، فإذا شَهِدْتُم هذا فقد جَرَّدْتُمُ المُطلَقَ عن الحصرِ والتَّقييدِ والتَّحديدِ في أعينِ التَّشبيهِ، لكونِهِ مُطلَقٌ عن الإطلاقِ، وإذا شهدتُمْ هذا المشهدَ فأنتم قائمونَ مقامَ السَّواءِ والبرزخيَّةِ العظمى، فتكونونَ إنْ شِئْتُمْ في الكثرةِ والتفرقةِ مجموعًا أحديًّا، وإن شِئتُم كنتم في الجَمعِ الأحديِّ جامعينَ للكثرةِ، فإنكم لا تبالونَ لِكَونِكُم جامعينَ للكلِّ وحائزينَ قَصَبَ السَّبق في الكلِّ، إذا ظهرَ كل مُتميِّزٍ بشهودِ الجزئيِّ الخصيصِ به، إذ لا خصوصَ لكم إلا أحديَّةُ جَمعِكُم الذي هو أحديَّةُ جَمعِهِ.
فما أكملَ الإنسانَ لوْ عرفَ قدرَهُ وَمَلكَ أمرهُ وكتمَ سِرَّهُ ولم يَتعدَّ طورَهُ، وَلَزِمَ مركزيَّةَ حقيقةِ الاعتدالِ، وتحقَّقَ بحقيقتِهِ الإطلاقَ في الجمعِ والكمالِ، ولمَّا كان ظاهريَّةُ الإنسانِ مجموعَ العالمِ من حيث حجابيَّتِهِ ومجمعِ النقائصِ، فالأفعالُ والأخلاقُ والأعمالُ الصَّادرةُ عن الإنسانِ إن كانت قبيحةً يستحقُّ عليها الذَّمَّ إمَّا عُرفًا وإمَّا عقلًا وإمّا شرعًا، والأحرى والأليقُ أن يَنسبَ إلى نفسِهِ تأديبًا وتحقيقًا، ناظرًا في ذلك نظرًا دقيقًا، فإنَّ الصَّادرَ عن الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ خيرٌ محضٌ، وهو الوجودُ السَّامي لا غير، والعَدَمُ يَلِي أحدَ جانبَي الإمكانِ بالنسبةِ إليه أولًا، وما كان فيها من الكمالاتِ والفضائلِ والمحامدِ والمحاسنِ أضيفَ إلى صاحبِ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ، لأنَّها في الحقيقةِ راجعةٌ إلى الوجودِ الحقِّ، فيكون قد جعلَ نفسَهُ وقايةً لنسبةِ الذَّمِّ إلى نفوسِ الخلقِ، كما قال الله تعالى: (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ)، وجعلَ الحقَّ وقايةً لنفسِهِ في إضافةِ الحمدِ كلِّه إليه، وإليه ترجعُ عواقبُ الثَّناء. وهذا مقتضى التَّحقيقِ الأتمِّ والأدبِ الأعمِّ والتقيَّةِ والتُّقى الأكمل لقوله تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ)، وقوله: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
وإذا فُهِمَ هذا، فنقول: اعلم أيها المؤمنُ رَحِمَكَ اللهُ، أنَّه لو لم يكنْ في الوجودِ جزءٌ لَمَا كان في الوجودِ موجودٌ أصلًا البتَّةَ، وذلك لأنَّ الوجودَ ينقسم قسمةً حاضرةً إلى كلٍّ وجزءٍّ، فلو لم يكنْ في الوجودِ جزءٌ لم يكن به حادثٌ أصلًا، إذ ليسَ في طبيعةِ الحادثِ أن يوجَدَ بذاتِهِ، فالموجودُ القائمُ بذاتِهِ يكونُ واجبَ الوجودِ، وواجبُ الوجودِ قائمٌ بذاتِهِ، وهو الذي أبدعَ الجوهرَ الأولَ الذي به يُدعى، وهو الدَّليلُ إليه، ففوَّضَ إليه أن يُوجِدَ الجوهرَ المعقولَ والجواهرَ الحسيَّةَ، ثم تجلَّى لهم فَعَايَنوا الجزئياتِ الجوهريَّةَ، فصاحبُ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ لا يُقاسُ به زمانٌ ومكانٌ بل هو مَن أوجدَ الزمانَ والمكانَ، فكيف يجري عليه ما هو أوجدَهُ وأجْرَاهُ على خلقِهِ، تَعَالى عمَّا يَصفون.
ونقول: إنَّ صاحبَ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةِ أبدَى السِّماتِ والحدودَ الأزليَّةَ والسرمديَّةَ والأبديَّةَ الوجوديَّةَ، ففي وجودِهِ الأزلِ هو لا ابتداءَ له، وفي وجودِهِ السَّرْمَد هو لا ضدَّ له، وفي وجودِهِ الأبدِ هو لا نهايةَ له، فنكون قد أثبتْنا أنَّ صاحبَ الجزئيَّاتِ الجوهريَّةَ أبدَى السِّماتِ الوجوديَّةَ حقًّا وعِيانًا وبَيانًا، فنشيرُ إليه، ثم نُجَرِّدُهُ عنها، فنكون قد أخلَصْنا تمامَ الإخلاصِ في توحيدِنا للهِ مُقتَدِين بمولانا أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام لقوله: (الْحَمْدُ للهِ الأوَّلِ قَبْلَ كُلِّ أَوِّل، وَالاْخِرِ بَعْدَ كُلِّ آخِر، بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ، وَبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ)، فهذا هو طريقُ الاستدلالِ بالوجودِ على إثباتِ تجلِّي الحقِّ جلَّ جلالُهُ عن أدناسِ أنفاسِ المُحدَثينَ وَخَطراتِ أوهامِ المُتَوَهِّمين وَتَمويهاتِ المُبطِلين وَتَخييلاتِ المتخيِّلين وتمثيلِ المتمثِّلين المُشَبِّهين وَتَعالى علوًّا كبيرًا.
===============

فلسفة سمات الحركة والسكون وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا).
اعلم أيُّها المؤمنُ رحمَكَ اللهُ أنَّ أهلَ الكلامِ في أصولِ الدِّينِ يستدلُّونَ على معرفةِ الإيجادِ الإبداعيِّ والإيجادِ التكوينيِّ الباديَين في عالَمَي الأجرامِ العقليَّةِ والحسيَّةِ بما يُبديهِ من حركةٍ وسكونٍ.
فكِلا الإيجادَين الإبداعيِّ والتكوينيِّ لا يخلوان من سِمَاتِ الحركةِ والسكونِ، وقد عُلِمَ أنَّ الإيجادَ الإبداعيَّ والإيجادَ التكوينيَّ إما أن يتَّسِمَا بِسِمَةِ حركةٍ أو أن يتَّسِمَا بِسِمَةِ سكونٍ، وجوديًّا وحقًّا وعيانًا وبيانًا، فإنْ كان باديًا لنا وَصَفناهُ بالحركةِ، وإن لم يكن باديًا لنا وَصَفناه بالسُّكونِ.
أمّا بيانُ أنَّ الحركةَ والسكونَ متعلِّقان وجوديًّا بالإيجادِ الإبداعيِّ والتكوينيِّ في عالَمَي الأجرامِ العقليَّةِ والحسيَّةِ، فهو أن صاحبَ الإيجادِ الإبداعيِّ والإيجادِ التكوينيِّ لا يرتبطُ بعلَّةٍ ولا سببٍ، لأنَّ العلَّةَ والسَّببَ يرتبطان حقيقةً بالإيجادِ الحركيِّ، الذي هو إيجادُ القوَّةِ الجزئيَّةِ بجزئيَّاتِها الخمسةِ التي تجتمعُ بحقيقَتِها، وإنْ تعدَّدَتْ بجزئيَّاتِها لتكونَ المتحرِّكَ الأولَ الذي بعدَ إيجادِهِ خاطبَهُ صاحبُ الإيجادِ بالإقبالِ والإدبارِ فكانت الحركةُ والسُّكونُ، فإذا تحرَّكَ قُلنا (متحرِّكٌ)، وإذا سَكَنَ قلنا (ساكنٌ)، فكانت نسبةُ الحركةِ والسُّكونِ إلى المتحرِّكِ الأوَّلِ والسَّاكنِ الأولِ حقيقةً، فالمتحرِّكُ الأولُ هو السَّاكنُ الأولُ، وتَغيُّرُ صِفَتِهِ مرتبطٌ بِتَغيُّرِ حالِهِ بين الحركةِ والسكونِ، وأما نسبةُ الحركة والسكون إلى صاحبِ الإيجادِ فهي من حيث مُمَاثلَتُهُ للمتحرِّكِ الأولِ عند حصولِ الإيجادِ الإبداعيِّ في عالمِ العقلِ، وكذلك جَرَى بالإيجادِ التكوينيِّ في عالمِ الحسِّ.
فالحركةُ الأولى هي الإبداعُ الكامنُ في قوله: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، فكانَ بعدَ أن لم يكنْ، وهذا هو الإيجادُ الحركيُّ، ثم حصلَ الإيجادُ الإبداعيُّ بالمُمَاثَلَةِ عبارةً عن وجودِ صاحبِ الإيجادِ على مثالِ المتحرِّكِ الأولِ في زمانٍ ومكانٍ بعد أن لم يكن، فكانت هذه الحركةُ بعد أن لم تكن مِن قَبلُ، لقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ)، والحركةُ هنا ارتبطَتْ بزمانٍ ومكانٍ لأنها جاءَت بعدَ الإيجادِ الحركيِّ، ولذا قلنا عنهما- أي عن الحركة والسكون- أنَّهما معلومان، وهما من سِمَاتِ الإيجادِ الإبداعيِّ، وأما بيانُ ذلك فهو أنَّ السُّكونَ جازَ عليه التَّضاد، إذ ضادَّ الحركةَ بالسُّكونِ، لقول أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (بِمُضادَّتِهِ بين الأمورِ عُرِفَ أن لا ضِدَّ له وبمقارنَتِهِ بين الأشياءِ عُرِفَ أن لا قرينَ له).
وإنَّ كلَّ حادثٍ وجوديٍّ إمَّا زوجٌ وإما مفرَدٌ، وعلى التَّقديرَين يكونُ متناهيًا وجوديًّا، فيكونُ لهذه الحوادثِ أوَّلٌ، ومن المعلوم أنَّ الجسمَ لا يخلو مِن أوَّلٍ، وكلُّ ما لا يخلو من شيءٍ يكونُ له أولًا فهو أوَّلٌ.
وقد يُستنبَطُ أيضًا من الميزانِ العدديِّ العلمُ بإيجادِ العالَمِ، فلنفرضْ مثلًا أنَّ الكلامَ في اليومِ الذي نحن فيه، فنقولُ: لا تخلو الأيامُ التي قبل هذا اليوم أن تكون متناهيةَ الأعدادِ أو غيرَ متناهيةِ الأعدادِ، والقسم الثالث لا يُعقَل، فإن كانت متناهيةَ الأعدادِ فلها أولٌ وهو دليلُ الحدوثِ، وإن كانت غيرَ متناهيةِ الأعدادِ استحالَ وجودُ اليومِ الذي نحنُ فيه، لأنه لا يأتي حتى يتناهَى قبلَهُ من الأيامِ ما لا يتناهى، وتناهي ما لا يتناهى محالٌ.
فإنْ كانت أعدادُهم متناهيةً ثبتَتْ أوليَّتُهُم، ومن كانَ له أوَّلٌ فهو مُفتَتِحُ الوجودِ، فَعُلِمَ أنَّ للعالَمِ صانعًا أوجدَهُ، وأيضًا بعدَ ثبوتِ إيجادِ العالَمِ ثَبُتَ أنَّ له مُوجِدًا أوجَدَهُ، إذ يستحيلُ وجودُهُ من تلقاءِ نفسِهِ، إلا عن فاعلٍ أوجدَهُ.
ثم نفرضُ الكلامَ في ذلك الفاعلِ، فإن كان بينَهُ وبينَ فعلِهِ مشابَهَة في ذاتِهِ لَزِمَهُ من الإمكانِ ما لَزِمَ فعلَهُ، وإن كانَ لا مشابهةَ بينه وبين فعلِهِ من جميعِ الجهاتِ فهو صاحبُ الإيجادِ على الحقيقةِ، المجرَّدِ بذاتِهِ عن جميعِ السِّماتِ والحدودِ، في عالَمَي العقلِ والحسِّ، لأنه لا تجري عليه الحركة والسكون لقول أرسطو هذه الأمة أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ السُّكُونُ وَالْحَرَكَةُ، وَكَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ، وَيَعُودُ فِيهِ مَا هُوَ أَبْدَاهُ).
وإن سألَنا سائلٌ: هل خَلا صاحبُ الإيجادِ الإبداعيِّ من سِمَةِ الإيجادِ وقتًا ما؟ قلنا: نعم، قبل الإيجادِ الحركيِّ لا تقعُ عليهِ سِمَةٌ ولا حدٌّ ولا نعتٌ ولا وَصفٌ ولا لقائلٍ فيه مقال، وكما عبَّرَ فيلسوفُنا العظيم أرسطاطاليس حين سئل: ما نقول قبلَ إبدائِهِ حركةً وسكونًا؟ فَصَمَتَ. وكذا قال رسول الله (ص) عندما سئل: أين كان ربُّنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال: (كان في عماء).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:54 am

فلسفة مقام التمكين الإبراهيمي وفق القانون الخصيبي

يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
اعلم أيها المؤمنُ أيَّدكَ اللهُ أنَّنا نَستدِلُّ على معرفةِ وجودِ مقامِ التَّمكينِ بالمعقولِ الرَّصينِ والمنقولِ المُبينِ، إذ قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).
فمعرفةُ وجودِ مقامِ التَّمكينِ بالمعقولِ تتحقَّقُ من وجهين: أحدُهما على رأي فيلسوفنا العظيم أرسطاطاليس بأنَّ الحكمةَ دَلَّتْ على أنَّ لكلِّ صنعةٍ صانعٌ، كالبناءِ والكتابةِ وغير ذلك مثلًا، وجميعُ ما يُشاهَدُ في الوجودِ من الموجوداتِ صنعةٌ لابدَّ لها من صانعٍ بحكمِ الضرورةِ، إذ يستحيلُ إيجادُها لنفسِها، والدَّليلُ على دوامِ وجودِهِ هو فيضُ جوُدِهِ أزلًا وأبدًا.
أمَّا الوجهُ الثاني فهو أنَّه مِن المستحيلِ انعدامُ الصَّانعِ مع وجودِ الصنعةِ، مِن خلقِ الأفلاكِ العقليَّةِ والأجرامِ الحسيَّةِ وما فيهما من إتقانٍ، ودوامِ الفيضِ واستمرارِهِ أبدًا مع بقائِهما. ومثالُ ذلك بقاءُ الظلِّ الموجودِ ببقاءِ الظلِّ المعمودِ، لقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا)، فمهما دَامَ كان الظلُّ موجُودًا بدوامِهِ، وكذلك فإنَّ مقامَ التمكينِ ليس بِضَنينٍ على مرِّ الدُّهورِ والأحقابِ في وجودِهِ وفيضِهِ على كلِّ شيءٍ من العقولِ والنفوسِ والأفلاكِ على اختلافِ الهيئاتِ والأجناسِ والأشكالِ والصِّفاتِ، وقد قال الحق تعالى: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
أما معرفةُ وجودِ مقامِ التَّمكينِ بالمنقولِ فتتحقَّقُ بما نَدَبَ القرآنُ المجيدُ إليه في أكثر من موضعٍ منه، كقوله سبحانه: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، وقوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)، وقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ) أي نُشهِدُهُم الدَّلالاتِ على مقامِ التَّمكينِ في الآفاقِ وهُوَ عالمُ العقلِ، (وَفِي أَنفُسِهِمْ) وهو عالمُ الحسِّ (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي حتَّى يتَّضحَ لهم أنَّ مقامَ التَّمكينِ هو جنَّةُ المؤمنينَ، ويكفينا استدلالُ الخليلِ (ع) بجنَّةِ القلبِ وجنَّةِ النَّفسِ وجنَّةِ العقلِ في الآيةِ المذكورةِ أوَّلَ المقالِ.
واعلم أيُّها المؤمنُ أنَّ السَّماواتِ والأرضَ مقاماتٌ لعالَمَي العقلِ والحسِّ، وَمَلكوتُها لَطَائِفُهُم، وهي العقولُ والنفوسُ والمشهودُ لها في سَيرِهِ الذي تتغيَّرُ سِمَاتُ وجودِهِ بتغيُّرِ مقاماتِ الشُّهودِ، لأنَّ سيرَ السَّالكِ من الأصغرِ إلى الأكبرِ ومن الأضعفِ إلى الأقوى، وهذا من لطائفِ مقامِ التَّمكينِ في تعليمِ وهدايةِ الطالبين، إذ إنَّ العقولَ البشريَّةَ ضعيفةٌ بالنسبة إلى جمالِ آياتِهِ، وعاجزةٌ عن إدراكِ جمالِ كبريائِهِ الأعظم، ولو ابتدأ بالأقوى لَتَلاشى المخلوقُ وانطمسَ ووقعَ في بحرِ الغرقِ وانغمسَ.
واعلم أيُّها المؤمنُ أنَّ مقامَ التَّمكينِ البادي على مثالِ العقولِ الفعَّالةِ هو جنَّةُ العقلِ، وعلى مثالِ النفوسِ المُدبِّرةِ هو جنَّةُ النفسِ، وعلى مثالِ الأجرامِ المطمئنَّةِ هو جنَّةُ القلبِ، وهذا لا يعرفُهُ السَّالكُ ما لم يعرفْ مقامَ التَّمكينِ وآياتِهِ الثلاثةِ في عالَمَي العقلِ والحسِّ.
فإذا فُهِمَ ما قُلنا عَلِمنا أنَّ سيرَ الخليلِ (ع) كان في عالمِ الجسمانيَّاتِ، لا كما ظنَّ بعضُ الناسِ مِن أنَّ سيرَهُ كان في عالمِ الأجسامِ، وكان الخليلُ (ع) يشيرُ إلى جنانِ اللهِ وآياتِهِ الدَّالةِ عليه وجوديًّا، ولهذا كان يقول عند مَشهَدِ كلِّ جنَّةٍ: (هذا ربي) إثباتًا وإيجادًا، وعند التَّجريدِ نَفَى الأعراضَ ولم يَنْفِ المشهدَ المُعايَنَ، ولهذا قال الخليل (ع): (لا أحبُّ الآفلين) لأنَّ الأفولَ للسِّماتِ والحدودِ، وكذلك قال: (لئن لم يهدني) لأنَّ الهدايةَ ليست فقط بالشَّهادة بل بالإخلاصِ والتَّجريدِ بعد الإثباتِ، وإلا وقعَ التَّشبيهُ والضَّلال لقول سيدنا المسيح (ع): (أنا والآبُ واحدٌ، ولكنْ هوَ أعظمُ مِنَ الكلِّ)، وكذلك قال الخليل (ع): (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) أي أننا بريئون من شِركِ الذين اعتقدوا أن السِّماتِ الكماليَّةَ حقيقةٌ لمقامِ التَّمكينِ، بل الحقُّ هو قولُنا: إنَّ صاحبَ الآياتِ مجرَّدٌ عن كلِّ سِمَةٍ وحدٍّ. فالصَّلاةُ بشهادَتِنا لآياتِهِ العقليَّةِ والحسيَّةِ الباديةِ بمقامِ التَّمكينِ الإبراهيميِّ، وعبادَتُنا بالإخلاصِ ثم بكمالِ الإخلاصِ لصاحبِ الآياتِ العقليَّةِ والحسيَّةِ.
لذلك فإنه لمَّا رأى تلكَ الجنانَ المختلفةَ في العظمةِ والإشراقِ لقوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، غَشِيَهُ فعلُ جلالِ جمالِ مقامِ التمكينِ فَبَادَرَ إلى شهادةِ الحقِّ وأكمَلَها بالإخلاصِ في كلِّ مرحلةٍ وعند كلِّ جنَّةٍ، وإنَّما فَعَلَ ذلك تنبيهًا على أن سيرَ السَّالكِ لا يمكنُ إلا بالتَّدريجِ.
فهذا ما أردنا إيضاحَهُ هاهنا أيها المؤمن، والله الهادي إلى كلِّ صوابٍ.
===============

فلسفة مقام الفاعلية وفق القانون الخصيبي

يقولُ تعالى في كتابِهِ العزيز: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).
ويقول سيِدُنا المسيح (ع): (لستُ أفعلُ شيئًا من نفسي بل كما علَّمني أبي).
اعلم أيُّها المؤمنُ أنَّ الفاعليَّةَ الوجوديَّةَ لها المقامُ الأسمى الذي منه تمتدُّ فاعليَّةُ الوجودِ وإليه تعودُ، فالمُبدي أبدَى فعلَهُ المحمودَ وجعلَهُ الفعلَ الكاملَ، وموقعَ السِّماتِ والحدودِ والأفعالِ الوجوديَّةِ، والفعلُ الكاملُ ماهيَّتُهُ من فعلين هما الفعلُ العاقلُ والفعلُ المعقولُ، وهما أي الفعلُ العاقلُ والفعلُ المعقولُ لا ينفصلانِ أبدًا، فالفعلُ العاقلُ لا تبدو معالمُ جلالِهِ إلا بالفعلِ المعقولِ.
ثم كرَّمَ صاحبُ مقامِ الفاعليَّةِ فعلَهُ الكاملَ وأوكلَ إليهِ الإيجادَ فأوجدَ أولَ ما أوجدَ الفعلَ العقليَّ من جلالِ الفعلِ المعقولِ، ثم باقي الأفعالِ الكليَّةِ.
وبعد الإبداعِ للفعلِ الكاملِ تجلَّى مُبديهِ له فعاينَهُ على مثالِهِ فأقرَّ له وسبَّحَه وقدَّسَه فكانَ الفعلُ الكاملُ أوَّلَ مَن عايَنَ مقامَ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، ثم لَحِقَ به الفعلُ العقليُّ وباقي الأفعالِ الكليَّةِ.
وإنَّ الفعلَ الكاملَ أوجدَهُ مُبديهِ من الفاعليَّةِ المطلقةِ من غيرِ تجزيءٍ ولا تبعيضٍ لجوهرِهِ، بل أبداهُ بأمره لقولِهِ تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) لأنَّ المُبدي يُوجِدُ الأفعالَ لا مِن شيءٍ، فمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ خلقَ الأشياءَ من شيءٍ فقد أشركَ، إذ ثبتَ لنا التَّوحيدُ وبَطُلَ الشِّركُ والاتِّحادُ الذي هو صيرورةُ الذَّاتينِ والهيئتَينِ واحدة، وهذا غير جائزٍ عند أهلِ التوحيدِ، ولا على رأي فيلسوفنا العظيم أرسطاطاليس، لذلك قِيلَ: (أبدَاهُ من الفاعليَّةِ المُطلَقَةِ) وذلك للتعريفِ والهدايةِ، وهو قولنا: جاء زيدٌ من منطقة كذا، فلفظةُ (مِن) هنا للفاعليَّةِ، وللتعريفِ أي لنعرفَ مِن أينَ جاءَ زيد، أي أنَّ لفظة (من) هاهنا هي للفاعليَّةِ وليست للتَّجزيء، وإلا لَوَقَعَ التَّجزيءُ وَحَصَلَ التَّشبيه، أعاذنا الله وإياكم.
إنَّ المشاهدةَ تمنعُ الجدالَ في مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، وقد قال تعالى: (أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، فمعنى (فاطرِ السَّماواتِ والأرضِ) أي أن فاعليَّتَهُ جاريةٌ في عالَمَي العقلِ والحسِّ، وهما الفاعليَّةُ الأوليَّةُ الباديةُ لعالمِ العقلِ، والفاعليَّةُ الآخريَّةُ الباديةُ لعالمِ الحسِّ، لكنَّ صاحبَ مقامِ الفاعليَّةِ قد تجرَّدَ بجوهرِهِ عن كلِّ فعلٍ، وَعَلا عن كلِّ سمةٍ وَحَدٍّ، وإنما أُطلِقَتْ عليه سِماتُ وحدودُ الفاعليَّةِ عند وجودِهِ على مثالِ فعلِهِ، فنحنُ لا نقولُ عنه فاعلٌ حتى يُبدِي فعلَهُ أولًا ثم نطلقُ عليه التسميةَ ثانيًا، ولذلك جاءَ في اللغةِ العربيَّةِ الفعلُ أولًا في تركيبِ الجملةِ الفعليَّةِ، ثم الفاعلُ.
وإنَّ الذينَ زَعَموا أنَّ الفعلَ حقيقةٌ لِكُنْهِ مُبديهِ أشركوا لأنَّهم اعتَمَدوا المساواةَ بينه وبين فعلِهِ، فَمَن زعمَ أنَّ صاحبَ مقامِ الفاعليَّةِ لم يزلْ فاعلًا بفعلٍ فقد أشركَ حيث سئلَ مولانا الرضا (ع): (إنَّ قومًا يقولون: إنَّهُ عزَّ وجلَّ لم يَزَلْ عالمًا بعلمٍ وقادرًا بقدرةٍ وقديمًا بقدمٍ وسميعًا بسمعٍ وبصيرًا ببصرٍ) فأجابَ: (اتَّخَذوا معَ اللهِ إلهًا آخرَ، وليسَ هم من ولايتِنا على شيءٍ، تعالى اللهُ عمَّا يقولُ المشركونَ والمشبِّهونَ علوًّا كبيرًا).
وعلى سبيلِ المثالِ فإنَّ النَّجارَ يصنعُ من الخشبِ كرسيًّا، لكنَّ الكرسيَّ ليس حقيقةً للنَّجارِ، بل دلالةٌ عليه، فالكرســيُّ فعلُهُ وهو مُبْدِي هذا الفعلِ، فَـدَقِّــقْ فيه فـكـرَكَ فهو خفيٌّ لقول رســول الله (ص): (الشِّركُ في أمَّتي أَخْفَى مِن دَبيبِ النَّملةِ السَّوداءِ في الليلةِ الظَّلماءِ على المسحِ الأسوَدِ)، فإنْ قيلَ: إنَّ الأفعالَ زائدةٌ على جوهرِ مقامِ الفاعليَّةِ! قلنا: هذا هو الشِّركُ بعينِهِ، وإن قيل: هي هو! قلنا: لا يجوزُ في الحكمةِ عبادةُ فعلٍ، فوجَبَ أن يكونَ الفعلُ طريقًا لا مَقصدًا، لأنَّ كلَّ سِمَةٍ محدودةٌ، وكلَّ فعلٍ محدودٌ إذ كانا داخلين تحت الإحاطةِ والهجاءِ التي هي حروف (أ ب ت ث)، لقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ).
فَمَن أثبتَ أنَّ الأفعالَ والسِّماتِ زائدةٌ على جوهرِ صاحبِ مقامِ الفاعليَّةِ الوجوديَّةِ المسمَّاةِ والموسومَةِ فقد أثبتَ العددَ والكثرةَ فيه، وهو أحدٌ من جميعِ الوجوهِ فكيف يكونُ هذا؟!
وإنْ قُلنا: لا يَلزَمُ مِن هذا إثباتُ الفعلِ على وجهٍ ما، فثمَّ ما هو أشدُّ علينا من الفعلِ، وهو أن يكونَ مقامُ الفاعليَّةِ كاملًا بغيرِهِ، وكلُّ كاملٍ بغيرِهِ ناقصٌ في جوهرِهِ، وهذا محالٌ وغيرُ مقبولٍ.
وَمَن نَفَى الأفعالَ فَرَّ من الكثرةِ والنَّقصِ، لكن تلقَّاهُ أمرٌ آخرُ وهو أنَّ الإخلاصَ لا يُقرَّرُ من جهةِ الدَّليلِ الذي نصَّبتموهُ على معرفةِ مقامِ الفاعليَّةِ لقول فيلسوفنا العظيم أرسطاطاليس: (إنَّ القوةَ الواحدةَ يمكن أن تكونَ قابلةً للأضدادِ)، لأنَّ المعرفةَ القائمةَ على الإثباتِ والإدراكِ للوجودِ فقط ناقصةٌ إن لم تَرْتَقِ إلى التَّجريدِ، وذلك بتجريدِهِ عن جميعِ أفعالهِ، إذ إنَّ إثباتَ كونِهِ فاعلاً قبلَ الفعلِ مُحَالٌ، فلو ثَبَتُ كونَهُ فاعلاً قبلَ الفعلِ وَقَعَ الفعلُ أزلًا وهو محالٌ، ثم إنَّ القلبَ لا يجدُ ذلكَ الاطمئنانَ إلا بالأخذِ بالإثباتِ والتَّجريدِ معًا، لاسيما وقد عَرَّفَ مآخذَ العقولِ من أين هو ومن أين تُركَّبُ براهينُه.
==============

فلسفة النسبة الوجودية وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
اعلم أيُّها المؤمنُ أنَّهُ يجبُ الوقوفُ على المعاني والبحثُ عنها وإتمامُ العلمِ بها ومعرفتُها على سبيلِ الاستفهامِ لا على جهةِ الرَّدِّ والاعتراضِ على ما جاءَتْ به الكتبُ السَّماويَّةُ وما نطقَ به الأنبياءُ والمرسلونَ والفلاسفةُ المعصومونَ.
فهذه السُّورةُ العظيمةُ هي سورةُ الإخلاصِ التي تقودُ المؤمنَ إلى أعلى مقاماتِ الإخلاصِ في التَّوحيدِ لأنَّها تنفي النِّسبَةَ بأنواعِها الخمسةِ، فـ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لِنَفي الكثرةِ والعَدَدِ، (اللَّهُ الصَّمَدُ)؛ وفي اللغة العربية الصَّمَدُ الذي لا جوفَ له، وتوحيديًّا هو المجرَّدُ عن الماهيَّةِ، (لَمْ يَلِدْ) لِنَفي العلَّةِ، (وَلَمْ يُولَدْ) لِنَفي المَعلولِ، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) لنفي الشَّبيهِ والنَّظيرِ والنِّدِّ والضِّدِّ.
إنَّ جوهرَ مُبدي النِّسبةِ الوجوديَّةِ لا يقالُ له: أينَ ولا حيثُ ولا كيفَ ولا متى، ولا يُسألُ عنه بـ: مَا، لأنَّ جوهرَ مُبدي النِّسبةِ الوجوديَّةِ أسمى من الأجناسِ والماهيَّاتِ، والقصدُ من ذلك الإقرارُ بأحديَّتِهِ وصمدانيَّتِهِ وليس كما زَعَمَ السَّفسطائيُّون نَفيُ وجودِهِ وتجلِّيهِ.
وعلى رأي سادَتِنا فمعرفةُ النِّسبةِ الوجوديَّةِ هي رأسُ الحكمةِ لأنَّ وجودَها مُعايَنٌ، وقد صرَّح بذلك الكتابُ الكريمُ كقوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ) فقد تمَّ تحديدُ جهةٍ بعينِها وهذا من لوازمِ النِّسبةِ الوجوديَّةِ، وهذا هو الإثباتُ. ثم يترقَّى المؤمنُ بإخلاصٍ كاملٍ، فَجَوهرُ مُبدي النِّسبةِ الوجوديَّةِ أسمَى مِن أن يُحَدَّ أو يُعَدَّ، وأعلى مِن أن يُحدَّدَ بجهةٍ، ومثالُ ذلك في القرآنِ نداءُ ذي النُّونِ لِمَولاه، وأيضًا مثالُهُ الشَّجرةُ المباركةُ التي لا يُقالُ لها شرقيَّةً ولا غربيَّةً، أي لا عقليَّةً ولا حسيَّةً.
أما النسبةُ الحقيقيَّةُ الجامعةُ فهي لا متَّصلةٌ ولا منفصلةٌ، بل الحقُّ أن يُقالَ: إنَّ مُبدي النِّسبةِ الوجوديَّةِ فوقَها، فالنِّسبةُ المُضافَةُ تكون بنسبَتِها إلى مُبدي النِّسبةِ معلومةً وهي للدَّلالةِ فقط، وَبنسبَتِها إلى النِّسبةِ الحقيقيَّةِ الجامعةِ فهي حقيقَتِها.
وإثباتُ وجودِ النِّسبةِ الوجوديَّةِ هي أوَّلُ مراحلِ الإيمانِ، لقوله تعالى: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء)، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ)، فذلك نسبَتُهُ الوجوديَّةُ وهذا حقًّا وعيانًا وبيانًا ووجوديًّا، أمَّا جوهرُ مُبدي النسبةِ الوجوديَّةِ فإنَّهُ يَجِلُّ عن النِّسَبِ المُضافَةِ التي هي ماهيَّةُ النِّسبةِ الحقيقيَّةِ الجامعةِ، وأما مُبدي النِّسبةِ الوجوديَّةِ فلا تَقَعُ عليه النِّسَبُ.
فَمُبدي النِّسبةِ الوجوديَّةِ لا شيءَ أعظمُ منه، موصوفٌ بأفعالِهِ ومشهودٌ بآياتِهِ ومعروفٌ بتجلِّياتِهِ، ولا نسبةَ لجوهرِهِ أبدًا، وإلا لكانت هذِهِ النِّسَبُ تقودُ إلى مَن هو أسمى منه، وهذا محالٌ.
فوجودُ النِّسبةِ الوجوديَّةِ أمرٌ عظيمٌ وخطبٌ جسيمٌ وحقٌّ يقينٌ ضَلَّ عن معرفتِهِ الخلقُ الكثيرُ والجَمُّ الغفيرُ إلا مَن رَحِمَ ربِّي إنَّه هو الغفورُ الرَّحيمُ.
واعلم أيُّها المؤمنُ أنَّ الاستدلالَ على ذلك في القرآنِ المجيدِ كثير، ومنها قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا)، وقوله تعالى: (لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ)، فَدَلَّتْ هاتانِ الآيتانِ على أحديَّتِهِ. وأمَّا الدَّليلُ على إثباتِ وجودِهِ من القرآنِ المجيدِ فهو قوله تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ).
فإن قيلَ: هل هو؟ قلنا: لا إله إلا هو. وإن قيل: كيف هو؟ قلنا: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). وإن قيل: كيف إرادَتُهُ؟ قلنا: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُو). وإن قيل: كيف قدرتُهُ؟ قلنا: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). وإن قيل: كيف عِلمُهُ؟ قلنا: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ). وإن قيل: كيف وجودُهُ؟ قلنا: (هُوَ الْحَي القيومُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). وإن قيل: كيف تدبيرُهُ؟ قلنا: (وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). وإن قيل: كيف مُلكُهُ؟ قلنا: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). وإن قيل: كيف عَسْكَرُهُ؟ قلنا: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ). وإن قيل: كيف إحسانُهُ؟ قلنا: (أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ). وإن قيل: كيف لطفُهُ؟ قلنا: قال لرسوله المكرم (ص): (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) وإن قيل: كيف عِزَّتُهُ؟ قلنا: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ). إن قيل: هل تُنسَبُ إلى الزَّوجةِ والولدِ حضرَتُهُ؟ قلنا: (لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ). وإن قيل: إنَّا عاجزونَ فبأيِّ وسيلةٍ نطلبُ فضلَهُ؟ قلنا: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ). وإن قيل: إنَّا مُذنبونَ فكيفَ نطلبُ عفوَهُ؟ قلنا: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ). وإن قيل: إنّا جاهلون فكيف نَذكرُهُ؟ قلنا: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ) وإن قيل: كَثُرَتْ سيِّئاتُنا فكيف نرجو بِرَّهُ؟ قلنا: (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ). وكثيرٌ من هذه الآياتِ ممَّا دَلَّ عليه سيدنا الرسول (ص) بالإشاراتِ بلفظة (هو) مثل قوله تعالى: (اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ومثل قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ) ومثل قوله: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، يدلُّ عليه قولُهُ عزَّ وجلَّ لموسى وهارون: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، وكذلك قولُهُ حكايةً عن سيدنا إبراهيم الخليل (ع) في إنكارِهِ على أبيهِ: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا)، فإنَّها إشارةٌ تُغني عن العِبَارةِ والله الهادي ولا رَبَّ سِوَاهُ.
==============

فلسفة الكتاب المشهود وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، كِتَابٌ مَّرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ، إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ).
إنَّ الخطابَ المباركَ في هذه الآيةِ يُعتَبَرُ من البراهينِ القياسيَّةِ عندَ أرسطو، فالخطابُ القرآنيُّ للأبرارِ الذي آمنوا بكتابِ الأبرارِ أولًا في عالمِ الحسِّ، ثم ارتقَوا بمعرفَتِهم إلى الإقرارِ بالكتابِ المرقومِ المَشهودِ في عالمِ العقلِ، ولذلك جاءَ اللفظُ القرآنيُّ ببالغِ الدِّقَّةِ فقال: (يَشْهَدُهُ، يَنظُرُونَ)، فكانت ولادَتُهُم الأولى بإقرارِهِم بكتابِ الأبرارِ، وولادَتُهم الثانيةُ بإقرارِهِم بالكتابِ المرقومِ، لذا قال سـيدنا المسيح (ع): (ﭐلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ).
واعلم أيها المؤمنُ أنَّ الكتابَين في عالَمَي العقلِ والحسِّ هما في الحقيقةِ كتابٌ واحدٌ، وهو القوَّةُ الواحدةُ كما في قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، فَحَرفُ النُّونِ هنا مثالُ أمِّ الكتابِ الدَّالَّةِ على وجودِ الوجوبِ، والقلمُ مثالُ الكتابِ الجامعِ وهو الجوهرُ العقليُّ، وما يَسطُرُونَ دَلالةٌ على وجودِ الكتابِ المَسطورِ، وهو وجودُ الإمكانِ وإبدائهِ الحركاتِ المكانيَّةَ على مثالِ الكتابِ الجامعِ، فالكتابُ الجامعُ هو العلَّةُ الأولى، وفيه جُمِعَتْ سِمَاتُ الكمالِ، وهي حقيقةُ الشَّيءِ المتحرِّكِ، فالكتابُ الجامعُ هو الدَّليلُ إلى الكتابِ المسطورِ، ولذلك جاء الخطابُ في فاتحة الكتابِ بصيغةِ الحاضرِ المَشهودِ في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
ففاتحةُ الكتابِ هي أمُّ الكتابِ لقولِ رسولِ الله (ص): (لا صَلاةَ إلا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)، ففاتحةُ الكتابِ هي أشرفُ ما في كنوزِ العرشِ، وهي السَّبعُ المَثَاني في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)، وإنَّ في ذلكَ دَلالةً بالغةً لأنَّ صلاةَ المؤمنِ لا تُقبَلُ إلا بِشَهادتِهِ وَمَعرفتِهِ للحركاتِ المكانيَّةِ التي نعاينُها بالكتابِ المسطورِ، لأنَّ الصَّلاةَ تعني بأسمى وجوهِهَا إقامة الصِّلةِ مع الحقِّ عزَّ وجلَّ، وهذا لا يتحقَّقُ إلا من خلالِ قولِ اللهِ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، وقد كرَّرَ الحقُّ كلمةَ (إياك) مَرَّتين لأنَّ الكتابَ المسطورَ موجودٌ في عالَمَي العقلِ والحسِّ، وَسُمِّيَ بكتابِ الأبرارِ والكتابِ المرقومِ، وكذلك كُرِّرَت مرتين للفصلِ بين الاستعانةِ والعبادةِ، كما أن تقديمَ المفعولِ به (إيَّاك) في هذه الآيةِ ليس فقط للغرضِ البلاغيِّ، بل لغرضِ الاختصاصِ، وذلك لتقديمِ السَّببِ على المُسَبِّبِ، لأنَّ تقديمَ الوسيلةِ قبل طلبِ الحاجةِ أنجحُ لحصولِ الطلبِ، كذلك تقديمُ المعرفةِ الحسيَّةِ والعقليَّةِ إثباتًا أنجحُ للوصولِ إلى العبادةِ تجريدًا. ألسنا عندما نقرأُ هذه الآياتِ وندقِّقُ في معانيها نَشهدُ على أنفسِنا بأنَّنا نعرفُ الحقَّ ونثبتُ وجودَهُ ونشهدُ معانيهِ ونحقِّقُ آياتِهِ؟
قد أوضَحْنا الحجَّةَ وأقمنا البرهانَ وأرسَينا قواعدَ التبيانِ ببيانِ الصَّادقينَ الذين هم على سبيلِ الهدى سالكينَ، فهذا هو صراطُ الحقِّ المستقيمِ.
هَدَاكُم اللهُ بِهُداهُ وجعلكُمْ من أتباعِهِ المخلصينَ له، وأعانَكُم على الحَذَرِ من أنصافِ العلماءِ المُدَّعينَ وأشباهِ العلماءِ وَتَابعيهم من دُعَاةِ الانحرافِ وانعدامِ الإنصافِ وكثرةِ الأقاويلِ والدَّعاوي للمُنتَهي والمُبتَدي تَعَسُّفًا لأخبار ومقالاتٍ في توحيدِ الحقِّ جلَّ جلالُهُ، واستنادِهم إلى أخبار وأقاصيص لا نجدُ فيها إلا البهتانَ والمغالطاتِ والتَّكذيبَ والمُنافَرةَ، فلا تنطوي مقالاتُهم إﻻ على وضعِ العَثَراتِ في طريقِ شبابنا الواعي، ولكنْ هيهات هيهات.
==============

فلسفة جوهر الوحدة وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ).
إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ما أوجَدَ العوالمَ العقليَّةَ والحسيَّةَ إلا لِيَعبدوهُ، وَمُحالٌ أن يعبدوهَ قبلَ معرفتِهِ، وَمُحالٌ معرفتُهُ إن لم تَقتَرِنْ بوجودِهِ، لذلك جاءَ عن سيدنا المسيح (ع) قوله: (إنَّ كُلَّ ما أقولُ هو لمعرفةِ اللهِ ولخدمةِ اللهِ).
ولا فوزَ إلا بمعرفةِ المقاماتِ الكليَّةِ، وَمِن هنا يتبيَّنُ وجهُ الحكمةِ في حالِ المعرفةِ ووجوبِها، لأنَّ إيجادَ العقولِ الكليَّةِ بسببِها لا عن عَبَثٍ ولا عن حاجةٍ تتعلَّقُ به لِمَا ذكرناهُ من وجوبِ المعرفةِ لصراطِ الوحدةِ، لفوزهِم بمعرفةِ مقامِ الجمعِ بينهم بالقوَّةِ الإلهيَّةِ والفيضِ الإلهيِّ، ولمَّا أوجبَ عليهم معرفةَ مقامِ الجَمْعِ وصِرَاطِ الوحدةِ لم يَجُزْ في الحكمةِ والعدلِ أن يَتَجلَّى بالجواهرِ العقليَّةِ لئلّا يَحولَ عن صراطِ الوحدةِ وتكونَ المعرفةُ بغيرِهِ فيكونَ المعروفُ غيرَهُ.
وإذا كان ذلكَ كذلكَ ووَجَبَ تجليهِ بجوهرِ الوحدةِ وهو الجوهرُ البسيطُ ليُعرَفَ بصراطِ الوحدةِ فيُعبدَ، كذلك لم يَجُزْ في الحكمةِ الإلهيَّةِ تجلِّيهِ بالجوهرِ البسيطِ كشفًا إذ لا يثبتُ له شيءٌ في الوجودِ من الموجوداتِ، لأنَّ الشَّيءَ من كونِهِ شيءٌ في الموجوداتِ، ولأنَّ الشَّيءَ هو من المتكثِّراتِ والأعراضِ الوجوديَّةِ كما قال الله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)؛ وهو وجودُ صراطِ الوحدةِ، فإذا ظهر حكمُ صراطِ الوحدةِ وأحديَّةُ الجوهرِ البسيطِ، لا تقدرُ الكثرةُ على ظهورِ حكمٍ لها في حالِ انقهارِها للوحدةِ، وقد قال سيدنا الرسول (ص): (أصدَقُ كلمةٍ قالَتْها العرب قولُ لبيدٍ: ألا كلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطلٌ) أي زائلٌ، إذِ الوجودُ والعَدَمُ نقيضانِ وهما لا يجتمعان.
وَوِفْقَ مبادئِ الكلِّ بحسبِ رأي سيِّدِنا أرسطاطاليس فإنَّ مقامَ الجمعِ جاءَ بحكمةِ حكيمٍ مُقتَدِرٍ بجمعِ الجمعِ كمثالِ الجواهرِ العقليَّةِ، وإنَّها كثرةٌ ومتعدِّدَةٌ ومعلومةٌ ومشارٌ إليها، وإنَّ في دلالاتِ الجمعِ لُطْفٌ منه يُبديهِ رحمةً وايناسًا، كما أنَّها دالَّةٌ بكثرَتِها على زوالِها وبقاءِ الجوهرِ البسيطِ، وهذه أيضًا مِن دَلالاتِ صراطِ الوحدةِ لأنَّ جوهرَ الوحدةِ لا يقعُ به لَمْسٌ ولا يُدرَكُ بشيءٍ من الحواسِّ ولا تليقُ به السِّماتُ والحدودُ العقليَّةُ والحسيَّةُ، وإنَّما تُعاينُ حضرةَ الجمعِ لتستدلَّ عليه مِن حيثُ أنتَ، فإذا جئتَهُ بالحقيقةِ لم تجدْ شيئًا مُدرَكًا ولا مَلموسًا، بل هي في نظرِ الناظرينِ والشُّهودِ تُشابِهُ السَّرابَ، وتُعايَن ببصَرِ الطبيعةِ، فإذا جئتَ بدليلِ العقلِ وفِكْرَة الحقِّ، ونظرتَ بعينِ اليقينِ لم تجدْ شيئًا يُدرَكُ ولا آيةً تُلمَسُ بلْ هي حكمةُ حكيمٍ مقتَدِرٍ.
وإنَّه لمَّا وَجَبَ أولًا معرفةُ مقامِ الجمعِ لنستدلَّ على وجودِهِ الذي شَمَلَ بالقوَّةِ الإلهيَّةِ كلَّ شيءٍ لقوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ)، ووجبَ ثانيًا معرفةُ صراطِ الوحدةِ لإفرادِهِ عن كلِّ شيءٍ لقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) ليعرفوهُ حقَّ المعرفةِ وَلِيَعبدُوهُ وحدَهُ بلا شريكٍ، ولكونِهِ يستحيلُ عَدَمُهُ وجبَ في الحكمةِ الإلهيَّةِ أن يتجلَّى فيأنسُ إليه للمؤمنين ويجحدُهُ المنكرونَ، لأنَّه القادرُ على الإطلاقِ، فلا يُعجِزُهُ شيءٌ من الأشياءِ، فهو مع كل شيءٍ كَسِمَةِ ذلك الشَّيءِ، ولا سِمَةَ له ولا قيَّدَتهُ سِمَةٌ ما، تَعَالى اللهُ عن ذلك كلِّهِ علوًّا كبيرًا.
====================

فلسفة الوجود الموسوية وفق القانون الخصيبي

قال تعالى في كتابه العزيز: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).
لقد وجبَ في الحكمةِ الإلهيَّةِ والفلسفةِ الربانيَّةِ أنَّ الحقَّ الجوهريَّ يُبدي وجودَهُ الوجوبيَّ الكشفيَّ للعوالمِ العقليَّةِ والحسيَّةِ على قَدْرِهِم لقوله تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) رحمةً منهُ ولطفًا بعبادِهِ، فتأمَّلوا هذه الفلسفةَ الخفيَّةَ فإنَّها سرُّ الإيمانِ، وهي أوَّلُ درجةٍ في معارجِ التقيّةِ، ولا يدركُها إلا مَن هو صافي الألمعيَّة.
فاللهُ عزَّ وجلَّ تجلَّى لسيدنا موسى (ع) مخاطبًا إيَّاه من الشجرة والنارِ فقال سبحانه تعالى: (نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال سبحانه: (نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فعبارة (سبحان الله) تعني إجلالَ الحقِّ الجوهريِّ من أن يكونَ مُنحصرًا بِسِمَاتِ وجودِهِ حينئذٍ وقبلَهُ وبعدَهُ، أما في عبارةِ النِّداء (يا مُوسَى إنَّه) فيقصدُ: الذي دَعَاكَ.
والحقُّ الجوهريُّ جلَّ جلالُهُ عَلِمَ عجزَ العوالمِ العقليَّةِ والحسيَّةِ عن إدراكِ ما هو فوقَ الحواسِّ والعقولِ، حيث امتنعَتْ المعرفةُ وامتنعَ العلمُ، إذ ليس لقائلٍ فيه مقالٌ حيث يعجزُ اللسانُ، لأنَّه فوقَ الكلامِ، والكلامُ من سِمَاتِ الأفعالِ.
واعلم أيها المؤمنُ أنَّ هذا العجزَ ليس نقصًا أبدًا، بل هذا هو حقيقةُ عينِ اليقينِ بدليلِ قول الإمام علي زين العابدين (ع): (إلهي لولا الواجبُ من قبولِ أمرِكَ لنزَّهْتُكَ عن ذكري إيَّاكَ، على أنَّ ذكري لكَ بقدري لا بقدرِكَ، وما عسَى أن يبلغَ مِقداري حتَّى أُجعَلَ مَحَلاًّ لِتَقديسِكَ، وَمِن أعظمِ النِّعَمِ علينا جريانُ ذِكْرِكَ على ألسِنَتِنا).
فالبحثُ عن سرِّ الجوهرِ البسيطِ ممنوعٌ، ولا يجوزُ في الحكمةِ لمؤمنٍ أن يقعَ في هكذا سفسطةٍ، لقول مولانا أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (إذا بَلَغَ الكلامُ إلى الذَّاتِ فأَمْسِكُوا).
وخيرُ برهانٍ على ذلكَ ما جَرَى في قصةِ بني إسرائيلَ مع سيدنا موسى (ع)، فالسَّبعونَ من بني إسرائيلَ اختارَهُم موسى، واختيارُ موسى هو اختيارُ الحقِّ الجوهريِّ، فسيدُنا موسى كليمُ اللهِ (ع) لأنَّه كَلَّمَ الحقَّ الجوهريَّ، والكلامُ لا يكونُ إلا مِن مَقَامٍ مُعايَنٍ كما أثبتنا ذلك فيما سبقَ، وَلَطالما عاينوا الحقَّ الجوهريَّ فماذا يطلبونَ بعد ذلكَ؟
لقد طلبوا معاينةَ ومعرفةَ الجوهرِ البسيطِ المجرَّدِ، وهذا ما لا يستطيعُ احتمالَهُ أحدٌ في الوجودِ، ولكنَّ سيدنا موسى (ع) طلبَ ذلك على سبيلِ التعليمِ لهم، لِيَعلَموا ما يجوزُ وما لا يجوزُ، وليَعلَموا أنَّ هناكَ وجودٌ وجوبيٌّ كشفيٌّ، ووجودٌ وجوبيٌّ ممنوعٌ.
فلمَّا طلبَ سيدنا موسى (ع) ذلكَ في المُناجاةِ حيث قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا)، لم يَثبُتْ موسى وَخَرَّ صَعِقًا، فكيف حالُ مَن هو دونَهُ إذا انكشفَ الجوهرُ البسيطُ كشفًا؟! إذ لو انكشفَ كشفًا لتلاشى كلُّ شيءٍ لعظمَتِهِ، ولم يَجُزْ ذلك في الحكمةِ الإلهيَّةِ ولا في الرَّحمةِ الرحمانيَّةِ تَعَالى اللهُ عن ذلك.
بل إنَّ الحقَّ الجوهريَّ كلَّفنا معرفةَ الوجودِ الوجوبيِّ الكشفيِّ بِسِمَاتِهِ وحدودِهِ وآياتِهِ في عالَمَي العقلِ والحسِّ، أمَّا الوجودُ الوجوبيُّ الممنوعُ فلا سبيلَ إليه ولا تليقُ به الألفاظُ لأنَّه أجلُّ من الهيئاتِ والحدودِ والسِّماتِ العقليَّةِ والحسيَّةِ.
ولهذا الوجودِ الوجوبيِّ الممنوعِ والوجوبيِّ الكشفيِّ أشارَ الحقُّ الجوهريُّ بقوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ)؛ أي ما تبصرونَ من الوجودِ الوجوبيِّ الكشفيَّ، وما لا تبصرونَ من الوجودِ الوجوبيِّ الممنوعِ.
إلا أنَّ السَّفسطائيِّينَ زَعَموا أنَّ الوجودَ الوجوبيَّ كلُّهُ كشفيٌّ، وأنه ليسَ فيه امتناعٌ، وأنهم يُعاينونَ الجوهرَ البسيطَ، لذلك نَرُدُّ عليهم حسبَ مبادئِ الكلِّ عند الفيلسوف العظيم أرسطاطاليس بأنَّ الجوهرَ البسيطَ مجرَّدٌ، ولا يقالُ له: قبل ولا بعد ولا كيف ولا أين، ولا لقائلٍ فيه مقالٌ. فأهلُ السَّفسطةِ الذين خالفوا هذا المقالَ وَقَعوا بزعمِهِم هذا بالحلولِ، وهذا بطبيعةِ الحالِ دينُهم ودَيدنُهم في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، أعاذنا الله منهم ومن أقوالهم المشبِّهَةِ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 12:59 am

فلسفة النفس والروح وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا).
كثيرٌ من النَّاسِ يُردِّدونَ ألفاظَ وتعابيرَ الرُّوحِ والنَّفسِ مع خلطٍ كبيرٍ بينهما حتى وَصَلوا لدرجةِ القياسِ الذي نَهَى عنهُ الحكماءُ والفلاسفةُ، لأنَّ القياسَ يُوجِبُ الانعكاسَ، فأوَّلُ مَن قاسَ هو إبليسُ فقال جوابًا في الآية: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، فأهلُ القياسِ- وهم السَّفسطائيُّون- قالوا بأنَّ الرُّوحَ هي النَّفسُ الكاملةُ، وأنَّ النَّفسَ الكاملةَ هي الرُّوحُ، وأنَّه لا فرقَ بينهما.
بينما أوضحَ فيلسوفُنا العظيمُ أرسطاطاليس بأنَّ الرُّوحَ هي جوهرٌ بسيطٌ لا يُرى، وأنَّ سُلطانَها بادٍ من النَّفسِ الجامعةِ الوجوديَّةِ، وَمَثَلُ ذلكَ كشعاعِ القرصِ من القرصِ، وأنَّ الرُّوحَ رٲيناها تمثيلًا نفسًا جامعةً وجوديَّةً.
وبما أنَّ الرُّوحَ هي مثالُ الجوهرِ البسيطِ واجبِ الوجودِ، فهي لا تُرَى ولا تُشاهَدُ ولا سبيلَ إليها، فكان لابدَّ من وجودِ دليلٍ يدلُّ على وجوبِها بالقوَّةِ الواحدةِ، وأثرٍ يدلُّ على فعاليَّتِها.
فإنْ سألَنا سائلٌ: ما الدَّليلُ على وجوبِ وجودِ الرُّوحِ وما كونُهُ؟ وهل هذا الدَّليلُ معلومٌ أم مجهولٌ؟ وهل هو مُعايَنٌ أم مَفقودٌ؟
قلنا بعونِ اللهِ: إنَّ الدَّليلَ الوجوديَّ لا يجوزُ في الحكمةِ أن يكون مجهولًا، وإلا لَبَطُلَ كونَهُ دليلٌ وجوديٌّ، فالدَّليلُ لابدَّ من وجودِهِ ومن أن يكون معروفًا، فالدليلُ على وجوبِ وجودِ الرُّوحِ هو وجودُ النَّفسِ الجامعةِ الوجوديَّةِ، فوجودُ الدليلِ هو الإثباتُ على وجوبِ وجودِ الرُّوحِ، وعندما ينعدمُ وجودُ الدَّليلِ فهذا لا يعني انعدامَ وجوبِ وجودِ الرُّوحِ.
أمَّا كلمةُ (وما كونه) فعائدةٌ إلى الدَّليلِ الذي هو النَّفسُ الكاملةُ، وهو الشَّيءُ المتحرِّكُ، لأنَّ الرُّوحَ لا يُسألُ عنها بـ(ما)، وعندما كان السُّؤال (هل هو؟)؛ أي: هل الدليلُ موجودٌ، فهذا سؤالٌ يتعلَّقُ بالوجودِ أي وجودِ الدليلِ، والفرقُ كبيرٌ بينَ أن تقول: (هل هو؟) وبينَ أن تقول: (ما هو؟).
واعلمْ أيُّها المؤمنُ أنَّ تجريدَ الجوهرِ البسيطِ عن السِّماتِ والحدودِ الوجوديَّةِ التي أبدَاها بالقوَّةِ الواحدةِ لا يعني نفيَ الوجودِ أبدًا، كما لا يعني إحالتَهُ إلى عدمٍ، فهذا الكلامُ لا يُلزِمُنا لأنَّنا نعتقدُ بوجودِ الحقِّ الجوهريِّ وحركاتِهِ المكانيَّةِ- وهو النفسُ الجامعةُ الوجوديَّةُ- أنَّهُ دليلُ الأدلَّةِ الوجوديَّةِ لأنَّه ليس كلُّ ما لا تدرِكُهُ لا وجودَ له، فهناكَ أمورٌ كثيرةٌ لا تستطيعُ إدراكَها، ومع ذلك تقرُّ بوجودِها لمجرَّدِ وجودِ أثرٍ يشيرُ إليها، فمثلًا الرُّوحُ للإنسانِ موجودةٌ وإنْ كنا لا نراها، فهي لا تُعرف إلا مِن خلالِ أثَرِها الجاري بفعاليَّتِها في الجسدِ، فنحنُ نستدلُّ على وجودِ الرُّوحِ بوجودِ الجسدِ الحيِّ الذي لا يقومُ إلا بها، فَمَتى وُجِدَ الجسدُ الحيُّ دَلَّ على وجودِ الرُّوحِ، وبالمقابلِ فإنَّ فناءَ الجسدِ لا يعني فناءَ الرُّوحِ، وما هذا إلا مثالٌ بسيطٌ وواضحٌ لقول مولانا الصادق (ع) : (خَلَقَ اللهُ الرُّوحَ بلا بَدَنٍ).
كذلك تجريدُ الجوهرِ البسيطِ عن السِّماتِ والحدودِ الوجوديَّةِ لا يعني العدمَ، إنَّما هو نفيٌ للتَّحديدِ والحصرِ ونفيٌ للتَّشبيهِ والحلولِ لقول الحكيم: (إثباتُ الجَوهَرِ بلا صِفَةٍ لأنه مُسْتَغْنٍ أن يَصِفَ نفسَهُ لنفسِهِ)، وهو الجوهرُ البسيطُ الذي لا يَجمعُهُ الكلُّ ولا يُفرِّقُهُ البعضُ، وهو لفظٌ يفيدُ عدمَ الإدراكِ لا عدمَ الوجودِ.
وقد أتَى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ)، أي يُثبتونَ أنَّه المعايَنُ بِشَهادَتِهِم، فالشَّهادةُ تكونُ للنَّفسِ الجامعةِ الوجوديَّةِ التي بَدَتْ كَسِمَاتِ العوالمِ العقليَّةِ والحسيَّةِ، وليسَ الجوهرُ البسيطُ هو هذه العوالمُ، فهناكَ فرقٌ بين العوالمِ ومُمَاثَلَةِ الجوهرِ البسيطِ لهم، فالشَّهادةُ لا تكونُ للجوهرِ العقليِّ ولا للجوهرِ المعقولِ ولا للجواهرِ الحسيَّةِ؛ أي لا يجوزُ مطلقًا القولُ: إنَّ الحقَّ الجوهريَّ هو الجوهرُ العقليُّ، فتكونَ بذلك أوقَعْتَ الشَّهادةَ للجوهرِ العقليِّ، وهذا هو الجحودُ والنكرانُ للحقِّ الجوهريِّ المعايَنِ، ولكنَّ الشَّهادةَ لوجودِ الحقِّ الجوهريِّ.
والشَّهادةُ لا تكونُ إلا لمُعايَنٍ، أمَّا العبادةُ بتمامِ الإخلاصِ فتكونُ للجوهرِ البسيطِ لقوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)، ولم يقل: (ونحنُ لها عابدون)، لأنَّ صبغةَ اللهِ هي الصِّبغةُ الوجوديَّةُ وهي النفسُ الجامعةُ الوجوديَّةُ المماثِلَةُ بالسِّماتِ والحدودِ للجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ.
أمَّا الذين وَقَعوا بالسَّفسطةِ وَعَبدُوا الصِّبغةَ فليسوا من الإيمانِ على شيءٍ، وما أصابوا ولا تُقبَلُ شهادَتُهم ولا عبادَتُهم، بل ينطبق عليهم قول النبيِّ الحكيمِ (ص): (رُبَّ مُصَلٍّ يقولُ بلسانِهِ ما ليسَ في قلبِهِ)، وهؤلاء كما قال سيدنا المسيح (ع): (إنَّ كثيرينَ يغتسلونَ ويذهبونَ للصَّلاةِ، وكثيرينَ يصومونَ ويتصدَّقونَ، وكثيرينَ يطالعونَ ويبشِّرونَ الآخرينَ، وعاقبَتُهُم ممقوتةٌ عندَ اللهِ، لأنَّهم يُطهِّرونَ الجسدَ لا القلبَ).
==============

فلسفة الذكر في مقام الوحدة وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).
إنَّ ذِكْرَ اللهِ جوهرُ الصَّلاةِ، والصَّلاةُ قالبُهُ. وهي القوَّةُ الجزئيَّةُ، لذا كانت القوَّةُ الجزئيَّةُ وسيلةً، وهو غايتُها، وذلك بمعرفةِ القوَّةِ الواحدةِ.
وهذا الذِّكرُ هو فَرضٌ إلهيٌّ، وهو أهمُّ شروطِ الإيمانِ بمقامِ الوحدةِ الذي دَعَا إليه الشَّاهدُ الأوَّلُ الذي قالَ تبارك وتعالى فيه: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلًا كَبِيرًا)، وإنَّما أمرَ اللهُ سبحانه وتعالى بالتَّذكير لِمَا سَبَق من إقرارِهم لمَّا أخذَ عليهم العهدَ والميثاقَ بمعرفةِ مقامِ الشهودِ، والعبادةِ للجوهرِ البسيطِ بقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى)، فأقرُّوا جميعًا باختيارِهم من غيرِ إكراهٍ ولا إجبارٍ، فَثَبتَت الحجَّةُ باعترافِهم إقرارًا بألسنتِهم، فَمِنهم مَن آمنَ بقلبِهِ، ومنهم مَن كانَ منافقًا فلم يوافقْ قلبُهُ لسانَهُ، فالمؤمنُ لا يزالُ مؤمنًا، والكافرُ لا يزالُ كافرًا، لقوله تعالى: (أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ).
وقد روي عن فلاسفتنا العظماءِ أنَّ الشَّاهدَ عليهم هو الجوهرُ العقليُّ وهو الشَّيءُ المتحرِّكُ. فالمؤمنُ مَن اطمئنَّ قلبُهُ للإيمانِ وراقَبَ الحقَّ الجوهريَّ في معاملةِ السَّادةِ المؤمنينَ بالإحسانِ، والكافرُ مَن جَحَدَ وثبتَتْ عليهِ الحجَّةُ فشقيَ بالإنكارِ إذ لم يدخلِ الإيمانُ في قلبِهِ لكنَّه أقرَّ باللسانِ فقط، والدَّليلُ على ذلك قوله تعلى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، فَبَانَ الفرقُ بين الشَّهادةِ قولًا والعبادةِ فعلًا بأحسن بيانٍ.
وقد قال تعالى في هؤلاءِ المنكرين: (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ)، فالذين أنكروا مقامَ التَّمكينِ لهم العذابُ العظيم، عَدلًا من اللهِ شاملًا وَحُكمًا نافذًا بالعدلِ كاملًا لقوله: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
وأمَّا مَن آمنَ وعملَ صالحًا فَشَهِدَ للحقِّ الجوهريِّ وأقرَّ بالبسائطِ الوجوديَّةِ الباديةِ فهو كما وَصَفَهُ الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، فبالإيمانِ والاستقامةِ خَصَّهُمُ اللهُ بالرِّضوانِ وأباحَ لهم النَّعيمَ في الجِنَانِ، فأشرقَ نورُ العقلِ بواسطةِ النَّفسِ على المؤمنين، فارتقوا بمعرفتِهم وإيمانِهم بِجِنانِ الحقِّ الجوهريَّ، فَعَاينوا جنَّةَ العقلِ وجنَّةَ النفسِ وجنَّةَ القلبِ، فاطمئنَّت قلوبهم وارتقَتْ نفوسُهم وَرَجحَتْ عقولُهم، فهم خواصُّ الخواصِ وهم الأبرارُ لقول الله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ، يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
===============

فلسفة مقام روضة الروح المقدسة وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ).
اعلم أيُّها المؤمنُ أطلَعَكَ اللهُ على حقائقِ المعرفةِ باللطيفةِ الانسانيَّةِ، وأوقَفَكَ على دقائقِ سِمَاتِها وحدودِها، أنَّ الفلاسفةَ والحكماءَ المتقادمينَ قالوا في أوَّلِ ما يلزمُ الإنسانَ معرفتُهُ هو معرفةُ اللطيفةِ الإنسانيَّةِ، انطلاقًا من أنَّ معرفةَ النَّفسِ الجامعةِ الوجوديَّةِ هي رأسُ الحكمةِ الربانيَّةِ، لأنَّ معرفةَ الحقِّ الجوهريِّ جلَّ جلالُهُ أعظمُ الأشياءِ وأجلُّ العلومِ وألطفُها.
ولمَّا كانت نفسُ الإنسانِ من ألطفِ الأشياءِ إليه ليستدلَّ بمعرفَتِها على معرفةِ النَّفسِ الجامعةِ الوجوديَّةِ فيفوزَ بالفوزِ العظيمِ، كان أَولَى أن يجتهدَ بمعرفتِها، فهي معراجُهُ إلى ما فوقَها، وهي أولُ بابِ عالمِ الملكوتِ لذلكَ قِيلَ: (يا أيُّها الإنسانُ اعرِفْ نفسَكَ تَعرِفْ ربَّكَ)، وقال النبي الحكيم (ص) رمزًا إلى تعليمِ السُّلوكِ بطريقِ المعرفةِ: (أنا أعرَفُكُم باللهِ وأشدُّكُمْ منه خَشيةً)، فَذَكَرَ معرفتَهُ لمقامِ السِّرِّ بلفظةِ التَّفضيل، أي المبالغَةِ، إذ تقول العربُ فلانٌ عارفٌ بالشيءِ وفلان أعرفُ منه، فدلَّنا بقوله: (أنا أعرفَكُم بالله) على أنَّ غيرَهُ من الجواهرِ العقليَّةِ والجواهرِ الحسيَّةِ عارفةٌ بهذا المقامِ العظيمِ، ولم يَمنعْ أحدًا منها، لكنه نبَّهنا على أنَّه في أعلى درجاتِ المعرفةِ كَان التفاوتُ في درجاتِ المعرفةِ، وأمّا معنى قوله: (أعرفُكُم بنفسِهِ أعرفُكُم بربِّهِ) فلهُ وجوهٌ كثيرةٌ وقعَ الاختيارُ منها والاقتصارُ على وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الإنسانَ عَالَمٌ صغيرٌ أبدعَهُ الباري بأحسن تقويمٍ لقول فيلسوفنا العظيم وأرسطو هذه الأمة أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أتَحسَبُ أنَّكَ جرمٌ صغيرٌ.. وفيكَ انطَوَى العالمُ الأكبرُ)، وجمعَ فيه ما في العالمِ العقليِّ والعالمِ الحسيِّ، بل هو جرمٌ أبدَى الحقُّ الجوهريُّ فيه قدرتَهُ وزبدةَ امتخاضِ الكونِ، وعلى وجودِهِ مُعوَّلُ سرِّ التضمينِ بما فيه من سرِّ التكوينِ.
فمَن أحبَّ معرفةَ ما في العالمِ العقليِّ السَّامي من القدرةِ الإلهيةِ الباهرةِ والحكمةِ الربانيةِ فَكَّرَ فيما أبدعَه الله تعالى في نفسِهِ وهيكلِهِ من القوةِ والتدبيرِ والحُسنِ، إذ أودعَها باريه تعالى فيه حُجَّةً عليه ودليلًا واضحًا فيه، وهادٍ له بهِ إليهِ. فمَن عَلِمَ ذلك وتحقَّقَه قادَهُ ذلك إلى معرفةِ الإنسانِ الكاملِ والإنسانِ الأكملِ، وهداهُ إلى معرفةِ الخليفةِ الكاملِ بالصِّدقِ فَعَرَفَ مقامَ السِّرِّ، واستدلَّ بنورِ عقلِهِ على نفي ما في حُكمِ حِسِّهِ، وتحقَّقَ أن ذلك هو مقامُ السِّرِّ في روضةِ الرُّوحِ المقدَّسةِ، الباديةِ سِماتُها وَحُدودُها الوجوديَّةُ الكماليَّةُ في الإنسانِ الكاملِ والإنسانِ الأكملِ، وبه يكون الإنسانُ إنسانًا، ولأجلِهِ أمرَ الله تعالى الملائكةَ بالسُّجودِ لآدمَ لِمَا خصَّهُ به، فحينئذٍ تحقَّقَ عرفانًا بمعرفةِ النَّفسِ الكاملةِ التي ألزَمَنا الحقُّ الجوهريُّ معرفتَها وطاعتَها، ولذلك سَخَّرَ له ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ جميعًا وجعلَ طاعتَهم له كطاعَتِهم له حتمًا لازمًا.
فبَانَ بهذا ما أشرنا إليه من معنى قوله: (أعرفُكُم بنفسِهِ أعرفُكُم بربِّهِ)، فإنَّ مَن عَرَفَ نفسَهُ بما فيها من مجموعِ العالَمَين فقد عَرَفَ بذلك القوَّةَ الإلهيَّةَ في إبداعهِ الكونَين، فمَن عَرَفَ نفسَهُ بهذه المعرفةِ وأطاعَ عَقلهُ هَدَاهُ بِهُدى اليقينِ الوجدانيِّ الكشفيِّ وما بعدَ ذلكَ لطالبٍ مطلبٌ.
الوجه الثاني: قولُ فيلسوفنا العظيم أرسطاطاليس: مَن عَرَفَ النَّفسَ الجامعةَ الوجوديَّةَ من حيث أنها مُمَاثِلَةٌ للروحانيَّة اللطيفةِ والجواهرِ العقليَّةِ، وأنَّها اقترَنَتْ بالسِّماتِ الوجوديَّةِ الكماليَّةِ لطفًا، ولا هِيَ داخلةٌ ولا خارجةٌ ولا متَّصِلةٌ ولا منفصلةٌ لأنها جوهرٌ بسيطٌ فردٌ غيرُ متجزِّئٍ ولا متحيِّزٍ، وإنَّما هِيَ حاملةٌ لهذهِ الحدودِ والسِّماتِ وجوديًا فقط. فمَن عَرَفَ اللطيفةَ الإنسانيَّةَ ثم أكمَلَ معرفتَهُ بمعرفةِ النفسِ الجامعةِ الوجوديَّةِ يكون بهذه المعرفةِ قد عرفَ مقامَ روضةِ الرُّوحِ المقدَّسةِ الذي لا يَخلو منه مكانٌ أبدًا، وأيضًا عرفَ أنَّ مَا يَفنى ويزولُ هو السِّماتُ والحدودُ، وأنَّ ما يبقى ولا يحولُ ولا يزولُ هو الحقُّ الجوهريُّ جلَّ وعلا لقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، فَنَبَّهَ عزَّ وجلَّ على معرفتِه بمعرفتِنا أنفسِنا لطفًا منه ورحمةً بِنَا، وذمَّ بطريقِ التوبيخِ من نَسِيَ ذلك فقال عز من قائل: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ).
فالحذرُ ثم الحذرُ من أن يتوهَّمَ أحدٌ من الضُّعفاءِ أنَّ النفسَ الكاملةَ هي النفسُ الجامعةُ الوجوديَّةُ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فإن ذلك سفسطةٌ فيها فسادُ الدِّينِ وَهَدْمُهُ وعدُولٌ عن الحقِّ، وقد باء بسخطٍ من اللهِ وأشركَ بِهِ مَن يَعبدُ من دونِ الله ما ليسَ له بهِ علمٌ، ومَن لم يُميِّزْ بين المُبدِعِ والخالقِ، ودلَّ بذلكَ على جهلِهِ وكفاهُ بذلك إثمًا مبينًا لقوله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).
================

فلسفة التنور وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ).
اعلم أيُّها المؤمنُ أنَّنا عندما ننظرُ بعينِ اليقينِ إلى هذهِ الآيةِ الكريمةِ فَمِنَ الواجبِ استخلاصُ الحكمةِ الكامنةِ فيها، وإبرازُ هذه الفلسفةِ العلويَّةِ التي هي المصداقُ الأكبرُ الجامعُ لقواعدِ ومبادئِ أهلِ الإيمانِ، لأنَّها الامتدادُ الأصيلُ لفلسفةِ الحكيمِ أرسطاطاليس، وَلْنَطرحْ بعضَ الأسئلةِ الاستنتاجيَّةِ وفقَ مبادئِ القياساتِ المركَّبةِ الفلسفيَّةِ.
هل تجوزُ الحركةُ الوجوديَّةُ المتمثِّلَةُ بالفورةِ قبلَ الأمرِ؟
هل كان الأمرُ لحاجةِ واهبِ الفيضِ؟ أم لحاجةِ الفيوضاتِ والجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ لمعرفةِ واهبِ الفيضِ؟
وكيف يفورُ التَّنورُ الصَّخريُّ بالماءِ؟
إنَّ الجدالَ موجودٌ بين الفلاسفةِ الحكماءِ والسفسطائيِّينَ المشركينَ، فالسَّفسطائيُّونَ يطلبونَ الحُجَّةَ والدَّليلَ منَّا على أنَّ واهبَ الفيضِ يُوجِدُ الأشياءَ من العَدَمِ، ويقولونَ في قرارةِ أنفسِهم أنَّ فاقدَ الشَّيءِ لا يُعطيهِ!! وأنَّه لو لم يكن واهبُ الفيضِ في جَوهَرِهِ شيئًا مُتحرِّكًا فكيف يستطيعُ إيجادَ الفيضِ الكليِّ والفيوضاتِ العقليَّةِ!!
في هذه الحالةِ ووفقًا لمقياسِهم المُشَبِّهِ سيكونُ واهبُ الفيضِ متعدِّدَ الذَّواتِ. فكيف يستطيعُ أن يخلقَ الجواهرَ العقليَّةَ والأفلاكَ والأجرامَ والبشرَ إن لم تكن حقيقةً لَهُ؟
هذا طبعًا مُحالٌ، لذلك جاءَ الأمرُ الإلهيُّ (فارَ التَّنورُ) كلمتانِ تلخِّصانِ معنى التَّوحيدِ السَّليمِ لِمَا في هذه العبارةِ من عمقِ الإشارةِ لذوي العقولِ النَّيرةِ المنفتحةِ الجاهزةِ لاستقبالِ المَدَدِ المعرفيِّ والحَكَمِ الرَّبانيَّةِ.
فهل حقيقةُ التَّنورِ الصَّخريَّةِ كحقيقةِ الماءِ السَّائلةِ؟
وهل كان الماءُ كامنًا في التَّنورِ فَخَرَجَ منه؟
وهل تحوَّلَ التَّنورُ إلى ماءٍ؟
لو فارَ الماءُ من البحرِ لكان شيئًا من شيءٍ وهما من نفسِ الجنسِ وَوَقَعَ الشِّركُ والتَّشبيهُ معاذَ اللهِ.
إنَّ الذي يقدرُ على أن يُخرِجَ الماءَ من التَّنورِ من دونِ أن يكونَ كامنًا فيه، قادرٌ على أن يوجدَ الشَّيءَ لا مِن شيءٍ يَسبقُهُ، فالحقُّ الجوهريُّ هو المُبدِعُ الذي يُوجِدُ الماءَ السَّائلَ من التَّنورِ الصَّخريِّ من دون أن يكون التَّنورُ ماءً، ومن دونِ أن يتحوَّلَ التَّنورُ إلى ماءٍ، كذلك واهبُ الفيضِ أبدى الحركاتِ المكانيَّةَ بوجودِ الإمكانِ بالفيضِ الإلهيِّ والفيضِ الأعلى والفيضِ الأقدس على مثالِ الفيوضاتِ والجواهرِ العقليَّةِ لطفًا وإيناسًا لِتَتمَّ معرفتُهُ.
فمَن زعمَ أنَّ التَّنورَ (وهو مثالُ الجوهرِ البسيطِ) هو في حقيقتِهِ وجوهرِهِ ماءٌ كان مشبِّهًا، ومَن أنكرَ خروجَ الماءِ من التَّنورِ كمَن أنكرَ القوَّةَ الإلهيَّةَ وأنكرَ الفيضَ الممتدَّ وكان من الجاحدين.
أمَّا المؤمنُ العارفُ الموحِّدُ فَيُدركُ تمامًا أنَّ التَّنورَ تنورٌ والماءَ ماءٌ، وأنَّ الماءَ خرجَ من التَّنورِ لا من غيرِهِ إثباتًا للفاعليَّةِ الوجوديَّةِ، فالتَّنورُ إذن كان رمزًا إلى الجوهرِ البسيطِ، والماءُ غيرُ التَّنورِ تجريدًا لجوهرِ مقامِ الفاعليَّةِ.
والجوهرُ البسيطُ المُتَمَثِّلُ بالتَّنورِ كان قبلَ الحركةِ الأولى تنُّورًا حيث لا ماءَ ولا فورةَ ولا حركة ولا فيض ولا نسبة ولا علة، لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
=================

فلسفة مجلى الهوية الأحدية وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا).
اعلم أيُّها المؤمنُ أسعدكَ اللهُ سعادَةَ أوليائِهِ وهداكَ لطريقِ أبوابِ الحقيقَةِ مع أصفيائِهِ إنَّما سميَّت الصَّلاةُ صلاةً لأنَّها صلةٌ بينَ العبدِ ومولاه، والمُصَلِّي هُوَ المُؤمِنُ العارِفُ بسريانِ الهويَّةِ الأحديَّةِ في عالَمي العقلِ والحسِّ، وكما قال سيدنا المسيح (ع): (الحق أقولُ لكم أنَّ كلَّ عارفٍ يصلِّي إنَّما يُكَلِّمُ اللهَ).
والصَّلاةُ في إحدى وجوهها هي معرفةُ مقامِ الحضرةِ الواحديَّةِ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ)، ومعرفةُ مقاماتِها الخمسةِ وهي القوَّةُ الجزئيَّةُ في قوله تعالى: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ)، ودلالة الفيضِ الإلهيِّ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، وهذا دليلٌ على مَجلى الهويَّةِ وبدوِ الفيضِ الالهيِّ على مثالِ الحضرةِ الواحديَّة، وأنَّهُ مقامٌ فُرِضَتْ طاعتُهُ على العِبَادِ، وتَعليمًا على علوِّ وسموِّ مَجلى الهويَّةِ الأحديَّةِ، وأنها لا تُقاسُ ولا تُقارَن بِغَيرها مطلقًا.
وإنَّ الحقَّ الجوهريَّ كَتبَ على سائرِ المؤمنينَ معرفةَ مقامِ الحضرةِ الواحديَّةِ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، فَمَن عَرَفَهُ استدلَّ منه على معرفةِ هويَّاتِ الأعيانِ.
أما فلسفةُ الصلاةِ فهي معرفةُ تحقيقِ الصِّلةِ بهويَّاتِ الأعيانِ بإثباتِ تجلِّي الهويَّةِ الأحديَّةِ المعبَّرِ عنه بقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا)، فالحقُّ الجوهريُّ المشهودُ هو مَجلى الهويَّةِ وبدوِ المُمتدَّاتِ الجوهريَّةِ حقًا وعيانًا، ثم لابد من تجريدِ عينِ الهويَّةِ الأحديَّةِ عن سِمَاتِ وحدودِ مقامِ الشُّهودِ لأنَّها حقيقةُ مقامِ الحضرةِ الواحديَّةِ والجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ.
والعبدُ المؤمنُ هو الذي التزم مبدأَ الوسطيَّةِ الانتقائيَّة لقول فيلسوفنا أفلاطون العظيم: (الفضيلةُ وَسَطٌ بين رَذِيلَتَين) الذي كَنَّى عنه البيانُ الإلهيُّ بالصِّراطِ المستقيمِ في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالصِّراطُ المستقيمُ مبدأٌ معتدلٌ بين موقفين متطرِّفينِ، وهما الإفراطُ والتَّفريطُ، وكما ورد عن أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (لاَ يُرَى المؤمنُ مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا).
فالإفراطُ هو الجهرُ بالصَّلاةِ المنهيُّ عنه في قوله تعالى: (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ) أي لا ترفَعْ مقامَ الحضرةِ الواحديَّةِ وهو المعقولُ المَحضُ إلى مقامِ الهويَّةِ الأحديَّةِ لأنَّ هذا غلوٌّ يقود صاحبَهُ إلى التَّشبيه، وأما التفريطُ فهو المنهيُّ عنه في قوله تعالى: (وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا) أي لا تُنزِل الحضرةَ الواحديَّةَ وهي الجوهرُ الثَّواني عن مقامِها إلى مقامِ الجوهرِ السَّرمدي، لذلك قال: (وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)، وابتغاءُ هذا السَّبيلُ هو الطريقُ الوسطيُّ.
وعلى هذا فإنَّ الخارجينَ عن طريقِ الاستقامةِ أقاموا الرَّسمَ الظاهرَ للصَّلاةِ وغَفِلُوا عن معرفةِ مَقامِها وحقيقتها، أمَّا الخاصَّةُ من المؤمنينَ فاستعمَلوا الرَّسمَ وَعَرفوا مقامَ المعقولِ المَحضِ وأطاعوهُ، وأمَّا خاصةُ الخاصَّةِ فقد أقاموا الصَّلاةَ حقيقةً بشهادَتِهم بمعرفةِ هوياتِ الأعيانِ، وهذا هو الصَّعْبُ، أمَّا المُستَصْعَبُ فهو التَّجريدُ لعينِ الهويَّةِ الأحديَّةِ بإفراد الجوهرِ الهيولانيِّ عن كلِّ سِمَةٍ وَحَدٍّ ونعتٍ، واستعانوا بالصبرِ لأنه عقيدةُ الإيمانِ الرَّاسخِ بالحقِّ الجوهريَّ، وحاملُهُ في هذا الزمنِ كالقابضِ على الجمرِ، لقوله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ).
وَمِن هنا نفهمُ قولَ مولانا الصادق (ع): (مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعمِّدًا فقد نَقَضَ العَهْدَ)، فَتَارِكُو الصَّلاةِ هم أولئك الحائدون عن طريقِ الحقِّ الجوهريِّ، مُنكِرُو مَجلى الهويَّةِ الأحديَّةِ، وهم الذي نَقَضوا عهدَ اللهِ من بعدِ ما أُخِذَ الميثاقُ عليهِم، فتوعَّدَهُمُ الحقُّ الجوهريُّ بعذابِ السَّعير في قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، ولن تُقبَلَ لهم شفاعةٌ ولا توبةٌ لقولِ مولانا الصادق (ع): (إنَّ شفاعَتَنا لا ينالُها مُستَخِفٌّ بالصَّلاةِ).
ختامًا أذكرُ قول سيدنا عيسى المسيح (ع): (صَدِّقوني بالحقِّ أنَّه إذا صلَّى إنسانٌ للهِ كما يجبُ يَنالُ كلَّ ما يطلبُ، اذكروا موسى عبدَ اللهِ الذي ضَرَبَ بصَلاتِهِ مصرَ وشقَّ البحرَ الأحمرَ وأغرَقَ هناكَ فرعونَ وجيشَهُ، وصَموئيلَ الذي أوقعَ الرُّعبَ في جيشِ أعدائِهِ الذي لا يحصى، وإيليا الذي أمطرَ نارًا من السَّماء، وكثيرون غيرهم من الأنبياءِ الأطهارِ الذين بواسطةِ الصَّلاةِ نالوا كلَّ ما طلبوا، ولكنَّ هؤلاء الناس لم يطلبوا في الحقيقةِ شيئًا لهم أنفسهم، بل إنَّما طلبوا اللهَ وَمَجدَهُ).
===================

فلسفة يوم الحج الأكبر وفق القانون الخصيبي

يقول تعالى: (وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ).
الحجُّ في اللُّغةِ هو القَصدُ، ويقال: رجلٌ محجوجٌ أي مَقصودٌ، لهذا كان الرُّكنُ الخامسُ في الإسلامِ هو الحجُّ، فالحجُّ بمفهومِهِ الفلسفيِّ الصُّوفيِّ هو القصدُ إلى مقامِ الوحدةِ حيث لا تَرى إلا الحقَّ الجوهريَّ ولا شيءَ سواهُ، وهذا هو مفهوم الفَنَاءِ، وذلك بإيمانٍ مبنيٍّ على التوجُّهِ بالكليَّةِ إلى المقاماتِ الكليَّةِ بمقامِ الجمعِ، فالكثرةُ دلالاتٌ والدلالاتُ شواهدُ، والوحدةُ صراطٌ، فَصِراطُ الوحدةِ غايةُ الحاجِّ المخلِصِ، وهذا جوهرُ دعوةِ كلِّ نبيٍّ ورسولٍ، فشهودُ الكشفِ لمقامِ الحجِّ الأكبرِ هو معراجُ المؤمنِ لقوله تعالى: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ)، مقرًّا بالبسائطِ الوجوديَّةِ الباديةِ كمثالِ الجواهرِ العقليَّةِ، وهذه القوانينُ جاريةٌ في عالمِ العقلِ وعالمِ الحسِّ، وإنَّما كان وجودُ وخطابُ الأنبياءِ بالأمثالِ الحسيَّةِ للارتقاءِ بنا إلى عالمِ العقلِ المجرَّدِ، وإلى هذا دلَّنا النبيُّ الكريم (ص) بقوله: (عليٌّ كَمِثالِ الكعبةِ)، وقوله: (يا عليُّ، أنا مدينةُ العلمِ وأنتَ بابُها، وَلَن تُؤتَى المدينةُ إلاَّ مِن قِبَلِ البابِ)، وبابُ العلمِ أي مقصدُهُ، وإلى هذا دلَّنا سيدنا المسيح (ع) بقوله لشمعونَ الصَّفا وهو بطرس: (أنتَ صَخْرَتي وعليكَ أَبنِي كَنيسَتِي).
فالمؤمنُ يبدأ بمعرفةِ مفهومِ عَدْلِ البقاءِ، وأنَّ حضرةَ الجمعِ أبدَتِ السِّماتِ الأزليَّةَ والسَّرمديَّةَ والأبديَّةَ وجودًا وحقًّا وعيانًا لضرورةِ وجودِ سبيلِ الحجِّ حتى الوصولِ إلى مرحلةِ الإخلاصِ في التوحيدِ لقوله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)، والعبادةُ بمفهومِ الفناءِ هي أنَّ مقامَ الوحدةِ له جوهرٌ مفارِقٌ لِسِمَاتِ الأزليَّةِ والسرمديَّةِ والأبديَّةِ الوجوديَّةِ، وهنا يتَّضحُ الفرقُ بين التَّوجُّهِ والعبادةِ.
فالكعبةُ معراجُ الإيمانِ، والبيتُ للتسليمِ والتعظيمِ، لأنَّ الكعبةَ أساسٌ راسخٌ لعقيدةِ التوحيدِ لقوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا)، فَلِلبيتِ دَلالاتٌ إيمانيَّةٌ عميقةٌ ورموزٌ عقليَّةٌ شاخصةٌ، بوجوبِ معرفةِ مقامِ التَّمكينِ وجِنانه السَّبعةِ عند الطَّوافِ سبعَ مرَّاتٍ حولَ الكعبةِ.
وقد خَابَ الحاجُّ الذي رأى الكعبةَ بعينِ البصرِ ولم يدرِكْها بعينِ البصيرةِ والله يقول: (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله)، وَصَوتُ سيدنا إبراهيم الخليل (ع) كانَ مؤذِّنًا بفريضةِ الحجِّ في قوله تعالى: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)، فمَن حجَّ دونَ معرفةِ منزلةِ الكعبةِ ومقامِها ليسَ له مِن حجِّهِ إلا الشَقاءُ، ولهذا كانَ اللهُ ورسولُهُ بريئين من المشركينَ الذين حَجُّوا للبيتِ وأنكروا رَبَّ البيتِ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 1:04 am

فلسفة الميقات وفق القانون الخصيبي

الحمدُ للهِ اللطيفِ المَشهودِ، الأحدِ المعبودِ، المجرَّدِ عن السِّماتِ والحدودِ، القائلِ: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا).
اعلم أيُّها المؤمنُ أنَّ التَّفاضُلَ بالدَّرجةِ والعلمِ لا يَعدمُ المشاهدَةَ كما يظنُّ البعضُ في وقتِنا الحاليِّ، وإلا ما هو تفسيرُ جوابِ الرَّسول (ص) عندما سُئل عن مشاهدةِ الحقِّ الجوهريِّ في ليلةِ معراجِهِ؟ فقال: (نورانيٌّ أراهُ)، فَدَلَّنا أنَّه عاينَ المشاهداتِ الكشفيَّةَ في عالمِ العقلِ بعد عروجِهِ من عالمِ الحسِّ إلى عالمِ العقلِ، فَعَاينَهُ على قَدْرِهِ العظيمِ.
لقد أخطأ الكثيرونَ في تفسيرِ قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي). وذلكَ لأمرين:
أولًا: عندما قاموا بتجزئةِ القرآنِ فَنَسَوا تتمَّةَ قوله تعالى: (وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا) وهذا لا يجوزُ.
وثانيًا: عندما زَعَموا أنَّ سيِّدَنا موسى (ع) أخطأَ في طلبِه على حَدِّ قَولِهم، وتناسَوا أنَّ الأنبياءَ لهم العصمةُ التكوينيَّةُ الذاتيَّةُ المطلقةُ، وأنَّهم لا يُخطئونَ مطلقًا.
فلم يَفطنُوا إلى أنَّ مشاهدةَ سيدنا موسى (ع) حصَلَتْ عندما كلَّمَهُ ربُّهُ في أكثرِ من مكانٍ، ففي أوَّلِ الآيةِ (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) والكلامُ لا يكونُ من مقامِ الأعيانِ وهو مقامُ الهيولى اللطيفةِ، وكان قد خاطبَهُ الحقُّ الجوهريُّ في أكثر من مقامٍ كقوله تعالى: (أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وهذه تدلُّ على حصولِ المشاهدةِ، فكما كانت مشاهدةُ النَّبيِّ محمد (ص) كذلك كانت مشاهدةُ النبي موسى (ع): (نورانيٌّ أراهُ)، وكما أنَّ الحقَّ الجوهريَّ تجلَّى لعالمِ العقلِ كذلكَ تجلَّى لعالمِ الحسِّ، ولمَّا كان الأنبياءُ من عالمِ العقلِ فَمِنَ الطبيعي أن تكونَ مشاهدَتُهم (نورانيٌّ أراهُ) مماثلةً لهم، وأنَّ الحقَّ الجوهريَّ أرسلَ أنبياءَهُ لهدايةِ عالمِ الحسِّ والارتقاءِ بهم إلى عالمِ العقلِ، وعلى هذا نبني فنقول: إنَّ سيدنا موسى هَدَى الناسَ إلى مقامِ الأعيانِ حتى عَرَفوا الهيولى اللطيفة في عالمِ الحسِّ، ثم أرادَ هدايتهم إلى مقامِ المشاهداتِ الكشفيَّةِ في عالمِ العقلِ وهي معرفةُ الهيولى القهريَّةِ، فهداهُم إليهِ ودعاهُم إلى معرفتِهِ، فاكتملَت المعرفةُ بالشهادتَين، لأنَّ الأحدَ مُعايَنٌ بمقاماتِ وجودِهِ في عالَمَي العقلِ والحسِّ بالبصرِ لا بالقلبِ بدليلِ قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ نـزلَةً أُخْرَى، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)، فذِكرُهُ للبصرِ في هذه الآيةِ الكريمةِ يدلُّ على أنَّ المعاينةَ تليقُ بالعينِ لا بالقلبِ، وممَّا يزيدُ هذا الأمرَ وضوحًا قولُ مولانا الحسينُ (ع): (عُمِيَتْ عَينٌ لا تَرَاكَ).
ولطالما كانتِ المشاهدَةُ لمقاماتِ وجودِهِ في عالَمَي العقلِ والحسِّ قد حصلَتْ، فما هي المعايَنَةُ التي طلبَها قوم موسى ليَطلُبَها من الحقِّ الجوهريِّ؟
اعلم أيُّها المؤمنُ أنَّ الحقَّ الجوهريَّ كلَّفنا إثباتَ وجودِهِ في عالمَي العقلِ والحسِّ، وشهودَ آياتِهِ حقًّا وعيانًا، ومعرفةَ الهيولى القهريَّةَ والهيولى اللطيفةَ، ولم يكلِّفنا أبدًا بالبحثِ عن سرِّ الجوهرِ الهيولانيِّ لكونِهِ لا يستطيعُ أحدٌ بلوغَ معرفتِهِ، ولا يمكنُ لعقلٍ تصوُّرُهُ لقولِ رسول الله (ص): (كلُّ ما خطرَ ببالكَ فاللهُ غيرُهُ)، ولكونِهِ لا يثبتُ له شيءٌ في الوجودِ، إذ لو بَدَا جوهرُهُ الهيولانيُّ كشفًا لَزَالتِ الكائناتُ والموجوداتُ بأسرِها، ولَبَطُلَتْ حكمةُ الحقِّ الجوهريِّ من إيجادِهِ لخلقِهِ، وهذا تأويلُ قوله تعالى: (جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا)، ولهذا قال سيدنا موسى (ع) كلمةَ التَّجريدِ الأعظمِ: (سبحانَكَ) ليُعلِّمَنا أنَّه لا يجوزُ مطلقًا أن نطلبَ معاينةَ الجوهرِ الهيولانيِّ كشفًا، وأن سيدَنا موسى (ع) قامَ بهذا على سبيلِ التعليمِ والتفهيمِ، وكذلك ليُعلِّمنا أنَّ إفرادَ الجوهرِ الهيولانيِّ هو التجريدُ عن الوجودِ الامتداديِّ، وهذا لا يَنفي الوجودَ كما زعمَ أهلُ الإنكارِ، لأنَّهم عُميانٌ لا يستطيعونَ إبصَارَ مقاماتِهِ لِجَهلِهم وَجُحُودِهِم، وبهذا يجادلونَ أهلَ الحقِّ كما جَادَلَ جنودُ الرُّومانِ سيدنا المسيحَ (ع) بقولهم له: (إذا كانَ لا يُعلَمُ أينَ إلَهُكَ فكيفَ خَلَقَنا؟ أَرِنَا إلَهَكَ نَكُنْ يَهُودًا)، فانطبقَ عليهم قولُ سيدنا المسيح (ع) للمُجادلينَ: (لو كانَ لَكُمْ عُيُونٌ لأرَيْتُكُمْ إيَّاهُ، ولكنْ لَمَّا كُنتُمْ عُميانًا فَلَسْتُ بِقَادرٍ على أنْ أُرِيَكُمْ إيَّاهُ).
واعلم أيُّها المؤمن أنَّ جميعَ ما تنطقُ بهِ الألسنُ يقعُ تحتَ الأحرفِ والإحصارِ، وأنَّ جوهرَ الحقِّ تعالَى أنْ يُحصَرَ أو يُحَدَّ، والنُّطقُ من جهةِ الأحرفِ لحاجَةِ المخلوقينَ إليه، تعالى اللهُ عن الخلقِ، فالتَّجريدُ نيَّةٌ في القلبِ، والعبادةُ لا تكونُ إلا لجوهرِ الحقِّ عزَّ وجلَّ، فجوهرُ الحقِّ يجلُّ عن الحروفِ والكلماتِ لأنَّها آلةُ النُّطقِ وإنَّ اللهَ غنيٌّ عن الآلاتِ.
============

فلسفة مظاهر مقام الجمع وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
أخي المؤمن.. هداكَ اللهُ إلى صراطِ الوحدةِ بِهُدَاهُ، وأرشدَكَ إلى سبيلِ الإخلاصِ بتجريدِ جوهرِ الوحدةِ عن سِمَاتِ وحدودِ مقامِ الجَمعِ.
اعلم أنَّ الحقَّ الجوهريَّ صاحبَ القوَّةِ الإلهيَّةِ تكرَّمَ على العقولِ الكليَّةِ والجواهرِ العقليَّةِ بوجودِهِ، وأبدى المقاماتِ الكليَّةَ، وجمعَ فيها أسرارَ الوجودِ وقوَّتَه، وأنَّ السِّماتِ المتكثِّرَةَ التي أبداها للعالمِ العقليِّ والعالمِ الحسيِّ لم يُبدِها بشكلٍ ثابتٍ عليه، بل أبدى آياتٍ وسماتٍ كثيرةً منها المُتَمِّمُ لبعضِهِ ومنها المُكمِّلُ لبعضِهِ ومنها المُتضادُّ مع بعضِهِ ليدلَّ على كمالِهِ وجلالِهِ وانفرادِهِ، فمثلًا أبدى في مقامِ الجمعِ الأوليَّةَ والآخريَّةَ، والأزليَّةَ والأبديَّةَ، والقوةَ واللطفَ، والرَّفعَ والخفضَ، وهذا ما نسمِّيه (الكمال الصفاتي) وهو الجمعُ بين الضدَّين، وهذه السِّماتُ المتضادَّةُ حالةٌ وجوديَّةٌ صفاتيَّةٌ أبداها وجودًا وعيانًا، فكما أنَّ السِّماتِ الثبوتيَّةَ الإيجابيَّةَ متعدِّدةٌ متكثِّرةٌ فالسِّماتُ السَّلبيَّةُ متعدِّدةٌ متكثِّرةٌ أيضًا.
أمَّا جوهرُ الوحدةِ لا شبيهَ له ولا ضِدَّ فهو يجلُّ عن السِّمتَين والحدَّين والحالَين، فالآخريَّةُ تنفي الأوليَّةَ، وقد أشارَ إلى ذلك فيلسوفُ الفلاسفةِ إمامُنا أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام بقوله: (بِمُضَادَّتِهِ بينَ الأمورِ عُرِفَ أن لا ضِدَّ لَهُ)، فلا يجوزُ تجريدُ جوهرِ الوحدةِ عن السِّماتِ السَّلبية فقط وإثباتُ السِّماتِ الإيجابيَّةِ كحقيقةٍ لجوهرِ الوحدةِ لأنَّ الإخلاصَ في التَّوحيد يُوجِبُ نفيَ جميعِ السِّماتِ والحدودِ لقوله تعالى: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) لأنَّ الظُّلمَ أن تعتقدوا أنَّ الأوليَّة أعظمُ من الآخريَّةِ، وهذا محالٌ لأنَّ جميعها امتداداتٌ وجوديَّةٌ لا تفاضلَ بينها لقوله تعالى: (مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ)، فالحكمةُ تقضي التَّجريدَ كلَّ التجريدِ بدليل قول أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (إثباتُ بعضِ التَّشبيهِ يُوجِبُ الكلَّ، ولا يَستوجبُ كلَّ التَّوحيدِ ببعضِ النَّفي دونَ الكلِّ).
============

فلسفة المرآة وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ).
الحمدُ للهِ حَمدًا نبلغُ به رضاهُ، وننالُ بِرَّهُ وَلِقَاهُ وَنَستهدي منه رحمةً توصِلُنا إلى لُقياهُ، في جملةِ مَن أيَّدَهُ وَهَدَاهُ وقرَّبَهُ واصطفاهُ.
إنَّ ذكرَهُ تعالى للنَّظرِ تنبيهٌ للعبادِ على ضرورةِ معرفةِ مقاماتِهِ الكليَّةِ لأنَّها جوهرُ الإيمانِ لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)، فالمعاينةُ للحقِّ الجوهريِّ ومقاماتِهِ الكليَّةِ هي أوَّلُ الدينِ لقول مولانا أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أوَّلُ الدينِ معرفَتُهُ)، ومعرفتُهُ لا تتحقَّقُ إلا بوجودِهِ لأنَّ المعايِنَ لوجودِ الحركاتِ المكانيَّةِ كالنَّاظرِ إلى المرآةِ الوجوديَّةِ يرى نظيرَ هيئتِهِ فيها.
وإلى ذلك أشارَ فيلسوفُنا العظيمُ أرسطو: (إنَّ وجودَ الحقِّ كمثالِ المرآةِ، وإنَّ المكوَّناتِ ظهرَت فيها، ودارَ فيها الأمرانِ حقٌّ وخلقٌ من غيرِ أن يكونَ شيءٌ من الحقِّ في الخلقِ وبالعكسِ)، كما أنَّه ليسَ في المرآةِ الوجوديَّةِ شيءٌ من القوَّةِ الجزئيَّةِ، ولا شيءَ من القوَّةِ الجزئيَّةِ في المرآةِ الوجوديَّةِ.
فالجواهرُ العقليَّةُ والحسيَّةُ عند معاينتها المرآةَ الوجوديَّةَ تُعايِنُ نظيرَ سِمَاتِها وحدودِها فيها، ولو أمعنَّا الفكرَ قليلًا لأدركنا أنها ليست هيئةُ الجواهرِ العقليَّةِ ولا الجواهرِ الحسيَّةِ بالحقيقةِ، لأنَّ هيئتَهم لم تنتقلْ إلى المرآةِ الوجوديَّةِ، كما أنَّ المرآةَ الوجوديَّةَ لم يطرأ عليها تغييرٌ ولا تبديلٌ، وإنَّما انعكسَ على صفائِها سماتُ وحدودُ الجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ، وعندما سئل الإمام الصادق (ع) عن ذلك قيل له: هل اللهُ في الخلقِ أم الخلقُ في اللهِ؟ فأجاب: (أخبرني عن المرآةِ: هل أنتَ في المرآةِ أم المرآةُ فيك!؟).
فالحقَّ الحقَّ إنك لستَ في المرآةِ الوجوديَّةِ، ولا المرآةُ الوجوديَّةُ فيك، والشَّاهدُ إنَّما يعاينُ سماتِهِ وحدودَهُ لقوله تعالى: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ)، فالسِّماتُ والحدودُ الوجوديَّةُ تقعُ على الشُّهودِ، أي على الجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ، وليست من لوازمِ المرآةِ السَّاكنةِ، فالمرآةُ الوجوديَّةُ بحقيقتِها لا تتبدَّلُ ولا تتغيَّرُ، وإنَّما السِّماتُ والحدودُ الوجوديَّةُ تتبدَّلُ وتتنوَّعُ بحسبِ قدرِ الشاهدينَ المعاينينَ وجودَها، وكلَّما وقفَ أمامَ المرآةِ الوجوديَّةِ شاهدٌ مؤمنٌ ومُثبِتٌ لوجودِها بحضرةِ الجمعِ وقعَت عليها سِمةُ ذلكَ النوعِ لقوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، فكلُّ مَن يقفُ أمامَ المرآةِ الوجوديَّةِ يعاينُ حيثَهُ ونوعَهُ على قدرِهِ، ولذلك تُوصَفُ بصفاتٍ مختلفةٍ وحروفٍ متباينةٍ وأعدادٍ متنوعةٍ حسب الشاهدينَ ومقاماتِهم وأنواعِهم وأعدادِهم، حتى يتسامَى الشَّاهدُ إلى معرفةِ مقامِ الوحدةِ.
وهنا نطرح سؤالًا مهمًّا: هل تجريدُ المرآةِ الوجوديَّةِ من السِّماتِ والحدودِ المعايَنَةِ فيها يُحيلُها إلى عدمٍ؟
بكلِّ تأكيدٍ: لا، لأنَّ المرآةَ الوجوديَّةَ قائمةٌ بجوهرِها البسيطِ سواء انعكسَتْ عليها السِّماتُ أو لا، ولأنَّ السِّماتِ لا توجدُ في المرآةِ الوجوديَّةِ إلا بوجودِ الشَّاهدِ الواقفِ أمامها.
فالبعضُ جعلَ سماتِ المرآةِ الوجوديَّةِ حقيقةً لها وتورَّطَ في مهالكِ التشبيهِ، والبعضُ أرادَ أن يتخلَّصَ من وصمةِ التشبيهِ وعارِ التَّجسيمِ فوقعَ أسيرَ التعطيلِ بقولهِ: المرآةُ الوجوديَّةُ لا تعكسُ السِّماتِ أبدًا!!
أمَّا المؤمنون السَّالكونَ في طريقِ الحقِّ بصدقٍ، المؤمنون بمبدأ المماثَلةِ الوجوديَّةِ المعبَّرِ عنه بجمعِ الجمعِ، فقد أثبتوا وجودَ البسائطِ الوجوديَّةِ حقًّا وعيانًا وبيانًا بما عاينوهُ من انعكاسِ سِمَاتِهم وأنواعِهم وحيثياتِهم على مرآةِ الوجودِ، ثم ارتقَوا بإخلاصِهم إلى تجريدِها عن الجواهرِ والأعراضِ الوجوديَّةِ، وعن كلِّ سمةٍ وحدٍّ ونوعٍ، فكانوا أهلَ الإخلاصِ ممَّن خصَّهم اللهُ برحمتِهِ لقوله تعالى: (وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
============

فلسفة الحكم الداؤودي وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ). وقال سيدنا داوود: (اقضُوا بالعَدلِ يا أبناءَ النَّاسِ).
مِن المَأثُورِ عَن سَيِّدِنَا دَاؤُودَ (ع) في قضَايَا الحُكمِ والعَدْلِ أنَّهُ جاءَ إليهِ شخصان، وَطَلَبَا الحكمَ بالحقِّ فقالَ أحدُهما: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، فذاكَ يُريدُ أنْ يمتلِكَ النَّعجةَ ويَكفلَها كَما يكفلُ ما تحتَ يَديهِ، ولكن سيِّدَنا داؤود (ع) أجابَهُ فورًا: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، وكانت إجابَتُهُ مِن دونِ أنْ يسألَهُ عنِ البيِّنَةِ، وهذا على سبيل قياسِ الحَشويِّينَ والسَّفسطائيين حكمٌ ليسَ فيهِ عدلٌ، إذْ حَاولوا مِن خلالِهِ إثباتَ الغَلَطِ على نَبِيِّ الله، وحُجَّتُهُم في ذَلِكَ قولُه: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ)، ولَم يقرؤوا قولَهُ تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
هذهِ أيَّها الأخ المؤمنُ مُشكِلَةُ أهلِ السَّفسَطَةِ الذين يأخُذونَ بِظاهِرِ اللَّفظِ دونَ حقيقَتِهِ، وهؤلاء هُم الخُلطاءُ الذي يَبغونَ على بَعضِهم، فَلِلقصَّةُ أبعادُها الفلسفيَّةُ التي تَليقُ بِكتابٍ مُنْزَلٍ مِن لدُنِ اللهِ تعالى، وبنبيٍّ كانَ محورَها، فالشَّخصان مكرَّمان، ومِن هنا يمكننا أنْ نَنْطَلِقَ من فكرةِ أنَّ هذهِ القصَّةَ مَثَلٌ مَضروبٌ للتَّعليمِ والتَّفهيمِ، لقول الإمام الرضا (ع): (ليسَ في كتابِ اللهِ مأكولٌ ولا مَشروبٌ ولا مَلبوسٌ ولا مَركوبٌ، إنَّما هي أمثِلَةٌ)، ولها خلفيَّةٌ توحيديَّةٌ بَعُدَ إدرَاكُها عن أهلِ السَّفسَطَةِ، أعاذَنا اللهُ مِنْهُم أجمعين، فَمَا هي المعاني الفلسفيَّة التي تَخَفَّتْ وراءَ هذه القصَّةِ؟
إنَّ لأحدِهِما نَعجةٌ واحدةٌ، وللآخرِ تسعةٌ وتسعونَ. فالنَّعجةُ هي رمزٌ إلى جوهَرِ الوحدةِ البادي بِصِرَاطِ الوحدةِ، أمَّا النِّعاجُ التسعةُ والتِّسعونَ فهي مَثَلُ السِّماتِ والحدودِ العقليَّةِ التي يُبدِيها صِرَاطُ الوحدةِ بالمقاماتِ الكليَّةِ وفقَ مبدٲ جَمْعِ الجَمْعِ عندَ مُمَاثَلَةِ الحقِّ الجوهريِّ للجوهَرِ الأوَّلِ، لأنَّ النِّعاجَ التِّسعةُ والتِّسعون هي مَثَلُ الأسماءِ الحُسنى التي تَسمَّى بها الحقُّ الجوهريُّ لُطفًا وإيناسًا للجواهرِ العقليَّةِ، وإنها- أي السِّماتُ والحدودُ العقليَّةُ- حقيقةٌ للجوهرِ العقليِّ، وإنَّ جوهرَ الوحدةِ أسمَى وأجَلُّ.
وقد ظهرَ منَ الطَّلبِ أنّهُ يريدُ أنْ يكفلَ النَّعجةَ ويضُمَّها إلى نِعاجِهِ، وهذا مثالٌ على مَن يريدُ أنْ يجعلَ السِّماتِ والحدودَ العقليَّةَ المُتَكثِّرةَ جوهرًا لصراطِ الوحدةِ، ليكونَ بذلك قد ساوى بين الحقِّ الجوهريِّ والجوهرِ العقليِّ، ولهذا كانَ جوابُ سيدنا داؤودَ (‘): (لَقَد ظَلَمكَ بسؤالِ نَعجتِكَ إلى نِعاجِهِ).
وهذا تعليمٌ وتنبيهٌ على ضرورةِ رَفضِ الظُّلمِ الذي هو الشِّركُ والسَّفسطةُ لقول الله عزَّ وجلَّ: (إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيْمٌ)، وقولِ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (أشهدُ أنَّ مَن سَاواكَ بشيءٍ من خَلقِكَ فقد عَدَلَ بِكَ، والعادلُ بِكَ كافِرٌ)، فالظُّلمُ هو مَن زَعَمَ أنَّ الحقَّ الجوهريَّ يَعتريهِ شيءٌ من الأعراضِ المُحدَثَةِ والأصولِ المَخلوقَةِ، والظَّالمُ هو واضعُ العبادةِ في غير مَوضِعِها، ولهذا قال له (لقد ظلمَكَ).
ثمَّ أتْبَعَ بقولِهِ تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، فالخُلطاءُ هم الذينَ يَخلطونَ بينَ المَثَلِ والمَمثول، وهؤلاء يَتخبَّطونَ في الأوهامِ فَيَبغونَ على بَعضِهم، وَيَضيعونَ في متاهاتِ الشِّرك، وعقائِدُهُم زائلةٌ كما وردَ في الحديث: (دارُ الظالمِ خرابٌ ولو بعدَ حينٍ).
===============

فلسفة مؤانسة موسى وفق القانون الخصيبي

قال تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى، فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).
لقد خصَّ اللهُ تعالى ذوي الألبابِ بالعبرة، فقال في كتابه العزيز: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، وذوو الألبابِ هم أصحابُ العقولِ النَّيرةِ المتفتِّحةِ المستعدَّةِ لاستقبالِ اللَّطائفِ الإلهيَّةِ الفلسفيَّةِ، والتَّرفُّعِ عن المحسوساتِ الدُّنيوية، فما هوَ المُرادُ من هذه القَصَص؟ وما هي العبرةُ منها في هذا الزَّمنِ؟ أليست لِنَعرفَ كيفَ نَعبدُ الحقَّ الجوهريَّ حَقَّ عِبَادَتِهِ ولا نُشرِكَ به شيئًا.
إنَّ مِن قصصِ القرآنِ التي حَمَلَتْ كثيرًا من المعاني الفلسفيَّةِ الايمانيَّةِ قصَّةُ سيِّدنا موسى كليم الله (ع)، ومَقصَدُنا هنا هو المبادئُ والحِكَمُ الفلسفيَّةُ التي أظهرَها خلال حديثِهِ وقصَّتِهِ، فما هي أبعادُها الفلسفيَّةُ والإيمانيَّةُ؟
سنذكرُ منها ما تيسَّرَ إن شاءَ اللهُ من خلالِ بعضِ الآياتِ التي وردَتْ في هذهِ القصَّةِ، إذ قال تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)، فقد تمَّت مشاهدةُ مقامِ المُؤانَسَةِ ثم تمَّ الإيناسُ بوجودِ الوجوبِ، حيثُ قالَ لأهلِهِ: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا)، لأنَّ الإيناسَ يَدلُّ على الأمنِ والطمأنينةِ، فالاطمئنانُ مقترنٌ بالمؤانسَةِ، والحقُّ الجوهريُّ يُعَرِّفُ عالَمَي العقلِ والحسِّ وجودَ الوجوبِ ليأنَسُوا بمعرفةِ مقامِ القوَّةِ الواحدةِ، وَيَطمَئِنُّوا في عبادةِ جوهرِ مقامِ المؤانَسَةِ، وَمِن هنا كانَ اسمُ الإنسانِ إنسانًا لأنَّهُ أَنِسَ بمعرفةِ البسائطِ الوجوديَّةِ من مقامِ المؤانَسَةِ في عالَمَي الحسِّ والعقلِ.
لكنَّ البعضَ في هذه الأيامِ يدَّعي أنَّه يطمئنُّ بدونِ مؤانسَةٍ، فهل يزعمونَ أنَّهم سَبَقوا سيدنا موسى (ع) بطاعتِهِم ومعرفتِهِم أم أنهم شَهِدُوا شهادةَ زورٍ؟
إنَّ الحقَّ هو اتِّباعُ الشَّيءِ المتحرِّكِ والتَّسليمُ بما يُرشِدُنا إليه، فالمؤانسَةُ والمعايَنَةُ لمقامِ القوَّةِ الواحدةِ تنقسم إلى قسمين: حِسِّيٌّ من خلالِ السِّماتِ التي اتصفَ بها، وعقليٌّ من خلالِ الحدودِ التي أبدَاها، وقد وردَ أنَّ أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام سُئِلَ: هل رأيتَ ربَّكَ حينَ عبدتَهُ؟ فقال: (ويلكَ، لا أعبدُ رَبًّا لا أراهُ).
ثمَّ أمرَ سيدنا موسى (ع) قومَهُ أن يجلسوا مكانَهم حتى يأتيَهم بِقَبَسٍ أو يَجِدَ على النَّارِ هُدًى، لأنَّه لا يستطيعُ أن يأتيَ بالنَّارِ كلِّها إليهم، لأنَّ القوَّةَ الجزئيَّةَ تُعاينُ مالا يَستطيعُ مَن هُوَ دونُها أن يَحتَمِلَهُ، لكنَّه يأتي بِقَبَسٍ، والقَبَسُ هو حَدُّ استطاعةِ الأجرامِ والأفلاكِ العقليَّةِ والحسيَّةِ لمعرفةِ مقامِ القوَّةِ الواحدةِ وَمُعاينَتِها له، وأمَّا الهُدَى فهو السَّبيلُ الذي دَلَّنا إليه الشَّيءُ المتحرِّكُ لمعرفةِ تجريدِ جوهرِ مَقامِ المؤانَسَةِ لقوله تعالى: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)، فلمَّا جَدَّ السَّيرَ بقوَّتِهِ الجزئيَّةِ إلى مَقامِ المؤانَسَةِ شهادةً وَمُعايَنَةً وحقًّا وَيَقينًا، خَاطَبَهُ عزَّ وجلَّ: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى، إِنَّنِي أَنَا الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)، فالنَّعلانِ المرادُ خلعُهُما هما رَمزٌ إلى التَّجريدِ والإخلاصِ عند الدُّخولِ إلى الوادي المقدَّسِ طُوًى، والذي يشيرُ إلى رَوضَةِ الرُّوحِ المقدَّسَةِ، ولكنَّهما اثنانِ للدَّلالةِ على أنَّ مَبلَغَ الفلسفةِ يكمنُ في تَعظيمِ الحقِّ الجوهريِّ ووجودِهِ الوجوبيِّ في عالَمَي العقلِ والحسِّ، وعدمِ تَشبيهِهِ بالجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ، وإنْ تَلَطَّفَ بِمُمَاثَلَتِهِم، لقولِ الإمام الرضا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فهو مُشرِكٌ، ومَن نسَبَ إليه ما نهى عنه فهو كافرٌ).
وتمَّ اختيارُ موسى، وقال تعالى له: (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) لأنَّ الوحيَ أتاهُ من خلالِ الوجودِ الوجوبيِّ المتمثِّلِ هنا بالنَّارِ، فلابدَّ من واسطةٍ يختارُها اللهُ للكلامِ مع الجوهرِ العقليِّ ومع الجواهرِ العقليَّةِ والحسيَّةِ لأنَّه لا كلامَ إلا مِن مقامِ المؤانَسَةِ، فماذا كانَ الوحي؟
قال: (إِنَّنِي أَنَا الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) ولم يقل: (إِنَّنِي الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا)، لأنَّ لفظَ (أنا) يَدُلُّ على الحقيقةِ المقدَّسَةِ التي لا يَعلمُ ما هي إلا الحقُّ الجوهريُّ، وأمَّا لفظُ الجلالةِ (الله) فهو اسمٌ للتَّعريفِ عنها وجوديًّا عند بُدُوِّ مَقَامِ المؤانَسَةِ، فقال: (أنا) للتَّفريدِ، (الله) للتَّعريفِ، (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) للتَّوحيدِ، (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) لأنَّ سيدنا موسى (ع) المختارَ للنُّبوَّةِ والرِّسالةِ أُمِرَ بعبادةِ الحقِّ الجوهريِّ سبحانَهُ وتعالى، ولكنَّهُ أُمرَ بإقامةِ الصَّلاةِ لِذِكْرِ اللهِ، فالصَّلاةُ هي الصِّلَةُ الوجوديَّةُ، لذلك كانت إقامةُ الصَّلاةِ لذكرِ اللهِ لقوله تعالى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى)، أمَّا العبادةُ فخالصةٌ للجوهرِ البسيطِ لقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ).
اقتربَ سيدنا موسى (ع) من النَّارِ وقال تعالى: (فلمَّا جاءَها نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فقوله: (بُورِكَ مَن فِي النَّارِ) لإجلالِ وتعظيمِ الجوهرِ البسيطِ عن الأعراضِ والأشياءِ، وقال: (وَمَنْ حَوْلَهَا) لإثباتِ الوجودِ الوجوبيِّ ونفي التَّعطيلِ، وغايةُ الفلسفةِ التَّوحيديَّةِ في الإثباتِ والتَّجريدِ هي قولُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
فمَن يَتَّبعُ كلمةَ الحقِّ لا تأخذُهُ في اللهِ لومةُ لائمٍ، وفيه يقولُ الإمام الصَّادقُ (ع): (مِن صِحَّةِ يقينِ المرءِ المؤمنِ أن لا يُرضِي الناسَ بسخطِ اللهِ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 1:12 am

الفصل الرابع
العرفان العلوي الخصيبي
===========

معاني العرفان الخصيبي

إنَّ الوقوفَ أمامَ شخصيَّةٍ كشخصيَّةِ سيدنا الخصيبي (ع) من جهةِ القراءةِ أو الكتابةِ والبحثِ تُطِلُّ بنا على مساحةٍ واسعةٍ ومتكاملةٍ من حيث التَّنسيقُ والشُّموليَّةُ المُبدِعَةُ في الفكرِ الذي خَلَّفَهُ. ولذلك فإنَّ الأثرَ الذي تركَهُ سيدُنا الخصيبي (ع) كان عبارةً عن رؤيةٍ متكاملةٍ وشاملةٍ لنظرةٍ أطلَّتْ على هذا الكونِ الرَّحبِ، وانبعثَتْ من فيضِ الرسالةِ الإلهيَّةِ التي تَجسَّدَتْ من خلال البعثةِ النبويَّةِ الشَّريفةِ. وهنا تجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ رؤيةَ القانونِ الخصيبيِّ لهذا الوجودِ والحياةِ والإنسانِ كانت تهدفُ إلى فهمِ البرامجِ والخطوطِ التي تؤدِّي بالإنسانِ إلى تحقيقِ الغايةِ من هذا الوجودِ، وهو ما يمكنُ أن نسمِّيهِ (العرفانُ الخصيبيُّ).
فالعرفانُ الخصيبيُّ أثرى وأغنى من أيِّ قانونٍ يمكن أن يعرِفَهُ البشرُ، وقد بقيَ العرفانُ الخصيبيُّ مفتوحَ الأبوابِ أمامَ مستحقِّيهِ بكافةِ أنواعِ الأسئلةِ والإشكالاتِ، وحتى الافتراضيَّةِ منها، أو تلك التي يبدو أنَّها مستحيلةٌ عند الآخرين، ليُجيبَ عنها ويضعَ النقاطَ على الحروفِ ويقولَ كلمتَهُ الفصلَ التي هي كلمةُ الحقِّ العلويِّ.
وإذا كان المتعصِّبونَ ينكرونَ على فرقتِنا العلويَّةِ النصيريَّةِ الخصيبيَّةِ عرفانَها ومَرجعيَّتَها وتعاليمَها، مستشهدينَ بأهوائِهم الموهومةِ، فلن يستطيعُوا فَصلَ عرفانِ سيدنا الخصيبـي (ع) وسيدنا أبو شعيب (ع) عن عرفانِ الأئمَّةِ (ع).
فأينَ هم مِن العرفانِ الخصـيبيِّ الذي يعودُ بمعانيهِ ليوافقَ ما جاءَ عن الأئمَّـةِ الأطهارِ المعصومين (ع)؟
إنَّ سيدنا الخصيبي (ع) حاملَ عقيدةِ الولاءِ هو المفكِّرُ الكبيرُ والمعصومُ الخبيرُ والمعلِّمُ الرُّوحيُّ والفيلسوفُ الإلهيُّ، الذي أوضحَ نهجَ البيانِ العلويِّ، وأبانَ الحقَّ بالدَّليلِ والبرهان، فيما يتعلَّقُ بالنَّهجِ المُصانِ.
والعرفانُ الخصيبيُّ هو المنهاجُ الإلهيُّ الـذي لا ينمحي ولا يتلاشى، وهو سيبقى إلى أبدِ الآبدينَ حجَّةً ناطقةً لهذا الدِّينِ السماويِّ، لأنَّ العرفانَ الخصيبـيَّ هو العرفانُ السَّماويُّ الذي لا يُقارَنُ بغيرِهِ، لأنَّ العرفانَ السَّماويَّ لا يُقارَنُ بالعرفانِ البشريِّ.
فالعرفانُ الخصيبيُّ يجمعُ الشَّريعةَ والطريقةَ والحقيقةَ، وهذا خيرُ برهانٍ للدَّلالةِ على النَّهجِ الحقِّ الذي صَقَلَ العقولَ والأفهامَ، وطهَّرَ من تلوُّثِ الأوهامِ. فسيدُنا الخصيبيُّ (ع) نَهَلَ من علومِ الأئمَّةِ (ع) التَّوحيدَ الخالصَ، وســــوفَ أُثبِتُ ذلكَ عن طريقِ قيامِ الدَّليلِ على نهجِ السَّـــبيلِ من خلالِ ما سأطرَحُهُ من أقوال سيدنا الخصيبيِّ (ع)، وما يوافِقها في المعنى من أقوالِ الأئمَّةِ (ع)، وما هذه الأقوالُ العرفانيةُ وما سَيَرِدُ إلا أمثلةٌ على سبيلِ المثالِ لا الحصر.
إنَّ العرفانَ من حيث ذاتُهُ لا حدودَ له، وتندرجُ تحتَ إسميَّتِهِ كافَّةُ فروعِ العلومِ، ما اكتُشِفَ منها وما لم يُكتَشَف، فكيفَ يمكنُ تعريفُ ما لم يُكتشَف؟! ولكلِّ فرعٍ من العلومِ مؤيدونَ يحبِّذونَهُ، وليس في نظرِ أهلِ الحقِّ ما هو أرقى من علمِ التوحيدِ، لأنه رسالةٌ سماويَّةٌ ترتاحُ إليها النَّفسُ وتتغذَّى بها الرُّوحُ، وتجدُ فيها ضمانةَ النجاةِ من هذه الدارِ الفانيةِ إلى دارِ الخلودِ.
وقد جاء في الأثرِ أنَّ أشرفَ العرفانِ وأعلاهُ مرتبةً هو العرفانُ الأول، وهو علمُ الحقِّ الأوَّلِ، وهذا يعني أنَّ العرفانَ قديمٌ قِدَمَ الخَلقِ لقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) والذي شرَحَهُ الإمامُ الصَّادقُ (ع) بقوله: (إنَّ العزيزَ الحكيمَ لمَّا خَلَقَ الخَلْقَ دَعَاهُم إلى وَحدانيَّتِهِ)، وهذا يدلُّ على أنَّ العرفانَ قديمٌ، وليس أمرًا عابرًا أو طارئًا، لقول الإمامِ الصادقِ (ع): (ليس العلمُ بالتَّعلمِ، وإنما هو نورٌ يقعُ في نَفْسِ مَن يريدُ الله تعالى أن يهديهِ)، لأنَّ العرفانَ سرٌّ لكنَّهُ غير معدومٍ، فَمَا مِن موجودٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، إلا ويُرَدُّ إلى الدَّعوةِ والنِّداءِ والشهادةِ للحقِّ، لقوله تعالى: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا)، وذلكَ عدلاً وإنصافًا (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)، فالمؤمنُ بها ينجو، والكافرُ فيها جثيًّا لا يَزولُ منها، وَيَبقى الوجودُ كما قال أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (حقٌّ وباطلٌ ولكلٍّ أهلٌ).
أمَّا مَن أضـلَّهُ هواهُ عن طريقِ الحقِّ فقد انحـرفَ ليتبعَ طريقَ الباطلِ حيث وردَ عن الإمام الباقر (ع): (فمَن يُردِ اللهُ به خيرًا أرشدَه إليه، ومَن لم يُردْ به خيرًا أكبَّهُ عن معرفتِهِ).
وَوَرَدَ في الأثرِ عن سيدنا المفضَّلِ بن عمر (ع) عن سيدنا جابر الجعفي (ع) أنه قال: سألت مولاي الباقر (ع) عن معرفةِ اللهِ، فَتغرغرَتْ عيناهُ بالدُّموعِ ثم قال: (هذا أمرٌ صَعبٌ مُستَصْعَبٌ وسِرٌّ مُسْتَسِرٌّ مُقنَّعٌ بالدُّرِّ لا يَحمِلُه إلاَّ مَلكٌ مُقرَّبٌ أو نَبيٌّ مُرسَلٌ).
وبذلك انقسمَ النَّاسُ في عرفانِ اللهِ تعالى إلى أقسامٍ، ولم تتجاوزْ إشاراتُهم حَدَّ عَجزِهم عن إدراكِ كمالِ العرفانِ والإحاطةِ مِن عِلمِهِ إلا بمَا شَاءَ، فلذلك امتنعَ تَساويهم في النَّظرِ إلى عرفانِ جهةِ الحقِّ، واللهُ عزَّ وجلَّ لا يعطي عِرفانَهُ إلا لِعَاقلٍ، ولا يُعبَدُ اللهُ إلا بالعَقلِ، قال تعالى: (ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ، لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ).
وبالتَّمعُّنِ في معنى قول الإمام الصادق (ع): (ما للهِ سِرٌّ إلاَّ وهوَ على ألسنِ خلقِهِ ولا له حِرْزٌ أكثرَ مِن جَهلِهِم بِهِ)، يَتَبَيَّنْ بأدنى تَأمُّلٍ أنَّ كلَّ عرفانٍ في العالمِ يَعترفُ بوجودِ الخالقِ، فالفِرَقُ الظَّاهريَّةُ على تَعدُّدِها تُقِرُّ جميعها بالشَّهادةِ، وإقرارُها هذا هو اعترافٌ بالخالقِ، وإنَّما الخلافُ بينهم وبين فرقتِنا العلويَّةِ النصيريَّةِ الخصيبيَّةِ هو في معنى هذهِ الشَّهادةِ.
وقد بَيَّنَ ســيدنا الخصيبي (ع) عجزَ الخَلْقِ عن حقيقةِ المشهودِ مُســتندًا لقولِ سيدنا أبي شعيب محمد بن نصير (ع): (كَذَبَ مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ في شيءٍ أو مِن شيءٍ أو على شيءٍ... فَمَن زَعَمَ أنَّه في شيءٍ فقد زَعَمَ أنَّه محصورٌ، ومَن زعمَ أنَّه مِن شيءٍ فقد زعمَ أنَّه مُحْدَثٌ، وَمَن زعمَ أنَّه على شيءٍ فقد زعمَ أنَّه محمولٌ)، فهو الذي لا يحوي شيئًا ولا يَحويهِ شَيءٌ، ولم يبدأ مِن شيءٍ لأنَّهُ قبلَ الأشياءِ، وبذلك كانَ منفردًا قبلَ الخَلْقِ ثم أوجدَ الخَلْقَ، وقد قال الإمام الصَّادق (ع): (ثلاثةٌ في الرُّبوبيَّةِ العظمى والألوهيَّةِ الكبرى: لا يُكَوِّنُ الشَّيءَ مِن لا شيءَ إلا اللهُ، ولا يَنْقُلُ الشَّيءَ من العدمِ إلى الوجودِ إلا اللهُ، ولا يُغَيِّرُ الشَّيءَ مِن هيئةٍ إلى أخرى إلا اللهُ).
فاللهُ أحدٌ فردٌ لا يُعرَفُ بغيرِهِ، وَخَلقُهُ يَعرفونَهُ بهِ، واللهُ لا يَقَعُ تحتَ الحَدِّ، تعالى أن يُحَدَّ سبحانَهُ، وعندما نقول عن اللهِ: (لا في شيءٍ ولا مِن شيءٍ) فنحنُ نُخرِجُهُ عن الحَدَّينِ: حَدِّ التَّعطيلِ وَحَدِّ التَّشبيهِ، لأنَّ اللهَ خلقَ المشيئةَ بنفسِها لا بغَيرِها، ثم خَلَقَ بتلكَ المشيئةِ الأشياءَ، سبحانَهُ وتعالى عما يُشرِكُون.

عِرفَانُ التَّجَلِّي:
إنَّ أهلَ السُّنَّةِ والشِّيعةِ تخبَّطوا في موضوعِ التَّجلياتِ الإلهيَّةِ، فكانَ لِسَادَتِهم الذين خالَفوا سيدنا الخصيبي (ع) أقوالٌ في الحلولِ والاتِّحادِ، وكُلُّهُ مدفوعٌ توحيديًّا، إذ ليسَ للعرفانِ الخصيبيِّ أيَّةُ صِلَةٍ بالنَّظريَّاتِ الحلوليَّةِ والمُشرِكَةِ، وَشَتَّانَ ما بينَ عِبَادَتِنا الحقَّ وعِبَادَتِهم القائمةِ على الاتِّحادِ والحلولِ. وقد أَولى سيدُنا الخصيبي (ع) موضوع الهيولى المعايَنَةِ عنايةً فائقةً، وتناولَ ما يَتعلَّقُ بها بالكشفِ والبيانِ لِيَحفَظَنا من مخاطرِ الانزلاقِ، ولكي يَضَعَهُم على الجَادَّةِ الواضحةِ والصِّراطِ المُستقيمِ.
فالهيولى المعايَنَةُ هي التَّجلي المَنظورُ للجِنسِ كالجنسِ عِيَانًا وَبَيانًا، وهي التي لم تتغيَّرْ في قديمِ الدُّهورِ، ولا فيما يَحدُثُ من الزَّمانِ، وتلكَ الهيولى فاعلةُ المفعولاتِ، وأسُّ الحَرَكاتِ.
فالحقُّ تجلَّى كالجنسِ وهو مُجنِّسُ الأجناسِ، جَلَّ أن تُدرِكَهُ الأبصارُ أو تُحيطَ به غوامضُ الأفكارِ، أو تُمَثِّلَ قِدَمَ جلالِ رُبوبيَّتِهِ الظُّنونُ، فهو في جوهرِهِ لا يُعرَفُ بالاستدلالِ، ولا لقائلٍ فيه مَقالٌ، ممنوعُ الإحاطةِ والحَصرِ، ولو أحاطَ البصرُ بكَمَالِهِ لَوَجَبَ أن يكونَ البصرُ وعاءً لجوهرِهِ لدخولِ كمالِهِ في حدِّ البصرِ.
فالأقوالُ والأفعالُ والإشاراتُ والدَّلالاتُ والتَّفاسيرُ والأجوبةُ والأمثلةُ في كتبِ أهلِ التِّوحيدِ وأشعارِهم وَدَواوينِهم تدلُّ كلُّها في التَّأويلِ على الحالَينِ وَزنًا بِوَزنٍ لا يزيدُ ولا يَنقصُ، فَكُلُّ مَن أتى بجوابٍ يَدلُّ على وجودِ الهيولى الأولى دون أن يَدُلَّ على وجودِ الهيولى الآخرةِ يكونُ تأويلُهُ مُحَرَّفًا عن ميزانِ الحقِّ. فالهيولى الأولى على صفةِ الملائكةِ، والهيولى الآخرة على صفةِ الآدميِّين.

دَلائلُ عِرفَانِ التَّجَلِّي الخَصيبيِّ:
مِن صفاتِ الحكيمِ الإقرارُ بالوجودِ وتنزيهُ ذاتِ المعبودِ، لأنَّ الزَّمانَ كلَّهُ لَهُ، فَكَما تَجَلَّى في أوَّلِ الخَلْقِ كذلك يَتجلَّى في آخرِهم، وكذلكَ في أوسطِهم، فلا يُكذَّبُ وجودُهُ، فَكَما عَدَلَ على أوَّلِ خَلقِهِ فإنَّهُ يَعدلُ على آخرِهم، وعلى أوسطِهم، وكما عَدَلَ على الملائكةِ فإنَّه يَعدلُ على الآدميِّين، ولا يكونُ وجودُهُ مُقيَّدًا ولا مَحصورًا بِحَالٍ، وإنَّ الحقَّ ليس بهَيولى ولا عِلَّةٍ تُشاكِلُ أهلَ العقلِ ولا الحسِّ، وإنَّ تجليَّاتِهِ مختلفةٌ في الوجودِ، مُتَّفِقَةٌ بالجوهرِ.
لكن لو لم يَتَجَلَّ بالهيولى المعايَنَةِ لم يَثبُتْ وجودُهُ ولا صَحَّ عِيَانُهُ ولا تَيَقُّنُه، فالهيولى معايَنَةٌ لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، إلاَّ أنَّ الإدراكَ هنا ليسَ إدراكَ إحاطةٍ، وإنَّما هو إدراكُ العيانِ والوجودِ، فقولُهُ: (يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، أي: يُعايِنُ أبصارَ الخَلقِ جَميعًا بغيرِ فَوَاتِ شَيءٍ مِنها، ولا يَغربُ عليه كونُها، لأنَّهُ مُكَوِّنُها وَمُكَوِّنُ كيانَها، وَمُكَوِّنُ المكانِ لها، فلا تُدْرِكُهُ أبصارُهُم إلاَّ بِقَدْرِ ما استحقُّوهُ من العِيَانِ، ولا يَتَساوى اثنانِ في النَّظرِ إليهِ.
ومَن قالَ: إنَّ الحقَّ له هَيولى، ويُرَى وَيُوصَفُ ويُعرَفُ، لم يُخطِئ في قولِهِ إذا كانَ عَارِفًا بالتَّنزيهِ، هذا تعبيرٌ يَرتَفِعُ عن مستوى مَن يَجهَلونَ التَّنزيهَ ولا يَعلمونَ إلا مَا أَرَتْهُمْ أَعيُنُهم من المعاينةِ.
وهناك أدلَّةٌ كثيرةٌ على الهيولى المعايَنَةِ كقولِهِ تعالى: (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رأَى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى مَا يَرى، ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخرى، عِنْدَ سِدرَةِ المُنتَهَى، عِندَها جَنَّةُ المأوَى، إذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغشَى، مَا زَاغَ البَصَرُ ومَا طَغَى)، فَذِكرُهُ للبَصَرِ يُبطِلُ القولَ أنَّهُ عايَنَهُ بِقَلبِهِ، لأنَّهُ تعالى تَجلَّى كي يُعرَفُ، فَمَن زَعَمَ أنَّهُ يَعرِفُ اللهَ بغيرِ مُعايَنةٍ فقد ضَلَّ وَكَفَرَ.
وكانت الحكمةُ الإلهيَّةُ في إيجادِ الخَلْقِ للعرفانِ- لا عن حَاجَةٍ منهُ في إيجادِهِم ولا عن عَبَثٍ، وقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)؛ أي: لِيَعرِفُوني، وهذا يعني وُجوبَ طلبِ عِرفانِهِ تعالى، ولكنْ كما تَقَدَّمَ: إنَّه عَزَّ وَجَلَّ فوقَ المَدَارِكِ، فَكُلُّ ما تَوَهَّمتَ وَخَطَرَ في بَالِكَ شيءٌ فالأزلُ أعلى منهُ، ولا فيهِ للقائلِ مَقَالٌ، فكيف يمكنُ التَّوفيقُ بين الأمرِ بِعِرفانِهِ تعالى وبينَ كَونِهِ فوقَ المَدَارِكِ. إنَّ الجوابَ ليس من الغموضِ في شَيءٍ لأنَّهُ عزَّ وجلَّ أزالَ بِتَجلِّيهِ هذا التَّساؤلِ وأمثالِهِ، ولم يَتَبَقَّ حُجَّةٌ لأحدٍ في عَدَمِ عرفانِ الهيولى المعايَنَةِ.
وَمِنَ البديهيَّاتِ أنَّ اللهَ تعالى يَجِلُّ عن العَبَثِ ولذلكَ قال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، أي خَلَقَهُما لِغَايةٍ شَريفةٍ، لأنَّ سيدنا داوودَ النَّبيَّ (ع) سألَ رَبَّ العِزَّةِ فقال: يا رَبِّ لِمَ خَلَقْتَ الخَلْقَ؟ قال: (كُنتُ كَنزًا مَخفيًّا فأحبَبْتُ أن أُعرَفَ، فَخَلَقْتُ خَلقًا وَتَعَرَّفْتُ إليهم، فَبِي عَرَفُونِي)، والحكمةُ الإلهيَّةُ في إيجادِ الخَلْقِ للعرفانِ، لا عن حَاجةٍ منه في إيجادِهم، ولا عن عَبَثٍ، لأنَّه تعالى بِذَاتِهِ غَنيٌّ عن عِلَلِ مَخلوقاتِهِ، وهو مُنَزَّهٌ عن العَبَثِ. وإنَّ الحكمةَ في الإيجادِ إنَّما لِمَا ذكرناهُ من وُجُوبِ عِرفانِهم لِبَاريهم لِنَجاتِهم وَفَوزِهم.
وَمِن وجهٍ آخرَ: إنَّ الفاعلَ لابدَّ له من فِعلٍ وإلا لم يُسَمَّ فَاعِلاً، وتقتضي الحكمةُ أن يَشملَ الفاعلُ فِعلَهُ برعايتِهِ، وَمِن هذهِ الرِّعايةِ تَجَلِّيهِ لِيَعرفوهُ لأنَّ المَدَارِكَ البشريَّةَ تَظَلُّ أكثرَ قناعةً بالحِسِّيَّاتِ حتى ولو كانت الأدلَّةُ العقليَّةُ كافيةً لدى البالغين.
فالتَّجلي هو ضرورةٌ للخَلْقِ لا للخالقِ بسبب افتقارِهِم واستغنائِهِ، وهو قريبٌ من المؤمنينَ العارفينَ غايةَ القُربِ، بعيدٌ عن الشَّاكينَ المُلحدينَ غايةَ البُعدِ، غَنيٌّ عن الجميعِ كما قال أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (خَلَقَ الخَلْقَ غَنِيًّا عن طاعَتِهم، لأنه لا تَنفعُهُ طاعةُ مَن أطاعَهُ، ولا تَضُرُّهُ معصيةُ مَن عَصَاهُ، لكنَّهُ لِرَأفَتِهِ وَرَحمَتِهِ وَكَرَمِهِ لم يَدَعْهم مُهْمَلين، بل شاءَ أن يُعَرِّفَهم ويُؤَانِسَهم بنفسِهِ، فقامَ بينهم بِهَيولى كَهَيئَتِهم وَخَاطَبَهُم مُشَافَهَةً لِيَفهَموا عنهُ).
وإنَّما تَجَلِّيهِ لإثباتِ الحُجَّةِ على الخَلقِ لكي لا يَقولوا دَعَانا إلى ما لا نَرَاهُ، وَتَجَلَّى لنا بما لا نَعرِفُهُ، فالحقُّ لا يُعرَفُ ولا يُوصَفُ إلا ظاهرُهُ، وجميعُ أهلِ عالَمَي العقلِ والحسِّ لا يشاهدونَ إلا المعايَنَ.
ورغمَ وضوحِ الأقوالِ فإنَّ الاستجابةَ غيرُ عامَّةٍ لأنَّ عنصرَ الكدورةِ داخلٌ في المزاجِ، فقد وردَ عن سيدنا المفضل (ع) أنه قال: سِرْتُ مع مولايَ الصَّادق (ع) في طرقاتِ المدينة فإذا بِرَجُلٍ قد بَسَطَ كفَّهُ إلى السَّماءِ وهو يَدعو، فقال مولاي: (يا مُفضَّلُ، ألا تَرَى هذا البائِسَ يَعبُدُ الهواءَ)، فهو لم يَعرِفْهُ لِكُفرِهِ وَشَيطَنَتِهِ.
فَعَالمُ المَلكوتِ يُعاينونَ الهَيولى الأولى بِحَسَبِ مَنَازِلِهم واستطاعَتِهم الجوهريَّةِ بِتَمكينِهِ لهم. ولمَّا ثَبَتَ وُجودُهم في هَيولاهم في السَّماءِ ثَبَتَ وجودُ الحقِّ لهم في هَيولى كَهَيولاهُم يَرَاها أهلُ سَمَواتِهِ وأرضِهِ، يَعرِفُها العارفونَ ويُنكِرُها الجاحدونَ، لقوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء)؛ وهي هَيولى الحقِّ.
أمَّا أهلُ الإقرارِ والتَّوحيدِ فَهُم على درجاتٍ في إقرارِهم وتوحيدِهم، إذ لا يتساوى اثنانِ في مَنزلةٍ واحدةٍ لقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، فَمُحَالٌ أن يَعبدُوهُ قبلَ عِرفانِهِ، ولكنَّ حقيقةَ ودرجةَ معرفتِهِ تتفاوتُ حسبَ تَفَاوتِ درجةِ العِرفانِ، حيث قيل: لَمَّا كانَ العِلْمُ باللهِ يَتفاضَلُ كانتِ المُعَايَنَةُ له تَتَفاضَلُ، وعلى قَدْرِ التَّمكُّنِ تَتَعَيَّنُ درجةُ المُتَمَكِّنِ فَتَتَسَهَّلُ له المُعَايَنَةُ الحقيقيَّةُ حسب استحقاقِهِ، كقوله تعالى: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا)؛ فالنَّارُ التي آنَسَها موسى ليلاً هي هَيُولى الحقِّ.
فإشاراتُ سادَتِنا قدَّسهم اللهُ في مؤلَّفاتِهم وإيماءاتِهم الصَّحيحةِ وتلميحاتِهم الصَّريحةِ تَدُلُّ على الهيولى السَّماويَّةِ، وبأسلوبٍ واضحٍ لا يَخفَى إلاَّ على مَن لم تُكتَبْ له الهدايةُ، وهم مُستَنِدُون في ذلكَ إلى وجودُ نَصٍّ صَريحٍ يتضمَّنُ حُجَّةً قاطعةً لا تَقبَلُ الجَدَلَ، وترتفعُ عن الاحتجاجِ لِوُرُودِها عن السَّاداتِ الثِّقاتِ عن الموالي (ع). وهذا النَّص مَذخورٌ في قلوبِ أربابِ الجحورِ، أولياءِ اللهِ تعالى الذين امتحنَ قلوبَهُم بالإيمانِ، رَأَوا فيه مَحْضَ الحقيقةَ، فَضَنُّوا به على غيرِ أهلِهِ، وأحكَموا عليهِ القفل للحيلولةِ دون تَسَرُّبِهِ إلى غيرِ مُستحِقِّيهِ، فَمَن ثَبَتَتْ جَدَارَتُهُ وَجَدَّ في الطَّلبِ نالَ الأرَبَ، وَمَن بَعُدَ أُبْعِدَ، ففي كلِّ قولٍ إشارةٌ تتضمَّنُ الضَّالَّةَ المنشودةَ، أما مَن عَلِمُوا وَتَجَاهَلوا وَتَنَادَوا بالإنكارِ فَحِسَابُهُم على اللهِ.
وَمَا مِن عَارفٍ أدركَ هذه المعارفَ إلا بَعد جِدٍّ طويلٍ وتوفيقٍ من اللهِ، وقد يَعجزُ الإنسانُ أحيانًا عن عَرضِ ما يَدورُ في ذهنِهِ من مَعَانٍ خَفِيَّةٍ قولاً أو كتابةً فلا يستطيعُ أن يَرسُمَ على القرطاسِ كاملَ الصُّورةِ الموضوعيَّةِ المُتَصَوَّرَةِ في ذهنِهِ، فَيَلجأ إلى ضربِ الأمثالِ كما يلجأُ الشاعرُ الصُّوفيُّ إلى لغةِ الغَزَلِ للتَّعبيرِ عمَّا يَجولُ في خاطِرِهِ بعدَ ما يَجِدُ أنَّ اللغةَ لا تؤدِّي كلَّ ما يريدُ، وهذهِ حقيقةٌ ملموسةٌ.
فالسَّادةُ لم يُصَرِّحُوا تصريحًا، بل رَسَمُوا الأجوبةَ الأصليَّةَ رمزًا وتلويحًا لأنَّ العرفانَ الحقَّ بالأقوالِ الأصليَّةِ لا تُحَقِّقُهُ إلا قلوبٌ واعيةٌ مُجَوهَرَةٌ مُضيئَةٌ عَقليَّةٌ، لقول أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (ليسَ بالإمكانِ كتابةُ كلِّ شَيءٍ إذ ربَّما لم يَستَطِعْ زيدٌ من النَّاسِ أن يَحتَمِلَ ما يَحْتَمِلُهُ عَمرو).

عِرفانُ فِطرَةِ اللهِ:
لقد فُسِّرَتِ الفطرةُ بالمعرفةِ كما جاءَ عن الإمام الباقر (ع)، وعليهِ فالفطرةُ ليست مقصورةً على التَّوحيدِ، بل إنَّ جميعَ المعارفِ الحَقَّةِ هي من الأمورِ التي فَطَرَ اللهُ تعالى المؤمنَ عليها، فلابدَّ مِن أن نُعَرِّفَ الفطرةَ لأنَّها من لوازمِ الوجودِ، ولذلك تقولُ الآية: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).
وإذا كان التَّوحيدُ أو سائرُ المعارفِ من أحكامِ الفطرةِ أو مِن لوازِمِها، وَجَبَ أن يكونَ من أوضحِ الضروريَّاتِ وأجلى البديهيَّاتِ (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
إذن لابدَّ أن نعرفَ أنَّ مِن أنواعِ الفِطرَاتِ الإلهيَّةِ ما يكونُ على (أصلِ وجودِ المبدأ) تعالَى وَتَقَدَّسَ، ومنها الفطرةُ على (التَّوحيدِ)، وأخرى على (المَعَادِ ويومِ القيامةِ)، وأخرى على (طريقِ النُّبوَّةِ)، وأخرى على (طريقِ الملائكة)، وأخرى على (وجودِ الأولياءِ وإنزالِ الكتبِ وإعلانِ طريقِ الهدايةِ)، وهذه الأمورُ بعضُها من أحكامِ الفطرةِ والإيمانِ باللهِ تعالى وبملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ وبيومِ القيامةِ وهو الدِّينُ القَيِّمُ المُحكَمُ والمستقيمُ والحقُّ على امتدادِ العصورِ.
إنَّ الفطرةَ الإلهيَّةَ قد كُتبَتْ في المؤمنِ بِقَلَمِ القدرةِ لقوله تعالى: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا)، فهل (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) هي فطرةُ التَّوجُّهِ نحو المَحبوبِ؟ أم أنَّها الفطرةُ الثَّانيةُ (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) وهي فطرةُ المعرفةِ؟
إن كانَ مَقصودًا نورُ طلعَتِهِ بقوله: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فالفطرةُ إنَّما هي التَّوجُّهُ إلى الكاملِ الفعليِّ، معشوقًا تَتَّجِهُ إليه الفطرةُ، فَلَازَمَ الكامِلُ المُطلَقُ وجودَ الكاملِ الفعليِّ، وقد سَبَقَ أن عَرَفْنا أنَّ أحكامَ الفطرةِ ولوازِمَها أوضحُ من جميعِ البديهيَّاتِ (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)؛ وهذا يعني أنَّ توحيدَ اللهِ تَعَالى شأنُهُ واستجماعَ تَجَلياتِهِ لكلِّ الكمالاتِ هو مِن الأمورِ الفطريَّةِ.
فإثباتُ الفطرةِ، هو الإقرارُ باستجماعِ اللهِ لجميعِ الكمالاتِ، وقد ثَبَتَ أيضًا وفي سورةِ التوحيدِ المباركَةِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) التي تُبَيِّنُ نسبةَ الحقِّ المتعالي أنَّ الهويَّةَ الأحديَّةَ التي تَتَوجَّهُ إليها الفِطرَةُ، والتي أُشيرَ إليها في صَدرِ سورةِ التوحيدِ المباركَةِ بكلمةِ (هو) تُعَدُّ برهانًا على ذلكَ، لذا فهو (أَحَدٌ) لازِمُ الأحديَّةِ المُتَعَالِيَةِ عن الواحديَّةِ، ولمَّا كانتِ الهويَّةُ المُطلَقَةُ مُستَجمِعَةً لجميعِ الكمالاتِ فهي مُنزَّهَةٌ عن جميعِ النَّقائِضِ والمُتضادَّاتِ والتي تعودُ بأجمَعِها إلى الماهيَّةِ، فتلكَ الهويَّةُ الأحديَّةُ إذن هي (الصَّمَدُ) وليست جوفاءَ، فلن يَتَولَّدَ منها شيءٌ، ولن يَنفَصِلَ عنها شيءٌ، كما لم تَنفَصِلْ هيَ عن شيءٍ، وإنَّما هيَ مبدأُ كلِّ شيءٍ، ومرجعُ جميعِ الموجوداتِ بدونِ الانفصالِ الذي يُوجِبُ الزِّيادةَ والنُّقصانَ لقوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فالهويَّةُ الأحديَّةُ أيضًا ليس لها كفوًا أَحَد، وهكذا فإنَّ السُّورةَ المباركةَ من أحكامِ الفطرةِ في معرفةِ نسبةِ الحقِّ المُتَعَالي.

عِرفانُ العِبَادَةِ الحَقِّ:
إلى مَن تكونُ الإرادةُ وحقيقةُ نفسِ العبادةِ؟
وَرَدَ في تفسيرِ قوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)؛ أنَّ طاعةَ الحقِّ غايةٌ مفترضةٌ لأنَّ السُّجودَ هو الطَّاعةُ، والسُّجودُ للغايةِ، والعبادةُ للحقِّ، لقول الإمام الرضا (ع): (إنَّ الحقَّ أقامَ الغايةَ في خَلْقِهِ مَقَامَهُ، وَجَعَلَ طاعَتَها طاعَتَهُ، والسُّجودَ لها السُّجودَ له، والدُّعاءَ إليها الدُّعاءَ إليه، والأسماءَ الواقعةَ عليها أوقَعَها عليهِ).
وقد سأل سيِّدُنا هشامُ بن الحكم (ع) الإمامَ الصادق (ع) عن أسماءِ اللهِ واشتقاقِها فقال: (اللهُ) ممَّا هو مُشتَقٌّ؟ فقال: (يا هشام، مُشتَقٌّ من إلَهٍ، وإلَهٌ يقتضي مَألوهًا، والاسمُ غيرُ المسمِّي، أفهمتَ يا هشام؟) قال: قلتُ زدْني، قال: (للهِ تسعةٌ وتسعونَ اسمًا، فلو كان الاسمُ هو المسمَّى لكان كلُّ اسمٍ منها إلهًا، ولكنَّ اللهَ يُدَلُّ عليه بهذه الأسماءِ وكلُّها غيرُهُ، يا هشام الخبزُ اسمٌ للمأكولِ، والماءُ اسمٌ للمشروبِ، والثوبُ اسمٌ للملبوسِ، والنارُ اسمٌ للحرقِ، أفهمتَ يا هشام؟).
فالغايةُ خلاف الحقِّ، والحقُّ خلاف الغايةِ، واللهُ غايةٌ من غاياتِ الحقِّ، لأنَّ الذِّكرَ للهِ غيرُ اللهِ، واللهُ غيرُ سِماتِهِ، فَمَن عَبَدَ اللهَ بالتَّوهُّمِ فقد كَفَرَ، ومَن عَبَدَ الغايةَ دونَ الحقِّ فقد عَبَدَ مُحْدَثًا، وَمَن عَبَدَ الغايةَ والحقَّ فقد أشركَ، وَمَن عَبَدَ الحقَّ دون الغايةِ أصابَ بِعِبادَتِهِ المعبودَ.
وَمَن زَعَمَ أنَّهُ يَعرِفُ اللهَ بِغَيرهِ أو مثالٍ فهو مُشرِكٌ باللهِ العليِّ العظيمِ، لأنَّ مثالَهُ غيرُهُ، فكيفَ وَحَّدَ اللهَ مَن زَعَمَ أنَّه يَعرفُهُ بِغَيرهِ، وإنَّما عُرِفَ اللهُ باللهِ، فَمَن لم يَعرفْهُ به فليسَ يَعرِفُهُ وإنَّما عَرَفَ غيرَهُ، لقول الإمام الصادق (ع): (لا يَدُلُّ على اللهِ إلا اللهَ، ولا يُعرَفُ اللهُ إلا باللهِ).
=============

إبداع الفيض الكلي وفق العرفان العلوي الخصيبي

قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
إنَّ واهبَ الفَيضِ كانَ ولا مكانَ، ثم أبدَعَ المكانَ فَفَوَّضَ إليهِ الأمرَ، وإن قيلَ لنا: وما المكانُ؟ قلنا: الفيضُ الكلِّيُّ، وهو القائمُ على وجودِ العالمِ بأسْرِهِ، وهو العقلُ في رَعِيَّتِهِ، والوجودُ في هويَّتِهِ.
فواهِبُ الفَيضِ أبدَعَ الفَيضَ الكُلِّيَّ مِن غيرِ تَجزيءٍ أو تَبعيضٍ بِفِعْلِ الإعجازِ الكامنِ في قَولِهِ: (كُن فَيَكُونُ)، لأنَّ الإبداعَ الإلهيَّ هو بإيجادِ الشَّيءِ لا مِنْ شَيءٍ، وهذا بِخِلافِ الخَلقِ الذي هو إيجادُ شَيءٍ من شَيءٍ، والذي اختصَّ بِهِ الفَيضُ الكلِّيُّ، فَوَاهِبُ الفَيضِ هو المُبدِعُ الذي أبدعَ الفَيضَ الكلِّيَّ وَفَوَّضَ إليه الأمرَ، فَكَوَّنَ الفَيضُ الكلِّيُّ الجُزْءَ والكُلَّ.
فَوَاهِبُ الفيضِ أبدَعَ الفيضَ الكلِّيَّ، وَجَعَلَ ماهيَّتَهُ الفعلَ للخلقِ والتَّكوينِ، فالفيضُ الكلِّيُّ هو الفعلُ حَقًّا، وهو فِعْلُ الواهبِ وَسُلطانُهُ وَوَجهُهُ، أمَّا الحكمةُ فهي الفَيضُ.
أمَّا وَاهِبُ الفيضِ فهو الفاعلُ لأنَّه بِتَجَلِّيهِ كمثالِ الفيضِ الكلِّيِّ سُمِّيَ فاعلاً، فالفاعلُ هو وَصْفٌ لتجلِّي واهبِ الفيضِ كَصِفَةِ الفيضِ الكلِّيِّ الذي هو الفِعلُ كما في قولِهِ تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). فجوهرُ واهبِ الفيضِ قبلَ الإبداعِ لم يَقَعْ عليهِ حَدٌّ ولا عَدٌّ ولا نَوعٌ ولا جِنسٌ، بل هو مُنفردٌ عن جميعِ الحُرُوفِ المُتَباينَةِ والأعدادِ المتنوِّعةِ، ولا يُوصَفُ بالفعل إلاَّ مَن كانَ أعظمَ من ذلكَ. وَلكن لِعَجزِ المُكَوَّناتِ عن إدراكِ ما لا يَستطيعونَهُ مِنَ جوهرِ واهبِ الفَيضِ، وَلِحَاجَتِهم للإشارةِ لوجودِهِ، ولاضطرارِهم إلى معرفَتِهِ بالأدلَّةِ الوجوديَّةِ عليه، وَصَفُوهُ بِصِفَاتِهم التي عَايَنُوها، وَسَمَّوهُ بأسمائِهم التي عَرفُوه بها، واســتدلُّوا عليهِ بما أظهرَهُ لهم، لأنَّ واهبَ الفيضِ لا يُعايَنُ بشيءٍ من أسمائِهِ وَصِفاتِهِ، ولكنَّ الخَلْقَ لا يَستطيعونَ مُعَايَنَتَهُ إلا بها، فلمَّا عايَنوا مقامَ الشُّهودِ أثبَتُوه وتَحَقَّقوه، فالعارفُ هو المحتاجُ إلى الأسماءِ لِيَدعو بها، وإلى الصِّفاتِ لِيَستَدِلَّ منها على الوجودِ.
أمَّا السَّفسطائيُّونَ فَجَعَلوا الفيضَ الكلِّيَّ حقيقةً لجوهرِ واهبِ الفيضِ وَنَفَوا مقامَ الشُّهودَ، وَغَفِلُوا عن معرفةِ أنَّ صاحبَ الفعلِ هو الفاعلُ مُؤَزِّلُ الأزلِ وَمُؤَبِّدُ الأبدِ الذي لم يكن له كفوًا أَحَد، وأنَّ جوهرَ واهبِ الفيضِ لا ينقسـمُ لأنَّه ليسَ مُرَكَّبًا، ولا يَحُولُ عن كيانِه، منفردٌ عن الأشياءِ بِتَفَرُّدِهِ وَتَجَرُّدِهِ، مُتَّصلٌ بِوجودِهِ وَتَجَلِّيهِ من غيرِ حلولٍ أو مُمَازجةٍ بعدَ الإبداعِ، وَلكنَّهُ سُمِّيَ خَالقًا بعدَ الخلقِ وَمُصَوِّرًا بعدَ التَّصويرِ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ)، فالفاعلُ لا يُسمَّى فاعلاً إلا بعدَ إظهارِ الفعلِ إذ لابدَّ للفاعلِ من فعلٍ، وإلَّا لم يُسمَّ فاعلاً لأنَّ الفعلَ والفاعلَ بِمَقَامَينِ كما صارَ الفعلُ الصَّادرُ دَليلاً على الفاعلِ العالمِ القادرِ بدليل قول مولانا الرضا (ع) حين سُئلَ: (إنَّ قومًا يقولون: إنَّهُ عزَّ وجلَّ لم يَزَلْ عالمًا بعلمٍ وقادرًا بقدرةٍ وقديمًا بقدمٍ وسميعًا بسمعٍ وبصيرًا ببصرٍ)، فأجابَ: (اتَّخَذوا معَ اللهِ إلهًا آخرَ، وليسَ هم من ولايتِنا على شيءٍ، تعالى اللهُ عمَّا يقولُ المشركونَ والمشبّهونَ علوًّا كبيرًا).
فَالفعلُ عَلامَةُ تَجلِّي الفاعلِ، وهو تلكَ المعاني الباديةُ عن الفاعلِ المُعايَنِ الذي أبدَى الفِعْلَ، ولولا ظهورُ الفعلِ ما عَرَفْنا الفاعلَ ولا استقرَّ الوجودُ. كما أنَّ تَنْـزِيهَ جوهرِ الفاعلِ عن الفِعْلِ ليسَ إثباتًا للعدميَّةِ، لقولِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (لَيْسَ فِي الأشْيَاءِ بِوَالِجٍ ولا عَنْهَا بِخَارِجٍ)، فنفيُ صِفةِ الفعلِ لا يعني إثباتَ عَكْسِها، كمَن يقولُ: (إنْ لم يَكُنِ الصِّفرُ مُوجبًا فهو سَالبٌ)، ولكنَّهُ في الحقيقةِ لا موجبٌ ولا سالبٌ، فجوهرُ واهبِ الفيضِ لا شرقيٌّ ولا غربيٌّ، لقوله تعالى: (زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ)، لأنَّ الإشراقَ والإغرابَ هي الأفعالِ، لقوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، فالرَّبُّ هو صاحبُ الأفعالِ، والمَشْرِقُ والمَغْرِبُ هما صفاتُ الأفعالِ المتضادَّةِ. وَمِثلُ ذلك قولُهُ تعالى: (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا)، فَمَعنى المَجْرَى هو الإشراقُ، والمَرسَى هو الغروبُ.
وإذا كنَّا لا نُثبِتُ على جوهرِ واهبِ الفيضِ (صفة الابتداءِ) فكيفَ نُثبِتُ عليه ضِدَّها (صفة الانتهاء)، وهو لا يُوصَفُ بالأضَّدادِ لقولِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الأمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ، وَبِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الأشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ)، فتَعَالى مَن لا يَقبلُ الأضدَّادَ فَيَتَغيَّر.
لكنَّ وَاهِبَ الفيضِ عندَ تَجَلِّيهِ يُبدي الصِّفَتَينِ؛ أي يُبدِي الأوليَّةَ كما يُبدِي الآخريَّةَ، أي يبدي الأوليَّةَ حتى يُنَزَّهَ عن الآخريَّةِ، كما يُبدي الآخريَّةَ حتى يُنَزَّهَ عن الأوليَّةِ، فهو يُبدِي الأوليَّةَ والآخريَّةَ لِيَكتَمِلَ فِعلُهُ بالجَمْعِ بين الضِّدَّينِ، وهذا هو الكمالُ الصِّفاتيُّ، وهذا يُبْدِيهِ لِخَلقِهِ لا لِذَاتِهِ، فإثباتُهُ كَامِلاً فاعِلاً لِنَفسِهِ مُحالٌ، لكنْ بِهِ عَرَفَ العارفونَ فِعْلَهُ عندما أبدَاهُ، وَتَيَقَّنَتْ مشيئَتُهُ حين أنشأَهُ، فَعُرِفَ الفِعْلُ بِمُظهِرِه وَمُوريهِ، وَعَرَفْنَا به مُبدِيهِ ومُنشِيهِ، فَتَقَدَّسَ مَن هو دليلُ الأدلَّةِ على وجودِهِ، وهادي الهداةِ إلى تَوحيدِهِ، تَاهَ مَن زَعَمَ أنَّهُ بغيرِهِ عرفَهُ، وَضَلَّ مَن بِصِفَاتِ نفسِهِ وَصَفَهُ، جَلَّ مَنِ الفِعلُ صِفَتُهُ والمشيئةُ فطرَتُهُ، وعَزَّ عن المساواةِ لِخَلقِهِ وَبَرِيَّتِهِ.
وهذا دليلٌ على أنَّ اكتمالَ التَّوحيدِ يقتضي التَّنزيهَ، إذْ لو كانَ السَّببُ في التَّوحيدِ الأفعالُ لَوَجَبَ أن يكونَ الفَيضُ الكلِّيُّ والفيضُ أربابًا من دونِ واهبِ الفيضِ، لذا فإنَّ على كُلِّ عَارِفٍ أنْ يُجرِّدَهُ عَمَّا يُعاينُهُ منهُ وعمَّا يُعاينُهُ منهُ السَّابقُ، فالأسْبَقُ حَتْمًا يُجَرِّدُهُ عَمَّا عَاينَهُ منهُ الفيضُ الكلِّيُّ، وبذلكَ يَكُونُ قَدْ تَنَاهَى في التَّجريدِ وبلغَ خالصَ التَّوحيدِ.
===========

شهود العقل لمقام الذوق وفق العرفان العلوي الخصيبي

قالَ تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ).
الحمدُ للهِ الحميدِ المُبدِئِ الأزلِ المُعيدِ الأوَّلِ المُنشِئِ، الذي ما شاءَ فَعَلَ، دَلَّ العِبَادَ بِتَجلياتِ الجمالِ إلى طريقِ عِبَادَتِهِ، وَدَعَا أصحابَ الشَّرائعِ والمِلَلِ إلى معرفَتِهِ، فهو الإلهُ الأحدُ المُوحَّدُ بجميعِ الألسنةِ واللُّغاتِ، الأحدُ في أزلِهِ جَلَّ عن شَبيهٍ ونظيرٍ، تَعَالى عن إحاطةِ وَهْمٍ وَضَميرٍ، الصَّمَدُ الذي لا شريكَ لَهُ في المُلكِ، مُسمِّي الأسماءِ وَمُبدِعُها، رَبُّ السَّماواتِ العُلى والأرضينِ السُّفلَى.
جاءَ عن سيِّدنا عيسى المسيحِ (ع): (الحقَّ أقولُ لكم: أنَّ اللهَ لمَّا كانَ بالحقيقةِ مُستَغْنٍ عن غيرِهِ لم يكن له حاجةٌ إلى غَنَاءٍ، وهكذا لمَّا أرادَ وشَاءَ، أبدَعَ قبلَ كلِّ شيءٍ العقلَ الكلِّيَّ الذي لأجلِهِ قَصَدَ إلى خلقِ الكلِّ، لكي تَجِدَ الخلائِقُ فَرَحًا وبركةً باللهِ، وَيَسَّرَهُ بكلِّ خلائقِهِ التي قُدِّرَ أن تكونَ عبيدًا).
إنَّ العقلَ الذي أوجدَهُ اللهُ جَلَّ ثَناؤهُ قد فَضَّلَهُ وَقَرَنَهُ بِنَفسِهِ وَعِزَّتِهِ، وأعْلَى أهلَهُ الذينَ هم أهلُ الميزةِ والاستقامةِ، فلذلكَ حَبَاهُمُ اللهُ تعالى بإكرامِهِ بقولهِ لرسولِهِ في مُحكَمِ تَنزيلِهِ: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)، وكانَ الأئمَّةُ (ع) قد زَكَّوهُ بقولِهِم: (مَن أعطَاهُ اللهُ العقلَ فأيَّ شَيءٍ حَرَمَهُ).
فَمُجالَسَةُ الصَّالحينَ دَاعِيةٌ إلى الصَّلاحِ، وَطَاعَةُ وُلاةِ الأمرِ تَمَامُ العِزِّ، وإرشادُ المُستَرشِدِ قَضَاؤهُ لِحَقِّ النِّعمَةِ، وآدابُ العلماءِ زيادةٌ في العقلِ، وَكَفُّ الأذى إتمامُ العقلِ، حتَّى أنه جاءَ عن سادَةِ العِرْفَانِ العلويِّ الخَصيبيِّ عن سيِّدنا الرَّسولِ مُحمَّد (ص) أنه سُئِل عن العقلِ فقالَ: (ما عَبَدَ اللهَ إلاَّ ذُو عَقلٍ)، كما وردَ في الأثرِ سادةِ العرفانِ العلويِّ الخَصيبيِّ أنَّ العقلَ عَقلانِ: عقلٌ كامنٌ في القلوبِ كَكُمُونِ النَّارِ في الحديدِ، وَعَقلٌ موهوبٌ من الرَّبِّ للمَربوبِ، فَبِوُجودِ العقلِ يَجِدُ واجِدُهُ معرفةَ رَبِّهِ.
وجاءَ عن مولانا الرِّضا (ع) أنهُ قال: (صديقُ كلِّ امرِئٍ عَقلُهُ، وَعَدُوُّهُ جَهلُهُ، العقلُ حبَاءٌ من اللهِ عزَّ وَجَلَّ، والأدبُ كُلفةٌ، فمَنْ تَكَلَّفَ الأدبَ قَدِرَ عليهِ، وَمَن تَكَلَّفَ العقلَ لم يَزِدْهُ إلاَّ جَهْلاً). فالعقلُ غطاءٌ ساترٌ، والخُلُقُ جَمَالٌ ظاهرٌ، فَقَاتِلْ هَوَاكَ بِعَقلِكَ تَسْلَمُ لكَ المودَّةُ وتظهرُ لكَ المحبَّةُ.
كما أنَّ العقلَ الذي في الخلقِ هو من ضياءِ شعاعِ نورِ الخالِقِ يُسْرِجُ لكلِّ أحدٍ بحسبِ مكانِهِ، ليسَ بِمُنفَصِلٍ عن نورِ العقلِ الكلِّيِّ ولا بِمُنقَسِمٍ، وقد سئلَ سيِّدنا الرَّسولُ (ص) عن العقلِ ما هو؟ فقال: (في الحواسِّ الخمسِ كالسِّراجِ في البيتِ يكونُ في مكانٍ واحدٍ وَضَوؤهُ في سائِرِهِ، فليسَ بِمُنحَصِرٍ في الجسمِ فَيَنفَصِلَ عن مَعدنِهِ، ولا خالٍ من الجسمٍ فيكونَ صورةً بهماءَ مُهملةً، بل كالشَّمسِ التي ضَوؤُها في الأمكنَةِ كلِّها غيرُ مُتحيِّزٍ ولا مَحصورٍ ما لم يَحْجُبْ ضوءَها عن موضعٍ من الأرضِ حَاجِبٌ)، وكذلك العقلُ في العُقلاءِ ما لم يَحجبْهُ حاجبٌ ويمنعْ منهُ عَرَضٌ من الأعراضِ الخمسةِ التي هي الضِّدُّ الحاجِبُ للعبدِ، وهي الهوى والشَّكُّ والشَّهوةُ والكِبْرُ والتَّبَلُّدُ.
فالعقلُ هو حُجَّةُ الخالقِ على المخلوقِ، إذ لا أحدَ يُعاقبُ عَبدَهُ أو وَلَدَهُ على خطيئةٍ لم يكن عَمِلَها عبدُهُ ولا ولدُهُ، ولا حَذَّرَهُ منها وأراهُ فسادَها، فَمَن فَتَحَ بالفكرِ قفْلَ قلبِهِ لِيُضِيءَ ذلكَ العقلُ فيهِ، وَطَهَّرَ حَواسَّهُ ليُشرقَ ذلكَ العقلُ عليها، كانَ عاقِلاً، وَمَن تَعَامَى عُمِيَ، وَمَن تَصَامَّ أصَمَّهُ اللهُ وأعمَى قلبَهُ وَبَصَرَهُ كما قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)، وكما قالَ سُبحانَه: (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ).
وأمَّا العقلُ بالمفهومِ التَّوحيديِّ وفقَ العرفانِ العلويِّ الخَصيبيِّ فَلَه مقامٌ رفيعٌ إذ هو الدَّليلُ الدَّالُّ على معرفةِ اللهِ، لأنَّ الحقَّ الجوهريَّ تَعَالى ذِكرُهُ كانَ ولا مكان ولا دَهر ولا زمان، ثم شاءَ سبحانَهُ وَتَعالى أن يخلقَ خَلْقًا بإتقانٍ فأبدَعَ العقلَ الكلِّيَّ الذي هو عالمُ الأسبابِ وأوكَلَ إليه الأمرَ فأوجدَ العقلَ العَمَلِيَّ الذي هو عالمُ الكَشْفِ، ثم أوجَدَ العقلَ النَّظريَّ الذي هو عالمُ الاستدلالِ، ثمَّ الأجرامَ والأفلاكَ العقليَّةَ بِتَمامِها، وإنَّ الحقَّ الجوهريَّ أوَّلَ ما أبدَعَ العقلَ الكلِّيَّ أقامَهُ المقامَ المَحمودَ، ثمَّ خاطبَهُ وَنَاجاهُ بِهِ فقال لـه: (أَقْبِلْ) فأقبَلَ، ثم قالَ له: (أَدْبِرْ) فأدْبَرَ، فقالَ: (وَعِزَّتِي وَجَلالي ما خَلَقْتُ خَلقًا أَحَبَّ إليَّ منكَ، ولا أقرَبَ إليَّ مِن صِفَتِكَ، بكَ آخُذُ وبكَ أُثيبُ وبكَ أُعَاقِبُ)، وهو العقلُ القرآنيُّ، وإنَّما سُمِّيَ (عَقلاً كُلِّيًّا) لأنَّه مُعَقِّلُ العِبَادِ وإليهِ المَعَادُ، وذلك أنَّهُ مُعَقِّلُ الأممِ بالشَّرائعِ وَرَابِطُ المُحبِّينَ بالمعرفةِ. فَبَعْدَ إبداعِ الحقِّ الجوهريِّ للعقلِ الكلِّيِّ تَجَلَّى له وخاطَبَهُ من مَقَامِ الذَّوقِ العقليِّ، وبعدَ إيجادِ العقلِ العَمَلِيِّ والنَّظَرِيِّ والأجرامِ والأفلاكِ العقليَّةِ تَجَلَّى لهم وَخَاطَبَهُم مِن مَقَامِ النَّعيمِ القلبيِّ وَمَقامِ الحُضُورِ، وهذه تجلِّياتُ الجمالِ، وكما عَدَلَ بِخَلقِهِ في عالمِ العقلِ كذا جَرَى بِعَدلِهِ الشَّاملِ في عالمِ الحسِّ، فأوَّلُ ما أوجدَ وأبدعَ سيِّدَنا آدمَ بدونِ أبٍ أو أمٍّ لِيَدُلَّ بذلكَ على أنَّهُ يُبدِعُ الشَّيءَ لا من شَيءٍ، ثمَّ تَجَلَّى في عالمِ الحسِّ بِتَجلِّياتِ الجلالِ، وأبدَى الشُّهودَ الذَّاتيَّ بآياتِهِ السَّبعِ التي كانَت فاتحةَ الإيمانِ عند أهلِ العرفانِ، لِيُكمِلَ بذلكَ كَفَّتَي الميزانِ في سَمَاواتِهِ وأرضِهِ التي تَكتَمِلُ بمعرفَتِها مصابيحُ العرفانِ عند أهلِ الإيمانِ ممَّنْ تَذَوَّقُوا بِمَعرفَتِهم حلاوةَ مَبَادِئِ أهلِ العرفانِ العلويِّ الخَصيبيِّ وَعَرفُوا مَعنى قولِهِ تَعَالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ).
فالعقلُ هو ذلكَ النُّورُ العظيمُ الذي أبدَعَهُ الأحَدُ وناجاهُ وَخَاطَبَهُ فقالَ لـه: (أَقْبِلْ) فأقبَلَ، ثم قالَ لـه: (أَدْبِرْ) فأدبَرَ، فقالَ: (وَعِزَّتي وَجَلالي ما خَلَقْتُ خَلقًا أقربَ إليَّ منكَ، ولكَ أظهَرْتُ خَلقِي وبكَ آخذُ عليهم عَهدِي وبكَ أُعطِي وبكَ أَحكُمُ وبكَ أمضِي، ما وَصَلَ إليَّ مَن جَحَدَكَ ولا احتجبَ عنِّي مَن عَرَفَكَ، رَضِيتُكَ للعالَمِينَ نورًا وَبِحُكمِي فيهم مُدَبِّرًا).
كما جاءَ سَادَةِ العرفانِ العلويِّ الخَصيبيِّ أنَّ منزلةَ العقلِ من الأزلِ بِمَنزلةِ العلمِ من العَالِمِ والفِعلِ من الفَاعِلِ، وأنَّ مَنزِلَتَهُ مِن مُوجِدِهِ لا تَخطُرُ على فِكرٍ، فليسَ مِن أحَدٍ يَعلَمُ مَدَى قُربِهِ منهُ إلاَّ مُبديهِ، وَلَنا خيرُ دَليلٍ على عُلوِّ شَأنِهِ وَقُربِهِ لِقَولِ اللهِ تَعَالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى).
فالحقُّ تَعَالى ذِكرُهُ اختَرَعَ العقلَ الكلِّيَّ، وَقَولُنا: مُختَرِعُهُ، فالمُخترِع هو كالصَّانعِ الذي صَنَعَهُ، أي صَنَعَ صنعَةً لم يَسبِقْهُ أحَدٌ إلى مِثلِها، جَلَّ رَبُّنا وَتَقَدَّسُ عن هذا المَثَلِ، وفيهِ يقولُ اللهُ جَلَّ وَعَلا: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، وهو مِثلُ قولِ القائلِ: العقلُ الكلِّيُّ هو شَيءٌ لا يُشبِهُهُ شَيءٌ من الأشياءِ وهو الفيضُ الكلِّيُّ، عِلْمٌ كُلُّه فِعْلٌ كُلُّه سُلطانٌ كُلُّه.
والعقلُ الكلِّيُّ عَقلان: قرآنيٌّ وَفُرقانيٌّ، فَحَقيقَتُهُ قرآنيٌّ وَرَسمُهُ فُرقانيٌّ، على أنَّهما لا يفترقانِ أَبَدًا، فالعقلُ القرآنيُّ هو الحامِلُ للرَّسْمِ، والرَّسْمُ مُتحرِّكٌ بالعقلِ الفُرقانيِّ. وأمَّا العقلُ الذي تَكَرَّمَ به اللهُ على الإنسانِ فهو كما يَصِفُهُ فيثاغورثُ بقولِهِ: (العقلُ ضياءٌ بَسيطٌ في رطوبةٍ لطيفةٍ في الحيوانِ تَجلُوها أكفُّ العقلِ المُكتَسَبِ، وَهَواهُ الدِّرايَةُ والعبادَةُ بالحواسِّ الخمسِ، فَلمَّا قَويَتْ هذه الأوصافُ المُكتسبَةُ بالحواسِّ الخمسِ زَالَتِ الحُجُبُ فَزَادَ إشراقُهُ وَعَظُمَ ضِياؤُهُ كما يُجلِي الجوهرُ فَيُضِيءُ، مثل المرآةِ والسَّيفِ وما أشبَهَهُما إذا جُلِيَ من الصَّدَأ الذي عَليهِ قد كان حُجِبَ ضِياؤُهُ فَيُشرِقُ جَوهَرُهُ).
وقد سُئلَ أحدُ العارفينَ عن العقلِ فقالَ للسَّائلِ: (هو الذي أَيقَظَكَ أن تسألَ عَنْهُ)، وَلَمَّا كانَ ذلكَ كذلكَ فهذا العقلُ الذي أَقْرَرْنا لَـهُ وَعَرَفناهُ وأوضَحْنا أنَّهُ النُّورُ الدَّالُّ على الحقِّ، وهو الذي أيقَظَنا على مَعرِفَتِهِ فَأثبَتْنَاهُ وَنَبَّهنا على عِلمِ ما شَرَحناهُ وألَّفنَاهُ، وذلكَ لمَّا كانَ مِنَ اتِّباعِ الأمرِ في القرآنِ فَرضًا يَلتَزِمُهُ الإنسانُ وَقِسطاسًا وَبَيانًا وهو قولُهُ تَعَالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، وقولـهُ تبارك اسمه: (هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)، وقوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 1:17 am

العرفان الخصيبي في مواجهة السفسطة

السَّفسَطَةُ الأولى: زعموا أنَّ حقيقةَ الحقائقِ ألقَتْ شَبَهَها على الواجبِ الكونيِّ وَأَظْهَرَتْهُ بِصِفَاتِ التَّجلِّي قبلَ تَغْييبِهِ!!!
إنَّ هذا الزَّعْمَ مردودٌ عليهِ من علومِ سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ، فحقيقةُ الحقائقِ لا تُلقِي الشَّبَهَ لا على الواجبِ الكونيِّ ولا على منزلِ النِّداءِ. والحجَّةُ واضحةٌ وَدَامِغَةٌ إلَّا أنَّ أهلَ الاشتباهِ لم يَفهَمُوا أنَّ إلقاءَ الشَّبَهِ لا يكونُ من حقيقةِ الحقائقِ على الواجبِ الكونيِّ، بَلْ مِنَ الواجبِ الكونيِّ على بُراقِ الفكرِ وفي ذلكَ مِنَ السِّرِّ ما يُشفِي الألبابَ، وهو ما استنبطناهُ من علومِ سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ المأخوذةِ عن الأئمَّةِ المعصومينَ (ع) الذين علَّمونا بالحجَّةِ القاطعةِ أنَّه لَمَّا كانَ الوقتُ المعلومُ الذي أرادَتْ فيهِ حقيقةُ الحقائقِ الاسْتِتَارَ ألقَتْ شَبَهَ القوَّةِ الكونيَّةِ الرَّبَّانيَّةِ على بُراقِ الفكرِ وقتَ الاستتارِ، لأنَّ الشَّبَهَ المُلْقَى على بُراقِ الفكرِ هو صِفَةُ القوَّةِ الكونيَّةِ الرَّبَّانيَّةِ، وإنَّ القوَّةَ الكونيَّةَ الرَّبَّانيَّةَ كانَتْ في ذلكَ الوقتِ مَقامَ العُرْوَةِ الوثقى، وكانَتْ قد بَدَتْ كَهَيئَةِ الواجبِ الكونيِّ وَشَبَهِهِ، فكانَتِ القوَّةُ الكونيَّةُ الرَّبَّانيَّةُ لمَّا اسْتَتَرَتْ قد ألقَتْ على بُراقِ الفكرِ صِفَةَ الواجبِ الكونيِّ، تَعَالَتْ حقيقةُ الحقائقِ عن الأمثالِ وَجَلَّتْ عن الأشكالِ.
فإلقاءُ الشَّبَهِ على بُراقِ الفكرِ عندَ الاستِتَارِ لا يكونُ من قِبَلِ مَقامِ العُرْوَةِ الوثقى، بل من قِبَلِ القوَّةِ الكونيَّةِ الرَّبَّانيَّةِ، حيث نستوضِحُ من علوم الشُّيوخِ العارفينَ أنَّ القوَّةَ الكونيَّةَ الرَّبَّانيَّةَ عِندَما تريدُ الاستِتَارَ تُقيمُ لها شَبَهًا وَتُلقِيهِ على بُراقِ الفكرِ، لأنَّهُ لا يجوزُ أن يكونَ لحقيقةِ الحقائقِ مِثْلٌ أو شَبيهٌ، لذلكَ لا يُلقِي أحديُّ الذَّاتِ شَبَهًا عندَ الاستِتَارِ، إنَّما إلقاءُ الشَّبَهِ يكونُ فَقَط من قِبَلِ أحديِّ الكلمةِ، حيث أنَّ أحديَّ الكلمةِ مُتَجَلٍّ كمِثْلِ الحقيقةِ الإنسانيَّةِ الأكرمِ، فالأمثِلَةُ عائدةٌ للحقيقةِ الإنسانيَّةِ الأكرمِ، أمَّا حقيقةُ الحقائقِ فلا شَبَهَ لَها ولا مِثْل.
ويَبدو أنَّ هؤلاء السَّفسطائيِّينَ خَلَطوا بين بُدُوِّ حقيقةِ الحقائقِ وبُدُوِّ بقيَّةِ الحقِّ العُظمَى عندما ادَّعَوا بقولهم المَشبوهِ: (هذا العصرُ الجامعُ عصرُ كَشْفٍ ليسَ بِسِتْرٍ، وإذا كانَتْ بقيَّةُ الحقِّ العظمى التي تُغيِّبُها حقيقةُ الحقائقِ وَتَبدو كهَيئَتِهِ عندَ بُدُوِّها من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ بخلافِ الصِّفَةِ الصَّمدانيَّةِ وعلى غيرِ هَيئَتِها!!.... فحقيقةُ الحقائقِ تُغيِّبُ بقيَّةَ الحقِّ العظمى وتبدو بِمِثْلِ هيئَتِها!!)، وَمِنَ الثَّابتِ في العرفانِ العلويِّ الخصيبيِّ أنَّ بقيَّةَ الحقِّ العظمى هي الواجبُ الكونيُّ، والواجبُ الكونيُّ لا تُغيِّبُهُ حقيقةُ الحقائقِ لِتَبدوَ كَمِثْلِ هيئتِهِ.
وقد سُئِلَ أحدُ سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ فقيلَ له: يا سيِّدِنا يُقالُ: هل الزِّينةُ الإلهيَّةُ هي مَجلى الألوهيَّةِ أم مَجلى الرُّبوبيَّةِ؟ فقالَ: (مَهْ، الزِّينةُ الإلهيَّةُ هي مَجلى الألوهيَّةِ لا مَجلى الرُّبوبيَّةِ، لأنَّ مَجلى الرُّبوبيَّةِ عائدٌ بسماته للحقيقةِ الإنسانيَّةِ، ولم تُبْدِ حقيقةُ الحقائقِ في كَورٍ ما وَدَورٍ ما وَعَصرٍ ما وَوَقتٍ ما وَزَمانٍ ما إلَّا الزِّينَةَ الإلهيَّةَ، وهي الحقُّ المبينُ).
فالمؤمنُ العارفُ إذا بَلَغَ عالمَ البرزَخِ وَخَلَعَ ثوبَ الأرضِ الواسعةِ لا تَكونُ معايَنَتُهُ كمَا ادَّعَى أصحابُ السَّفسَطَةِ بقولهم المَشبوهِ: (إنَّ المؤمنَ إذا بلغَ عالمَ البرزخِ وَخَلَعَ ثوبَ الأرضِ الواسعةِ يعاينُ الصِّفةَ الصَّمدانيَّةَ... وهي إلقاءُ هيئَتِها على بقيَّةِ الحقِّ العظمى المعايَنَةِ في عالمِ المزاجِ الأرضيِّ... وهي التَّجلِّي الزَّائدُ من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ!!)، بل إنَّ العرفانَ الخصيبيَّ يردُّ عليهم بأنَّ المؤمنَ العارفَ إذا بَلَغَ عالمَ البرزَخِ وَخَلَعَ ثوبَ الأرضِ الواسعةِ يعاينُ الزِّينَةَ الإلهيَّةَ جنَّةَ العارفِين بسِمَاتِها الثَّلاثَةِ (التَّجلِّي الذاتيِّ والتَّجلِّي الدائمِ والتَّجلِّي الأقدَسِ) بدليلِ أنَّ النَّاظِرَ بِعَينِهِ لا يَرَى إلَّا هيئةً، فإذا صَارَ يَسْمَعُ باللهِ وَيَرَى باللهِ انْجَلَى له عالمُ النَّقاءِ من عالمِ الكَدَرِ، ورأى عالَمَ الخَلْقِ وعالَمِ الجبروتِ، فإذا كَمُلَ إيمانُهُ وَصَارَ يَسمَعُ باللهِ وَيَنظُرُ بهِ تَمَكَّنَ مِن الارتقاءِ إلى عالمِ البقاءِ وَعَرَفَ الحقائقَ الكونيَّةَ وانتهَى إلى معرفةِ منزلِ النِّداءِ وَعَرَفَ مَنزِلَةَ الواجبِ الكونيِّ، وعاينَ التَّجلِّي الذاتيَّ والتَّجلِّي الدائمَ والتَّجلِّي الأقدَسَ، لقولِ سيِّدِنا المسيحِ (ع): (طُوبَى لأنقياءِ القلبِ لأنَّهم يُعاينونَ اللهَ)، وهذهِ غايةُ كلِّ عارفٍ سارَ على طريقِ الهدايةِ.
فَسِماتُ المُتَجَلِّي لم تَزَلْ مُعايَنَةً في هَيُولى جنَّةِ العارفِين، والتَّجلِّي الدَّائمُ مُعايَنٌ في مكانِ واسطةِ العقدِ يَتلألأ نُورًا تُعاينُهُ بصائرُ أربابِ البَصَائِرِ الثَّاقِبَةِ، غيرَ أنَّهُ لابدَّ لهذه المعايَنَةِ مِن إطلاقٍ يكونُ في آخرِ الزَّمانِ عندَ انتهاءِ دَورِ السِّتْرِ وانقراضِ دُوَلِ الكُفْرِ، فَعِنْدَ ذلكَ تبدو حقيقةُ الحقائقِ باديةً بالصِّفةِ الصَّمدانيَّةِ من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ بالإطلاقِ وَبِيَدِها سيفُ النَّصرِ، والدَّلالةُ على ذلكَ في قولِ اللهِ تَعَالى: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)؛ يعني إذا كُشِفَ عن قُلوبِهِم وأرَاهُمْ مَجلى الألوهيَّةِ تَحَيَّرُوا وَقَالوا: ما هذا؟ فَيَقول لهم جوهرُ الوجودِ: هذا رَبُّكُم.
فتجلِّي الإلهِ المطلَقِ هو بَاسطُ الرِّزْقِ وَرَازِقُ البَرَايا والقدسُ القدُّوسُ، وهو نورُ الوجودِ، وهو الجبَّارُ البادي يومَ القيامةِ من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ، إذ يَبْقَى الخَلْقُ مَبْهُوتا وهو يَشخَصُ إلى تجلِّي الإلهِ المُطلَقِ، وليسَ كما زعمَ هؤلاء المشبِّهونَ بقولهم المَشبوهِ: (الصِّفةُ الصَّمدانيَّةُ الفرديَّةُ الأحديَّةُ الجزءُ الأصَمُّ التي لا تتجزَّأُ ولا تَتبعَّضُ ولا تَدخُلُ في الأعدادِ، ولا تُنْسَبُ إلى الأشخاصِ، هي الصِّبغَةُ التي تَفَرَّدَ بها دونَ خَلقِهِ ولم يظهرْ بها أحدٌ سِوَاهُ، وإنْ ألقَى شَبَهَهُ على بقيَّةِ الحقِّ العظمى وأظهرَهُ بِصِفَاتِه قَبلَ تَغْييبِهِ لَهُ عندَ بُدُوِّهِ من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ فإنَّما فَعَلَ ذلكَ لأجلِ إثباتِ الحُجَّةِ على القومِ الكافرينَ لئلاَّ يقولوا: دُعِينا إلى ما لا نَعرِفُهُ وَظَهَرَ لنا ما لا نراهُ!!).
فأصحابُ الفكرِ المُشَوَّهِ خَالَفوا العرفانَ العلويَّ الخصيبيَّ وَتَبَنَّوا المقولةَ المشبوهَةَ التي تزعمُ أنَّ (تجلِّي الإلهِ المُطلَقِ لا يُعايَنُ على حالةٍ من الحالاتِ ليَعرِفَهُ أهلُ المعارِفِ والمبصرَاتِ، وإنَّ نورَ الوجودِ ليس هوَ- كما تَزْعُمُ الجهلَةُ- تجلِّي الإلهِ المُطلَقِ، بل هوَ جوهرُ الوجودِ!!)، إلَّا أنَّ سادةَ العرفانِ الخصيبيِّ كانَوا دائمًا لهم بالمرصادِ، فَرَدُّوا عليهِم وكَذَّبوا قَولَهمُ وَدَعْواهُم، لأنَّ تجلِّي الإلهِ المُطلَقِ يُعاينُهُ عالَمُ المزاجِ الأرضيِّ وعالمُ الأرواحِ العقليَّةِ لقولِ الله عَزَّ وجلَّ في كتابِهِ: (حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)؛ يعني أنَّهُ إذا بَدَا الوجودُ الأحديُّ في أوَّلِ يومِ اللِّقاءِ من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ، وَبِيَدِه سيفُ النَّصرِ، فَتَشْخَصُ إليه أبصارُ الخلائقِ، فيقولونَ: ماذا؟ فَيُقالُ لهم- والقائلُ هو جوهرُ الوجودِ-: هذا رَبُّكُم. فيقولونَ: الحقُّ هذا رَبُّنا وهو العليُّ الكبيرُ.
فإلى تجلِّي الإلهِ المُطلَقِ أشارَتِ الآيةُ الكريمةُ: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)؛ أي: يومَ يرونَ حقيقةَ الحقائقِ الباديةَ بالإطلاقِ لا الحقيقةَ الإنسانيَّةَ الأكرمَ.
كذلكَ أشارتِ الآيةُ الكريمةُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا)؛ أي: يومَ يَرَونَ حقيقةَ الحقائقِ باديةً بالصِّفةِ الصَّمدانيَّةِ من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ وَبِيَدِها سيفُ النَّصرِ. وهوَ أَدَلُّ دَليلٍ على أنَّ مَجلى الألوهيَّةِ الذي تَشْخَصُ لَهُ أبصارُ الخلائقِ هو تجلي الإلهِ المطلَقِ بمعنى الوجودِ والإثباتِ لا بمعنى الحَصْرِ والإحاطةِ، فبُدُوُّ مَجلى الألوهيَّةِ من عينِ القوَّةِ الرَّبَّانيَّةِ هو المقامُ التي لم يَتَغيَّرْ في كَورٍ ولا دَورٍ ولا وَقتٍ ولا حِينٍ.
==================

السَّفسطةُ الثانيةُ: زَعَموا أنَّ القرآنَ سُمِّيَ قُرآنًا لأنَّهُ مُقتَرِنٌ بِحُلولِهِ بالوجودِ الأحديِّ ومُنفصِلٌ من الوجودِ الغَيبي!!
إنَّ القرآنَ الكريمَ هو مثالُ الواجبِ الكونيِّ، وقد سُمِّيَ القرآنُ قرآنًا لأنَّهُ مُقتَرِنٌ بحقيقةِ الحقائقِ، ولا فاصِلَةٌ بينهما ولا فَرْقٌ ولا وَاسِطَةٌ ولا كَوْنٌ ولا حُدُوثٌ، ولو كانَ فَرقٌ أوْ فاصِلَةٌ لَكَانَ هناكَ مَن هو أقرَبُ إلى حقيقةِ الحقائقِ منهُ.
فَلَيسَ الاقترانُ حلولاً بالوجودِ الأحديِّ لأنَّ هذا يُخضِعُ الإلهَ المطلقَ للاختلاطِ والتَّبعيضِ، ويجعلُ الاتِّصالَ حلولاً للواجبِ الكونيِّ بالوجودِ الأحديِّ قبلَ التَّكوينِ وهذا مُحَالٌ، فالمقالَةُ المشبوهَةُ الواردَةُ عندَ السَّفسطائيِّينَ: (ليسَ انفصَالُها عن وجودِها!!) تَحمِلُ معنى اتِّصالِ الجنسيَّةِ والاختلاطِ والحلولِ والـمُجَانَسَةِ وهذا لا يَجوزُ، لأنَّ الاقترانَ الذي ذَكَرَهُ سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ لا يعني جَعْلَ الواجبِ الكونيِّ مساوٍ للإلهِ المطلَقِ، ولا الإلهَ المطلَقَ مساويًا للواجبِ الكونيِّ، لأنَّ هذهِ المساواةَ شِــــرْكٌ صُـــــرَاحٌ، إذِ إنَّ الواجبَ الكونيَّ لَهُ مكانٌ من الإلهِ المطلَقِ كالنَّفسِ من الجَسَدِ من غَيرِ تَمثيلٍ ولا تَحديدٍ، بل لِقُربِ الواجبِ الكونيِّ وَدُنُوِّهِ إليهِ بِمَثابَةِ النَّفسِ من الجَسَدِ، فالإلهُ المطلَقُ غيرُ الواجبِ الكونيِّ، والواجبُ الكونيُّ غيرُهُ.
وهذا الإشرَاكُ ما بينَ حقيقةِ الحقائقِ وجوهرِ الوجودِ ليسَ بِجَديدٍ بل له مثالٌ بشريٌّ للتَّعليمِ والتَّفهيمِ، فقد وَرَدَتْ قصَّةُ تَفْلَةِ سيِّدنا الرَّسولِ محمَّد (ص) في عينِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلامُ حيثُ زعمَ السَّفسطائيُّونَ أنَّ محمَّدًا كانَ في ذلكَ الوقتِ وَصِيًّا، وَصَارَ عليٌّ نبيًّا فَتَفِلَ عليٌّ بِعَينِ محمَّد!!، فَرَدَّ عليهِ سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ أنَّهُ في الدَّعوةِ المحمَّديَّةِ كانَ محمَّدُ (ص) نبيًّا، والإمامُ عليٌّ علينا من ذكرِهِ السَّلامُ وصيًّا.... فإذا كانَ الرَّمَدُ لا حقيقةَ له فالتَّفلةُ لا حقيقةَ لها، وهذا هو التَّلبيسُ بِعَينِهِ، لأنَّ ما أتَى به الإمامُ علي علينا من ذكرِهِ السَّلامُ من الرَّمدِ هو من مَظَاهِرِ الاختبارِ.
ولهذا نقولُ: إنَّ الاتِّصالَ دلالةٌ على قُربِ الواجبِ الكونيِّ من حقيقةِ الحقائقِ وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ عندَها، وهذا لا يَعني أنَّ الواجبَ الكونيَّ اختلطَ أو امتَزَجَ بحقيقةِ الحقائقِ معاذَ الله، بل يعني أنَّهُ لا شيءَ أقربُ إلى حقيقةِ الحقائقِ منهُ، وهذهِ المرتبَةُ عَبَّرَ عنها سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ بقولهم: (إنَّ الواجبَ الكونيَّ لا يُفارِقُ حقيقةَ الحقائقِ البتَّةَ).
عِلْمًا أنَّنا غيرُ مُكلَّفِينَ بِمَعرفَةِ مَنْزِلَـتِهِ مِن حقيقةِ الحقائقِ لِعَدَمِ استِطَاعَتِنا وَعَجْزِ طَاقَتِنا عن الإحاطَةِ بهذِهِ الـمَنزِلَةِ العظيمةِ، لكن كيفَ للسَّفسطائيِّين أنْ يدَّعوا شُبهَةً بقولِهم المشبوه: (عَرَفنا الواجبَ الكونيَّ بجوهرِ حلولِهِ بالوجودِ الأحديِّ!!) مُتَجَاوِزينَ كلَّ مَقالاتِ سَادَةِ العرفانِ الخصيبيِّ الذين أَقَرُّوا بِعَجزِهِم عن مَعرفَةِ مَنزِلَةِ الواجبِ الكونيِّ مِن حقيقةِ الحقائقِ!؟ وكيفَ نَقْدِرُ على مَعرفةِ عَظيمِ مَنْزِلَتِهِ، ولا أَحَدٌ مِنَ عالَمَي الخَلقِ والجبروتِ يَعلمُ ذلكَ، ولا يُحيطونَ بِمَعرفَةِ البَعضِ مِنْ مَنْزِلَتِهِ مِنَ حقيقةِ الحقائقِ!؟ لكنَّ سَادَةَ العرفانِ الخصيبيِّ عَبَّرُوا عنها تَمثِيلًا للتَّقريبِ إلى الأفهامِ وإيضَاحِ الفَرقِ بين الواجبِ الكونيِّ وحقيقةِ الحقائقِ حيثُ وَرَدَ قولُ الأئمَّةِ (ع) عندَ السُّؤالِ عن حَدِّ الواجبِ الكونيِّ مِن حقيقةِ الحقائقِ: (حَدُّهُ مِنْهُ كَحَدِّ النُّطْقِ مِنَ النَّاطِقِ والنَّظَرِ مِنَ النَّاظِرِ والحركَةِ مِنَ السُّكُونِ)، لأنَّ الواجبَ الكونيَّ بَدَا مِن الإلهِ المطلَقِ مِن غَيرِ أن تكونَ ماهيَّةُ الواجبِ الكونيِّ حَقيقَةً للإلهِ المطلَقِ، فالواجبُ الكونيُّ هو الجامعُ للصِّفةِ الجماعيَّةِ والصِّفةِ الفرديَّةِ، حيث وَرَدَ في العرفانِ الخصيبيِّ أنَّ كُلَّ ما وَقَعَ على اللهِ مِنْ السِّماتِ والنُّعوتِ فموضِعُها الواجبُ الكونيُّ، ولو كانَتْ مَاهِيَّةُ الواجبِ الكونيِّ حَقيقةً للإلهِ المطلَقِ لَكَانَ الإلهُ المطلَقُ خَاضِعًا للتَّنويعِ والتَّجزيءِ والتَّعَارُضِ، وَلَكَانَ مُشَابِهًا للواجبِ الكونيِّ الذي بَدَا مِنْهُ وَهَذا مُحَالٌ لِقَولِ مولانا الرِّضَا (ع): (مَن شَبَّهَ اللهَ بخلقِهِ فهو مُشْرِكٌ)، وفي قَولِهِ تَعَالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) نَفْيُ الـمَثِيلِ عَنِ الإلهِ المطلقِ، لأنَّ المِثْلَ يَقتَضِي شَبيهًا وَنَظِيرًا، والإلهُ المطلَقُ بِذَاتِهِ لا شَبيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ لَهُ ولا مَثِيلَ لَهُ ولا نِدَّ لَهُ، لأنَّ الأمثَالَ كلُّها عائدَةٌ للحقيقةِ الإنسانيَّةِ الأكرمِ، وقد عَزَّ رَبُّنا وَجَلَّ عَمَّا يَقُولُون بأنْ يجعلوا لهُ شَبيهًا أو عَدِيلًا.
أمَّا الانفِصَالُ فليسَ انفصالَ الواجبِ الكونيِّ من الوجودِ الغيبيِّ لقولِهِ تعالى: (نُورٌ عَلَى نُورٍ)، فأحَدُ النُّورَينِ هو الوجودُ الأحديُّ المرئيُّ، والآخرُ هو جوهرُ الوجودِ المطلَقُ الأصليُّ الذي لا يُمكِنُ رُؤيَتُهُ.
فالانفصالُ للدَّلالَةِ على عَدَمِ الاختلاطِ وَعَدَمِ حُلولِ الواجبِ الكونيِّ بحقيقةِ الحقائقِ تَنزيهًا للإلهِ الـمُطلَقِ، لأنَّ الإلهَ المطلَقَ كانَ ولا مكانٌ ولا دَهْرٌ ولا زَمانٌ ولا عَصرٌ ولا أوانٌ ولا تسميةٌ ولا تمثيلٌ، أَحَدٌ أَزَلٌ قَديمٌ لا شَيءَ مَعَه، فالإلهُ المطلقُ أجلُّ من كلامِ المتكلِّمينَ، وأعظمُ من أن يعلمَ كُنهَهُ العالمونَ، حتى أنَّ الواجبَ الكونيَّ لا يستطيعُ إدراكَ كُنْهِ الإلهِ المطلَقِ لأنَّه لا يُحيطُ بِشَـــيءٍ من كُـــنْهِه، وَهَذا مَعنى إفرادِ الانفصالِ، بعدَ تحقيقِ معرفةِ الاتِّصالِ الدَّالِّ على عُلُوِّ الـمنزلَةِ التي لا يَعلَمُها إلَّا اللهُ.
==============

السَّفسطةُ الثَّالثةُ: زَعَمُوا أنَّ الواجبَ الكونيَّ هو الذي اشتركَ مع منزلِ النِّداءِ بقولِهِ لهُ: "كُنْ"، ثم سَاوَوا الإلهَ المطلقَ بالواجبِ الكونيِّ فَزَعموا أنَّ الإلهَ المطلقَ هو مَنْ حَلَّ بمنزلِ النِّداءِ بِقُدرَتِهِ!! فجعلوا ماهيَّةَ الشَّيءِ واقعةً على الإلهِ المطلَقِ والواجبِ الكونيِّ معًا، وأنكروا انفرادَ الإلهِ المطلقِ عن ماهيَّةِ الأشياءِ!!
إنَّ هذه السَّفسطةَ نَادَّةٌ عن التَّوحيدِ ولا أساسَ لها من الصِّحَّةِ، وهي شُبهةٌ تُخالِفُ كلَّ ما أتَى به سادةُ العرفانِ العلويِّ الخصيبيِّ.
ففي العرفانِ العلويِّ الخصيبيِّ لا مُسَاوَاةَ البَتَّةَ بين الإلهِ المطلَقِ والواجبِ الكونيِّ لأنَّ هذا يعني الشِّرْكَ، فالإلهُ المطلَقُ أبدَعَ الواجبَ الكونيَّ مِنْ الوجودِ الأحديِّ، وَقَولُنا مُبدِعُهُ يعني كالصَّانِعِ الذي صَنَعَهُ، وليسَ الواجبُ الكونيُّ كالصَّانعِ الذي صَنَعَهُ مِن حَيثُ الكَونُ، أي أنَّه تعالى صَنَعَ صنعَةً لم يَسْبِقْهُ أحدٌ إلى مِثْلِها جَلَّ رَبُّنا عَنْ هذا المِثْلِ- لِنَفِي أنْ يكونَ الواجبُ الكونيُّ من جوهرِ الإلهِ المطلَقِ- وفيهِ يقولُ اللَّهُ تَعَالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ).
فالإبداعُ إذَنْ يَختلِفُ بشكلٍ كُلِّيٍّ عن التَّكوينِ، لأنَّ الإبداعَ هو إيجادُ الشَّيءِ لا مِن شَيءٍ، وهو فِعْلُ الإلهِ المطلَقِ، أمَّا التَّكوينُ فهو إيجادُ الشَّيءِ من شَيءٍ موجودٍ، وهذا فِعْلُ الواجبِ الكونيِّ، بِدَليلِ ما تعلَّمناهُ من عرفانِ سيِّدِنا الخصيبيِّ (ع) بأنَّ الواجبَ الكونيَّ هو الذي يَخلقُ الشَّيءَ من الشَّيءِ، وأنَّ الإلهَ المطلَقَ هو الذي يخلقُ الشَّيءَ لا مِنْ شَيءٍ لقولِ مولانا الباقرِ (ع): (إنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ لا مِنْ شَيءٍ، فَمَن زَعَمَ أنَّ اللهَ خَلَقَ الأشياءَ مِن شَيءٍ فقد كَفَرَ).
ومَعنى (كُنْ) وِفقَ المفهومِ العامِّ أنَّها من أسماءِ الواجبِ الكونيِّ هو ما جاءَ عن سادةِ العرفانِ العلويِّ الخصيبيِّ في التفسيرِ أنَّ الآيةَ الكريمةَ: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، دلالةٌ على الواجبِ الكونيِّ وَتَعريفًا لنا بِـمَنزِلَتِهِ، وَمِثْلُهُ قَولُ الواجبِ الكونيِّ إشارةً إلى الإلهِ المطلَقِ في الآية الكريمةِ: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وهذهِ القراءةُ هِيَ قراءةُ الحقِّ في التَّوحيدِ العلويِّ الـمَحْضِ.
وَمَعنى (كُنْ) وِفقَ المفهومِ الخاصِّ وَرَدَ عن مولانا أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلامُ حيث قالَ: (أمَّا مِنْ اللهِ فإرادَتُهُ إحْدَاثُهُ الأشياءَ لا غيرَ، ذلكَ لأنَّهُ لا يَرَى ولا يَهُمُّ ولا يُفَكِّرُ فَهذِهِ الصِّفاتُ مَنْفِيَّةٌ عَنْهُ وهي صِفَاتُ الخَلْقِ، فإرادةُ اللهِ الفِعْلُ لا غيرَ، ذلكَ لأنَّهُ يَقولُ للشَّيءِ: "كُنْ فَيَكُونُ" بلا لَفْظٍ ولا نُطْقٍ بِلِسَانٍ ولا هِمَّةٍ ولا تَفَكُّرٍ)، وهذا مَعنى قولِنا: (إنَّ الإلهَ المطلَقَ أبدَعَ الواجبَ الكونيَّ من وجودِهِ الأحديِّ) لقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَـقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
وبالتالي فإنَّ قولَهُم المشبوهَ: (الإلهُ المطلَقُ هو مَنْ حَلَّ بمنزلِ النِّداءِ بِقُدرَتِهِ!!)، يُنافي ما جاءَ عن سَادَةِ العرفانِ العلويِّ الخصيبيِّ الذين أكَّدُوا أنَّ الإلهَ المطلَقَ أبدعَ الواجبَ الكونيَّ وَفَوَّضَ إليهِ التَّكوينَ، فكَوَّنَ الواجبُ الكونيُّ منزلَ النِّداءِ وَمَن تَلاهُ من أهلِ الكشفِ والحضورِ والإيمانِ بالأمرِ الإلهيِّ، فكانَ لفظُ (كنْ) اسمٌ مِنْ أسماءِ الواجبِ الكونيِّ، حيث أنَّ الإلهَ المطلَقَ أمرَ الواجبَ الكونيَّ بغيرِ واسطةٍ فكَوَّنَ منزلَ النِّداءِ، فالواجبُ الكونيُّ هو مُكَوِّنُ منزلِ النِّداءِ وأهلِ الكشفِ والحضورِ والإيمانِ بالأمرِ والتَّفويضِ، لأنَّ الإلهَ المطلَقَ ما أَبْدَى ولا أبدَعَ غيرَ الواجبِ الكونيِّ.
=======

السَّفسطةُ الرَّابعةُ: زَعَموا أنَّه لولا حلولُ حقيقةِ الإلهِ بعالمِ المزاجِ الأرضيِّ وتجسُّدُهُ بخلقِهِ لَمَا عُرِفَ التَّجسُّدُ المزاجيُّ، ولولا حلولُهُ بِعالمِ الأرواحِ العقليَّةِ لَمَا عُرِفَ التَّجسُّدُ الرُّوحيُّ!! ولولا حلولُ حقيقةِ الإلهِ بهذا الوجودِ الإنسانيِّ لَمَا عُرِفَ التَّجسُّدُ الإلهيُّ!!
إنَّ العرفانَ الخصيبيَّ لا يُفَرِّقُ بين جنَّةِ العارفينَ وجنَّةِ المؤمنينَ من حيثُ الجوهرُ والحقيقةُ، لأنَّ كِلَيهِما تَـجَلٍّ لحقيقةِ الحقائقِ، فعالمُ الأرواحِ العقليَّةِ عايَنَوها روحًا، وعالمُ المزاجِ الأرضيِّ عايَنَوها مزاجًا، وفي الحقيقةِ لا تَفَاضُلَ بين الوجودَينِ لقولِهِ تَعَالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)، دَليلًا على أنَّ جنَّةَ المؤمنينَ في عالمِ المزاجِ الأرضيِّ هي جنَّةُ العارفينَ في عالمِ الأرواحِ العقليَّةِ.
فجنَّةُ العارفينَ مُعَايَنَةٌ باديَةٌ تحقيقًا بِسِمَاتِ الـمُتَجَلِّي وهي التَّجلِّي الذَّاتيُّ والتَّجلِّي الدَّائمُ والتَّجلِّي الأقدَسُ، كما أنَّ جنَّةَ المؤمنينَ بدَتْ بالسِّمَةِ الذَّاتيَّةِ والسِّمَةِ الدَّائمةِ والسِّمَةِ المقدَّسَةِ، لأنَّ الإلهَ المطلَقَ إذا بَدَا لأهلِ الكشفِ والحضورِ والإيمانِ بَدَا بأعيَانِ الـمَرَاتبِ، وهم مراتبُ عقليَّةٌ علويَّةٌ لا مِزَاجٌ سُفليٌّ.
فالعرفانُ الخصيبيُّ يؤكدُّ أنَّ جنَّةَ العارفينَ هي جنَّةُ المؤمنينَ في الجوهرِ لا في العَرَضِ، ولكنْ تَقَدَّمَ أحدُهُما على الآخرِ في الوجودِ والتَّحقيقِ، ولهذا وَجهانِ:
- الوَجهُ الأوَّلُ: تَقَدَّمَت جنَّةُ العارفينَ على جنَّةِ المؤمنينَ في الوجودِ لأنَّ عالمَ الأرواحِ العقليَّةِ قبل عَالمِ المزاجِ الأرضيِّ.
- الوجه الثاني: تَقَدَّمَتْ جنَّةُ المؤمنينَ على جنَّةِ العارفينَ في التَّحقيقِ لأنَّ المؤمنَ المـُحقِّقَ حين يَتَدَرَّجُ في العلمِ يَعرِفُ أوَّلاً جنَّةَ المؤمنينَ بِحُكمِ تَدَرُّجِ معرفَتِهِ من عالمِ الحسِّ إلى عالمِ العقلِ، ثم يَرتَقِي لِمَعرفةِ جنَّةِ العارفينَ عِيَانًا، عِلْمًا أنَّ جنَّةَ العارفينَ موجودةٌ على الدَّوامِ قَبلَ وأثناءَ وبعدَ جنَّةِ المؤمنينَ.
ماسبقَ يَنفي قولَهم المشبوهَ: (جوهرُ الإلهِ هو الحقيقةُ الإنسانيَّةُ، والصِّفَةُ الصَّمدانيَّةُ حلَّتْ بها حقيقةُ الإلهِ في عالَمِ الأرواحِ العقليَّة بالعقلِ وفي عالَمِ المزاج الأرضيِّ بالمادَّةِ!!)، لأنَّ هذا القَولَ المشبوهَ لأهلِ السَّفسطةِ نَادٌّ عن التَّوحيدِ، وقد ردَّ عليه سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ حين عَرَّفوا الجوهرَ البسيطَ بأنَّه الإلهُ المطلَقُ الذي تَوَهَّمَتْ به سَائِرُ العقولِ والنُّفوسِ، وهو الذي لم يُدرِكْهُ الواجبُ الكونيُّ ولا منزلُ النِّداءِ، وهذا الكلامُ يَدْحَضُ سَفسَطَتَهم وَتَقدِيمَهُم للصِّفةِ الصَّمدانيَّةِ على مقامِ العروةِ الوثقى، جَاعِلينَ لحقيقةِ الحقائقِ صِفةً صَّمدانيَّةً غيرَ مقامِ العروةِ الوثقى وهذه تثنيةٌ وتجزيءٌ وتقسيمٌ وقد قال أمير المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (مَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ)، وفي سَفسَطَتِهم مُخَالَفَةٌ واضحةٌ وَصَريحةٌ للعرفانِ الخصيبيِّ المأخوذِ عن تعاليمِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، والذي يوضِّحُ أنَّ حقيقةَ الحقائقِ تُبدي مقامَ العروةِ الوثقى في عالمِ العقلِ وعالمِ الأمرِ، وأنَّها لَو لم تُبْدِ مقامَ العروةِ الوثقى لم يَثْبُتْ وُجودُها ولا صَحَّ عِيانُها.
فإذا كانَ مقامُ العروةِ الوثقى غيرَ الصِّفةِ الصَّمدانيَّة حسبَ زَعمِهِم فَهذا يُخرِجُهم كُلِّـيًّا عن نهجِ الأئمَّةِ المعصومينَ (ع)، وبالبحثِ الدَّقيقِ في سَفسطاتِهم يَتَبَيَّنُ لنا أنَّهُم قَصَدوا بالصِّفةِ الصَّمدانيَّة كُنْهَ حقيقةِ الحقائقِ حيثُ زعمَوا ذلكَ بقولِهم المشبوهِ: (حقيقةُ الإلهِ ما اتَّصَفَتْ بالصَّمدانيَّةِ إلَّا لأنَّها نَزَعَتْ هذهِ الصِّفةَ عن عالمِ الخلقِ وعالمِ الجبروتِ، ولم يَرَها بها أحدًا من خَلقِهِا ولا الأنبياء ولا الرسلَّ!!)، أي لم يُعاينْها أحدٌ من الخَلْقِ!!!
هذا الكلامُ مُخَالِفٌ للتَّوحيدِ لأنَّ معايَنَةَ مقامِ العروةِ الوثقى غيرُ مُـمْتَنِعٍ عن الخَلْقِ، إنَّما هُم مُـمْتَنِعُونَ عن الإدراكِ بِدَليلِ قولِ أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (سُبحَانَ مَن لا تُدْرِكُ كُنْهَ صِفَتِهِ حَمَلَةُ العَرْشِ على قُرْبِ رَبْوَاتِهم من كُرسِيِّ كَرَامَتِهِ، ولا الملائكةُ المقرَّبُونَ من أنوارِ سُبحَاتِ جَلالِهِ، لا يُقَالُ: أينَ، ولا فِيمَ، ولا أي، ولا كيفَ).
أمَّا تَفسيرُهُم المشبوهُ للصَّمَدانيَّةِ فهو إبطالٌ للتَّجلِّي وهذا هو مبدٲ التَّعطيلِ الذي وَقَعَ به السَّفسطائيُّونَ حينَ عَبَّروا عن تَعطيلِهِم وإنكارِهِم لجنَّةِ العارفينَ بقولِهم المشبوهِ: (تَنزيهُ جنَّةِ العارفينَ عن الحروفِ والحدود، وَنَفيُ الـمُعايَنَةِ لها والمعرفةِ بها!!)، لذلكَ كان تفسيرُ (الصِّفَةِ الصَّمدانيَّةِ) وفقَ العرفانِ الخصيبيِّ بأنَّه منفردٌ عن السِّماتِ فردانيُّ الجوهرِ في سَائِرِ التَّجلِّياتِ.
فالتَّوحيدُ لا يكونُ بإنكارِ جنَّةِ العارفينَ وجنَّةِ المؤمنينَ بل بإثباتِهِما حقًّا وعيانًا وبيانًا لقوله تعالى: (وَجَنَى الجَنَّتَيْنِ دَانٍ)، وذلك بإثباتِهِما في عالمِ العقلِ وعالمِ الأمرِ، وَمِن ثمَّ إفرادِ حقيقةِ الحقائقِ عن سماتِ ونعوتِ عالمِ الأرواحِ العقليَّةِ وعالَمِ المزاجِ الأرضيِّ، لذلكَ نقولُ عندَ الإثباتِ بأنَّ مقامَ العروةِ الوثقى الذي تَشْخَصُ له أبصارُ الخلائقِ هو حقيقةُ الحقائقِ بمعنى الوجودِ والتَّحقيقِ لا بمعنى الحَصْرِ والإحاطَةِ، فلولا هذهِ المُعايَنَةُ والتَّحقيقُ لَمَا ثَبُتَ الوجودُ ولا صَحَّ العِيَانُ، لذلكَ أشارَ سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ إلى أنَّ مقامَ العروةِ الوثقى علامةٌ للطَّالبينَ، والسِّمَةَ التي اتَّسَمَتْ حقيقةُ الحقائقِ بِها إشارةٌ للمُرتادِينَ، وحقيقةُ الحقائقِ جَلَّتْ وتَقَدَّسَتْ تتَعَالى عن كلِّ قَولٍ مَقولٍ أو أن تُحيطَ بها العُقُولُ، لأنَّ حقيقةَ الحقائقِ عَزَّتْ وَجَلَّتْ عن السِّمَاتِ، وعن تَراجِمِ العِبَارَاتِ، ولكنَّنا نَرَى وَنُحَقِّقُ مقامَ العروةِ الوثقى في عالمِ العقلِ وعالمِ الأمرِ.
فَعَجْزُنا عن معرفةِ حقيقةِ الحقائقِ بِكُنْهِهَا هوَ ما يَجعَلُنا نُعَاينُ مقامَ العروةِ الوثقى في عالمِ العقلِ وعالمِ الأمرِ بدليلِ ما وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ بأنَّهُ لم يَـجُزْ في الحكمةِ الإلهيَّةِ تجلِّي الإلهِ المطلَقِ كَشْفًا بالإطلاقِ لِكَونِه لا يَثْبُتُ له شَيءٌ في الوجودِ من الموجوداتِ، فَوَجَبَ من الحكمةِ الإلهيَّةِ أنْ يتجلَّى لِكُلِّ عالَمٍ كَسِمَتِهِ تَأنيسًا للمؤمنينَ وَتَلبيسًا على الجاحدينَ، وذلكَ ليُعاينَهُ وَيَأنَسَ إليهِ أهلُ خَاصَّتِهِ والمؤمنونَ العارفونَ بِهِ، لكنْ عندَ الإفرادِ نُنَزِّهُهُ عمَّا عايَنَهُ الحسُّ من الصِّفةِ الجماعيَّةِ الـمَحسوسَةِ، وعمَّا أَدْركَتْهُ العقولُ من الصِّفةِ الفرديَّةِ الـمَعقولَةِ، فالإلهُ المطلَقُ بِكُنْهِه أَجَلُّ ممَّا أَوْرَاهُ من مقامِ العروةِ الوثقى المَحصورِ، لأنَّ مَنْ حَصَرَهُ بكُنْهِهِ بِمَقَامٍ فَهُوَ مُشْرِكٌ لا مُؤمِنٌ ولا مُوَحِّدٌ، إذ جوهرهْ لا مقامَ لَهُ ولا قَيَّدَهُ مَقامٌ، فالإلهُ المطلَقُ أبدى السِّماتِ والنُّعوتَ، وفي الحقيقةِ لا سِمَةَ ولا نَعْتَ لَهُ؛ أي لا سِمَةً حِسِّيَّةً ولا نَعتًا عَقليًّا لَهُ، فَمَن زَعَمَ أنَّ للهِ مِثْلاً أو شَبَهًا في ذَاتِهِ فقد أشرَكَ وَكَفَرَ. وبالتالي ليسَ في قَولِنا: (إنَّ مقامَ العروةِ الوثقى هو حقيقةُ الحقائقِ) تَثبيتٌ للمقامِ على الإلهِ المطلَقِ، إنَّما المتَجلِّي أنْ يُبدي لِعِبَادِهِ مقامَ العروةِ الوثقى عِلمًا أنَّه بِذَاتِهِ منفردٌ عن الصِّفاتِ الجماعيَّةِ والفرديَّةِ، فالإلهُ المطلَقُ يُبْدِي السِّماتِ والنُّعوتَ، لكنَّ السِّماتِ والنُّعوتَ غَيرُهُ، وَهَذِهِ الغَيريَّةُ ليست بمعنى أنَّ الإلهَ المطلَقَ شَيءٌ وَتَجلِّيهِ شيءٌ آخرُ غيرُهُ، وإلَّا لكانت الشَّهادَةُ لِغَيرِهِ وكانَ المعبودُ سِوَاهُ، بل الغَيريَّةُ تكونُ من حيثُ العَرَضُ، لأنَّهُ يُورِي حقيقةَ الحقائقِ متجلِّيةً مُماثلَةً للعِبَادِ، لكنَّ الإلهَ المطلَقَ يَجلُّ عن الوصفِ والتَّجسيدِ، إنَّما يُوري مقامَ العروةِ الوثقى بمَشيئَتِهِ لكُلِّ عالَمٍ كَسِمَتِهِ وحقيقَتِهِ.
وهذا الإفرادُ للإلهِ المطلَقِ بعدَ إثباتِ التَّحقيقِ واجبٌ لكَمَالِ التَّوحيدِ لقولِ مولانا أميرِ المؤمنينَ (علي) علينا من ذكرِهِ السَّلامُ: (أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوحِيدِهِ الإخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ)، وهو ما أشارَ إليه سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ في دعائِهِم: (الحمدُ للهِ الأحَدِ الفرد الصمد ِّ جَلَّتْ ذَاتُهُ وَعَلَتْ، وَعَن الصِّفَاتِ امْتَنَعَتْ)، فالإلهُ المطلَقُ لا يَدخلُ تحتَ شكلٍ، ولا تَقَعُ عليه إشارةٌ، وبالتالي فإنَّ إثباتَ الصِّفاتِ الجماعيَّةِ والفرديَّةِ على كُنْهِ الإلهِ المطلَقِ يُبطِلُ العبادةَ لقولِ سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ: (إذا قُلْنَا أنَّ الإلهَ المطلَقَ هو السِّماتُ والنُّعوتُ فلا يجوزُ من الحكمةِ عِبَادةُ سِمَةٍ ونَعتٍ)، فمَن لم يُخَلِّصِ السَّمةَ من الموسومِ والنَّعتَ من المنعوتِ لم يَعْبُدْ شَيئًا.
===========

السَّفسطةُ الخامسةُ: زعَموا عند تفسيرهم لقوله تعالى: (شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أنَّ الإلهَ كانَ مشهودًا قبلَ إيجادِ الكائناتِ، وأنَّه عندَ انفرادِهِ قبلَ الزَّمانِ والمكانِ شَهِدَ من جَوهرهِ إلى جَوهرهِ، وأنَّ اللهَ يُصَرِّحُ من جَوهرِهِ إلى جوهرِهِ!!
نحنُ نَتَساءلُ: لِمَن هذا التَّصريحُ ولِمَن تكون الشهادةُ؟
إنَّ هذهِ السَّفسطةَ المشبوهةَ تَدعو إلى التَّجزيءِ والشِّركِ لأنَّها تُعارِضُ مبادئَ التَّوحيدِ الخالصِ، فَمَن زَعَم أنَّ للإلهِ المطلقِ تَجَلٍّ قبلَ ايجادِ القلمِ الإلهيِّ جَعَلَ سِمَاتِ وحدودَ ذلكَ التَّجلِّي شريكةً للإلهِ المطلقِ وهذا هو الشِّركُ، كذلك- وَحَسبَ زَعمِهِم- جَعَلُوا الإلهِ مُفتقرًا إلى سِمَاتِهِ وَحُدُودِهِ، وأنَّه أوجَدَها لِحَاجَتِهِ إليها، وَهُمْ بهذا الزَّعمِ نَقَضُوا مقامَ الألوهيَّةِ لأنَّهُ لا يَفتقِرُ إلى شيءٍ بل هو غَنِيٌّ عن كلِّ شيءٍ، وكلُّ شَيءٍ يَفتقرُ إلى الإلهِ المطلَقِ.
فَكَما وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ فإنَّ انفرادَ الإلهِ المطلقِ عن كلِّ السِّماتِ والحدودِ والهيئاتِ هو مبدأُ وأساسُ التَّوحيدِ الخالصِ، وهذا جارٍ قبلَ وأثناءَ وبعدَ الإيجادِ، ولا حَاجَةَ لأنْ يَشهَدَ الإلهُ المطلقُ لِجَوهَرِهِ، لأنَّ إثباتَهُ شَاهِدًا لِنَفسِهِ مُحالٌ وفقَ العرفانِ الخصيبيِّ، لأنَّ ذلكَ يَستلزمُ الافتقارَ والحاجةَ وهذا أيضًا مُحالٌ، لكنَّ الحقَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لا في شيءٍ ولا خارجٌ من شيءٍ ولا داخلٌ في شيءٍ ولا يُوصَفُ بشيءٍ، ولا يُقالُ له شيءٌ، وَليـسَ كمِثْلِه شيءٌ ولا يُشْبِهُهُ شيءٌ، ولا نِدٌّ ولا ضِدٌّ ولا مِثَالٌ لَهُ، فالحقُّ هو إثباتُ الإلهِ المطلقِ بلا سِمَةٍ لأنَّهُ مُسْتَغْنٍ أن يُبدِيَ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمُسْتَغنٍ أنْ يُكَلِّمَ نَفْسَهُ لِنَفْسِهِ، وهذا ما لخَّصَهُ سيِّدُنا المسيحُ (ع) بقولِهِ: (هُوَ وحدَهُ لا نِدَّ لَهُ، لا بدايةَ ولا نهايةَ لَهُ، ولكنَّهُ جعلَ لكلِّ شيءٍ بدايةً وسيجعلُ لكلِّ شيءٍ نهايةً).
أمَّا بَعْدَ الإيجادِ والتَّكوينِ فتكونُ الشَّهادَةُ إلى حقيقةِ الحقائقِ وهي الـمِحْنَةُ التي امتُحِنَ بها الخَلقُ، والتي أشارَ إليها العرفانُ الخَصِيبيُّ بأنَّها جنَّةُ العارفينَ في كلِّ عَصرٍ وزمانٍ بِتَغَيُّرِ الصِّفاتِ الجماعيَّةِ والفرديَّةِ لوقوعِ المحنةِ والاختبارِ ثم النَّقلَةِ منها، لأنَّ حقيقةَ الحقائقِ دَعَتْ من وجودِها الأحديِّ إلى الإلهِ المطلَقِ بوجودِها الأحديِّ، عندما تجلَّتْ لأهلِ الكشفِ والحضورِ والإيمانِ، فَلَمَّا تغيَّرَ عليهم مقامُ العروةِ الوثقى الذي دَعَاهُم بهِ تَـمَّتْ المِـحْنَةُ عليهم، أمَّا الواجبُ الكونيُّ الذي دَعَا إلى جنَّةِ العارفينَ فهو القَلَمُ الإلهيُّ إذْ قالوا: (اللهُ رَبُّنَا...) وهذا لا خلافَ فيهِ بينَ جميعِ أهلِ التَّوحيدِ أنَّ القلمَ الالهيَّ لم يَدعُ إلَّا إلى حقيقةِ الحقائقِ تَصريحًا وَتَلويحًا.
وقد سئل أحدُ سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ فقيل له: (هل دَعَتْ حقيقةُ الحقائقِ مِنْ جوهَرِها إلى وُجودِها الأحديِّ بجوهَرِها؟)، فكانَ الجوابُ العرفانيُّ أنَّ حقيقةَ الحقائقِ دَعَت مِنْ وجودِها الأحديِّ إلى جَوهَرِها البسيطِ بوجودِها الأحديِّ عَدْلًا مِنْها ولطفًا، إذِ وجودُها الأحديُّ هو مُمَاثَلَتُها الوجوديَّةُ للقلمِ الإلهيِّ الذي هوُ الواحدُ الموجودُ والنَّفسُ الـمُحَذَّرَةُ والعَينُ النَّاظِرَةُ كما في قوله تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، فحرفُ النُّونِ رمزٌ إلى جَوهَرِ حقيقةِ الحقائقِ قبلَ الإبداعِ، والقلمُ هو القلمُ الإلهيُّ الذي أبدَعَهُ الإلهُ المطلَقُ بقولِهِ: (كُن فَيَكُونُ)، أمَّا قوله تعالى: (وَمَا يَسْطُرُونَ) فهو مِثالٌ على تَجَلِّي الإلهِ المطلقِ كَمِثلِ القلمِ الإلهيِّ، فَسَطَرَ أوَّلَ ما سَطَرَ وُجودَهُ الأحديَّ، فحقيقةُ الحقائقِ هي الـمدعوُّ إليها، والقلمُ الإلهيُّ هو الدَّليلُ والدَّاعي إليها.
===============

السَّفسطةُ السَّادسةُ: التبسَ على السَّفسطائيِّينُ قول سيدنا المسيح (ع): (كلُّ مَن رَآني فقد رَأى اللهَ) فزَعَموا أنَّ الشَّهادَةَ هي للرَّسولِ وليسَتْ لِمَن أرسَلَهُ، وَسَاوَوا بذلك بين الرَّسولِ وَمُرسِلِهِ!! بل زَادوا في ضَلالِهم عندما استغنَوا عن تَجلِّي الإلهِ وَزَعموا أنَّ مُعايَنَةَ مَظاهرِ الأنبياءِ هي الحقيقةُ الإلهيَّةُ، وهذا طبعًا محالٌ لأنَّه خَلطٌ وشِركٌ يَقودُ في نهايةِ الأمرِ إلى نَفي الوجودِ!!
إنَّ أهلَ العرفانِ الخصيبيِّ لهم ارتباطٌ سامٍ وَصِلَةٌ وثيقةٌ تدلُّ على عُمقِ تاريخِ إيمانِهم، فقد أثبَتُوا تجلِّي الحقِّ الجوهريِّ وعظَّموا خليلَهُ وَصَفِيَّهُ وَحَبيبَهُ، وأقاموا الدَّلائلَ على ذلكَ، لكنَّهم حذَّروا ونبَّهوا إلى عدمِ الخلطِ بينَهما أو المُسَاواةِ لأنَّ ذلكَ هو الشِّركُ بِعَينِهِ، فالسَّفسطائيُّون الذين أشاروا بِمَجلَى الألوهيَّةِ على أنَّها القوَّةُ الكونيَّةُ الرَّبانيَّةُ، وهم لا يَرَونَ من الوجودِ خِلافَها، وعلى هذا فهؤلاء الْتَجَؤُوا بإشارتِهِم إلى الواجبِ الكونيِّ وَتَخبَّطوا بالجحيمِ، وَعَطَّلوا الشَّهادَةَ وأنكروا الوجودَ لقولِ مولانا الصَّادق (ع): (مَنْ زعَمَ أنَّ لَهُ إِلَهًا لا يُرى فلا رَبَّ لَهُ، ومَنْ زعم أنَّ له إِلَهًا لا يُعرَفُ فإنَّهُ من حزبِ إبليسِ الأبالسَةِ)، فاللهُ تعالى يقولُ: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
فَعِمادُ الإيمانِ عندَ أهلِ العرفانِ الخصيبيِّ هو الشَّهادةُ، لأنَّ الشَّهادَةَ لِمَجلَى الألوهيَّةِ بِعَقدِ الإيمانِ رَسمًا مَعناها الشَّهادةُ للمُشَاهَدَاتِ الكَشفِيَّةِ، لأنَّ الشَّهادةَ تدلُّ على الحضورِ لقولِهِ تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، فالمؤمنُ يزدادُ نورًا في وجهِهِ وَسُرورًا في نفسِهِ وقرَّةً في عينِهِ عندَ الشَّهادةِ لتجلِّي الحيِّ القيُّومِ، أما الجاحدُ المنكرُ المرتاعُ الرَّوعِ فَيُنكرُ وَيَجحدُ ذلك ويتولَّى عن شهودِهِ ومعرفتِهِ.
وقد وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ في شرحِهِم للآيةِ الشريفةِ: (ألم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) أنَّ الحروفَ أوَّلاً للدَّلالةِ على الوجودِ، وأنَّ الوجودَ هو الأصلُ بقولِهِ: (لا رَيبَ فيهِ)، وأنَّهُ (هُدًى) أي تَجَلٍّ (لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وهو جَوهَرُ حقيقةِ الحقائقِ الذي لا يَجمَعُهُ الكلُّ ولا يفرِّقُهُ البعضُ، وَسَمَّاهُ (الغيب)، وهو لفظٌ يفيدُ عدمَ الإدراكِ لا إنكارَ الوجودِ، ثمَّ قالَ: (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي يُثبِتُونَ أنَّهُ المتجلِّي من حيثِهِ والمشهودُ من حَيثِهِم على قَدْرِهِم.
كما وردَ في تعظيمِ حقيقةِ الحقائقِ أنَّها أزلٌ، جَلَّتْ عن أن يُقَالَ لَها جَلَّتْ، لأنَّ الإجلالَ والإعظامَ سِمَاتُ تجلِّياتِها ونعوتُ مَقاماتِهِ، أمَّا سِماتُها الوجوديَّةُ فهي مُعايَنَةٌ بالتَّجلي، لأنَّ ما يمكنُ مَعرفَتُهُ هو المُماثَلَةُ لا الهَيولى وفق العرفانِ الخصيبيِّ، فالهيولى هي التي تَقبَلُ لَبْسَ الهَيئَةِ وَخَلْعَها، وإنَّما تُبدي حقيقةُ الحقائقِ ما تُبديهِ لإثباتِ الوجودِ، ثمَّ تعودُ وَتُخفيهِ تنزيهًا، وليسَ ما تُبديهِ ماهيَّةً لها حيثُ وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ أنَّ المولى جلَّ جلالُهُ منَزَّهٌ عنْ أنْ ينحصرَ في تخطيطٍ معيَّنٍ، بلِ السِّماتُ كلُّها لهُ ولا سِمَةَ لهُ.
فالشَّهادةُ تكونُ لِمَقامِ العُروةِ الوثقى الذي بَدَا كسِماتِ الأجرامِ والأفلاكِ العقليَّةِ والحسيَّةِ، وليست حقيقةُ الحقائقِ هي الأجرامُ والأفلاكُ كما زعمَ السفسطائيُّونَ بحلولِهمِ، فهناك فرقٌ بين الواجبِ الكونيِّ ومماثَلَةِ حقيقةِ الحقائقِ لِسِمَتِهِ، فالشَّهادةُ لا تكونُ للواجبِ الكونيِّ ولا لمنزلِ النداءِ ولا للمفعولِ التَّكوينيِّ، أي لا يجوزُ أبدًا الأخذُ بقولِهم المشبوهِ: (إنَّ حقيقةَ الإلهِ هي حقيقةُ الأنبياءِ والرُّسلِ)، لأنَّ شهادَتَهُم وعبادَتَهُم للأنبياءِ والرُّسلِ، وهذا هو الجحودُ والنُّكرانُ بعينِهِ، بل الحق أن تكونَ الشَّهادَةُ لِتَجلِّي الإلهِ المطلَقِ، فيكونَ مَجلَى الألوهيَّةِ هوَ الإلهُ المطلقُ إثباتًا وإيجادًا، وليسَ الإلهُ المطلقُ هو مجلى الألوهيَّةِ كلاًّ ولا حصرًا، أمَّا العبادةُ فتكونُ للإلهِ المطلقِ لقوله تعالى: (صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ)، ولم يقل: (وَنَحْنُ لَها عَابِدونَ).
وإنَّ تنزيهَ الإلهِ المطلقِ عن التَّصويرِ والتَّجسيمِ لا يعني نفيَ الوجودِ والتَّجلِّي وإحالةَ حقيقةِ الحقائقِ إلى عدمٍ، فهذا الكلامُ لا يُلزِمُنا لأنَّنا نعتقدُ بِمَجلَى الألوهيَّةِ أنَّه دليلُ الوجودِ، لأنَّهُ ليسَ كلُّ ما لا تُدرِكُهُ لا وجودَ له، حيث وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ أنَّ سَلبَ السِّماتِ عن حقيقةِ الحقائقِ لا يحيلُها إلى عَدَمٍ... فإذا كنتَ عن معرفةِ كُنْهِ المخلوقِ عاجزًا فأنتَ عن إدراكِ كُنْهِ الخالقِ أعجزُ وأعجزُ.
وهناكَ أمورٌ كثيرةٌ لا نستطيعُ إدراكَها، ومع ذلكَ نُقِرُّ بوجودها لِمُجَرَّدِ وجودِ أثرٍ يشيرُ إليها، فالرُّوحُ مثلاً موجودةٌ وإنْ كنَّا لا نَرَاها، فهي لا تُعرَفُ إلا من خلالِ أَثَرِها، وأثرُها الجسدُ، فنحنُ نستدلُّ على وجودِ الروحِ بوجودِ الجسدِ الذي تقومُ به، فَمَتى وُجِدَ الجسدُ ظاهرًا دَلَّ على وجودِ الروح، وبالمقابلِ فإنَّ فناءَ الجسدِ لا يعني فناءَ الرُّوحِ، وبذلكَ لا نستطيعُ أن نقولَ: إنَّ الرُّوحَ عدمٌ، لقولِ الإمام الصادق (ع): (خلقَ اللهُ تعالى الرُّوحَ بلا بدنٍ).
كذلكَ تجريدُ الجوهرِ البسيطِ عن السِّماتِ والنُّعوتِ لا يعني العدمَ، إنَّما هو نفيُ التَّشبيهِ والحلولِ لأنَّه غنيٌّ عن السِّماتِ والنُّعوتِ لأنَّ إثباتَ الجوهرِ البسيطِ هو إثباتُهُ بلا سِمَةٍ لأنَّه مُستَغْنٍ أن يَسِمَ جوهرَهُ لجوهَرِهِ لقولِهِ تَعَالى: (قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ)، فالتَّجريدُ والإفرادُ يعني التَّنزيهَ عن إشراكِ الجوهرِ البسيطِ بالسِّماتِ والنُّعوتِ، وهذا هو الإجلالُ والتَّعظيمُ ِعن كلِّ صِفَةٍ لقولِ أميرِ المؤمنينِ (علي) علينا من ذكرهِ السَّلام: (كلُّ موجودٍ في الخَلْقِ لا يوجدُ في ذاتِ خالِقِهِ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر   الخميس أبريل 06, 2017 1:22 am

السَّفسطةُ السَّابعةُ: لم يفهم السفسطائيُّون الآيةَ الكريمةَ: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)، فزعموا أنَّ الآيَاتِ المُحكَمَاتِ هي حلولُ باعثِ الأنبياءِ بأنبيائِهِ واتحادُّهُ معهم لأنَّ اختِصَاصَه واحتِكَامَه وأشخاصَه من تجسُّدِهِ بحقيقَتِهِ، وذلكَ لأنَّ باعثَ الأنبياءِ سِمَةٌ مجرَّدَةٌ لا تُعرَفُ ولا تُعايَنُ، وباتِّحادِهِ بأنبيائِهِ يصبحُ عرضيًّا فَيُرى، فالمخلوقُ يَرَى الباعثَ المتَّحِدَ بالأنبياءِ لا الأنبياءَ، وإنَّ تنزيهَهُ لا يجوزُ عن الحقيقةِ الإنسانيَّةِ!!!
إن هذاَّ الاتِّحادَ الذي وَقَعَ بِهِ السَّفسطائيُّونَ جَعَلَهُم في موقعِ الشُّبْهَةِ، لأنَّ الاحتكامَ لا يكون إلاُ مِن مَجلى الألوهيَّةِ، وذلكَ لأنَّ تجلِّي حقيقةِ الحقائقِ كمِثْل هيئةِ وسمةِ الحقيقةِ الكاملةِ هو تشريفٌ ورفعةٌ للواجبِ الكونيِّ، لذلكَ فإنَّ القولَ الصَّحيحَ في هذا الوجهِ هو ما وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ أنَّ الآياتِ الـمُحْكَمَاتِ هي مَجلى الألوهيَّةِ، فَذَلِكَ الـمُحْكَمُ الذي لا شَكَّ فيهِ، لأنَّهُ قد أَحْكَمَها وَبيَّنَها وَشَرَّفَها فهي مُحكَمَاتٌ، والإشارةُ في هذا الإحكامِ إلى أنَّ مَجلى الألوهيَّةِ أحديُّ الذَّاتِ وقد سُئِلَ أحدُ سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ فقيلَ له: يا سيِّدِنا يُقالُ: هل الزِّينةُ الإلهيَّةُ هي مَجلى الألوهيَّةِ أم مَجلى الرُّبوبيَّةِ؟ فقالَ: (مَهْ، الزِّينةُ الإلهيَّةُ هي مَجلى الألوهيَّةِ لا مَجلى الرُّبوبيَّةِ، لأنَّ مَجلى الرُّبوبيَّةِ عائدٌ بِسِماتِهِ للحقيقةِ الإنسانيَّةِ، ولم تُبْدِ حقيقةُ الحقائقِ في كَورٍ ما وَدَورٍ ما وَعَصرٍ ما وَوَقتٍ ما وَزَمانٍ ما إلَّا الزِّينَةَ الإلهيَّةَ، وهي الحقُّ المبينُ).
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَهُمُ الـمُنْكِرُونَ الـمُعَطِّلونَ الذين يُشيرونَ إلى مَعْرِفَةِ الحقيقةِ الكاملةِ دونَ حقيقةِ الحقائقِ وَيَزعمونَ أنَّ مَا تجلَّى هو الحقيقةُ الكاملةُ لا حقيقةُ الحقائقِ، فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، فَمَنْ زَعَمَ أنَّ عالمَ الحقيقةِ والحقيقةَ الكاملةَ ومنزلَ النِّداءِ سَوَاءٌ، وَقَعَ بالشِّركِ الصَّريحِ لأنَّ الواجبَ الكونيَّ ومنزلَ النِّداءِ هُمَا عَبْدَانِ لحقيقة الحقائق.

ولو افترَضْنا جدلاً معَ أصحابِ هذه السَّفسطةِ أنَّ حقيقةَ الحقائقِ هي الحقيقةُ الإنسانيَّةُ الكاملةُ، فهل حقيقةُ الحقائقِ هي الشَّيءُ أم الجسمُ؟
ولو فرضنا أنَّ حقيقةَ الحقائقِ هي الحقيقةُ الكاملةُ فهل هذا الواجبُ الكونيُّ هو مقامُ العروةِ الوثقى المُعايَنُ؟!!
وإذا كان الإلهُ المطلقُ عقلاً مجرَّدًا، والشَّيءُ المتحرِّكُ عقلٌ مجرَّدٌ، فما هو الفرقُ بين العقلين؟ أفي الفخامةِ أم في الشَّكلِ أم في الحجمِ أم في الشَّفافيَّةِ؟
اعلموا عِلمَ اليَقين أنَّ العقلَ المجرَّدَ المطلقَ هو الواجبُ الكونيُّ، وهو الشَّيءُ المجرَّدُ المطلَقُ الذي لا يُعاينُ، بل الذي يُعايَنُ هو الجسمُ.
وكيفَ يكونُ تجلِّي الإلهِ المطلقِ بمقامٍ عَرَضي، والإلهُ المطلقُ لا يجوزُ أن يكونَ عَرَضًا وفق العرفانِ الخصيبيِّ؟
أما قولُهم المشبوهُ: (المخلوقُ يَرَى الباعثَ المتَّحِدَ بالأنبياءِ لا الأنبياءَ) فهذا يعني أنَّ الإلهَ المطلقَ له ماهيَّةٌ هي الشَّيءُ الذي لا يُعايَنُ، وفي وجودِهِ جسمٌ يُعايَنُ!! أي أنَّ الإلهَ المطلقَ عندَهم هو شيءٌ وجسمٌ، وهذا لا مُستَنَدَ له وفقَ العرفانِ الخصيبيِّ، بل هو فقط عندَ أهلِ السَّفسطةِ، ولذلكَ قيلَ: مَن قالَ أنَّ في الكلامِ مجازًا فقد كَفَرَ لأنَّهُ أبطلَ التَّجلي، لأنَّ الشَّيءَ والجسمَ هما الحقيقةُ الكاملةُ، لأنَّ الحقيقةَ الكاملةَ ماهيَّتُها من نوعينِ هما الشَّيءُ والجسمُ وهما أنوارٌ باقيةٌ لا تفنى.
==========

السَّفسطةُ الثَّامنةُ: عندَ انفرادِ اللهِ قبلَ الخلق والتكوينِ، وقتٌ لا تُدرَكُ دَقيقَتُهُ وَلَطافَتُهُ حَلَّتِ الماهيَّةُ بجوهرِهِ الموصوفِ بالخفاءِ!!
إنَّ الخلطَ والتَّشبيهَ بين حقيقةِ الحقائقِ والحقيقةِ الكاملةِ غَايَتُهُ غَرسُ عقيدةِ الشَّكِّ والشِّركِ بَدَلًا من عقيدةِ التَّوحيدِ لمواجهةِ كلمةِ الحقِّ الـمُمَثَّلَةِ بالعرفانِ العلويِّ الخصيبيِّ، فمن سفسطتِهم المشبوهةِ أنَّهم خَلَطَوا بينَ التَّجلِّي الـمَمْثُولِ بالاتِّصالِ إثباتًا، والتَّنزيهِ الممثولِ بالانفصَالِ إفرادًا، فقد زَعَمَ السَّفسطائيُّون أنَّ الماهيَّةَ حلَّتْ بالجوهرِ البسيطِ للحقَّ الجوهريَّ قبل إيجادِ العوالمِ!! فَجَعلوا بذلكَ للحقِّ الجوهريِّ جوهرينِ وهذا شركٌ.
ثم خرجَ السَّفسطائيُّون ببدعةٍ أخرى لنفي بِدعَتِهم الأولى فَزَعَموا أنَّ ذلكَ الحلولَ زالَ بعدَ اتِّحادِهِ بجوهريَّةِ الحقِّ وخفائِهِ!! فَوَقَعوا بالإنكارِ والجحودِ.
حتى تاهَ النَّاسُ بينهما وكَثُرَ الأخذُ والرَّدُّ، حتى جاءَ سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ ونطقوا بالحُكمِ الفَصلِ فأكَّدوا أنَّ الحقَّ الجوهريَّ بجوهرهِ البسيطِ ليسَ للقائلِ فيهِ مقالٌ ولا تُضْرَبُ به الأمثالُ ولا هو سِمَةٌ ولا فعلٌ ولا جسمٌ ولا آلةٌ ولا ماهيَّةٌ ولا جنسٌ ولا فصلٌ ولا وصلٌ ولا هيئةٌ ولا عرشٌ ولا كونٌ ولا مكانٌ ولا صفةٌ ولا نعتٌ ولا يَقبلُ التَّغييرَ والانتقالَ جلَّ عن كلِّ تَجسيمٍ أو تبعيضٍ أو تجزئةٍ، وأنَّ جوهرَهُ البسيطَ لا يقبلُ الحلولَ بشيءٍ ولا الاتِّحادَ بشيءٍ مطلقًا، وأنَّ مَن زَعَمَ أنَّهُ حَلَّ بِشَيءٍ أو حلَّ به شيءٌ فقد أشرَكَ، وهو ما أوضَحَهُ سادةُ العرفانِ الخَصِيبيِّ حينَ شرحوا معنى السِّمَةِ الجلاليَّةِ وهي خاصَّةٌ بجوهرِ الشَّيءِ المتحرِّكِ تَحقيقًا، وعندما تَـجَلَّتْ حقيقةُ الحقائقِ للشَّيءِ المتحرِّكِ اتَّسَمَتْ بالسِّمَةِ الجلاليَّةِ، لأنَّ الإلهَ المطلقَ وفقَ العرفانِ الخصيبيِّ أَزَلٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ مُنشِئُ الأشياءِ لا شَيءَ معهُ، فلمَّا شاءَ أن يُكَوِّنَ الشَّيءَ كَوَّنَهُ وأبدَعَهُ وَدَلَّهُ عليهِ وَنَاجاهُ وَأَنْطَقَهُ حتى أجابَ مُنَاجَاتِهِ، فَكَبَّـرَ نَفْسَهُ فَكَبَّـرَهُ وَسَبَّحَ نَفْسَهُ فَسَبَّحَهُ وَقَدَّسَ نَفْسَهُ فَقَدَّسَهُ وَوَسَمَهُ بالسِّمَةِ الجلاليَّةِ، وَأَشْرَعَهُ لِمَنْ يُكَوَّنُ بَعْدَهُ في جميعِ مُلكِهِ، وهذا يُؤكِّدُ أنَّ السِّمَةَ الجلاليَّةَ خاصَّةٌ بالشَّيءِ المتحرِّكِ وَمُلْكٌ لَهُ كما وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ بأنَّ السِّمَةَ الجلاليَّةَ اسم لجوهرِ الشَّيءِ المتحرِّكِ، والإلهُ المطلَقُ لا تَقَعُ عليهِ سِمَةٌ، ولا يُوسَمُ بِسِمَةٍ هو أَقَامَها ونعتٍ هو أبدَاهُ، فالسِّمَةُ سِمَةُ الشَّيءِ ونعتُهُ، وهي مُلكٌ لهُ ملَّكهُ إيَّاها مُنشِئُ الأشياءِ، وهذا عندما خَاطَبَهُ وَنَاجَاهُ بدليلِ قولِنا في الدعاءِ: (أشهَدُ أنَّ الشَّيءَ داعيهِ وهو الذي أبدَعَهُ وأبْدَاهُ وكَوَّنَهُ وَاصْطَفَاهُ، وَوَسَمَهُ بالسِّمَةِ الجلاليَّةِ حينَ َنَاجَاهُ)، ولكنْ عندَما يَتَجَلَّى منشئُ الأشياءِ لجوهرِ الشَّيءِ يُـمَاثِلُهُ بِسِماتِهِ لُطْفًا وَتَأنِيسًا فيوسَمُ منشئُ الأشياءِ إثباتًا بالسِّمَةِ الجلاليَّةِ، حيث وردَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيَّ أنَّ حقيقةَ الحقائقِ إذا أرادَتْ أنْ تُكرِّمَ الحقيقةَ الكاملةَ سَتَرَتْهُ وبَدَتْ كَمِثْلِ هيئَتِهِ، واتَّسَمَتْ بِسِمَتِهِ، من غيرِ حلولٍ واتِّحادٍ، وعندَ الإفرادِ نُنَزِّهُ الإلهَ المطلَقَ عن هذه السِّمَةِ وعن كلِّ السِّماتِ والنُّعوتِ التي يُبدِيها عندَ التَّجلِّي لأنَّها ليسَتْ لَهُ حَقيقةً بل تَعُودُ لِمَواقِعِها، وذلكَ لأنَّ السِّماتِ والنُّعوتَ والأفعالَ والماهيَّةَ تَقَعُ على الحقيقةِ الكاملةِ، أمَّا الإلهُ المطلقُ فلا تَقَعُ عليه سِمَةٌ ولا نعتٌ، لكنَّ حقيقةَ الحقائقِ إذا أبدَتِ السِّماتِ والنُّعوتَ عندَ التَّـجَلِّي فإنَّ هذهِ السِّماتِ والنُّعوتَ ليسَتْ ماهيَّةً لَها، إنَّما هي علامةٌ للإيجادِ، وعندَ الإفرادِ تَعُودُ لِمَواقِعِها، أمَّا الحقيقةُ الكاملةُ فإنَّها تبدو بسِمَاتِها ونعوتِها التي هي لَها حَقيقةً.
وقد سُئلَ سادةُ العرفانِ الخَصِيبيِّ عن السِّمةِ الجلاليَّةِ: أَكَانَت من غَيرِ حقيقةِ الحقائقِ بدَتْ؟؛ أي: هل بَدَتِ السِّماتُ والنُّعوتُ التي تُبديها حقيقةُ الحقائقِ عندَ التَّجلِّي منها أم بَدَتْ مِن غَيرِها؟ وهل هي الـمُتَجَلِّيةُ بها أم أنَّ الـمُتَجَلِّي غيرُها؟ فكانَ جوابُهم بأنَّها لو كانَ من غيرِ حقيقةِ الحقائقِ بَدَتْ لَكَانَ ذلكَ الغُيرُ قَدِيمًا مع الإلهِ المطلقِ، لأنَّ الفاعليَّةَ هي للحقِّ الجوهريِّ لِيَصحَّ الوجودُ وتَصُحَّ الشَّهادةُ له، مع عِلمِنا اليقينيِّ أنَّ السِّماتِ والحدودَ والنُّعوتَ أبداها مُماثَلَةً وهي انعكاسٌ لشهودِ العوالمِ إثباتًا، ولو كانَ مَن أبدَاها غيرُ حقيقةِ الحقائقِ لكانَ إمَّا قديمًا مع الإلهِ المطلَقِ، أو كانَت الشَّهادةُ إلى غيرِ حقيقةِ الحقائقِ، وهذا لا يَجوزُ.
وقد جاءَت في سَفسطاتِهم قولَهم المشبوهُ: (قد وَجَدْنا مَن يَقولُ: إنَّ الهويَّةَ الأحديَّةَ هي حقيقةُ الحقائقِ، وإنَّ حقيقةَ الحقائقِ هي الهويَّةُ الأحديَّةُ!!)، لكنَّنا مُلتَزِمونَ بِـمَا وَرَدَ وفقَ العرفانِ الخصيبيِّ بأنَّ حقيقةَ الحقائقِ هي الهويَّةُ الأحديَّةُ إثباتًا وإيجادًا، وليست الهويَّةُ الأحديَّةُ هي حقيقةُ الحقائقِ كلاً ولا جَمعًا ولا إحاطةً، فَسَريانُ الهويَّةِ الأحديَّةِ هو حقيقةُ الحقائقِ شَهَادةً وَوُجودًا وَعِيَانًا، حيث جاءَ عن سادةِ العرفانِ الخصيبيِّ أنَّه إنْ لم تَكُن السِّمةُ من غيرِ حقيقةِ الحقائقِ بدَتْ، فلا يجوزُ إنكارُ أن تكونَ دالَّةً عليها؛ يعني أنَّنا نشهدُ السِّمةَ الجلاليَّةَ لحقيقةِ الحقائقِ لا لِغَيرِها وهذا مُتَعَلِّقٌ بالإثباتِ فقطْ، لأنَّها إن كانت مِن حقيقةِ الحقائقِ بَدَتْ فَهُي منها بِمَعنى الاتِّصالِ الوجوديِّ عندَ التَّجلِّي مُماثَلَةً، وهذا الاتِّصالُ يَدُلُّ على إثباتِ سريانِ الهويَّةِ الأحديَّةِ، لأنَّه لا يُمكِنُنا أن نشيرَ إلى الهويَّةِ الأحديَّةِ إلَّا من خلالِ السِّماتِ والنُّعوتِ، وبهذا نَتَّصِلُ بمعرفةِ عالمِ الحقيقةِ.
أمَّا الانفصالُ هنا فَهُو يَدُلُّ على التّجريدِ الـمُعَبَّرِ عَنهُ وفقَ العرفانِ الخصيبيِّ بأنَّ الهويَّةَ الأحديَّةَ ليست محصورةً أو محدودةً بمقامِ عالمِ الحقيقةِ كلاً ولا جمعًا ولا إحاطةً، لأنَّ الهويَّةَ الأحديَّةَ لا يمكن الإحاطةُ بها، لأنَّ السِّماتِ والنُّعوتَ تَعودُ إلى مَوَاقِعِها عندَ الإفرادِ فَمَنْ عَرَفَ مَوَاقِعَ السِّمةِ، بَلَغَ حقيقة الـمَعْرِفَةِ، وهذا الـمَوقِعُ عَبَّرَ عنهُ سادةُ العرفانِ الخَصِيبيِّ بالـمقامِ، حيثُ أكَّدوا أنَّ الـحقيقةَ الكاملةَ هي الشَّيءُ المتحرِّكُ الذي بَدَا مِنَ منشئِ الأشياءِ، وهو القوَّةُ من القويِّ والعلمُ من العليمِ والحكمةُ من الحكيمِ والـمُحْدَثُ من الـمُحْدِثِ والشَّيُ من المُشيءِ.
إنَّ ما سَبَقَ يُؤكِّدُ أنَّ الإلهَ المطلقَ لم يَكُنْ لَهُ مقامٌ قبلَ تكوينِ العالَمِ، لأنَّ المقامَ كانَ للدَّلالَةِ على الوجودِ، وهو لِحَاجَةِ عالمِ العقلِ وعالمِ الأمرِ، فالإلهُ المطلقُ تجلَّى لِيَأنَسَ بِهِ العالَمُ، وَهُوَ يَـجلُّ عن ذَلِكَ كُلِّهِ، وإنَّما ذلكَ التَّجلِّي لإثبَاتِ الحُجَّةِ وَتَحجِيجِ الـمَحَجَّةِ عَلَيهم، فَمَنْ جَعَلَ للإلهِ المطلَقِ مقامًا قبلَ تكوينِ عالمِ العقلِ، جَعَلَ عالمَ العقلِ وعالمَ الأمرِ قَدِيمان وشريكانِ للإلهِ المطلقِ أيضًا، وكأنَّما يقولُ: إنَّ المعايِنَ والمعايَنَ قَدِيمَانِ!! وَهَذَا شِرْكٌ صُرَاحٌ، بل نَقولُ: الإلهُ المطلقُ بجوهرِهِ البسيط ليسَ لَهُ مقامٌ ولا مِثَالٌ لأنَّهُ مُقيمُ المقاماتِ، فالمقامُ هيئةٌ وجوديَّةٌ لأجلِ الشَّهادةِ وإقامةِ فروضِ العبادةِ.
إذن: صَارَ مقامُ عالمِ الحقيقةِ بَعْدَ تكوينِ العالمِ لِحَاجَةِ عالمِ العقلِ وعالمِ الأمرِ، حيثُ سئلَ سادةُ العرفانِ الخصيبيِّ: كَيفَ صَارَ للإلهِ المطلَقِ مقامٌ؟ فأجابوا لِحَاجَةِ عالمِ العقلِ وعالمِ الأمرِ إليهِ كَحَاجَتِهِمْ إلى التَّواصلِ، لأنَّهُ لا تواصلَ إلَّا مِن مقامِ ولا مَعرِفَةَ إلَّا بالقوَّةِ الكونيَّةِ فَأتَاهُمْ مِن حَيثُ يَعرِفُونَ، وَهَذِهِ الصَّيرُورَةُ لَيْسَتْ حُدُوثًا بِمَعنى التَّكوينِ، بل بِمَعنى أنَّ الإلهَ المطلَقَ تجلَّى لُطفًا عِلمًا أنَّه لم يَكُنْ لَهُ مقامٌ، أي أنَّهُ أوجَدَ المقامَ بَعْدَ أنْ لم يَكُنْ له وُجُودٌ، لأنَّ وجودَ عالمِ الحقيقةِ هو لحاجةِ العوالمِ العقليَّةِ والحسيَّةِ وليسَ لحاجةِ الإلهِ المطلقِ لأنَّهُ قائمٌ بجوهرِهِ مُستَغْنٍ عن غيرِهِ.
==================


الخاتمة

مهما كانَ سعيُهُم ومحاولاتُهُم فإنَّهم لن يستطيعوا بلوغَ ما يرمونَ إليهِ بإذنِ اللهِ، إذ سَيَستَحِيلُ عليهم فَهمَ المبادئِ النُّصيريَّةِ الإلهيَّةِ، ومكاشفةَ التَّعاليمِ الخصيبيَّةِ الحقيقيَّةِ، والغوصَ في الأسرارِ الجلِّيَّةِ التَّوحيديَّةِ، وتحصيلَ العلومِ الميمونيَّةِ الفقهيَّةِ، لأنَّها أجلُّ العلومِ رتبةً وأعلاها دَرَجةً وَمَنقَبَةً، وأعظَمُها ثمرةً، فالكلامُ عباراتٌ وألفاظٌ، وقد تَنوبُ عنهُ إشاراتٌ وإيماءاتٌ، وقد جاءَ عن أمير المؤمنين (علي) علينا من ذكره السلام: (إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يَحْمِلُهُ إِلا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ، ولا يَعِي حَدِيثَنَا إِلا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وأَحْلامٌ رَزِينَةٌ).
فاللَّوحُ الخصيبيُّ الذي يُعتَبَرُ معجزةً في العبقريَّةِ، محفوظٌ عن مَسِّ الشَّياطينِ، ومكنونٌ عن حواسِّ وعيونِ رجسِ المرتدِّين، لقوله تعالى: (لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).
وجوهرُ قانوننا الخصيبيِّ المعصومِ بعيدٌ عن أدناسِ الوساوسِ والأوهامِ، ومنزَّهٌ عن الأفكارِ المُتَعلِّقَةِ بعوارضِ الأجسامِ، لقوله تعالى: (فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ).
ولعلَّ ما تقدم يكفي ليكون دعوةً للنَّشءِ وَحَمْلاً له على الاهتمام بالتُّراثِ الخصيبيِّ والإقبالِ عليه، لأنَّ المحاذيرَ شديدةٌ، وليست كيفيَّةً، بل صادرةٌ عن واضعي التُّراثِ أنفسِهِم، ولذلك فلا فسحةَ في التَّهاونِ، بل لابدَّ مِنَ التَّشَدُّدِ حرصًا على سرِّ اللهِ، ولا يُغضِبْ هذا التَّشدُّدُ المُقبِلَ لأنَّه سَيَكتَشِفُ بعدَ وصولِهِ أنَّ هذا التَّشدُّدَ ضرورةٌ لازمةٌ، وَسَيغدو أكثرَ تَشَدُّدًا للحفاظِ على هذا السِّرِّ العظيمِ.
أسألُ اللهَ أن يجعلَ ذلكَ الجهدَ في سبيلِ الحقِّ بضاعةً مباركةً ورصيدَ خيرٍ في ذلكَ اليومِ الذي: (لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
=============

لمحة مختصرة عن الباحث الأستاذ هشام أحمد صقر

 أصلُهُ: من العائلةِ المعروفةِ بـ(آل علي) التي تقيمُ في قريةِ كيمين، ولكنَّ عائلتَهُ انتقلت من قريةِ كيمين لتقطنَ في قرية العناقية (غرناطة حالياً) التَّابعةِ لناحيةِ المزيرعة في محافظةِ اللاذقية، وذلك منذ مدةٍ طويلةٍ نتيجةً للظروفِ الاقتصاديةِ والمعيشيَّةِ القاسيةِ آنذاك، واستقرَّتْ في القريةِ المذكورةِ حتى الآن.
 نشأته ودراسته: نشأَ ودرسَ في مدارسِ القريةِ المذكورةِ حتى حصلَ على الشهادةِ الثانويةِ العلميَّةِ، وقام بتعديلِ دراستِهِ البحريَّةِ إلى إجازةٍ في العلومِ. وهو مقيمٌ حاليًّا في اللاذقية.
 علومه ومعارفه: أخذَ علومَهُ الدينيةَ قراءةً ونسخاً ودراسةً لمنهجِ الطريقةِ وسبيلِ الحقيقةِ من أكبرِ المراجعِ الدينيةِ من أهل العلمِ والتقوى والفقهِ والعملِ الصالحِ، العلماءِ العارفين والسَّادةِ الموحدين، أصحابِ العلومِ الغزيرةِ الشُّموليَّةِ، أصحابِ العطاءِ والإنتاجِ الفكريِّ في هذا الدينِ القويمِ صاحبِ البيتِ المحمدي المُكَرَّمِ والحَرَمِ العلوي المُعَظَّمِ، أصحابِ الكتبِ المعروفةِ والتَّآليفِ المشهورةِ في معرفةِ الحقائقِ الشافيةِ والدَّقائقِ العليَّةِ لعلمائِنا الأبرارِ قدَّسَ اللهُ أرواحَهم.
ودرس علوم الأديان بكل تفاصيلها، وله العديد من المناظرات مع الفرق الأخرى بما يثبت أحقية فرقتنا الناجية، وتخصص بعلوم الفلسفة والمنطق والعرفان.
 مؤلفاته المطبوعة:
في المجال الديني:
1) الأسباب بين الاطراد والانعكاس.
2) التقية.
3) العقبة- دراسة في فكر الحجة الأعلى والقدوة الأجلى محمد بن نصير (أبو شعيب).
4) الأنوار الإلهية.. رداً على الفكر المتطرف المشبوه للجماعات التكفيرية “جماعة الإخوان المجرمين وأمثالهم”.
في المجال السياسي:
1) مشهد الصمود.
2) قلعة الممانعة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اللوح المحفوظ للباحث هشام أحمد صقر
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الـحـقـيـقـــة :: الصفحة الرئيسية :: الكتب الدينية-
انتقل الى: