منتدى ديني يهتم بإبراز الحقيقة والدفاع عنها
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كتاب الأنوار الإلهية- رَدًّا على الفكرِ المُتَطَرّفِ المَشْبُوهِ للجماعاتِ التَّكفيريَّةِ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: كتاب الأنوار الإلهية- رَدًّا على الفكرِ المُتَطَرّفِ المَشْبُوهِ للجماعاتِ التَّكفيريَّةِ   الخميس مايو 24, 2012 9:55 am

الأنوار الإلهية
رَدًّا على الفكرِ المُتَطَرّفِ المَشْبُوهِ للجماعاتِ التَّكفيريَّةِ
(( جماعة الإخوان المجرمين "المسلمين" وأمثالهم ))

تأليف الباحث الديني:
هشام أحمد صقر

1433 هـ - 2012 م

طبع هذا الكتاب بقرار موافقة مديرية الرقابة في وزارة الإعلام رقم 109585 تاريخ 29/1/2012
--------------------------------------------------------------------------------------
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً
وَلاَ تَفَرَّقُواْ
صَدَقَ اللهُ العَظِيم
--------------------------------------------------------------------------------------
الإهــــــداء
إلى سَادةِ الهدايةِ.. الأنبياءِ والمرسلين..
أصحابِ المقامِ المحمودِ والحوضِ المَورودِ واللواءِ المَعقودِ..
أصحابِ مقامِ الإخلاص عليهم أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسليم..
***
إلى مَن اقتفى أثرَهُم وَلَزِمَ طَريقَتَهُم وَسَارَ على نَهجِهِم.. أصحابِ مقامِ الخلوص..
***
إلى العلماءِ العاملينَ والأولياءِ الصَّادقينَ والأصفياءِ المؤمنين.. أصحابِ مقامِ الصَّلاح..
***
إلى القائدِ الثَّائرِ العظيمِ.. السَّيد الرَّئيس بشار حافظ الأسد
الحاملِ بيدِهِ لواءَ الفَلاحِ بِعَزمٍ جازمٍ وإرادةٍ صلبةٍ وثباتٍ راسخٍ..
صاحبِ الحكمةِ المتعاليةِ من خلالِ مرآةِ أفكارِهِ وشخصيَّتِهِ الملكوتيَّةِ المنعكسَةِ في أفعالِهِ وأقوالِهِ وخطاباتِهِ..
حقًّا إنَّه أستاذُ العصرِ في الحكمةِ والسياسةِ والرئاسةِ.. الذي عَلَّمَنا كيفَ تتحوَّلُ الأزماتُ إلى انتصاراتٍ...



إلى شَبابنا المؤمنِ الذي يقفُ عند كل ظاهرةٍ وقفةَ تأمُّلٍ وتفحُّصٍ وتفكيرٍ في آثارِها.. ليتبيَّنَ خيرَها من شَرها وَحَقَّها من باطلِها..
إلى شبابنا المثقَّفِ الطالبِ للعلمِ والمعرفةِ بواقعِ الحقائقِ.. بعيدًا عن كل محاولاتِ التَّزويرِ التي أقلُّ ما تُوصَفُ به التَّعصُّبُ الواضحُ والتحيَّزُ الجارحُ..
إلى شبابنا الذين كانوا وما زالوا متمسكينَ بالميزانِ القدسي الصَّمداني.. ومؤمنين بالنَّهجِ النَّبوي والرَّسولي..
إلى شبابنا المتعطش إلى التَّعرُّفِ على مَشربِ العرفانِ من العلومِ الإيمانيَّةِ وموازينها السَّماويَّةِ في هذا الوقت الذي يحاولُ فيه البعضُ إضاعةَ معالمِ سبلِ الحق وإخفاءَ آثارِ الصدقِ رغمَ وضوحِ الاعتقادِ الحق واشتهارِ راية الصدقِ..
إليكم يا أصحابَ القلوبِ الحيَّةِ والضَّمائرِ النَّقيَّةِ والأفكارِ السَّاميةِ والعقولِ الرَّاجحة.. أهدي هذه العُجَالة من الأنوارِ الإلهيَّةِ كمصباحٍ للهداية....

هشام...
--------------------------------------------------------------------------------------
محتويات الكتاب
-----------------
متن الكتاب
توطئة
تقديم
كلمة المؤلف
المدخل
الباب الأول: جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين)
- الفصل الأول: مفهوم الفكر التكفيري عند جماعة
الإخوان المجرمين (المسلمين)
- الفصل الثاني: الانحراف العقائدي عند جماعة
الإخوان المجرمين (المسلمين)
- الفصل الثالث: الانحراف الفكري عند جماعة
الإخوان المجرمين (المسلمين)
الباب الثاني: التيارات السلفية التكفيرية
- الفصل الأول: تعدد علوم الرسوم ووحدة علم الحقائق
- الفصل الثاني: الآراء السَّلفيَّة التَّكفيريَّة الحائدة

الباب الثالث: الجماعات الوهابية التكفيرية
- الفصل الأول: مشكلة الخلط
- الفصل الثاني: تعظيم شعائر الله
- الفصل الثالث: الأولياء
الباب الرابع: الوسطية
- الفصل الأول: عقيدتنا الوسطية
- الفصل الثاني: توحيدنا الوسطي
أولاً- التوحيد في العبادة
ثانياً- الربوبية والعبودية
- الفصل الثالث: فلسفتنا
أولاً- فلسفة المثال
ثانياً- الأفعال في المفهوم الفلسفي
في النهاية
الخاتمة
--------------------------------------------------------------------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: متن الكتاب   السبت مايو 26, 2012 11:01 pm

مـتــن الـكـتــــاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ المُلْهِمِ عبادَهُ وَاجِبَ مَعْرِفَتِهِ، وفاطرِهِمْ على معرفةِ مشيئَتِهِ، أراهُمْ منْ مَلكوتِ علمِهِ ما نَطقَتْ بهِ آثارُ عَظَمَتِهِ، فلا بُلُوغَ لِنِعَمِهِ، ولا نَفَادَ لكلامِهِ..
الحمدُ للهِ الذي خَصَّ بفضلِهِ العظيمِ معرفةَ العِلَّةِ وأسرارِها مَنِ اصْطَفاهُ لِحَضْرَتِهِ وأُنسِـهِ، ونوَّرَ قلوبَ أوليائِهِ بمعرفةِ المشاهدةِ وإخلاصِها..
أحمَدُهُ بالحمدِ الذي مِنْ خَيرِ خَلقِهِ ارتَضاهُ، وأوجَبَ قبُولَهُ على مَن هَدَاهُ..
اللهمَّ صَلِّ على الأنبياءِ المعصومينَ حُجَجِ اللهِ على العالَمين.. وعلى الذين انتهَجَوا نهجَهُمْ ونَهَلَوا من نَبعِهِم المَعين، فَأَفَاضَوا على قلوبِ الأولياءِ لآلئَ جواهرِ الدينِ، وأشرَقَوا على ضمائرِ أحبَّائِهِم لَوَامِعَ التَّبيينِ..
وصلِّ اللهمَّ على الأركانِ المُختَارين وعلى الرُّسلِ المصطفين، الذي أناروا أرواحَ المؤمنينَ ليكونوا من المُوقنين، وكشفَوا عن أبصارِهم برياحِ علمِهِ أغشيةَ التَّعلُّقاتِ المانعةِ شُهُودَ جلالِ رب العالمين، وأيَّدَهم بنصرِةِ الثقاة لتقويةِ الدِّينِ، ونصرةِ رجالِ المعرفةِ واليقين، جعلَنا اللهُ وإيَّاكُم على طريقِهم في مزاحَمَةِ عالمِ الخيالِ والبرزخِ سالكين....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: توطئة   السبت مايو 26, 2012 11:12 pm

تــوطـــئـــــة
يقولُ المفتقرُ للرَّبِّ العظيمِ:
ولمَّا كان من أعظمِ النِّعمِ على العبادِ من عوالِمِ الإيمانِ الرحمةُ الواسعةُ بمقامِ الإحسان من خزائنِ الوحي وَحَملةِ العلمِ والحكمةِ، كانت الرابطةُ بين الخالقِ والمخلوقِ هي الحبلُ المتصلُ والوسيلةُ للدُّخولِ إلى الحصنِ الحصين، والتَّمسُّكِ بالعروةِ الوثقى والحبلِ المتين.
لذا كانَ هذا الكتاب بإذنِ اللهِ تعالى من أجلِ إعطاءِ صورةٍ دينيَّةٍ شاملةٍ وأدلَّةٍ دقيقةٍ في أصولِهِ ومرتكزاتِهِ وأحكامِهِ العقائديَّةِ والفقهيَّةِ والفلسفيَّةِ.
ولعلَّ سببَ الإرادةِ للكتابةِ في هذا الموضوعِ الهامِّ وأهميتهِ هو الأضواءُ في هذه الأجواءِ الصَّعبةِ التي كَثُرَتْ فيها المحاولاتُ لِتَوجيهِ الجيلِ الناشئِ للخطأ لِيُصبِحَ ضَائعًا حَائرًا، عندما لَجَأت الجماعاتُ التَّكفيريَّةُ بأنواعِها وأشكالِها إلى كثيرٍ من العباراتِ والاصطلاحاتِ المُخالفةِ للحقائقِ من خلالِ استئصالِ أكبادِ الودائعِ الإلهيَّةِ والنُّصوصِ السَّماويَّةِ والأحاديثِ النبويَّةِ تحتَ تَحَكُّمِ الأهواءِ الشخصيَّةِ وميولِ رجالِ هذه الجماعاتِ التَّكفيريَّةِ بِفِعْلِ تَنَطُّعٍ وَنَزَقٍ لا رَادِعَ لهما.
لذلك لم يعُدْ للسُّكوتِ عن هذه الجماعاتِ من نتيجةٍ، وخاصَّةً في ظلِّ طلبٍ من الشَّبابِ لأسبابِ تقويةِ بُنْيَتِهم العقائديَّةِ السَّليمةِ.
من هنا كانت قيمةُ البحثِ عن مبادئِ الاعتقادِ ضرورةً مُلِحَّةً من خلالِ هذهِ القراءةِ، والتي ستكونُ بإذنِ اللهِ لإثباتِ كلمةِ الحقِّ ضدَّ هؤلاء التَّكفيريِّين المجرمين المنحرفين عن دينِ الحقِّ عن طريقِ تَفصيلِ الأدلَّةِ ضدَّهم من العلمِ الأعلى.
وهذا هو السَّببُ في تأليفِ الكتابِ الذي سَنُقدِّمُهُ لِدَحضِ الأفكارِ المشوَّهَةِ وإخراسِ الألسنَةِ الآثمَةِ عند هذه الجماعاتِ التَّكفيريَّةِ من أجلِ إعادةِ سطوعِ ضياءِ الحقيقةِ؟!
فهذا الكتابُ وما فيه محاولةٌ لإظهارِ خلفياتِ هذه الجماعاتِ التكفيريَّةِ بأمانةٍ، فأرجو أن يكونَ خطوةً في طريقِ التَّصدِّي للانحرافِ العقائديِّ والعبثِ الفكريِّ عند هذه الجماعاتِ التكفيرية الذي نتجَ عن خوضِ الجهلةِ ممَّن عرفوا شيئًا وغابَت عنهم أشياء....
والسؤالُ المطروح: لماذا غيَّب هؤلاء المنحرفونَ من هذهِ الجماعاتِ التَّكفيريَّةِ، المتأثِّرونَ بالفكرِ المظلمِ، أذهانَهم عن كنزٍ وَرِثناهُ كميراثٍ من أنبياءِ اللهِ ورسلِهِ جميعًا وحَمَلناهُ دهرًا بعد دهرٍ مقامًا عاليًا، وعن نقائهِ وقدسيَّتِهِ وثبوتِهِ ثبوتًا لا تهزُّه أوهامُهم الهاوية ولا فتاواهم الخاوية ولا ظنونُهم المتداعيةُ؟!
نتساءل: كيف تصيغُ هذه الجماعاتُ التَّكفيريَّةُ فتاواها وعباراتِها؟ أَمِنْ قِلَّةِ الدِّرايةِ أم مِنَ التَّقصيرِ في الرِّواية...!!
وإنِّي لأتعجَّبُ من هؤلاء المجرمينَ المنحرفينَ المتأثرينَ كيف وصلَ بهم الحَدُّ إلى ما فَعَلوهُ؟!!
هل ظنَّ هؤلاء المجرمونَ المنحرفونَ أنَّهم قادرونَ على أن يُدخِلوا شبابَنا المثقَّفَ في بوائِقِ جَهلهم، وَيَقضوا على إيمانِهِ واندفاعِهِ في مراجِلِ حقدِهم؟!
أسألُ اللهَ أن يجعلَ هذا الجهدَ في سبيلِ الحقِّ بضاعةً ورصيدَ خيرٍ وبركةٍ في ذلكَ اليومِ الذي: (يَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَــلِيمٍ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: تقديم   الأحد مايو 27, 2012 11:32 pm

تـقـــديــــــم

في التَّاريخِ.. كانت الجماعاتُ التَّكفيريَّةُ قائمةً بالغطاءِ الدِّينيِّ، فصارَتْ ظاهرةً في العصرِ الحديثِ تَتَّسِمُ بطابعِ الإقصاءِ؛ أي إقصاءِ الآخرين المختلفين معها في الفكرِ والسُّلوكِ.
ولعلَّ أخطرَ صفةٍ لهذه الجماعاتِ التَّكفيريَّةِ هي التَّديُّنُ الإقصائيُّ، لأنَّه يُذيبُ الفردَ عندَهم بجملةٍ من النَّظريَّاتِ من دونِ أيِّ مجالٍ للفهمِ والتَّأويلِ والعملِ إلا داخلَ سياجٍ مُتَّفَقٍ عليهِ بأهواء شخصيَّةٍ. وتقومُ التَّنشئَةُ الاجتماعيَّةُ لهذهِ الجماعاتِ- وللأسفِ- بدورٍ أساسيٍّ في جعلِ الفردِ مُتماهيًا دونَ تفكيرٍ أو وعي.
فَمِنَ المحطَّاتِ الملفِتَةِ للنَّظر، والتي يجبُ التَّوقُّفُ عندَها والتَّأمُّلُ فيها، عودةُ ظهورِ هذه الجماعاتِ المنحرفةِ عن الطُّرقِ القويمةِ، الذين تَبَنَّوا حسبَ زَعمِهم الخطَّ الإصلاحيَّ للدِّينِ الإسلاميِّ، فَوَجدوا في آثارِ القتلِ والإرهابِ وانتشارِ التقنياتِ الحديثةِ فرصةً سانحةً للتَّعبيرِ عن انحرافِهم وَخَلْطِهِم المعتوهِ كأسلوبٍ جديدٍ مُبْتَدَعٍ.
والهَوَسُ عندَ هذه الجماعاتِ التكفيريَّةِ هو الذي جعلَ أصحابَ الفتاوى المغرضةِ لهؤلاء يُقحِمُونَ أنفسَهُم في ميدانٍ لا باعَ لهم فيهِ ولا مَتَاعَ، ويجيبُونَ بفتاوى القتلِ بما وَسْوَسَ لهم الشيطانُ من التُّرَّهاتِ المنمَّقَةِ، فكانَ عَرْضُهم من خلالِ ما رأينا على مواقِعِهم الإعلاميَّةِ والالكترونيَّةِ أجوفَ واستعراضًا دعائيًّا مقيتًا يبعَثُ الازدراءَ والاشمئزازَ في نفوسِ النُّخبةِ الإيمانيَّةِ الواعيةِ، ويُخَلِّفُ الدَّاءَ والبلاءَ في جهةٍ أخرى، والضَّحيَّةُ الأولى فيها بعضُ الشَّبابِ غيرِ المُثقَّفِ.
والخطرُ يَكمُنُ في الأفكارِ المشبوهةِ لهذه الجماعات التَّكفيريَّة ذاتِ الأساليبِ المختلفةِ والأقوالِ الزَّاهيةِ الجذَّابةِ، حيث لَجَأ هؤلاء إلى دَسِّ سُمومِ أفكارِهم الهدَّامَةِ من خلالِ بعضِ الفتاوى المُغْرِضَةِ المليئةِ بالادِّعاءاتِ الحائدةِ والاتِّجاهاتِ المنحرفةِ التي حَاولَتْ تحويلَ رياضِ المياهِ الإسلاميَّةِ الصَّافيةِ إلى مُستنقعاتٍ سَطحيَّةٍ آسِنَةٍ.
والمؤسفُ أنَّ مثلَ هذه الفتاوى الهزيلةِ الصَّادرةِ عن مشائخِ الفتنةِ، والموجودةِ على بعضِ المواقعِ بقيَتْ كأنَّها مُسَلَّمَاتٌ للبعضِ لا تقبلُ النِّقاشَ، يَأخُذُها المتأخِّرونَ من المتقدِّمينَ بدونِ الرُّجوعِ إلى مبادئِِ وأصولِِ الدِّينِ، فما أعظمَ ذنبَ مَن خَلَّفوا تَرِكَةً مكتوبةً مَوبوءةً وراءَهم، فكانت لاحقًا زادًا للسُّمومِ عندَ مَن أجازَ اليومَ تَقليدَهم...!
ليسَ هذا غريبًا عن أهلِ الباطلِ وَمُمَثِّليهم في هذا الوقت؛ شيوخِ الفتنةِ وشيوخِ القتلِ الذينَ حَلَّلُوا ما حَرَّمَتْهُ الكتبُ السماويَّةُ وما جاءَ به الأنبياءُ والرُّسلُ من قتلِ النَّفسِ التي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بالحقِّ لقوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ) ، فالمؤمن الحقيقيُّ اليوم لا يمكن أن يُهَوِّنَ من أَثَرِ خطرِ هذهِ الجماعات التَّكفيريَّة- أتباعِ شُيوخِ الفتنةِ- في المجتمعِ بما تَحمِلُ من شَوَاذِ العقائدِ وَنَوابيها، فَمِنَ الغريبِ أن نجدَ عقائدَ جماعاتٍ هي في غايةِ الغرابةِ والشُّذوذِ كالقولِ بالقتلِ والإجرامِ والإرهابِ...
فَرِجالُ هذه الجماعات التَّكفيريَّة يعتبرونَ أنَّ الأمورَ بخيرٍ ما دامَتْ أفواهُ أتباعِهِم مُكمَّمَةً، وَوَيلٌ لِمَنْ تُحدِّثُهُ نفسُهُ من الأتباعِ بالإصداعِ بما يُخالِفُ تعاليمَهم أو يُفصِحُ عن تهافُتِ مقالاتِهم وفتاواهم. والسؤال هنا: بِماذا يمكنُ تعليلُ هذه التَّبعيَّةِ العمياء وإقبالِ البعضِ عليها والسَّيرِ بها؟
لقد استخدمَتْ هذه الجماعات التَّكفيريَّة التَّزييفَ وسيلَةً دَائمَةً لِطرحِ أفكارِها الخاطئةِ، والتَّكذيبَ طريقةً للوصولِ إلى الاستيلاءِ على عقولِ الناسِ، فكوَّنَتْ محطَّاتٍ إعلاميَّةً ومنابرَ فكريَّةً ومؤسَّساتٍ بحثيَّةً اتَّخذَتْ من مقولةِ "الأسلمة" برنامجًا لها، ولكنَّ الخطرَ الأكبرَ كانَ مِن هؤلاءِ الذين جَعَلوا أنفُسَهم بِمَوَاقِعِهِم دُعاةَ دينٍ دونَ أن يَعرِفُوا أو يَقتربوا من أُصُولِهم، فَدَسُّوا ضدَّ أهل الإيمانِ الحقيقيِّ سمومَهم المُميتةَ التي كانت في عَناوينِها مُزَخْرَفَةً، ولكنَّها كانت في حقيقةِ الأمرِ أداةً هدَّامةً لكيانِ الشَّابِّ المؤمنِ، ومحاولةً لإهراقِ أرواحِ الأجيالِ القادمةِ النَّقيَّةِ، وإزهاقِ نفوسِ الأبناءِ البريئةِ، وتدميرِ دِيارِ الشَّبابِ الإيمانيَّةِ العامرةِ، وتبديدِ صُفوفِ الإخاءِ الاجتماعيَّةِ المُتَرَاصَّةِ، نتيجةً لأقوالِهم وفتاواهم الجائرَةِ الغَاشِمَةِ.
فقد أُنْشِئَتْ مواقعُ ومحطَّاتٌ لتكونَ مراكزَ لتعطيلِ حركةِ النَّهجِ الإسلاميِّ، وإدخالِ المفاهيمِ التَّحريفيَّةِ والتَّشويهاتِ التَّخريبيَّةِ إليهِ.......! وما أُثيرَ في المواقعِ والمحطَّاتِ الإعلاميَّةِ من ضَجَّةٍ مُفتَعَلةٍ ومُحَاولاتٍ لِمُصَادرةِ النَّهجِ القويمِ شيءٌ يَنْدَى له الجبينُ. فهل حانَ الوقتُ عندَهم لإشغالِ الطَّبقةِ المؤمنةِ المثقَّفةِ لدينا بدراسةِ ومطالعةِ بحوثٍ تكفيريَّةٍ سامَّةٍ ومقالاتٍ إرهابيةٍ هزيلةٍ دَبَجَتْها أقلامٌ وأفواهٌ مأجورةٌ وأَمْلَتْها نفوسٌ ضعيفةٌ؟ ومتى أصبحَ النَّهجُ الإسلاميُّ مُصادَرًا من قِبَلِ هؤلاء...؟ وَمَتى أصبحَ شأنُ هذهِ الفتاوى الفاسدةِ إطلاقَ اتِّهاماتٍ حاقدةٍ وأبواقٍ حاسدةٍ...؟
والسؤال المطروحُ: هل يوجدُ اليوم مَن يُنبِّهُ وَيَدعو وَيَحُثُّ على العيشِ في حالةِ الطَّوارئِ الدِّينيَّةِ للتَّصدِّي لهذه الجماعاتِ والتَّياراتِ والتَّنظيماتِ التّكفيريَّةِ؟
يجبُ أن يعلمَ هؤلاء التَّكفيريُّونَ المجرمونَ أنَّهُ لا تُوجَدُ كَلِمَةٌ تَعلُو على كَلِمَةَ الحَقِّ فِي تَارِيخِ الصِّرَاعِ البَشَرِيِّ، إِذَا أَخَذنَا بِعَينِ الاعتِبَارِ أَنَّهَا الكَلِمَةُ الحَاضِنَةُ لِمَعَانِي العَدَالَةِ وَالخَيرِ وَالمَحَبَّةِ وَالقُوَّةِ، وَلا نَعتَقِدُ أَنَّ كَلِمَةً أُخرَى تَستَطِيعُ اختِصَارَ المَعَانِي المُندَرِجَةِ بِمِثلِ قُوَّةِ وَفَاعِلِيَّةِ كَلِمَةِ الحَقِّ. أَوَلَيسَتِ الحَقِيقَةُ مِنَ الحَقِّ، وَالحَقِيقَةُ مَا يَجِبُ عَلَى المؤمنِ أَن يَحمِيهِ؟
نحنُ اليومَ بحاجةٍ إلى إظهارِ عَظَمَةِ التَّصديقِ عندَ أهلِ الإيمانِ الحقيقيِّ، وإعلانِ مبادئِهِ، وَتبيانِ حَقَائقِهِ، وَدَفْعِ الافتراءاتِ والشُّبهاتِ عنه لِمَا فيه جلاءٌ للنَّواظرِ ونزهةٌ للخواطِرِ.
ولذلكَ يندفِعُ أهلُ الإيمانِ الحقيقيِّ الأكبرِ إلى مَقَامِ الرَّدِّ على هؤلاء التَّكفيريِّينَ لكي لا يَشتبِهَ الأمرُ على الجيلِ الآتي الذي يتوجَّبُ عليهِ أن يعرِفَ القانونَ القدسيَّ والنَّهجَ القائمَ على الوفاءِ بالعهودِ وحفظِ الحدودِ، للتَّزَوُّدِ من علومهِ العامرةِ بالدَّلالاتِ الرُّوحيَّةِ والرُّؤى الشَّفافَةِ، والارتشافِ من نُميرِ حكمَةِ الأنبياءِ والرُّسلِ العاليةِ، والاستضاءَةِ من علمِهِم المتدفِّقِ وفكرِهِم النَّاضِجِ، لأنَّهُم الحكمةُ المرجوَّةُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، الحاملةُ لوامِعَ الأسرارِ، والمستندةُ إلى الكتبِ السَّماويَّةِ، والسَّائرةُ على خُطَى الأنبياءِ والرُّسُلِ السَّابقين، والمقتديةُ بالمعصومين اللاحقين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: كلمة المؤلف   الأربعاء مايو 30, 2012 12:56 am

كلمة المؤلف

القائدُ الأسد.. هو قائدُ عَصرِهِ وفريدُ دَهرِهِ.. عَقلُهُ مادَّةٌ لكلِّ بديعةٍ، ومخزونٌ لكلِّ دقيقةٍ، فهو الشِّهابُ لإزهاقِ الباطلِ، وهو بحكمَتِهِ لإيضاحِ الدَّلائلِ أرخى سجافَ السّترِ على هذا الأمرِ بالاطلاعِ على الأسرارِ المعقولةِ والمعاني المنقولةِ.
إنه قائدٌ له فؤادٌ رفيعٌ ونفسٌ كبيرةٌ درَّاكةٌ تَفيضُ عِلمًا وَتَعملُ على حِيَاطَتِهِ، وقد تَجَلَّتْ لِعَينِهِ الحكمةُ على فَخامَتِها، وَتَراءَتْ له السَّليقةُ الأصيلةُ في جَزَالَتِها، لِيَكشفَ اللهُ عن قلبِهِ دَياجي الحيرةِ، وَيُشرِقَ على نَفسِهِ وَذِهنِهِ ضياءَ البصيرةِ، إذ له بتحقيقِ المسالكِ والطرائقِ القاسيةِ ما يمشي بنفوذِ اليقينِ إلى قلوبِ السوريِّين، ويصلُ بالنُّفوسِ إلى حقيقةِ المطلوبِ.. وذلك فضلُ اللهِ يُؤتيهِ مَن يَشاء...
من هنا.. وإيمانًا بعشقيَ الوطنيِّ الأبديِّ لتراثِ الوطنِ، وَثِقَتي المطلقةِ بالرئيسِ الأسد الذي أوضحَ الدَّليلَ على نهجِ السَّبيلِ فكانَ كلامُهُ دُرَّةَ الإشاراتِ في تلخيصِ العباراتِ، رأيتُ من الواجبِ أن أنجزَ كتابًا يصوِّرُ الرَّدَّ على الفكرِ التَّكفيريِّ من خلالِ الأحداثِ الهامَّةِ في الآونةِ الأخيرةِ في المنطقةِ بالعرضِ والتحليلِ الموضوعيِّ.
فقد ظهرَ في الآونةِ الأخيرةِ أشخاصُ فتنةٍ ليسوا من أهلِ الإسلامِ أصلاً، أرادوا تحميلَ ما لديهم من أفكارٍ على الكتابِ السَّماويِّ لِعَرضِ بضائعِهم الخاسرةِ، وهؤلاء لا علاقةَ لهم أصلاً بالكتابِ، فما يُدبِّرونَهُ هو خداعٌ لشبابنا بما يقدَّمونه لهم على أنَّه "الإسلام"، وإنْ حدثَ أن تطفَّلَ هؤلاء لغاياتٍ دنيئةٍ وأهدافٍ مخادعةٍ فلا ينبغي لشبابنا أن يُولُوا أهميَّةً أو يُقيموا وزنًا لمثلِ هذه الفتاوى والأهواء.
فالإسلامُ لا ينحصرُ في الأحكامِ الفرعيَّةِ، ولا ينبغي أن نضحِّي بالأصلِ من أجلِ الفرعِ، أو نخترعَ أصلاً غيرَ واقعيٍّ، أو نقولَ: لا وجودَ للأصلِ أساسًا؟!!!
وهذا هو سببُ تأليفِ هذا الكتابِ...
أخي القارئ:
مِنَ المعلومِ أنَّ النَّاكرينَ للحقِّ مخبوئينَ تحتَ فَلَتاتِ لِسَانِهم، فَزَلَلُهم كان دليلاً على أنَّهم واجهةٌ للباطلِ الذي بعثَهُم لِخَلقِ التَّفرقَةِ والتَّشَرذُمِ والمُشَاحَنَاتِ العرقيَّةِ والطَّائفيَّةِ بين أبناءِ هذا الشَّعبِ الكريمِ.
والجماعاتُ التَّكفيريَّةُ تحتلُّ قديمًا وحديثًا مَوضعًا إشكاليًّا في الفكرِ الإسلاميِّ لأنَّها رأيٌ في الاعتقادِ، وقد شَكَّلَتْ مرجعيَّةً لبعضِ الدُّولِ العربيَّةِ في كلِّ مَظاهِرِها. وهذا التَّواتُرُ والتَّواصلُ في تعاونِ هذه الجماعاتِ مع أعداءِ اللهِ يكشفُ عن الدَّورِ التَّخريبيِّ الذي تقومُ به هذه الجماعاتُ حاليًّا في الشُّؤونِ العربيَّةِ ويؤكِّدُ على وجهِ المسارِ التَّحريفيِّ لها في الحياةِ المعاصرةِ.
واليومَ- وَمِن بين الجماعاتِ التكفيريَّةِ- تُشهرُ ذئابُ عصابةُ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) العميلةِ عن أنيابِها مُحاوِلَةً إخضاعَ سوريَّة لشروطِ الهيمنةِ الصُّهيونيَّةِ، ويبدو أنها لم تستخلصِ العِبَرَ من فَشَلِ تجاربِها السَّابقةِ مُطلَقًا.
فقد دخلَتْ عصابةُ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) الدُّولَ العربيَّةَ بحججٍ مختلفةٍ إسلاميَّةٍ، لكنَّها على العكسِ شرعَتْ بإحداثِ التَّناقضاتٍ من خلالِ عمليَّاتِ النَّهبِ والسَّلبِ والقتلِ والتَّنكيلِ بالشَّعبِ السوريِّ، إذ جَنَّدتْهمُ القوى الصهيونيَّةُ وبعثَتْ بهم لسحقِ المفاهيمِ الإسلاميَّةِ الحقيقيَّةِ باعتمادِهم الفتنةَ والقتلَ والإرهابَ و...
فدخولُ فكرِ هؤلاء في صفوفِ شعبنا كان عبارةً عن حركةٍ ماسونيَّةٍ بخلفيَّتِها، أوجدَتْها عواملُ التَّعصُّبِ من جهةٍ، والفَتْكُ بالحقيقةِ من جهةٍ أخرى، ودخولُ الماسونيَّةِ في أمور الدِّينِ كان انتصارًا لمبادِئِها المُفَرِّقَةِ المُشتِّتةِ لأبناءِ الشَّعبِ الواحدِ.
وهكذا أفقدَتْ عصابةُ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) الشعوبَ كلَّ تفكيرٍ بهويَّتها وقوميَّتِها، فجعلَتْ طبيعةَ الصِّراعِ في مكانٍ آخر منحرفٍ، فنسيتِ الشُّعوبُ التفكيرَ بالوطنِ والهويَّةِ والكرامةِ.
وفي حملةٍ مسعورةٍ تَشُنُّها اليومَ عصابةُ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) الرخيصةُ المأجورةُ للصهيونيَّةِ العالميَّةِ، جُنِّدَتْ حملةٌ دعائيَّةٌ واسعةٌ أشبهَ ما تكونُ بمحاولةِ غسلِ الأدمغةِ، وجُيِّشَتْ لهذهِ الحربِ الإعلاميَّةِ الفضائيَّاتُ المُغْرِضَةُ والصُّحفُ المُضَلِّلَةُ ومواقعُ الإنترنيت المَشبوهَةُ وأشباهُ الرِّجالِ من معارضةِ الانحطاطِ والوقاحةِ والرسائلِ الدمويَّةِ وأنصافُ الشُّيوخِ من أطرافِ الحلفِ الخليجيِّ والجامعةِ العربيَّةِ المتورِّطةِ بالحربِ على سوريَّة، وحشَدَ الخليجُ مالَهُ وسلاحَهُ وقنواتَهُ (الجزيرة والعربية) مستعينًا بقطيعِ الهمجِ الرعاعِ من النُّشطاءِ المزعومينَ والمرتزقةِ المخرِّبينَ من ميليشيا اسطنبول السَّاعيةِ إلى الحربِ الأهليَّةِ، ونَواتِها من جماعةِ الإخوانِ المجرمين (المسلمين) والتَّنظيماتِ والتَّياراتِ والأحزابِ التَّكفيريَّةِ التابعةِ لها من جندِ الشَّامِ وفتحِ الإسلامِ وغيرها من معارضةِ التخريب والقتلِ والتفجيرِ اللاوطنيَّةِ المدفوعةِ من قادةِ الخليجِ والأتراكِ، مهمَّتُهُم الكذبُ والافتراءُ والتَّحريضُ والتَّضليلُ والقتلُ والتَّنكيلُ. كلُّ هذا ليُوهِنوا أبناءَ الوطنِ ويُضعِفُوا عزَيمَتَهم.
فالصُّهيونيَّةُ العالميَّةُ الفاشيَّةُ استخدمَتْ هذه الجماعات التَّكفيريَّة- وخاصَّةً عصابةُ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين)- للتَّحريضِ المذهبيِّ والطائفيِّ والعشائريِّ والعرقيِّ كأداةٍ لإشعالِ نارِ الفتنةِ وتأجيجِها، بعد أن أخمَدَها تعايُشُنا الآمنُ في هذا البلدِ الذي يَحتَضِنُنَا على كلِّ اختلافَاتِنا. فالشَّعبُ في سوريَّة يتميَّزُ بأنَّهُ مُكوَّنٌ من نسيجٍ إنسانيٍّ متعدِّدِ الألوانِ، مُطرَّزٍ بمختلفِ العاداتِ والتَّقاليدِ والأفكارِ والآراءِ والمعتقداتِ والانتماءاتِ والمذاهبِ والشَّرائعِ التي تَتَلاقى جميعًا وَتَصَبُّ في غديرِ التَّعايشِ والمحبَّةِ والمودَّةِ.
فالطرقُ إلى الخالقِ كثيرةٌ كما عَلَّمَنا يعقوبُ النَّبيُّ (ع) في قولِهِ لِبَنِيهِ: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ، فَلَرُبَّما نختلفُ في كثيرٍ من حقائقِ الأمورِ، وكذلكَ في العاداتِ والتَّقاليدِ، وَرُبَّما في الطُّرقِ إلى معرفةِ الخالقِ، ولكنْ: هل يستدعي هذا إرهابًا؟!!
إنَّ التَّعايشَ والتَّلاقي بين أبناءِ الوطنِ على كلِّ اختلافاتِهم لا يكونُ إلا كما أرسَى مَعَالِمَهُ رسولُ اللهِ (ص) بقولِهِ: (لا تَدخلونَ الجنَّةَ حتى تُؤمِنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحابُّوا، أَوَلا أدُلُّكُم على شيءٍ إذا فَعلتُمُوهُ تَحابَبْتُم، أفشُوا السَّلام بينكم).
أليسَ رسولُ اللهِ (ص) قد قال: (المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ وَيَدِهِ، والمؤمنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ على دمائِهم وأموالِهم)؟!
من هنا وَجَبَ أن نُوضِّحَ مخاطرَ التَّكفيرِ الذي تَدعو إليه عصابةُ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) وأمثالُها، والذي يقطعُ التَّواصلَ، ويُخرِجُ صاحبَهُ من الدِّينِ، وأن نُنَبِّهَ إلى أنَّ جميعَ الأنبياءِ وآخرَهم رسولُ الله (ص) الذي نَهَى عن التَّكفيرِ بقوله: (لَعْنُ المؤمنِ كقتلِهِ، ومَن رَمَى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتلِهِ).
لَرُبَّما ظَنَّ كثيرٌ من ضِعَافِ النُّفوسِ رَدْحًا طويلاً من الزَّمنِ أنَّ مشائخَ الفتنةِ والقتلِ والإرهابِ عندَ الجماعاتِ التكفيريَّةِ بشرٌ معصومونَ لا يُخطئونَ، فإنْ أخطؤوا فلا تثريبَ عليهم، ولا مانعَ من الاستغفارِ لهم!!!
بل إنَّ بعضَ ضِعَافِ النُّفوسِ اليوم، وَنَفَرًا من المستفيدينَ اعتبروا مشائخَ الفتنةِ بركةً عليهم، فَحَرَّمُوا الخروجَ عليهم، وأذعنوا للفتاوى الباطلة التي أفتَوها.
إنَّ ما تُرَوِّجُ له عصابةُ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) ليسَ من صُلْبِ عقيدةِ الدِّينِ السَّماويِّ، ولا من تعاليمِ الكتبِ السَّماويَّةِ، بل هو شبيهٌ بتعاليمِ التَّلمودِ الصهيونيِّ الخبيثِ، وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ للمقارنةِ.
بالعودةِ إلى زَعْمِ عصابةِ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) عصمةَ دُعاةِ مشائخِ الفتنةِ من أصحابِ الفتاوى، نُذَكِّرُهُم بتعاليمِ التَّلمودِ الصهيونيِّ القائلة: (إنَّ مخالفةَ الحاخاماتِ هي مخالفةُ اللهِ.. وَمَن يُجادِلُ حاخاماتِهِ أو معلِّمَهُ فقد أخطأَ، وكأنَّهُ جادلَ العِزَّةَ الإلهيَّةَ) وهذا شبيهٌ بما يُروِّجُ له البعضُ من خلالِ تعظيمِ مقاماتِ شيوخِ الفتنةِ الدَّاعينَ إلى التَّفرقةِ الطائفيَّةِ والعشائريَّةِ!!!
والأشنعُ من ذلكَ ما هوَ من صُلْبِ نهجِ وعقيدةِ التَّكفيرِ عند عصابةِ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) التي تُلغي الآخرَ وتدعو إلى قتلِ الآخرِ، فَمَن كانَ مُحِبًّا للوطنِ وقائدِ الوطنِ إنَّما هو كافرٌ بِنَظَرِهِم، ولهذا يَسْتَحِلُّونَ هَتْكَ عِرْضِهِ وَخَطفَهُ وَتَعذيبَهُ وَقَتلَهُ وَتَقطيعَهُ وَحَرقَهُ و.....
أليسَ ما يُمارسونَهُ من الإرهابِ التَّكفيريِّ يتلاقى مع تعاليمِ التَّلمودِ الصهيونيِّ حولَ كيفيَّةِ معاملةِ كلِّ إنسانٍ غيرِ صهيوني بأنَّه ليس بشرًا، لذلكَ نرى هذه الجماعاتِ التكفيريَّة يَسعَونَ جاهدينَ إلى القتلِ والتَّدميرِ بكلِّ سهولةٍ وبدونِ أيِّ رادعٍ من ضميرِهم، لأنَّهم لا يملكونَ ضميرًا، بل تعاليمُهم التَّلموديَّةُ الخبيثةُ بالغطاءِ الإسلاميِّ المزيَّفِ تأمرُهم وتُخوِّلُهم بكلِّ ما يفعلونَ حيث اعتقدوا أنه: (ليسَ مِنَ العَدْلِ أن نُشفقَ على أعدائِنا المخالفين لنا بالرأي أو نَرحَمَهُم)!!
إنَّهم تكفيريُّو هذه الأيامِ الذين احتسَوا كلَّ هذهِ التعاليمِ وانتشَوا بها، نؤكِّدُ مرارًا وتكرارًا على الحذرِ كلِّ الحذرِ منهم، لأنَّهم يخالفونَ اللهَ وأنبياءَهُ محمد وعيسى وموسى وجميعَ الأنبياءِ (ع) مخالفةً صريحةً ووقحةً، وقد قال تعالى في أتباعِ الجماعاتِ التَّكفيريَّةِ: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) .
فأينَ هؤلاء من الدِّينِ القويمِ الحنيفِ المتسامحِ الذي دَعَا إلى النَّهي عن القتلِ حيثُ قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ؛ ولم يقلْ: فإنْ تَوَلَّوا فاقتلوهُم؟!!
أَلَمْ يحرِّمِ اللهُ قتلَ النَّفسِ بغيرِ الحقِّ تحريمًا قاطعًا في قوله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) ؟ أَلَمْ يُحَرِّمْ إشعالَ الفتنةِ في قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ؟ ألم يحرِّمِ التَّفرقةَ بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) ؟ فأينَ دُعاةُ الفتنةِ ومشائخُ القتلِ هؤلاء من هذهِ الآياتِ السَّاميةِ؟ وهل أمثالُ هؤلاء يَصحُّ شَرْعًا وعقلاً أن يكونوا رجالَ دينٍ قوامينَ على أبناءِ خيرِ أمَّةٍ قال تعالى فيها: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) ؟
وأسألُ: أرجالُ دينٍ دعاةُ الفتنةِ ومشائخُ القتلِ هؤلاء أم قادةُ عصاباتٍ إرهابيَّةٍ؟؟ أم أنَّهم ينفِّذونَ ما جاءَ في البرتوكولِ الصُّهيونيِّ الخامسِ: (لقد بَذَرْنَا الخلافَ بينَ كلِّ واحدٍ وغيرِهِ في جميعِ أغراضِ الأُمَمِيِّينَ الشَّخصيَّةِ والقوميَّةِ، بِنَشْرِ التَّعصُّباتِ الدينيَّةِ والقبليَّةِ خلالَ عشرينَ قرنًا)؟!!
ولا أستغرِبُ أن يَتَّبِعَ عصابةَ إخوانِ الشياطينِ (المجرمين) رخاصُ نُفوسٍ وضعافُ عقولٍ وخسيسو إرادةٍ، فهذا شبيهٌ بفحوى البرتوكولِ الصُّهيونيِّ العاشرِ القائلِ: (لقد اعتادَ الرعاعُ أن يُصغوا إلينا، نحنُ الذين نعطيهم المالَ لقاءَ سَمعِهِم وطاعَتِهِم، وبهذهِ الوسائلِ سَنَخلُقُ قوَّةً عمياءَ إلى حَدِّ أنَّها لن تستطيعَ أبدًا أن تتَّخذَ أيَّ قرارٍ دونَ إرشادِ وكلائِنا الذين نَصَّبناهم لِغَرَضِ قيادَتِها).
لقد حَزَّ في نفسي كلُّ هذا الحيفِ، فَصَمَّمتُ على كتابةِ هذا البحثِ لَعَلِّي أُسهِمُ به في إسفارِ الحقيقةِ عن وجهها، وَلَسْنا فقط في مَعْرِضِ الدِّفاعَ عن الوجودِ المقدَّسِ للقوانينِ السَّماويَّةِ فحسب، بل ابتغاءَ إزاحةِ اللثامِ عن الدَّسائسِ التي تريدُ للشَّبابِ الهلاكَ.
وَيَجدرُ بي التَّنويهُ إلى حقيقةٍ يَنبغي أن يضعَها القارئُ نصبَ عينيهِ، وهي أنَّ ما أَرَدْتُهُ من ترجمةٍ لمعالمِ النَّهجِ المُقَدَّسِ لم يكنْ لِسَوقِ الاستدلالِ التاريخي فقط بقدرِ ما كانَ عرضَ مُتَبَيِّناتِ علمِ حُجَّةٍ يُمَثِّلُ إحدى قِمَمِ الهَرَمِ، ولا يحكمُ بالظَّنِّ والتَّخمينِ من غيرِ تحقيقٍ وَيَقين.
وهذا الكتابُ فيهِ كلُّ ما يطلبُهُ السَّائلُ من تمهيدِ الأصولِ في القوانينِ، وتلخيصِ الحججِ والبراهين. وإنَّي لا أقصدُ من هذا الكتابِ سوى بيانِ المُحكَماتِ، وتخليصِ العقولِ من المتشابهاتِ، بعيدًا عن الأمورِ الأدبيَّةِ القاصرةِ، لنجدَ الثَّوابَ يومَ العَرضِ والحسابِ، فَنِعْمَ الأملِ وحبَّذا العمل.

هشام أحمد صقر
اللاذقية 1/1/2012
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: المدخل   السبت يونيو 02, 2012 9:52 pm

المدخـــل

إنَّ الكتابَ الماثلَ بين يدي القارئِ الكريمِ هو دعوةٌ للتأمُّلِ العقليِّ ضمنَ الحدودِ التي أشرنا إليها، فهو يعكسُ صورةً صادقةً عن حجمِ الهجمةِ الشرسةِ لجماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين)، أصحابِ الأحقادِ الجاهليةِ والتَّعصُّباتِ الشَّيطانيَّةِ، الذينَ نَقَضُوا عهدَهم وسَعَوا بالتَّفرقةِ جُهدَهُم، فَنَبَتَتْ بذورُ الاختلافِ وَرَدُّوا التُّرابَ على العَدلِ والإنصافِ، إذْ رَمَوا باتِّهاماتهم علينا، وَحَاولوا اختلاقَ النِّزاعاتِ والإشاعاتِ بهدفِ الإساءَةِ إلى الأديانِ السَّماويَّةِ والأنبياءِ والرُّسُلِ الأجلاَّءِ والمؤمنينَ الأولياءِ من أهلِ الحقِّ، حتَّى صارَتْ مُعَارَضَةُ الحقِّ سلوكًا لهؤلاءِ المجرمينَ، فَكُلُّهم في حاشيتهِ يتورَّطُ، وَبِشُبهَتِهِ في أهلِهِ يتخبَّطُ، كما قال تعالى مُخبرًا عنهم: (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا) .
وما أكثرَ ما شُنِّعَ بالسِّلاحِ التَّكفيريِّ النَّاقصِ المحجوبِ لجماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) ضدَّ أهلِ الحقِّ بكَثرَةِ المقالاتِ وتناقَضِ القياساتِ واختلافِ الاجتهاداتِ. ولم يكتفوا بذلكَ حتى عَمِلُوا مؤخَّرًا- وعلى شاشاتِ التلفزَةِ- على الطَّعنِ بالدِّينِ القويمِ الذي حَمَلناهُ باقتدائِنا وإخلاصِنا الذي غابَ معناهُ عن أذهانِهم، وَرَسَمُوا له معانٍ من مُخَيِّلَتِهِم، فَصَاروا يَتَّهمونَنا باتِّهاماتٍ رخيصةٍ وتخرُّصاتٍ رديئةٍ.
هؤلاء المجرمونَ المُتَهَتِّكونَ هُمُ الوباءُ القَتَّالُ والدَّاءُ العُضالُ، الذينَ زَلَّت بهم في بحرِ الرَّذيلةِ الأقدامُ، فازدادوا غَورًا في بحرِ الآثامِ الذَّميمِ يميلونَ إلى الحطامِ ويرتكبونَ الآثامَ وكبائرَ الإجرام، الذين قال تعالى فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) ، فإذا كانَ دافِعُهُم الإساءة لهذا الدِّينِ النَّبويِّ كما يحاولونَ، فلابدَّ من أنْ يتذكَّروا قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) .
كيفَ يحقُّ لهم الادِّعاء بإبطالِ مبدأ أو نَسخِه، وهم يَعلمونَ أنَّ الوحيَ الإلهيَّ والمأثورَ عن الأنبياءِ والرُّسلِ فجَّرَ ينابيعَ الحكمةِ، ونطقَ بدلائلِ العصمةِ، وهناك إجماعٌ على ذلك لأنَّ ما أقرَّهُ الوحيُ والحديثُ لا يَنسَخُهُ إلاَّ وحيٌ أو حديثٌ مثلُهُما.
ولو أنَّهم قَرَعُوا الحجَّةَ بالحجَّةِ والدَّليلَ بالدَّليلِ لَكَانَ خَيرًا لهم، إذ أنَّ المؤمنينَ يؤيِّدُونَ رأيَهُم بالحجَّةِ والبرهانِ لا كما يفعلون بالتَّهجينِ والتَّشهيرِ لقوله تعالى: (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ، ولا يُعرَفُ الحقُّ من الأباطيلِ إلا بالدَّليل، لا بالتَّهويلِ ومجرَّدِ الأقاويلِ.
وبما أنَّ بحثَنا هذا خطوةٌ في طريقِ بيانِ الحقِّ فلابدَّ من كشفِ الشُّبهاتِ، والغايةُ التي نقصدُ إليها إزالةُ الغبارِ الذي وضعَهُ هؤلاء على مرآةِ النَّهجِ الحقيقيِّ الصَّافي.
فَبَعدَ قراءةٍ متأنِّيةٍ لما أثارَتْهُ هذه الجماعاتُ من الإخوان المجرمين (المسلمين) صاحبةُ الإشكالاتِ والانحرافاتِ، وما تَطرحُهُ من تشويشاتٍ، أصبحَ من الواجبِ علينا جميعًا أن نتمسَّكَ بالحرمِ العظيمِ لمسيرةِ الأنبياءِ والرُّسلِ (ع)، وَنُقدِّمَهُ على حقيقتِهِ لكلِّ طالبٍ لوضوحِ الرؤيةِ وصحَّةِ المنهجِ بعيدًا عن الزَّيفِ الآثمِ الذي يحاولُ التَّدنيسَ، فالمطلوبُ هو الحذرُ من أفكارِ هؤلاءِ الإخوان المجرمين (المسلمين) الجائرينَ بالمكابرةِ القائمينَ في المناكرةِ، المطرودينَ من بيتِ الرَّحمةِ، الخارجينَ عن مسلَكِ الطرائقِ، المشكِّكينَ بمقالةِ الحقائقِ، والمنحرفينَ عن جادَّةِ قانونِ الهدايةِ، الذينَ تستفزُّهُم العصبيَّةُ وَيُمنِيهِم الضَّلالُ وَيُغريهِم الجهلُ ليتعرَّضُوا بطبيعتِهِم الجعليَّةِ وقريحتِهِم الهمجيَّةِ إلى الاعتراضِ على العلومِ الربَّانيَّةِ والمعارفِ الإلهيَّةِ والرُّموزِ الرُّوحانيةِ التي دليلُها الكتابُ السَّاطعُ، ومستَنَدُها كلامُ اللهِ القاطعُ، ومصدرُها التشريعيُّ الحقيقيُّ أحاديثُ الأنبياء والرسل (ع)، المشتملةُ على الأصولِ الاعتقاديَّةِ ومعارفِ وجودِ علائمِ الحقِّ المتعالِ العقليَّةِ والشُّهوديَّةِ المنطبقةِ على مقتضى حُكْمِ العدلِ السَّليمِ بالميزانِ المستقيمِ.


عدل سابقا من قبل هشام أحمد صقر في السبت يونيو 09, 2012 12:52 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الباب الأول- الفصل الأول   السبت يونيو 02, 2012 9:58 pm

الباب الأول
جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين)

مَا زَالَتِ فيوضاتُ الأنبياءِ والرُّسلِ مَعَ شِدَّةِ بُزُوْغِ فَجْرِها وَوُضُوْحِ نَهَارِها، بِمَنْأى عَنْ أَيْدِي العابثينَ من هؤلاء المجرمين، فَهِيَ شَمْسٌ أَشْرَقَتْ فِي سَمَاء الإيمانِ، فَأَنَارَتْ قُلُوْبَ المؤمنينَ السَّالِكِيْنَ، وَأَمَاطَتْ دُجَى الضَّلالَةِ بِسَنَائِهَا المُبِيْنِ، تُعْطِي لِكُلِّ حَدِيْثٍ دَلِيْلاً مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَلِكُلِّ دَلِيْلٍ بَيَانَهُ الضروريَّ والنَّظريَّ الكليَّ والجزئيَّ حتى الوصول إلى مقامِ الفناءِ الكليِّ عبرَ مراحلِ التَّجرُّدِ عند السَّالكينَ من أهلِ الإيمانِ الشَّاهدين.
من هنا أكَّدَ أهلُ الإيمانِ على أنَّ التَّخلُّصَ من مبدأ التَّكفيرِ عندَ جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) يتمُّ عن طريقِ القيامِ بأُمورٍ عدَّةٍ هي:
1. الدِّراســةُ الدِّينيَّةُ في ضوءِ الكتبِ السَّـماويَّةِ والأحاديثِ النبويَّةِ وأقوالِ الأنبياء والرسل (ع): لأنَّ هذا يَسوقُنا إلى تمييزِ الانحرافِ في الفكرِ التَّكفيريِّ عن الحقيقةِ، فَمَن يَتَلقَّى كلَّ ما ذَكَرَهُ خصومُ أهلِ الإيمانِ في كتاباتِهم المُبتَدَعةِ يَرَى أنَّ أقوالَ جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) هي ضِدُّ العقلِ الفطريِّ والمنطقِ الصَّريحِ والتَّصوُّرِ والتَّصديقِ.
2. التَّحذيرُ من فكرِ التَّكفير: فالخطُّ الدِّفاعيُّ الأوَّلُ الذي وَضَعَهُ أهلُ الإيمانِ كتاباتُهُم السَّاميةُ وأقوالُهم الصَّادقةُ وأحاديثُهم الفاصِلَةُ التي تُعتَبَرُ من أنفسِ الجواهرِ.
3. الصَّدُّ عن اتِّباعِ الهوى: فاستعراضُ تاريخِ جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) الذين ادَّعوا العلمَ عن كذبٍ يُثبِتُ بأنَّ الأهواءَ وَحُبَّ الظُّهورِ والصَّدارةِ كان له دورٌ كبيرٌ في نشوءِ هذهِ الجماعةِ وظهورِها على صعيدِ الصّراعِ، وفي الرّواياتِ إشاراتٌ وتصريحاتٌ إلى وُقُوعِ الْفِتَنِ من خلالِ قولِ رسول الله (ص): (سترونَ بعدي أمورًا تُنكِرُونَها)؛ لهذهِ الجماعةِ المجرمةِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ تُخَالِفُ فِيهَا كِتَابَ اللَّهِ، لأنهم رجالٌ غَرَّتْهُمُ الأمَانِي وارتكبوا الْمَعَاصِي فَاقْتَحَمَتْ بِهِم النَّارَ باحتكامِهم إلى الشَّيْطَانِ الْمُضِلِّ والأنْفُسِ الأمَّارَةِ بِالسُّوءِ، لأنَّهم يخوضون في التَّفسيرِ الخطأ دونَ الرُّجوعِ إلى المُحكماتِ التَّوحيديَّةِ، وما هذا إلاَّ لقصورِ أفهامِهم وَقِلَّةِ بِضَاعَتِهم الدينيَّةِ.
4. نبذُ التَّعصُّبِ المَمقوتِ: وهو سببٌ آخرُ لا يقلُّ تأثيرُهُ عمَّا سَبَقَ من الأسبابِ، لأنَّ التَّعصبَ عند هؤلاء المجرمين كانَ وسيلةً لصيانةِ مكاسِبهِم وزَعامَتِهم، فاتِّباعُهم الأهواءَ المناطقيَّةَ وما شَاكلَها كانَ مِن أعظمِ سدودِ الحقيقةِ وَمَوانِعِها، رغمَ البراهينِ الواضحةِ كما يقول سبحانه: (وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون) .
---------------------------------------------------------

الفصل الأول
مفهوم الفكر التكفيري
عند جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين)

إنَّ الذي فرضَ علينا هذا الرَّدَّ هي الأفكارُ التي أسَّسَها وتبنَّاها مؤسِّسو حركةِ الإخوانِ المجرمينَ، ولهذا يَهمُّنا أن نستعرضَ أقوالَهم التي تشرحُ آراءَهم تلكَ، حتى لا يتخيَّلَ لهم أنَّها مقولاتٌ.
فمنذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ وهؤلاء قَاصرو الفهمِ غائبونَ عن العلمِ الأعلى، لا يتَتبَّعونَ إلاَّ مَضيقَ المحسوساتِ، بعيدًا عن عالمِ المعارفِ العقليَّةِ وفُسَحِ الأصول الإلهيَّةِ، ولا يَفهمونَ الفرقَ أبدًا بين المحسوسِ والمعقولِ، وَيَخلطُون بينهما خلطًا كبيرًا، فوقعوا بالخطأ، وكانوا كالذينَ قال تعالى فيهم: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ) .
ولأجلِ ذلكَ نرى أنَّ المؤمنين قد نَدَّدوا بالمُبتَدِعينَ بأفصحِ العباراتِ وأبلَغِها، لأنَّ أفكارَ جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) في الدِّينِ تُعَدُّ من المعاصي الكبيرةِ والمحرَّماتِ العظيمةِ التي دَلَّ على حُرمَتِها الكتابُ السَّماويُّ وَوُعِدَ صاحبَها بالنَّارِ على لسانِ النبيّ الأكرمِ (ص)، وذلكَ لأنَّ المُبتَدِعَ ينازعُ سلطانَ اللهِ تباركَ وتعالى.
فقد واجَهَ أهلُ الإيمانِ نماذجَ المبتدعينَ من جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) مرتكزينَ على الحُجَجِ، وأبطلوا ما يعتمدونَ عليه في إرهابِهم وتفكيرِهم، وتمكَّنوا من فَضْحِهم ووضعِهم في خانةِ الباطلِ، لأنَّهم مَن قال تعالى فيهم: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) .
إنَّ العِنَادَ وَرَفْضَ الآخَرِ عند جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) كان موقفًا سلبيًّا يتجلَّى في أنَّهم لم يفتحوا عقولَهم لِمَقولَةِ الدِّينِ التي نادَى بها أهلُ الإيمان، وهذه طبيعةُ هذه الجماعةِ المغرورةِ المعتزَّةِ بالمكاسبِ الدَّنيئةِ والطَّبقيَّةِ النَّاتجةِ والنَّاشئةِ عن إصرارِهم على الجمودِ الفكريِّ لِأَدواتِهم وَأَتباعِهم.
مِنَ المهمِّ بعدَ هذا تحديدُ مفهومِ فكرِ جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين)، فَإنْ لم يُحدَّدْ وَلم نَقِفْ على مفهومهِ وعلى ما هو مُعتَبَرٌ في صَميمه لا يمكنُ لنا تطبيقُ الحكمِ الكلِّيِّ على مَصَاديقه ومواضيعه. أمَّا وقد كان الموضوعُ هو الأمرُ المركَّبُ؛ أي انحرافُهم عن الدِّينِ القويمِ، فذلكَ له حكمٌ واحدٌ لا يقبلُ التَّخصيصَ، والأمرُ الهامُّ هنا هو: كيفَ نَتَوصَّلُ إلى مكافحةِ انحرافِ هؤلاء وَنَقضي عليه؟
هذا سؤالٌ مهمٌّ يُبيِّنُ مَوقِفنا في هذا العصرِ أمامَ تيَّاراتِ هذهِ الأفكارِ قديمًا وحديثًا. وفي الحقيقةِ إنَّ ما نَذكرُهُ في الجوابِ، هو واجبُ الذين يَتَحرَّكونَ لمعرفةِ الحقِّ بعيدًا عن مُنعَرَجاتِ الأهواءِ النَّفسيَّةِ والانتماءاتِ العصبيَّةِ لقولِِ رسولِ الله (ص): (إذا ظهرَتِ البِدَعُ في أُمَّتي فَلْيُظهِرِ العالمُ عِلمَهُ، فَمَن لم يَفعَلْ فَعَليهِ لعنةُ اللهِ).
---------------------------------------------------


عدل سابقا من قبل هشام أحمد صقر في السبت يونيو 09, 2012 12:53 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الباب الأول- الفصل الثاني   الأربعاء يونيو 06, 2012 12:46 am

الفصل الثاني
الانحراف العقائدي عند جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين)

اتَّفَقَتِ الأدلَّةُ الّتي قَدَّمها أهلُ الإيمانِ على حُرمَةِ الانحرافِ العقائديِّ وأصحابِهِ الذين خَصَّهم تعالى بقوله: (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ إنَّمَا أَمْرُهُمْ إلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون) ، حيث أوضَحَتِ الآيةُ أنَّ هؤلاء هم أهلُ الضَّلالةِ، لذلك خاطبَ سبحانَهُ نَبيَّهُ بقوله: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ)، وَحَذَّرَ أهلَ الإيمانِ على المباعدَةِ التامَّةِ مِن أن يَجتمِعوا معهم في عقائدِهم الفاسدةِ، لقولِ رسول الله (ص): (إذا رأيتم أهلَ الرَّيبِ والبِدَعِ من بعدي فأظهروا البراءةَ منهم).
فأهلُ الرَّيبِ هم أصحابُ الأهواءِ الذينَ يتلاعبونَ بالحكمِ كيفما اقتضَتْ مَصلَحَتُهم ومصلحةُ أسيادِهم، لذلكَ فإنَّ اللهَ يهدِّدُهم بالعذابِ فيقول: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُون) ، فهذا هو حالُهم.
كما قال رسول الله (ص): (شرُّ الأُمورِ مُحدَثَاتُها، وكلُّ بِدعَةٍ ضلالةٌ، لا يقبلُ اللهُ لصاحبِ بِدعَةٍ صَومًا ولا صلاةً)، فهل تُرجَى لهم النَّجاةُ بعدَ أن أَضَلُّوا كثيرًا من الناسِ وَسَاقُوهم إلى سُبُلٍ مُنحرفةٍ، وَشَقُّوا صفوفَ المؤمنينَ وَجَعلُوا السَّبيلَ سُبُلاً مُعَطِّلَةً وَمُشَبِّهَةً كثيرةً سائرةً إلى مهاوي الهالكين؟!!
إنَّ انحرافَ جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) يستهدفُ حبلَ اللهِ المتينَ، لِتُوهِنَهُ وَتُخرِجَهُ من مَتَانَتِهِ، ليصبحَ الشَّعبُ الواحدُ شتَّى، يبغضُ بعضه بعضًا، فَيَتحوَّلُ إلى أشتاتٍ متفرِّقين، ويصيرونَ فرائسَ للشَّيطانِ وأذنابهِ.
لقد كانت أفكارُهُم تحويرًا لِصَميمِ العقيدةِ السَّماويَّةِ، وسوفَ نبدأ بذكرِ انحرافاتِهم التَّوحيديَّةِ الدينيَّةِ العقائديَّةِ بما أوردَهُ شيخُ الفتنةِ لديهم يوسف القرضاوي في مؤلفاتِهِ ومقالاتِهِ وخُطبِهِ.

الانحراف العقائدي الأول: مقولة القرضاوي: (إنَّ العبادةَ للإلهِ والمألوهِ واحدةٌ، لأنَّ المألوهَ ماهيَّةٌ للإلهِ، والإلهَ ماهيَّةٌ للمألوهِ)؟!!
هذا كلامٌ يُبيِّنُ أنَّ جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) يقولونَ بأنَّ الجوهرَ عينُ العرضِ والعرضَ عَينُ الجوهرِ، وهذا القولُ مَردودٌ عليه عقلاً ونقلاً، ولا يجوزُ لمؤمنٍ أن يقولَ به، وقد نصَّ علماءُ الحقِّ على أَنَّ هَذِهِ المَقُولاَتِ هِيَ أصلُ الشركِ، وأنَّ كلَّ مَن قالَ قولاً بشيءٍ من الشِّركِ فقد نسجَ على منوالِ المشركين، فَليَعلمِ الذينَ ينتمونَ إليهم ويقولونَ بالشِّركِ بأيِّ فريقٍ يقتدونَ، وإلى أيِّ سَلَفٍ يرجعون.
إنَّهم جوَّزوا عبادةَ الإلهِ والمألوهِ معًا، فهل يجوزُ ذلكَ؟!! وكيفَ يتوجَّهونَ بالعبادةِ للمألوهِ، فمَن زَعَمَ أنه يعبدُ الإلهَ والمألوهَ فقد أبطلَ الأركانَ الأربعةَ للتَّوحيدِ. فما هذا العجزُ الذي نَسَبوهُ للإلهِ عندما جعلوهُ محتاجًا للمألوهِ حتى يكونَ معبودًا؟
إنَّ مَن زَعَمَ أنَّهُ يُضيفُ الإلهَ إلى المألوهِ فقد صَغَّرَ بالكبيرِ، وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
لنتفكَّرْ قليلاً في هذه التساؤلات، وهؤلاء المنحرفونَ يطلبُونَ الحجَّةَ على قدرةِ الإلهِ على إيجادِ الأشياءِ من العدمِ.
قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) . فلننظرْ إلى هذه الآيةِ؛ يقول: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا)، ولم يقل: (إذا خَلَقَ شيئًا)، لأنَّ الخلقَ إيجادُ شيءٍ من شيءٍ، وهو للفيضِ الأوَّلِ، ولكنَّ الإلهَ أرادَ لأنه مُبدعٌ ومُشيءٌ فقالَ للشيءِ: (كُن فَيَكُونُ).
- الانحراف العقائدي الثاني: مقولة القرضاوي: (إنَّ كُنْهَ الإلهِ قوَّةٌ مَحْضٌ وفعلٌ محضٌ. كذلكَ السِّماتُ المطلقةُ سماتٌ ذاتيَّةٌ ولا ينفردُ عنها وهي سماتٌ قبلَ خَلْقِ المألوهِ وبعدَهُ)!!!
إنَّ جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) يتخبَّطُونَ في الأوهامِ، ويقَدَّرونَ عظمةَ كنهِ الإلهِ سبحانه وتعالى على قَدْرِ عقولِهم ليكونوا من الهالكينَ، ويتورَّطُونَ في اللجاج، فلا يزيدُهُم كثرةُ السَّيرِ إلاَّ بُعْدًا، ويسيرُونَ مَعكوسينَ سيرَ السَّرطانِ إلى الوراءِ، فكأنَّهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) .
أمَّا المؤمنونَ الرَّاسخونَ في العلمِ الأعلى هم الذين أغناهُم اللهُ عن اقتحامِ السُّدودِ المضروبةِ دونَ الغيوبِ، أقرُّوا بعجزِهِم عَنْ إدراكِ كنهِ الإلهِ، فَمَدَحَ اللهُ اعترافَهم بالعجزِ عن تناولِ ما لم يُحيطوا به علمًا، وسمَّى تركَهم التَّعمُّقَ فيما لم يكلِّفْهُم البحثَ عن كنهِهِ رُسُوخًا.
إنَّ كُنْهَ الإلهِ لا يُعلَمُ سواءَ قبلَ التَّكوينِ أو بعدَ التَّكوينِ، فإطلاقُ السِّماتِ على كُنْهِ الإلهِ قبلَ تكوينِ المكوَّناتِ مُحالٌ لأن ذلكَ يستلزمُ وجودَ مكوِّناتٍ شريكةٍ لِكُنْهِ الإلهِ معهُ قبلَ التَّكوينِ، أو وجودَ تركيبٍ في كُنْهِ الإلهِ وهو لا شريكَ له ولا تركيبَ فيه، لقوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) ، فالمرادُ بالكثرةِ في السِّماتِ من غيرِ زوالٍ ولا تغييرٍ لِكُنْهِ الإلهِ.
لقد وردَ الحضُّ على التَّفكرِ في آلاءِ اللهِ والنَّهيُ عن التفكُّرِ في الكُنْهِ لقول النبيِّ الأكرم (ص): (لا تُفَكِّرُوا في ذاتِ اللهِ فَتَهلكوا)، وذلكَ لأنَّ كُنْهَ الإلهِ فوقَ ما يتصوَّرُهُ العقلُ والفكرُ والحواسُّ، وأنَّى للمحدودِ أن يُدرِكَ كُنْهَ الإلهِ؟
إنَّ السِّماتِ الذَّاتيَّةَ الثُّبوتيَّةَ، أو ما يُسمَّى الإيجابيَّةَ، هي بالطَّبعِ أجلُّ السِّماتِ الكماليَّةِ، لكنَّ تحديدَ كُنْهِ الإلهِ بهذه السِّماتِ الإيجابيَّةِ قبلَ الخلقِ فيه شِركٌ عظيمٌ، لأنَّه يتطلَّبُ وجودَ شركاءَ معهُ أو يستلزمُ تركيبًا في كنهه، وهذا محالٌ، فَكَما أنَّه بِخَلقِهِ الخلقَ سُمِّيَ خالقًا وَبِرزقِهِ الرِّزقَ سُمِّيَ رازقًا، كذلك عندما أظهرَ الإرادةَ سُمِّيَ مُريدًا، وعندما أظهرَ المشيئةَ سُمِّيَ مُشيئًا.
ولا يمكننا القولُ عن الإلهِ قبلَ الخلقِ أنَّه محدودٌ بالفعلِ لأنَّ ذلك يستلزمُ وقوعَ هذا الفعلِ قبلَ الخلقِ، لأنَّ السِّماتِ الثُّبوتيَّةَ في البدايةِ والنهايةِ تبقى سماتٍ اقترنَ وجودُها كماهيَّةٍ للمألوهِ، وهذهِ السِّماتُ لم تكن موجودةً قبل الخلقِ. فالإلهُ خَلا من التَّسميةِ في وقتٍ من الأوقاتِ، وهذا الوقتُ ليسَ بمدروكٍ ولا محسوسٍ ولا يدركُهُ العقلُ ولا يخطرُ على الفكرِ، إنَّما قد حَصَلَتِ التَّسميةُ في وقتِ ما أبْدَا التَّكوين.
وانطلاقًا من هذا يمكنُنا أن نقولَ: إنَّه قبلَ الخلقِ لا يجوزُ إطلاقُ (المُريدِ والمُشيءِ) على الإلهِ، فجميعُ الأفعالِ وُجِدَتْ بعد التَّكوينِ لحاجةِ الخلقِ، وبالتالي فإنَّ كلَّ هذهِ السماتِ إن كانت إيجابيَّةً أو سلبيَّةً أو غيرها ليست حقيقةً لكُنْهِ الإلهِ، لأنَّ كُنْهَ الإلهِ لا ينتقلُ من حالٍ إلى حالٍ، فهذهِ السماتِ المتعدِّدةَ تقتضي الانتقالَ من حالٍ إلى حالٍ لأنها سماتٌ وجوديَّةٌ مُحْدَثَةٌ تستلزمُ الحدوثَ.
كما أنَّ الإلهَ قبلَ الخلقِ ينفردُ عن الإرادةِ لأنَّ الإرادةَ فعلٌ، والإلهُ منفردٌ عن الأفعالِ، فالإرادةُ فعلٌ، وهي مُحدَثَةٌ لأنَّ الفعلَ كُلُّهُ مُحدَثٌ، والإرادةُ تقتضي الطَّلبَ، ولو كان الإلهُ يَطلبُ لكانَ يَطلبُ أزلاً، وطلبُهُ أزلاً يستلزمُ وجودَ أزليَّينِ يَطلبُهُم، وهذا محالٌ لأنَّه لا شريكَ له على الإطلاقِ، لذلك قال فيلسوفُ الفلاسفةِ أرسطو: (اللهُ يتنزَّهُ عن الإرادةِ، لأنَّ الإرادةَ تقتضي الطَّلبَ، والله لا يَطلبُ).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الباب الأول- الفصل الثالث   السبت يونيو 09, 2012 12:56 am

الفصل الثالث
الانحراف الفكري عند جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين)

بدايةً، إنَّ مبدأ جميعِ القبائحِ يرجعُ إلى ترويجِ تلبيسِ الباطلِ لِيُشبِهَ صورةَ الحقِّ، فترويجُ الأفكارِ السَّامَّةِ تَبَعٌ للمكرِ الشَّيطانيِّ، وهو فعلُ الإغواءِ والوبالِ، وتزيينُ سَيِّءِ الأهواء والأعمال، وهذه هي بذورُ النِّفاقِ واللِّدادِ، ومنبتُ الكبرِ والعنادِ، ومَن كانوا على هذا النَّهجِ نزلَ فيهم قوله تعالى: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) .
إنَّ أصحابَ الانحرافِ الفكري من جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) ما امتُهِنوا ولا افتُتِنوا ولا أُثقِلَتْ كواهِلُهُم بِعِبءٍ أثقلُ عليهم من تأليه المألوهِ، وتسويةِ الإله بالمألوهِ، مع أنَّ اللهَ خاطبَ أمثالَهُم على لسانِ نبيهِ عيسى (ع) بقوله تعالى: (اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) .
فمشكلةُ جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) الأساسيةُ هي الفكرةُ المنحرفةُ، وهي تتعلَّقُ بفهمِهم، ولكن مِنَ الضروريِّ بيانُ أنَّهم أخطؤوا في فهمِ هذا الأمرِ، وإنْ كان هذا الخطأُ قد شارَكهم فيه البعضُ لِخَلَلِهِمْ الأساسيِّ الذي نبحثُ فيه في هذا الفصل.
--------------------

الانحراف الفكري الأول: مقولة القرضاوي: (إنَّ السماتِ متأصِّلَةٌ بالحقِّ، ولكنَّها لم تكنْ مرئيَّةً إلا بعدَ ظهورِ الخلقِ، وهي ماهيَّةٌ الحقِّ)!!!
يجبُ أولاً التَّوضيح أنَّ الشِّركَ هو اتخاذُ سماتٍ ثابتةٍ متأصِّلَةٍ على الحقِّ قبلَ الخلقِ، بينما هي في الحقيقةِ واقعةٌ على المخلوقين؛ أي أنَّ السِّماتِ والحدودَ تَقَعُ حقيقةً على الخلقِ لا على كُنْهِ الحق، لذلك يجبُ أن نَتَوجَّهَ للهِ حُنَفاءَ غيرَ مشركين بكُنهِ الحق، أي أن نَنفيَ الشِّركَ، وهو القولُ الحقُّ بإفرادِ كُنْهِ الحق عن أفعالِ وسماتِ الوجودِ (فالوجودُ ثلاثةٌ: مُمْتَنِعٌ وَمُمْكِنٌ وَوَاجِبُ الوجودِ)، فالممتنعُ هو ما لا يجوزُ، فلا يجوزُ أن تكونَ موجودًا قبلَ وجودِ روحِكَ، كذلك لا يمكنُ أن تكونَ الأفعالُ قبلَ وجودِ الخلقِ، والوجودُ الممكنُ أنْ تأتي بعدَ روحِكَ، كذلكَ تأتي الأفعالُ لِتَدلَّ على الحقِّ بعدَ الخلقِ، وليسَ الحدُّ الدَّالُّ على وجودِ الحقِّ هو الحقُّ بِكُنْهِهِ، وليسَ الفعلُ الدَّالُّ على وجودِ الحقِّ هو الحقُّ بِكُنْهِهِ أيضًا.
فالإفرادُ هو تعظيمُ كنهِ الحق عن سِمَةِ الخَلْقِ، وهذا يعني أنَّ كنهَ الحقِّ أَجَلُّ من هذهِ الأفعالِ، لأنَّ هذه الأفعالَ لحاجَةِ الخلقِ. أمَّا كنهُ الحقِّ قبلَ الخلقِ فيجبُ ألاَّ يكونَ عَرَضًا ولا جوهرًا.
ومَقولَةُ المنحرفينَ تعني بأنَّ الخلقِ من ماهيَّةِ الحقِّ تَحكمُ إلزامًا بأنَّ للحقِّ ماهيَّةً، إذِ الماهيَّةُ خاضعةٌ للنَّوعيَّةِ، والجنسيَّةُ أعمُّ من النَّوعيَّةِ، فلو كانَ للحقِّ ماهيَّةً لكانَ متنوِّعًا وهذا مُحالٌ.
كيف يزعمونَ أنَّ الخلقَ من ماهيَّةِ الحق ولم يُثبِتُوا قَطْعًا أنَّ للحقِّ ماهيَّةً، فالحقُّ بكُنهِهِ لا جنسَ له لأنَّ ما لا ماهيَّةَ له لا جنسَ له، كما أنَّ الجنسَ في جوابِ (ما) لأنَّ مالا جنسَ له لا يُسألُ عنهُ بـ (ما)، كما حدثَ عندما سُئِلَ النبيُّ (ص) عن ماهيَّةِ ربِّهِ وعن نعتِهِ، فأنزلَ اللهُ عليهِ سورةَ الإخلاصِ محكمةً دليلاً لِنَفي الضِّدِّ والنِّدِّ والعَرَضِ والجوهرِ.
حتى أنَّ المجانَسَةَ لا تُطلَقُ أبدًا على كنهِ الحقِّ، وإنَّما تُطلَقُ على الوجودِ عندَ التعريفِ بِهِ فيُقالُ: (مُجَنِّسُ الأَجنَاسَ)، لأنَّ كنهَ الحقِّ لا ضِدَّ له ولا ماهيَّةَ له حتى يُسألَ عنه بـ(ما هو)، فلا يُقالُ لَهُ: (مَا هو) لأنَّهُ خَلَقَ الماهيَّة، فالماهيَّةُ مصدرٌ مأخوذٌ من (ما هو)، وهي من جهةِ الصِّفةِ والإحاطةِ، أمَّا الحق فلا ماهيَّةَ له لأنَّ كلَّ ذي ماهيَّةٍ معلولٌ، بدليل قول فيلسوفِ الفلاسفةِ أرسطو: (الحقُّ ليسَ له ماهيَّةٌ إلاَّ من جهةِ الإثباتِ)؛ أي إثباتِ وجودِه، وقول الفيلسوف الكبيرِ الحكيمِ أفلاطون: (الحقُّ ليسَ بماهيَّةٍ بل هو أسمى من الماهيَّةِ). فالماهيَّةُ جواهرٌ وأعرَاضٌ.
لذلك فإنَّ التَّناقضاتِ التي يقعُ بها المنحرفون من جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) ناتجةٌ عن عدمِ وجودِ رؤيةٍ إيمانيَّةٍ شاملةٍ ومتكاملةٍ في قلبِهِم، وربما كان مرضُ الغرورِ هو السَّببُ، وربما كانَ جهلُهُم السبب، وخيرُ القولِ عنهم: إنَّهم ضعيفو القوى قاصرون عن العلم لا يعرفونَ الإله إلا بحدودٍ يجعلونَها ذاتَ تخطيطٍ، وبذلك فإنَّهم أحاطوا بالإلهِ وَحَصَرُوهُ وَحَيَّزوهُ وَحَدُّوهُ وَعَدُّوهُ، أفتريدُون أن تعبدونَ اللهَ كماهيَّةٍ؟
إنَّ النَّصَّ الذي تقدِّمُهُ جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) لإثباتِ صحَّةِ عبادةِ الماهيَّةِ في كتبِهِم يدلُّ على أنَّ همَّهُم الرِّواية قبل الدِّرايةِ، ونحنُ نقولُ لهم ولأمثالهم: هل الماهيَّةُ التي تزعمون العبادةَ لها واقعةٌ تحتَ الحسِّ أم العقلِ؟ وهل تَرضَونَ أن يكونَ معبودَكم محسوسٌ أو معقولٌ؟
----------------------

الانحراف الفكري الثاني: مقولة القرضاوي: (العبادة للماهيَّات)!!!
إنَّنا نرى أنَّ أصحابَ هذا الانحراف من جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) اليوم يتخبَّطُونَ ويتورَّطُونَ، فلا تزيدُهُم كثرةُ السَّيرِ إلاَّ ابتعادًا، فكأنَّهم كما قال تعالى: (وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) .
فالضَّلالاتُ صوَّرَتْ لأتباعِ هؤلاء الخارجينَ عن دينِ الإسلامِ الحنيفِ إمكانَ التَّعدُّدِ لكنهِ الحقِّ فأشركوا، وَجَعلوا الماهيَّاتِ أندادًا واعتقدوا أنَّ العبادةَ لها، والفكرُ لا يوافقُ على رؤيةِ هذهِ الآراءِ وتصوُّرِها بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ، لأنَّ له رؤيَتَهُ الخاصَّةَ للماهيَّةِ الواقعةِ في هذا الزَّمنِ، حيث تقومُ هذه الرُّؤيةُ على أنَّ المشكلةَ عندهم تتركَّزُ في انتفاءِ معنى التَّوحيدِ النبويِّ.
فالعبادةُ بحقيقةِ المعرفةِ ليست بالتَّوهُّمِ، لأنَّ التَّوهُّمَ لِمَنْ يَعبدونَ مواقعَ الحدودِ، وهم الذينَ زَعَموا بِظَنّهم أنَّ حدودَهُ كُنْهٌ للحقِّ، وخلطوا بين النَّاظرِ والمنظورِ متوهِّمًين المشاركةَ والاختلاطَ، وقد قال تعالى في شأنهم: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) .
أمَّا مقولةُ أهلِ الإيمان: إن الماهيَّاتِ المتعدِّدَةَ تقتضي الانتقالَ من حالٍ إلى حالٍ لأنها وجوديَّةٌ مُحْدَثَةٌ تستلزمُ الحدوثَ. فكنهُ الحقِّ قبلَ الخلقِ مجرَّدٌ عن التَّسميةِ بالماهية لأنَّها فعلٌ، وكنهُ الحقِّ مجرَّدٌ عن الماهيَّاتِ. فالتَّجريدُ هو تعظيمُ كنهِ الحقِّ عن صفةِ المخلوقِ، ويعني أنَّ كنهَ الحقِّ أجلُّ من هذهِ الماهيَّاتِ، لأنَّ الماهيَّاتِ حقيقةُ الخلقِ.
إنَّ مَعْرِفَةَ الإثباتِ والتجريد عند أهلِ الإيمانِ مِنْ الأُصُوْلِ التي تدلُّ على أَنَّ أَوَّلَ الدِّيْنِ المَعْرِفَةُ، وَهيَ الإِقْرَارُ بِوُجُوْدِهِ جَلَّ وَعَلا، وَأَنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ نَاقِصَةٌ إِنْ لَمْ تَكْتَمِلْ بِالتَّصْدِيْقِ اليَقِيْنِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالاِعْتِقَادِ، وَأَنَّ هَذَا التَّصْدِيْقَ لَهُ كَمَالٌ لابُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ التَّوْحِيْدُ الكُلِّيُّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، المُقْتَرِنُ وَالمُكْتَمِلُ بِالإِخْلاصِ، وَهُوَ أَرْقَى مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ المَعْرِفَةِ، وَهُوَ الدِّيْنُ الخَالِصُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لِنَفْي الكَثْرَةِ وَالعَدَدِ، (اللَّهُ الصَّمَدُ) البَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) لنفي العلَّةِ والمعلولِ، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) لنَفْي الشَّبِيْهِ وَالنَّظِيْرِ.
إنَّ الحق مُجرَّدٌ عَنْ سـماتِ مَخْلُوْقَاتِهِ، فَهُوَ وَاجِبُ الوُجُوْدِ لِذَاتِهِ، لا ثانيَ له ولا قرينَ لأنَّ الإِثْنِيَّةَ تُوْجِبُ الاِقْتِرَانَ، وَالاِقْتِرَانُ يَؤولُ إِلَى الحُدُوْثِ.
الحق مُجرَّدٌ عن الماهيَّةِ، لأنَّه أسمى من الماهيَّةِ، فَمَن زَعَمَ أنَّهُ وَصَلَ إلى كُنْهِ الحقِّ فقد ضَلَّ وَغَوَى وَكَذَّبَ وافترَى لأن الماهيَّةَ عَرَضٌ في الوجودِ، لذلك لا يُقالُ للمعبودِ: (أينَ؟) لأنَّهُ مـؤيِّـنُ الأيـنـيَّـةِ، ولا يقالُ له: (كيفَ؟) لأنَّه مُـكَيِّفُ الكيفيَّةِ، ولا يقالُ له: (ما هو؟) لأنَّهُ خالقُ الماهيَّةِ، فَمَنَ زَعَمَ بأنَّ للحقِّ ماهيَّةً يُوقِعُه في الوهمِ.
ولكنَّهُ من لُطفِهِ في بَرِيَّتِهِ وإنصَافِهِ في رَعِيَّتِهِ تَرَاءَى لأَهْلِ العَقْلِ بِسِمَةٍ تُشَاكِلُهُمْ ولأَهلِ الحِسّ بِعِلَّةٍ تُمَاثِلُهُمْ، وهُوَ مُعِلُّ العِللِ، وهُوَ مُتَجَرّدٌ عَنْ العِلَلِ المَرئِيَّاتِ، والعِلَلُ المَرئِيَّاتُ هِيَ عِلَلُ المَعلُولِين، لذلك جاءَ قولُ النَّبيِّ الأمين (ص): (إنَّ اللهَ احتجبَ عن العقولِ كما احتجبَ عن الأبصارِ، وإنَّ الملأَ الأعلى يطلبونَهُ كما تطلبونَهُ أنتم).
إنَّ سيدنا موسى (ع) لم يستطعِ الثَّباتَ أمام كُنْهِ الحقِّ، فأينَ هم من طلبِ المُحالِ؟ فليراجِعْ هؤلاء حساباتِهِم، وليقرؤوا ما جاءَ عن موسى (ع) حيث قال تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي) .
ونحن نطلبُ منهم ألاَّ يحاولوا أن يهاجمونا بسلاحِهِم الفاسدِ، فنحنُ لا نعبدُ الحدودَ سواءَ كانت معنويَّةً أو حسيَّةً، بل نعبدُ الحقَّ، فليفهَمْ أتباعُهُم ذلك، لأنَّنا نقول لهم: إنَّ الحدودَ الحسيَّةَ والعقليَّةَ هي الخلقِ، فليفهَموا هذا الأمرَ، وحاشا للهِ أن نقيِّدَ الحقَّ، إذ أنَّنا لا نعبدُ الحدودَ مثلَهم.
لقد ظنَّ هؤلاء أن العبادةَ تصحُّ للحدودِ، ولهذا نقول لجماعة الإخوان المجرمين (المسلمين): لقد سلكتُمُ الطَّريقَ الأعوجَ منذ بدايةِ كتاباتِكُم، وهاجمتُمُ المؤمنينَ، ولكنَّ غرورَكُم أعماكُم عن رؤيةِ الحقائقِ. لقد عرفتُمْ ربَّكم بالحدودِ فقط، وأنكرْتُم سدرةَ المنتهى، وَعَبَدْتُمُ الحدودَ كماهيَّةٍ، فلم تَفهموا الفرقَ بين المعرفةِ الحضوريَّةِ والمعرفةِ الحصوليَّةِ. وبما أنَّكُم لا تمتلكونَ تلك المقوِّماتِ الفلسفيَّةَ ستبقَونَ قابعينَ عندَ الجدارِ تَحصرُونَ المتميِّزَ في المتحيِّزِ بعيدًا عن مقامِ الإدراكِ العقليِّ لمشاهدةِ الأمورِ بعينِ البصيرةِ.
أين هؤلاء التكفيريون وأمثالهُم من النُّصوصِ النَّبويَّةِ الصَّريحةِ؟! إنَّ ما زعمَتهُ جماعة الإخوان المجرمين (المسلمين) من أنَّ العبادةَ للحدودِ كماهيَّةٍ كلامٌ يدلُّ على تدنِّي مستواهم التوحيدي واللغوي، فَعَجَبًا من رواياتِهِم الجاهلةِ المتناقضةِ، إذ لا يميزُونَ بين الرُّؤيةِ والمَرئيِّ؟!
فأقوالُهُم عن النَّفي العدميِّ كلامُ غيرِ مُحَقِّقٍ ولا مُدَقِّقٍ في أمورِ دينِهِم، لم يفهموا قولَ أهلِ الإيمانِ: الحقُّ جَلَّ عن تراجمِ العباراتِ.
إنَّهم جماعةٌ مغرورونَ يتطاولُون على المؤمنين، ولا يقبلُون إلا ما تُمليهِ عليهم عقولُهُم، فمَن نصَّبَهُم مرشدين أو معلِّمين للنَّاس؟
فليترجَّلُوا عن مطيِّةِ غرورِهم وليَلزََموا مجالسَ العلماءِ المؤمنين، وليَكونوا مستمعينَ، وليَفهموا ولا يكابروا، وليَعرفوا مستواهم وحدودهم.
إنَّ التاريخَ سيسخرُ منهم ومن أمثالِهم عندما يسمعُ عبادَتَهم للحدودِ، فهذه النَّزعةُ الجاهليَّةُ ترافقُهم عبر الأجيالِ الماضيةِ، وهذه الأفكارُ التي سَمعناها في كتبِهِم وكتبِ أمثالِهِم في هذا العصر.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الباب الثاني- الفصل الأول   الثلاثاء يونيو 12, 2012 2:30 pm

الباب الثاني
التيارات السلفية التكفيرية

إذا وُجِدَ دائمًا مَن يحاربُ المرسلين ظَنًّا منهم بتخريبِ دَعوَتِهم وإبطالِها، لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ) ، فإنَّ شيوعَ تكرارِ ذلكَ ليسَ مُستَغربًا، إذْ إنَّهُ يوجَدُ اليومَ- كما في الماضي- مُتاجرونَ متَّصِفونَ بحكاياتٍ موضوعة ومُتَزَيِّنونَ بصفاتٍ مُنمَّقة.
فالاعتداءاتُ والاتِّهاماتُ والافتراءاتُ لم تتوقَّفْ يومًا، بل تابَعَ أتباعُهُم وممثِّلُوهم الاعتداءَ على تراجمةِ وحي الأنبياءِ، الهُدَاةِ الميامين والدُّعاةِ الصَّادقين، هذا الاعتداءُ والهجومُ بِقَوسِ الافتراءِ والبُهتانِ لم يتوقَّفْ يومًا من الأيام، وَهَدَفَ دائمًا لإسقاطِ مَعَالِمِ الحق.
وقد أخذَ هذا الهجومُ اليومَ يَتزايدُ وَيَتضخَّمُ، خاصَّةً في الآونةِ الأخيرةِ، من خلالِ استغلالِ بعضِ الشَّخصيَّاتِ التي قال تعالى فيها: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) . وهؤلاء الذينَ غَلَبَهمُ الشَّيطانُ فَوَسوَسَ لهم، فانخَدَعوا بهذهِ الوسوسةِ من دونِ أن يكونَ بأيديهم أيُّ مسندٍ، بل لديهم حَمِيَّةٌ جاهليَّةٌ وحماقةٌ نفسانيَّةٌ.
ولستُ بغرضِ الحديثِ عن هذا الصِّنفِ الجاهلِ الضَّعيفِ والمُعتَلِّ السَّخيف، لأنَّهم أصحابُ عِلومِ أشكالِ القولِ المُزَخرَفةِ عِندَ أَهلِهَا، المُغتَرُّون من غيرِ تَدَبُّرٍ في أسرارِ الطَّرائقِ ولطائفِ الحقائقِ، إذْ يَثقُلُ عليهِم حَمْلُها والعملُ بِها، وَمَا ذلكَ إلاَّ لأنَّ الآمالَ التي مَنْشَؤُها رسومُ الأعمالِ قد غَرَّتْهُم، فَرَكِبُوا جَهْلَ الجُهَّالِ وَفِتنَةَ الدُّجَّالِ.
هؤلاء وأتباعُهُم في انتهاجِهم نهجَ التَّفريطِ والتَّشكيكِ والإساءةِ، كانوا مستعدِّينَ أصلاً بحسبِ فطرتِهم الذَّاتيَّةِ ونَشأتِهم الرُّوحيَّةِ لما صَنَعَتْهُ أيديهم، فَمَا كان لهُم يكسبونَ إلا مُتعاتِهمِ وَلَذَّاتِهم لقوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .
تَعَاموا فعُموا وتصامَوا فأصمَّهم اللهُ وأعمى قلوبهم وأبصارَهُم، كما قال تعالى: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا) ، فالرَّذائلُ أمراضُ القلوبِ، والجهلُ أعظمُ الأمراضِ لأنَّه يُوجِبُ الهلاكَ في العاقبةِ.
في هذه الأيام وبوجودِ أمثالِ التَّياراتِ السَّلفيَّةِ التَّكفيريَّةِ اختلطَ على النَّاسِ الحقُّ بالباطلِ، والقانونُ بالعُرْفِ، والمعروفُ بالمنكرِ، والمستقرُّ بالمستودَعِ.....
وإنَّ نسبةَ الانقياد لهؤلاء تزدادُ يومًا بعدَ يومٍ بدَعَاوٍ كاذبةٍ وأقوالٍ موضوعةٍ، عن طريقِ الإغراءِ الماديِّ لِطَمَعِ الضُّعفاءِ، والاستغلالِ القَهريِّ لجهل السُّفهاء، والتَّعتيمِ المقصودِ.
فالتَّيارُ المُبطِلُ بِتَفرُّعاتِهِ إنَّما هو نِتَاجُ هذه المقالةِ التي تَولَّوا إظهارَها، ثمَّ تَوَالَتْ التيَّاراتُ السلفية التكفيرية للمنكرينَ للتوحيدِ الحقيقيِّ تُضرِمُ نارَ هذهِ المقالةِ، وَتَنفُثُ من خلالِها سُمُومَها إلى أن وَصَلَتْ إلى ما وَصَلَتْ إليهِ.
ولا زالَ نهجُنا يُواجِهُ المؤامراتِ والافتراءاتِ، بحيثُ وصلَ الأمرُ بالبعضِ إلى تجنيدِ أقلامٍ تبثُّ الاتِّهاماتِ الخطيرةَ لتبريرِ أفعالِ وأعمالِ مَن تآمرَ على الحقِّ، فكانَ هَدَفُهم اختلاقَ الأكاذيبِ، فلماذا اختُلِقَتْ هذهِ الأفكار اليوم؟ وما هي أسبابُها وحيثيَّاتُها؟ وما الهدفُ من صُنعِها وابتداعِها؟
----------------------------------------------------------------------------------

الفصل الأول
تعدد علوم الرسوم ووحدة علم الحقائق

سنوضِّحُ في هذا الفصلِ مفهومَ الحقائقِ عندَ أهلِ الإيمان الحقيقيِّ، ولا أبتغي منها إلا وجهَ اللهِ تعالى، راجيًا منه جلَّ جلالُهُ أن يجعلَها لنا زوَّادةً نرتجي من خلالها الأجرَ والثَّواب.
فالمؤمنونَ على بصيرةٍ من أمرِهِم وسلامةٍ من دِينِهِم، لم يكتفوا بقشورٍ من العلومِ الجزئيَّةِ، ولم يقنعوا بصورةِ الأعمالِ فقط، لأنَّ الأعمال قالبيَّةٌ وقلبيَّةٌ، لا يطوفُونَ فقط على سواحلِ التَّنزيلِ، بل يغوصُونَ إلى أعماقِ التَّأويلِ، حتى الارتقاءِ من جادَّةِ الشرائع إلى الطرائق إلى مَتْنِ الحقائق.
أما السَّلفيُّونَ التكفيريُّونَ فهم أصحابُ الظَّنِّ الذي أُمِرْنا باجتنابِهِ في قولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) ، وله نوعانِ: أوَّلهما: تشبيهٌ يقودُ للشِّركِ، والثَّاني: تعطيلٌ يقودُ للكفرِ، وسأضربُ للتَّوضيحِ مثلاً عن كلٍّ منهما:
- الظَّنُّ يقودُ إلى الشِّركِ: هو أنْ تَتَوهَّمَ أنَّ البدَنَ من جنسِ الرُّوحِ، والرُّوحَ من جنسِ البَدَنِ، وهذا مُخالفٌ لقولِهِ تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ، لأنَّ هذا التَّوهُّمَ يعني تحديدَ كُنْهِ الرُّوحِ بالبدنِ، وهو مبدأُ أصحابِ الحلولِ، وهذا لا يجوزُ، ولهذا قالَ تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) .
- الظَّنُّ الذي يقودُ إلى الكفرِ: هو أن تنفي وجودَ الرُّوحِ، فلا يعودُ البدنُ دليلاً على الرُّوحِ بل دليلاً على العَدَم، وكأنَّ الرُّوحَ معدومةٌ، فَعُرِفَ البدنُ وأُنكِرَتِ الرُّوحُ، ولهذا قال تعالى: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) .

أخي القارئ:
بعدَ هذا التَّوضيحِ بالمثالِ السَّابقِ يمكنُ القول: إنَّ جملةَ الخلافاتِ ما بينَ أهل الإيمان من جهةٍ والسَّلفيين التكفيريين من جهةٍ أخرى، اعتقادُ هؤلاء السَّلفيين التكفيريين بوجوبِ إقامةِ الرُّسومِ الشَّكليَّةِ مُتديِّنينَ بها، وكان مُستَنَدُهم ما تشابَهَ عليهم من الرِّواياتِ والآياتِ، فاعتقدوا بالرُّسومِ الشَّكليَّةِ فقط، وجَحَدوا ما يُرادُ بها من المَضمونِ الحقيقيِّ، فَدَانوا بالزَّبدِ وأنكروا الماءَ لأنَّهم لم يفهموا قوله تعالى: ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) .
هؤلاء السَّلفيون التكفيريون يخلطُونَ علمَ الرُّسومِ بالحقائقِ، ويجعلُونَ الزَّبدَ كالماءِ، ويعتبرُونَ أنَّ وَحدةَ علومِ الرسوم والحقائق لا تَقبَلُ الانفصالَ؟!!
وكانَ جوهرُ اعتقادِ أهل الإيمان أنَّ اللهَ تعالى أقامَ الرُّسومَ، وجعلَها دليلاً على الحقائقِ، ولو لم يفعلْ هذا لم يُعرَفِ الرَّسمُ من الحقيقةِ، وقد أخبرَ تعالى عن حقيقةِ مرادِهِ بقوله: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) .
إلا إنَّ اتِّهاماتِ السَّلفيين التكفيريين للطريقةِ الحقيقية الإيمانية أنَّهم خالفوا الرّسل وأنَّ مَسلَكَهُم هذا جعلَ الناسَ يُقلِّدُونَهم!! لكن الأنبياءَ والرسلَ يقولونَ لأهلِ الرسوم أقوالاً على سبيلِ عقولهم، لذلك يجدُ البعض الكثير من الأقوال المتضادَّة والملتبسَةَ المتشابهةَ بضدِّ الأقوالِ المحكمَةِ الثابتةِ.
إلا أن ما يُثبِتُ الاعتقادَ بعلمِ الحق هو الـتزامُـنا أنَّ كافـةَ الأنـبـيـاءِ والرُّســلِ لا يدينونَ إلا بدينٍ واحدٍ، ولا يريدونَ من حقائقِ شرائعهم وكافَّةِ أقوالِهم إلا هذا العلمَ المُحِقَّ؟
وجميعُ الشَّواهدِ تُثبِتُ أن التَّلبيسَ على أهلِ الإنكارِ باعتقادِهم بعلمِ الرسوم عندهم بعد كفرِهم وجحودِهم لعلمِ الحق الإيماني وعدمِ اعتقادِهم به.
السلفيون التكفيريون اعتقدوا بالصورِ الشكلية فقط وأنكروا المعاني الحقيقية مطلقًا، وظنُّوا أنَّهم لم يُكلَّفوا إلا بالفرائضِ الشكلية، لقوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) .
إنَّ كلُّ غويٍّ جَهُولٍ له الفطرةُ الشَّيطانيَّةُ التي تُغذِّيهِ لقول رسول الله (ص): (كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرةِ)، والفطرةُ الشَّيطانيَّةُ لهؤلاء هي التي جعلتهُم مغرورين مفتونين بدارِ الغُرُورِ، مسرورين بما عندَهُم من القُشورِ.
فأين أنتم أيها السَّلفيون التكفيريون من الفهمِ لعلومِ الحقائق التي تُخْرِجُ المفاهيمَ من قشورِ العقولِ الإِنسانِيَّةِ إلى لُبِّ المواهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الباب الثاني- الفصل الثاني   الجمعة يونيو 15, 2012 10:10 pm

الفصل الثاني
الآراء السَّلفيَّة التَّكفيريَّة الحائدة

إنَّ الخارجينَ عن نهجِ الحق قاموا بالهجومِ على عقيدَتنا الدينيَّةِ السليمةِ، والتَّشكيكِ بما جاءَ عن طريقِ الرسلِ المتقادمين، والتَّلفيقِ للأكاذيبِ والرواياتِ بغايةِ تشويهِ سُمعَةِ مَن وَالاهُم واتَّبعَ نهجَهم. فَعَلوا فِعلَتَهم بعدَ رِدَّتِهم دونَ سلوكِ مَسَالِكِ الشَّرحِ والتَّحقيق، أو قَرْعِ بابِ الاستيضاحِ وإصلاحِ الاشتباه، فَعَاثوا فسادًا في التاريخِ والأخبارِ، وضاعُوا بينَ أوهامِهم المُشَرذَمَة، ممَّا أدَّى بهم إلى الكبرِ والغرورِ فانطبقَ عليهم قول اللهِ تعالى: (وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ) ، لأنَّهم لمَّا عرفوهُ وسمعوا الحقَّ كفروا بهِ وأعرضوا عنه، فَخَالفُوا أمرَ اللهِ، ولذلكَ يُعرضونَ عن كلِّ آيةٍ من آياتِهِ عزَّ وجلَّ لأنَّهم أبغضُ الخلائقِ إلى اللهِ، فهم جَائِرونَ عن قصدِ السَّبيلِ، مَشغوفونَ بكلامِ البِدعِ، وهم الفتنةُ لِمَنِ افتُتِنَ بِهِم، المُضِلُّونَ لِمَنِ اقتَدَى بهِم، حَمَّالُو خطايا غيرِهِم، وهم الأمواتُ لأنَّهم وَقعوا بالجحودِ والإنكارِ، وهم الذين قاموا بالتجنِّي على الطَّرائقِ والحقائقِ بآرائهم التي هي بالهزلِ أشبهُ منها بالجَدِّ، فكانوا من أصحابِ الآراءِ الحائدةِ على اختلافها، والتي يمكنُ تقسيمُها إلى ثلاثةِ آراء:
---------------------------------
الرأي السَّلفي التكفيري الحائد الأول: الأحكامُ الشكليّة هي الأحكامُ الحقيقيَّةُ!!
التزَمَ أصحابُ هذا الرأي الحائدِ بالأقوالِ الشكليَّةِ المتشابهةِ، وظَنُّوا أنَّ الأحكامَ الشكلية هي الأحكامُ الحقيقيَّةُ المفروضةُ، ورفضوا الأحكامَ الحقيقية بِحُجَّةِ أنَّهم مُلزَمُونَ فقط بالشَّكلِ، ونراهُم قد تَرَكوا وأنكروا العلومَ الحقيقية الإيمانية وهَجَروها، والتزَموا اعتقادًا حقيقيًّا أفكارَ وأقوالَ روَّادِ علمِ الرُسوم.
السَّلفيون التكفيريون لم يَدرُوا أنَّ مِن أقوالِ الأنبياءِ والرسل الخاصُّ والعامُّ والمحكمُ والمتشابهُ، فكلُّ ما أوحى الله به إلى عبادِهِ له تنزيلٌ وتأويلٌ، وبما أنَّ الناسَ منازلٌ، فإنَّ اختلافُ الأحكامِ باختلافِ الأشخاصِ وأحوالِهم، فَمَن يخوضُ في البحارِ العرفانيةِ لعلمِ الحقائق في القرآنِ سيرى نفسَهُ أمامَ طامَّةٍ كبرى من تلكَ الحقائق العميقةِ في اكتناهِ غوامِضِها، ومن وقفَ عند علمِ الرسم بهيكلِهِ الكثيفِ فقد قنعَ لنفسِهِ بالوقوفِ على ساحلِ الألفاظِ محجوبًا عن أعماقِ البصيرةِ، ولن يجدَ لكثيرٍ من الآياتِ تعليلاً منطقيًّا مقبولاً.
وكمثالٍ على ذلكَ: ما هو تفسيرُ هؤلاء أصحاب علم الرسوم لقوله تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا) ؟ هل يجوزُ تفسيرُ الآيةِ عندهم على مدلولِها الحرفي؟
هذا يُثبتُ فسادَ ما يزعمُهُ أهلُ علمِ الباطل من تأويلٍ لهذه الآيةِ وغيرها على غيرِ وجهها الذي يتَّفقُ مع أحكامِ الدينِ والمنطقِ معًا، لقوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) .
----------------------------------
الرأي السَّلفي التكفيري الحائد الثاني: علمُ الحقائق مساوٍ لعلمِ الرسوم!!
ظَنَّ أصحابُ هذا الرأي الحائد أنَّ علومَ الرُّسومِ واجبةٌ اعتقادًا كعلومِ الحقائق، محتجِّين بأنَّ الإنسانَ من بَدَنٍ وروحٍ فلابدَّ أن يعتقدَ بهما على حدٍّ سَوَاء، فَهُم يساوونَ بينَ علمِ الرسوم والحقائق، اعتقادًا منهم أنَّ من الواجبِ الاعتقادُ بالاثنينِ معًا، فَسَاووا بينهما.
ولقد أوضحنا في ردِّنا على هؤلاء أنَّ علمَ الرسوم وعلمَ الحقائق على طرفي نَقيضٍ، إذ لا يَصحُّ في المعقولِ ولا المنقولِ أن يكونَ البحران بحرًا واحدًا في قوله تعالى: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) .
ومن المهمِّ لأصحابِ هذا الرأي الحائدِ أن يفهموا بأنَّ الأبدانَ لا تَقومُ بلا أرواحٍ، بينما تقومُ الأرواحُ بلا أبدانٍ، وعليهِ فعلمُ الحقائق الخاصُّ بالروحِ يَصلُحُ بغيرِ علمِ الرسوم الخاصِّ بالبدنِ، والعكسُ ليس صحيحًا، لأنَّ الجوهرَ يُغني عن الصَّدفِ لا العكس، واللُّبَّ يغني عن القشرِ لا العكس، ولذلكَ يتَقَدَّمُ علم الحقائق الذي هو للاعتقادِ على علمِ الرسوم الذي هو ليس للاعتقادِ.
إنَّ المساواةَ بينهما شركٌ، لقوله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ، ولو كانَا شيئًا واحدًا لكان المعتقدُ بذلكَ من أهل القياس، لأنَّ القياسَ يُخطئُ ويُصيب، ولكنَّ الإصابةَ فيه خطأٌ، وهو طريقُ الانعكاسِ.
---------------------------------------
الرأي السَّلفي التكفيري الحائد الثالث: الواجبُ العملُ فقط بعلمِ الرسوم!!
ظَنَّ أصحابُ هذا الرأي الحائد أنَّه يجبُ العملُ بعلمِ الرسوم فقط. وقد أغرَى هذا الرَّأيُ الحائدُ ثُلَّةً من ذوي الآراءِ الحائدةِ والأهواءِ الفاسدةِ فَاعتَقَدُوهُ وكأنَّهُ مِنَ المُسَلَّماتِ، وَتَلَبَّسَ حتى على البعضِ.
وكان ردُّنا على أصحاب هذا الرأي الحائد بقوله تعالى: (أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ) ، فقد صَدُّوا عن علمِ الحقائق وهو طريقُ الحقِّ.
لقد توضحَ لنا أنَّ أصحابَ الآراءِ السَّلفيَّةِ التكفيرية الثلاثةِ السابقةِ تمسَّكوا بشكل العبارةِ، ولم يفهموا عمقَ الدَّلالةِ لاستيلاءِ الجهلِ على نفوسهم الغويَّةِ، ولِعِظَمِ العمى والثَّمل الضاربِ على أفئدَتهم الغويَّةِ، فاستحوذَ عليهم الشيطان المغوي، وغلبَ عليهم الهوى المردي، لذلك على مَن أرادَ أن يَتحرَّى الحقيقةَ السَّاميةَ أن يرجعَ إلى الكتب السماوية.
--------------------------------------
أخي القارئ:
إنَّ استعمالَ الرُّسومِ هو سببٌ للعُرُوجِ إلى معانيها، ووسيلةٌ للولوجِ إلى حقائقها، لذلك وجبَ أن نتدبَّرها بقلوبٍ سليمةٍ ونوايا مستقيمةٍ، لأنَّ معرفةَ علمِ الحقائق إنَّما هو سببٌ للولوجِ إلى حظيرةِ البقاء بدليل قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء) .
والمؤمنون في طَريقتِهم الحقيقية أسَّسوا عقيدَتهم على إثباتِ المعارفِ التَّحقيقيَّةِ، فكلُّ ما في الملكوتِ هو غائبٌ عنَّا لا نفهمُهُ ولا نصلُ إلى علمِهِ إلا بمثالِهِ في عالمِنا الذي نشاهدُهُ ونعقلُهُ، فَنَعلم حينئذٍ معاني ما غابَ بما حضرَ لطفًا من الباري جلَّت قدرَتُهُ، ولولا ذلكَ لما كنَّا نفهم تلكَ الأسرارَ ولم نعقلْ تلكَ البحار.
والقرآنُ يؤكدُ حقيقةَ ما وَصَّى به تعالى الأنبياءَ والرسلَ من علمِ الحقائق لا علمِ الرسم، لأنَّ علمَ الرسم في تشريعِ الأنبياءِ فيه خلافٌ وتفرقةٌ، أمَّا علمُ الحقائق فهو الدينُ القيِّمُ الثابتُ قولاً وفعلاً لقوله تعالى: (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) ، وقوله تعالى: (وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً) ، وقوله تعالى: (لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ) .
ومثلُ ذلك ما وردَ في الإنجيلِ عن السيد المسيح (ع): (لا تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلاً)، فليس بين الكتبِ السَّماويَّةِ المنزلةِ والأنبياءِ والرُّسلِ تفرقةٌ ولا اختلاف، لأنهم على دينٍ واحدٍ هو علمُ الحق الذي لا يختلفُ ولا يتغيَّرُ، بل الاختلافُ من جهةِ علومِ الرسم التَّشريعيَّةِ فقط، فالشرائعُ هي المتحوِّلةُ، أي لا خلافَ بالتنزيلِ بل بالتأويلِ.
وقد حصلَ الاختلافُ في التأويلِ عند الانحرافَ عن المحكمِ، والتعلق بالاعتقادِ بالمتشابِهِ، فتناقَضَتْ أقوالُهم وَزَاغُوا عن الحقِّ، فأزاغَ اللهُ قلوبَهم عدلاً منه تعالى كما أخبرَ عنهم في قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) .
فالخسرانُ المبينُ لأصحابِ علمِ الرسوم الذين يتَّبعونَ المتشابهاتِ ويتركونَ المحكماتِ، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) . فالمتشابهُ كعلمِ الرسم ليس للاعتقادِ والتَّديُّنِ، ودليلُ نفي الاعتقادِ بعلمِ الرسم هو قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا) ، إنَّما الاعتقادُ بالمحكمِ المثال لعلمِ الحق في قوله تعالى: (وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) ، وقوله تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) ، فالنُّطقاءُ من المرسلينَ صلواتُ اللهِ عليهم لم يأمروا بالمحافظةِ على رسمٍ من رسوم الحدود إلا تنبيهًا على خفيِّ أسرارِها، ويضربُ اللهُ الأمثالَ للناسِ لعلهم يتفكَّرون.
إن السلفيون التكفيريون يَحملونَ على الاعتقادِ بعلمِ الرسوم المَحضِ، ويتمسَّكونَ بحرفيَّةِ النَّصِّ ويرفضونَ علمَ الحقائق، فهم من الذين وصفهم تعالى بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ، لأنَّ أهل السَّرابَ هم أهل الاعتقادِ بعلمِ الرسوم، فظلموا أنفسَهم وكانوا كما قال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ) ، لأنَّ التبديلَ الحاصلَ في العلمِ التَّشريعيِّ خصَّ به الظالمين فقط، إذ لم تقل الآيةُ: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ آمنوا). وهؤلاء هم الذين غَرَّهُمْ علمُ الرسوم. لقوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ) .
وحتَّى لا يقعَ أهلُ الإيمانِ في الإفراطِ والتَّفريطِ حَذَّرَ الأنبياء والرسل من الإدمانِ على الاعتقادِ بعلمِ الرسوم، لئلاَّ يَستولي سلطانُ الشَّكِّ عليهم، وهذا ما حَصَلَ للبعضِ الذين شَربوا من نهرِ طالوتَ أكثرَ من الغُرفَةِ المُستثناةِ، وَفَحوى الآيةِ أنَّ النبيَّ طالوتَ (ع) قالَ: إنَّ اللهَ مُختَبِرُكُم بنهرٍ لِيُمَيِّزَ الصَّادِقَ من الكاذبِ والمؤمنَ من الكافرِ، فَمَنْ شَرِبَ اعتقادًا من النَّهرِ فليسَ بمؤمنٍ، وَمَن لم يَذُقْهُ فهو من أهلِ طاعةِ نبيِّ اللهِ طالوت (ع).
فالغُرفَةُ اسمٌ لما غُرِفَ من ماءِ النَّهرِ، وكلمةُ (بِيَدِهِ) ليسَتْ لِمُقتضَى المعنى اللغويِّ فقط، وإنَّما هي إضافةٌ بيانيَّةٌ يَكمُنُ وراءَها سِرٌّ دقيقٌ يقتَضِيهِ التَّأويلُ للآيةِ، وعلى العارفِ أن يتدبَّرَ جيدًا هذهِ الآيةَ ففيها لطائفُ يُعَضُّ عليها بالنَّواجِذِ، فقد أنذرَ البيانُ الإلهيُّ على لسانِ النبيِّ طالوتَ (ع) أنَّ مَن شَرِبَ من ماءِ النَّهرِ فهو بريءٌ منهُ، واستثنى بقوله: إلاَّ مَن اغتَرَفَ غُرفةً بيدِهِ، ولم يقل: إلاَّ مَن شَرِبَ غُرفةً منهُ، تنبيهًا أنَّ الغُرفَةَ المستثناةَ ليست للشُّربِ.
إنَّ علمَ المحسوسِ بالنسبةِ للنَّهجِ الحقيقي الإيماني صورٌ للدلالةِ على حقائق، ومَثَلٌ للدلالةِ على ممثولٍ، وتشبيهٌ حسيٌّ للدلالةِ على حقيقةٍ عقليَّةٍ، ولا يجوزُ للعاقلِ المؤمن اللبيبِ الخبيرِ أن يجعلَ المثلَ هو الممثول.
لذلكَ فإنَّ تأويلَ أصحابِ علمِ الرسوم للحدودِ وغيرها ليسَ حقًّا، إنَّما الحقُّ ما أتى به الأنبياءُ والرُّسلُ من الدلالات التي هي القولُ الثابتُ الذي لا يتبدَّلُ كما أشارَ إليه تعالى بقوله: (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ) ، وهو المرادُ به من قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) ، ولهذا قال تعالى: (وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) .
وَمَهما حاولَ السَّلفيُّونَ التكفيريون أن يشتغلوا بطريقِ المباحِثِ الجدليَّةِ، وَيَغترُّوا بشكلِ العلومِ الجزئيَّةِ، ويَتَّبعوا مسالِكَ الأحكام الفرعيَّةِ، فإنهم سوفَ يُصابونَ بالآفاتِ الجاهليَّةِ الحاجِبَةِ عن إدراكِ الحقائقِ، لأنَّ أحوالَها خالدةٌ لا يمكنُ تقويضُها بمثلِ المعاولِ الواهيةِ والكتبِ السَّاقطةِ، ففرقةٌ دعوَتُها باقيةٌ إلى آخرِ الزَّمان ومحورُها العصمةُ، لأنَّ من الاعتقاداتِ الحقَّةِ التي نادَت بها تعاليمُ أهل الحقيقة ثبوتُ العصمةِ التَّكوينيَّةِ والتَّشريعيَّةِ المطلقةِ للأنبياء وللرسل (ع)، وهذا خاضعٌ للحُجَجِ النَّاطقةِ والأدلَّةِ الصَّادقةِ، وهي الأساسُ في تحصيلِ الأصولِ الاعتقاديَّةِ، لأنَّهم رسله تعالى، فهم الرُّكنُ الأساسيُّ، مبعوثي الحقِّ إلى الخَلقِ، الذين جمعَوا خِصَالَ الكمالِ والفضائِل، وَقَامَوا بالأعمالِ الجلائل، أصحابُ الدَّعوةِ العادلةِ والأوامرِ الشَّاملةِ، فهذا له من المنعَةِ بحيثُ لم ولن يستطيعَ أحدٌ هدمَها مهما توسَّعَتْ واختَلَفَتِ الأساليب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الباب الثالث: الجماعات الوهابية التكفيرية   الثلاثاء يونيو 19, 2012 9:16 pm

الباب الثالث
الجماعات الوهابية التكفيرية

مَن يتتبَّعُ الآياتِ القرآنيَّةَ المتعلِّقةَ بالنَّذيرِ يجدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ قد حدَّدَ الحقَّ، ومهمةُ نذيرِ الحقِّ تنصبُّ على تبليغِ وبيانِ الأحكامِ للناسِ كما في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) .
فالمسألةُ لم تَعُدْ نقدًا لنا فحسب، وما يحزُّ في النَّفسِ ألَمًا أنَّ الوهابيَّةَ التكفيرَّية قد فقدَتِ المجادلةَ الصَّحيحةَ، وعادَتْ رويدًا رويدًا إلى جاهليَّةٍ من نوعٍ آخرَ، فكانوا كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) .
فالوهابيُّونَ التكفيريون- من أمثال صالح اللحيدان ومحمد الزغبي ومحمد العوني وغيرهم- يحاولُونَ أن يمزِّقُوا صورَتَنا بقلمِهم الذي اعتادَ النُّزولَ إلى الشَّتائمِ، فَتَراهُم عندَ اتِّهامِنا يعطونَ العناوينَ فقط بُرُوزًا وَحَجمًا كبيرًا، وبشكلٍ يُبرِزُ عقدةَ الاستهدافِ لنا، مع تأصيلِ الاستبدادِ الاتِّهاميِّ بالرَّغبةِ في احتكارِهم للموضوعاتِ بثقافةٍ تَفتقرُ إلى التَّوازنِ باستهدافِهم لسادةِ تُراثِنا الضَّخمِ، وهذا ما وَجَدْناهُ بتعليمِهم التلقينيِّ الجامدِ لأجيالِهم المُؤدِّي إلى هَيمَنَةِ افتراضاتِهم الخاطئةِ وتَصوُّراتِهم التي لا مُحَصِّلَ لها، فهم كما في قوله تعالى: (مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) .
كلُّ هذا مع حشدِهم الفاقدِ لمعاييرِ الجدالِ معنا، سواءَ في الحديثِ أو غيرِهِ، وذلكَ محاولةً منهم لإعلانِ حالةٍ من العداءِ لمواجهةِ الحق بعقليَّةِ التَّحريضِ المُضَادِّ، كما نَلْحَظُهُ اليومَ في تَذييلِ الكتاباتِ الهجوميَّةِ أو تَصديرِها بعناوينِ التَّحذيرِ منَّا!
كيف لا؟! وهدفُ الوهابيَّةِ التكفيرَّية المُعْلَنُ اليومَ هو التَّشكيكُ بالمُسلَّماتِ الإيمانيَّةِ والثَّوابتِ الدِّينيَّةِ، بِحُجَّةِ اختلافِها وَتَعَارُضِها، وتأتي في مقدِّمةِ تلكَ المُسَلَّمَاتِ والثَّوابتِ مسألةُ الاعتقادِ.
هؤلاء الوهابيُّون التكفيريون لم يَلتَفِتُوا إلى أنَّا بَسَطَنا وجودَنا الإيمانيَّ، وَمَدَدْنا خيوطَهُ الحقَّةَ في سائرِ العصورِ السَّابقةِ واللاحقةِ، وانتشرَ الإيمانُ في كلِّ جيلٍ، في حينِ أنَّ خصومَنا سَلَبُوا عقولَهم وَصَنَعُوا لأجيالِهم فكرًا مزيَّفًا هو الطامَّةُ الكبرى والكارثةُ العظمى.
وَمِن هنا، وانطلاقًا من رَصْدِ المشكلاتِ المهمَّةِ المرتبطةِ ارتباطًا وثيقًا بواقعِ الجدالِ وُلِدَ هذا الباب، ليكونَ مساهمةً للإضاءةِ، لَعَلَّهُ يؤدِّي إلى فهمٍ يُغلِقُ منافذَ التَّشكيكِ بنا، وَيُوَضِّحُ الأحقيَّةَ بشكلٍ جَلِيٍّ وأسلوبٍ قويمٍ يبتعدُ بالأفكارِ عن مَهَاوي الانحرافِ وأوهامِ الخيالِ، وَيَقودُها إلى الحقائقِ السَّماويَّةِ النَّاصعةِ والأدلَّةِ النَّبويَّةِ السَّاطعةِ، فكانتْ كما وصفَها تعالى بقوله: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) .
فالأسئلةُ التي نطرَحُها تحتاجُ إلى إجاباتٍ شافيةٍ من الوهابية التكفيرَّية، إلاَّ أنَّ تَفسيراتِهم لا تُسمنُ ولا تُغني من جوعِ روحِ المؤمن وَتَعَطُّشِهِ الأبديِّ لمعرفةِ الحقيقةِ.
فالدينُ القويم عندَنا يُوَجِّهُ الفكرَ إلى النَّظرةِ العميقةِ والهادفةِ، وبطبيعةِ الحالِ هناكَ فرقٌ كبيرٌ بين النَّظرةِ السَّطحيَّةِ السَّاذجةِ عندَ الوهابيَّةِ التكفيرَّية، وبين النَّظرةِ العميقةِ والمتفحِّصَةِ التي لا تقتصرُ على ملاحظةِ الشَّيءِ أو الحَدَثِ عندنا، وإنَّما تنفذُ إلى أعماقِهِ وَتَرصُدُ لوازمَهُ وَدَلالاتِهِ، من أجلِ ذلكَ تُرشِدُ إلى أهميَّةِ النَّظرةِ العميقةِ التي لا تقتصرُ على سطحيَّةِ الأمورِ، بل تنفذُ إلى الأعماقِ، وما تنطوي عليه من أبعادٍ ودلالاتٍ.
فلا قيمةَ لفتاوى لا تَستَنِدُ إلى برهانٍ صحيحٍ، يَغلِبُ عليها التَّقليدُ في عقائدِها بِلَونٍ خاصٍّ من ألوانِ التَّبعيَّةِ، وهو التَّقليدُ الأعمى، وهذا النَّوعُ من التَّقليدِ الذي كانَ ولا يزالُ مصدرًا للكثيرِ من الأخطاءِ في العقائدِ والمواقفِ ، وقد قال تعالى: (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) .
إنَّ التَّوضيحَ لا يمكنُ أن يتمَّ إلاَّ بالجدالِ الصحيحِ الذي يستخدمُ منهجًا سليمًا، فلابدَّ إذن من أساليبِ الجدالِ، وصياغَتِها وإخراجِها إلى آفاق رحبَةٍ، لأنَّ اللهَ رَخَّصَ الجدالَ بالتي هي أحسن لقولِهِ تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، فالجِدَالُ نوعان: جدالٌ بغير التي هي أحسنُ وهو أَنْ تُجادِلَ مُبْطِلاً فَيُورِدَ عليكَ باطلاً، فَلا تَرُدَّهُ بِحُجَّةٍ قَد نَصَبَها اللهُ، فَذَلِكَ حَرَامٌ، وجِدَالٌ بالتي هي أحسَنُ فهو ما أمَرَ اللهُ تعالى بهِ، لأنَّ فيهِ قَطْعُ عُذْرِ الكافرينَ وإزالةُ شُبَهِهِم.
وعندما كان التَّهديدُ المباشَرُ لنا على درجةٍ عاليةٍ من الفَجَاجةِ والاستفزازِ، وبلغةٍ بعيدةٍ عن أخلاقيَّاتِ الجدالِ العلميِّ الموضوعيِّ الهادفِ، كانَ مِنَ الواجبِ علينا الجدالُ والرَّدُّ اقتداءً بالأنبياءِ والرُّسُلِ الذين حَاجُّوا الضَّالِّينَ لقولِ النَّبيِّ الأكرمِ (ص): (نحنُ المجادلونَ في دينِ اللهِ على لسانِ سبعينَ نبيًّا).
وما جَعَلَني أرى أن يكونَ الابتداءُ من خلالِ دراسةٍ استقرائيَّةٍ شاملةٍ وعندما أطلَّ القرنُ السَّادسُ وتَلاهُ السَّابعُ، كان أهلُ الحقيقةِ يعانونَ من هجومٍ شرسٍ عليهم، عندما طلعَ رجلٌ يُقالُ له (ابن تيميَّةَ) بعقائدَ منحرفةٍ وآراء شاذَّةٍ بَلْبَلَتْ أذهانَ البعضِ تجاهَهم.
ولكنْ لم تَمُرّْ أربعةُ قرونٍ إلاَّ وظهرَ رجلٌ آخرُ هو (محمد بن عبد الوهاب النَّجدي) من أرضِ الحجازِ، فَأَحْيَى تلكَ العقائدَ والآراءَ الميِّتَةَ ونادى بها من جديدٍ، مع إضافاتٍ أشدُّ شذوذًا وغرابةً عمَّا كانَ عليهِ سابِقُهُ، فأوقدَ مرَّةً أُخرى نيرانَ الفتنةِ الخامدةِ من جديدٍ ضدَّ أهل الحقيقة، وَرَاحَ يُعلنُ عن عقائدِهِ الشاذَّةِ، ويستنكرُ على المؤمنين عقائدَهم الدِّينيَّةَ، فالطريقةُ الوهابيَّةُ التكفيرَّية نُسِبَتْ إليه، وسُمِّيَتْ طريقتُهُ باسمِ أبيهِ (عبد الوهّاب)، ومضَتْ هذه الجماعةُ تُكفِّرُ أهلَ الحقيقةِ وَتَرميهم بالشِّركِ وعبادةِ غيرِ اللهِ تعالى.
فالخلافُ مع الوهابيَّةِ التكفيرَّية اتَّسعَ اتساعًا كبيرًا عندَ ظهورِ الوهابيِّ محمد بن عبد الوهاب، وَتَطَوَّرَ الصِّراعُ المُرُّ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، واتَّسَعَتْ دائرةُ الخلافِ حتى وصلُوا إلى درجةِ الطَّعنِ.
ولمَّا استمرَّ الحالُ على منوالِ كثرةِ البحثِ والقيلِ والقالِ، وكثرَتْ أبوابُ الشكوكِ والشُّبهاتِ مع وجودِ كثرةِ المباحثاتِ، كانَ المطلوبُ منَّا إثباتُ أنَّنا نأخذُ من كؤوسِ الكتبِ السَّماويَّةِ أصفاها ومن العلومِ النَّبويَّةِ أعلاها، ومن فيوضاتِ أهل العصمةِ أزكاها.
وما هذا الفصل إلاَّ لفضحِ مُفَرِّقي الصُّفوفِ وَدُعَاةِ الفتنةِ قديمًا وحديثًا، وكشفِ مَوَاقِفِهم المفرِّقَةِ وأفكارِهم الشَّاذَّةِ، ولكي يعرفَ القارئُ مَدَى ما تَرَكَهُ ابنُ تيميَّةَ من أثرٍ سَيِّءٍ، والاختلافَ الذي أوجَدَتْهُ أفكارُهُ السَّقيمةَ، حاولتُ في هذا البابِ أن أضعَ أساسًا سليمًا للجدالِ مع الوهابيَّةِ، وهذا الأساسُ مَبنيٌّ على مراحل رئيسةٍ.
فالمشكلةُ الكبرى في الجدالِ معهم أنَّهُم يفتقدُونَ أهمَّ شرطٍ من شروطِهِ وهو تبيينُ المحتوياتِ والمعاني للمصطلحاتِ المستخدمةِ أثناءَ الجدالِ حتَّى يكون له ثمرةٌ، وقد لاحظتُ أنَّ هناكَ اختلافًا صريحًا بين معاني المصطلحِ الواحدِ من حيثُ اللفظ.
لذا كانَ هذا البابُ الموجزُ الذي أريد له أن يعطي صورةً واضحةً قدرَ الإمكانِ لبعضِ هذه المسائل، مع التأكيدِ أنَّ سلاحَنا الأول والأخير هو الدليلُ القاطعُ والبرهانُ الناصعُ، على أنَّ هدفَنا هو خدمةُ حقِّ الدينِ، واللهَ نسألُ أن يمنَّ علينا وعلى جميعِ إخوانِنا المؤمنين العاملينَ المخلصينَ بالتوفيقِ والتَّسديدِ في جميعِ ما نقولُ ونفعلُ، إنَّهُ وليٌّ قديرٌ وبالإجابةِ جديرٌ، وهو خيرُ مأمولٍ وأكرمُ مسؤول.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الفصل الأول من الباب الثالث: مشكلة الخلط   الأحد يونيو 24, 2012 12:09 am

الفصل الأول
مشكلة الخلط

إنَّ أوَّلَ ما يجبُ مراعاتُهُ والالتزامُ به لِمَن يريدُ أن يكتبَ عن أهلِ الحقيقةِ، حتَّى يَتجنَّبَ التَّشويهَ لحقائقِها وخصائصِها، هو أن يبدأَ قبلَ الكتابةِ عنهم بملاحظةِ وجودِ جفوةٍ أصيلةٍ ومفارقةٍ عميقةٍ بينَ (حقائقِ المبادئِ الإيمانية وخصائصِها) وبينَ (مُشَخصاتِ الوهابية)؟!!
وفي هذهِ المرحلةِ الأولى الهامَّةِ سوفَ نتعرَّفُ على النتائجِ الخطيرةِ التي نشأتْ من مشكلةِ الخلطِ بين (الفكرِ الإسلاميِّ) و(الفكرِ الوهابي التكفيري)، وما كانَ لهذا الخلطِ من الأثرِ السَّلبيِّ الكبيرِ عندَ أتباعِ الفرقِ الأخرى الوهابيَّةِ وغيرها، حيثُ نَسَبوا لأهلِ الحقيقةِ أمورًا غريبةً غرابةً تامَّةً، فَعَرَضوا المبادئَ الإسلامية وخصائصَها عرضًا مُشَوَّهًا مضطَّربًا.
ولن يتمَّ تصحيحُ دراساتِ الوهابيَّةِ التكفيرَّية عن حقائقِ المبادئِ الإسلامية وخصائصِها إلاَّ في اليومِ الذي يتحرَّرونَ فيه من مشكلةِ الخلطِ بين الإسلام والوهابية التكفيرَّية. فعلى هذا النَّحو نسبَت الوهابيَّةُ التكفيرَّية عملَ الشِّركِ إلى أهلِ الحقيقةِ، فأحدثَتْ بذلكَ أثرًا سطحيًّا في فهمِ الآخرينَ بِدَعَاوَى هم منها براءٌ.
وفي الحقيقةِ: إنَّ الذي لا يدركُ معرفةَ الحقائقِ سوفَ ينسبُ لهم ما ليسَ له صِلَةٌ بهم، وهكذا نسبَ علماءُ الوهابيَّةِ التكفيرَّية لهم ما يعلمونَ وما لا يعلمونَ، ويُخطئُ كثيرًا مَن يدَّعي أنَّهُ يستطيعُ أن يقفَ على عقائدِ أهلِ الحقيقةِ وعلومِهم وآدابِهم مما كَتَبَهُ عنهم الخصومُ، مهما بلغَ هؤلاء الخصومُ.
وقد ذكرنا سابقًا أنَّ كبارَ الوهابيَّةِ التكفيرَّية لا يدركونَ خطورةَ مشكلةِ الخلطِ والتَّخليطِ، لذلكَ وَقَعوا في انحرافٍ كبيرٍ في مرحلةِ المعرفةِ، ممَّا قادَهم إلى استنتاجاتٍ خاطئةٍ.
لهذا يكتسبُ البحثُ عن مشكلةِ الخلطِ أهميَّةً كبيرةً، فمشكلةُ الخلطِ بينَ الحقائقِ والأوهامِ تُشَكِّلُ أكبرَ عدوٍّ يهدِّدُنا، وتعطي صورةً مشوَّهَةً عن أهلِ الحقيقةِ.
وقد عَبَّرَ عن حالةِ الصِّراعِ الشَّديدِ والاضطرابِ الكبيرِ عندَ الوهابيَّةِ التكفيرَّية أحدُ الكتَّابِ المؤيِّدينَ للمنهجِ الوهابيِّ، صاحبُ المؤلَّفاتِ المشهورةِ عندهم، وهو (الوهابيُّ ناصر القفاري) من كبارِ الوهابيِّينَ المعاصرينَ.
لذلكَ سوفَ ندرسُ أسبابَ وعواملَ مشكلةِ الخلطِ، ونقولُ للباحثِ المنصفِ عن أهل الحقيقة: ينبغي أن تتعرَّفَ عليها كما هي في حقيقتِها.
ثمَّ إنَّ علماءَ الوهابيَّةِ التكفيرَّية لَمَّا أعياهم الدَّليلُ الصحيحُ في نقدِ الحقيقة عَمَدَوا مع بالغِ الأسى إلى تضعيفِ الأحاديثِ الصحيحةِ المرويَّةِ، ولذلكَ لم نجدْ في رَدِّهم إلا السبابَ والشَّتمَ المقذِعَ، فانظرْ ما كتبَهُ ابنُ تيميَّةَ في كتبه، وهذا سبيلُ العاجزِ عن مقارعةِ الحجَّةِ بالحجَّةِ كما هو معلومٌ.
فإذا أَرَدْنا أن نتكلَّمَ عمَّا في كُتبِ ابنِ تيميَّةَ وعن عقائدِهِ وأفكارِهِ، وعمَّا في كتبِ هذا الرَّجلِ المنحرفِ فكريًّا الذي لا يصلحُ أن يكونَ مرجعًا، والجاهلِ الذي لا يصلحُ أن يكون إمامًا، والفاسقِ الذي لا يصلحُ أن يُقبَلَ كلامُهُ وَيُرَتَّبَ الأثرُ على أقوالِهِ، فإنَّ البحثَ حولَ هذهِ الشَّخصيَّةِ من هذه الجهاتِ كلِّها يستغرقُ وقتًا طويلاً، وقد خَصَّصْتُ جزءًا من بحثِنا عن ابنِ تيميَّةَ، فرأيتُ من الأنسبِ والأرجحِ التَّعرُّضَ لِمَا في كتابِهِ من التَّعريضِ وأكتفي بهذا المقدارِ، لأنَّ كتابَهُ مشحونٌ بالتَّعريضِ بصورة مُفَصَّلَةٍ، وحتَّى أنَّه في كتابِهِ يدافعُ بكثرةٍ وبشدَّةٍ عن أعداءِ اللهِ الذينَ جاهَروا بعدائِهم للنَّبي (ص).
والنتيجةُ أنَّ الأدلَّةَ الصحيحةَ الثابتةَ كلُّها تُرشِدُ إلى أهلِ الحقيقةِ، وأما الوهابيَّةُ التكفيرَّية فلم يَقُمْ على صِحَّتِها دليلٌ صحيحٌ مُعتَبَرٌ، وكلُّ ما ذَكروهُ لا يَعدُو كونَهُ مجرَّدَ دَعَاوى لا تستندُ إلى برهانٍ صحيحٍ، ولا تنهضُ بها حُجَّةٌ تامَّةٌ، وهنا لابدَّ من ذكر قوله تعالى: (وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) .
ونحنُ بحمدِ اللهِ ما افتَرَينا على قومٍ فِرْيَةً، ولم نتَّخِذِ الظَّنَّ دليلاً، ولا الأهواءَ سبيلاً، فكلُّ ما وَرَدَ في الكتابِ نقلناهُ من كتبِ الوهابيَّةِ التكفيرَّية المعروفةِ المطبوعةِ المتداولةِ، لِيَعلمَ مَن كانَ في قلبِهِ شكٌّ أنَّا سَلَكْنا سبيلَ الأمانةِ والتثبُّتِ في النَّقلِ.
هؤلاء البقيَّةُ من الوهابيين هم للحقِّ كارهونَ، ضَلَّ فهمُهُم وخَلَطُوا في كلامِهم خلطًا كبيرًا، فهم يَدورونَ في حلقاتٍ مُفرَغَةٍ لا يدرونَ أين أطرَافُها ولا يعرفونَ كيف المَخْرَجُ منها، لأنَّهم عَجِزُوا عن الوصولِ إلى إدراكِ غايتِهم، فَهُم ومَن وَرَاءَهم في ضلالٍ دائمٍ لا مخرجَ لهم منه، مصابونَ بالجمودِ الفكريٍّ، لا يريدونُ عِظَةً ولا يحبُّونَ عِفَّةً، يكادونَ لا يفقهونَ قولاً، فَهُمْ عن سِرِّها عُمْيٌ وعن فَهمِها صُمٌّ وعن معرفتها بُكْمٌ، وهم لِخَلْطِهم وَحِيرَتهم وَعَمَاهم واستكبارِِهم وَعَكسِهم بَغَوا على أنفسهم لأنَّهم أدواتٌ مُستهلَكَةٌ سَعَوا في حلولِ حتفهم، فَبَاؤوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ لقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) .
هؤلاء هم المعتدونَ حقًّا، وسوفَ نسدُّ عليهم الطُّرُقَ، ونغلقُ عليهم الأبوابَ، ليبَقَوا حَيَارى في متاهاتِهم المُوجِبَةِ للاندثارِ والمَمَاتِ، فصدقَ اللهُ تعالى بقوله: (فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) ، فَمَا فتنةٌ ولا خَلَلٌ إلاَّ ومنشأُهَا هؤلاء وأمثالُهم من أدواتِ الجَهَالةِ الذين يتاجرونَ في الدِّينِ، ويخرِّبونَ تعاليمَ المعصومِ عليه السلامُ من العليِّ العلاَّم، وكأنَّهم ممَّن انطبقَ عليهم قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الفصل الثاني من الباب الثالث: تعظيم شعائر الله   الخميس يونيو 28, 2012 2:31 am

الفصل الثاني
تعظيم شعائر الله

الشَّعائرُ العظيمةُ هي مُقتضَى الأصلِ والفطرةِ في مِصْدَاقِ أوامرِ التَّكريمِ والتَّبجيلِ. والاقترانُ الزَّمانيُّ والمكانيُّ لشعائرِ اللهِ عندنا يَتركُ أثرَهُ الكبيرَ في النَّفسِ، وَمَا أكثرَ تذكيرَ الكتابِ الكريمِ بذلكَ.
فعندما نذكرُ شعائرِ اللهِ نَستَوحي معاني العَظَمةِ منها، ولا يتَّسعُ لنا المجالُ أن نَستعرِضَ كلَّ الأمثلةِ الزَّمانيَّةِ والمكانيَّةِ لهذه الخِصِّيصَةِ الفطريَّةِ.
إنَّ الموضوعَ الذي هو محلُّ البحثِ هو شعائر الله، خُصُوصًا ما يَرتبطُ بالمفهومِ العام، وقد قالَ تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ) .
إنَّ إقامةَ الصَّلواتِ في أيَّامِ وليالي شعائرِ اللهِ هي رَفْعُ الذِّكرِ، لقولِهِ سبحانه: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) ، فهي إحياءٌ لأيامِ اللهِ، حيث قالَ تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ) .
وهي المباركةُ التي أَمَرَنا اللهُ بِتَعظِيمِها والمُداوَمَةِ عليها لأنَّ فيها اجتماعُ المؤمنينَ بمعرفةِ اللهِ لِتَطمَئِنَّ قلوبُهم، إذ قالَ تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) .
وليسَتْ شعائرُ اللهِ مواسمُ شكليَّةٌ فقط، بل إنَّ ما فيها من عِظَاتٍ وَعِبَرٍ يُعتَبَرُ قانونًا عَمَليًّا نَاجِعًا، لأنَّها لا تَخْتَصُّ بنبيٍّ دونَ آخر، بل تَقتَبِسُ نُورَها وازدِهارَها من قوله تعالى: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ).
إنَّ الكتابَ الحكيمَ يعتبرُ تعظيمَ شعائرِ اللهِ سبحانَهُ دليلاً على تقوى القلوبِ، فيقولُ تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوب) .
إذا كانَ الصَّفا والمروة من شعائرِ اللّهِ فإنَّما هو بسببِ كونِهما من معالمِ الدِّينِ الحنيفِ، وإذا كانَتِ المزدلفة تُسمَّى بالمشعَرِ فإنَّما هو بسببِ كونِها من علاماتِ دينِ اللهِ تعالى، وإذا كانت مناسكُ الحجِّ تسمَّى بالشَّعائرِ فإنَّما لكونِها علاماتٌ للدِّينِ الحنيفِ. ولكي نعرفَ هذهِ الحقيقةَ جيِّدًا لابدَّ من أن نتأمَّل في سورةَ الحجِّ قولَهُ تعالى: (وَالبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ) . فإذا كانَ الأنبياءُ والرُّسلُ الطَّاهرونَ (ع) قد قامُوا بدَورِ الوسيطِ بين اللهِ وَخَلقِهِ في هِدَايَتِهِم وإرشادِهِم، أفلا يُعتَبَرون أَدِلَّةً لشعائرِ اللهِ؟
ولذلكَ يمكنُ القولُ: إنَّ تعظيمَ شعائرِ اللّهِ يُقرِّبُ إلى اللهِ تعالى. و ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الأنبياءَ والرُّسلَ وأولياءَ اللهِ تعالى هم من أبرزِ علاماتِ دينِ اللّهِ، إذْ أنَّهم كانوا خيرَ وسيلةٍ لإبلاغِ رسالةِ اللهِ.
وَرَدَ في الخبرِ أنَّ مروانَ بن الحكم أقبلَ يومًا فَوَجَدَ رَجُلاً وَاضِعًا وَجهَهُ على القبرِ، فأخذَ بِرَقَبَتِهِ ثم قالَ: هل تَدري ما تَصنَعُ؟ فأقبَلَ عليهِ فإذا هو الصَّحابيُّ الجليلُ أبو أيُّوب الأنصاري (ع)، فقالَ: نَعم إنِّي لم آتِ الحَجَرَ، إنَّما جِئْتُ رسولَ اللهِ (ص).
إنَّ هذا الحديثَ يُعطِينا إخْبَارًا بأنَّ المنعَ من شعائرِ اللهِ إنَّما هو من بِدَعِ أعداءِ رسولِ اللهِ (ص)!!
وهذا يُوضِّحُ الخللَ عندَ الوهابيَّةِ التكفيرَّية، لأنَّ الاحترامَ للأرواحِ الطَّاهرةِ، شَأنُهُ شَأنُ تَقبيلِ غِلافِ المصحفِ الكريمِ والكتبِ السَّماويَّةِ، إلا إذا كانَ أحدٌ منهم أيضًا يَذهبُ إلى أنَّ تقبيلَنا للمصحفِ كفرٌ وإلحادٌ!!
من هذا المنطلقِ يُمكننا أن نستنتجَ معنًى واسعًا عامًّا، وذلكَ من خلالِ عرضِ المسألةِ على كتابِ اللهِ من خلالِ قوله تعالى: (اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأتِ بَصيرًا) ، إلى قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَاْرتَدَّ بَصيرًا) وهذهِ الآيةُ صريحةٌ.
إذن: إقامةُ الدُّعاءِ عندَ شعائر الله مُستَحَبَّةٌ وَمَقرونَةٌ بِالثَّوابِ، وَحَديثُنا الآنَ يدورُ حولَ هذا الموضوعِ بالذَّاتِ، لإثباتِ أنَّ لِمَكانِها شَرَفٌ وَفَضيلةٌ خاصَّةٌ، فالكتابُ الكريمُ يُصَرِّحُ بِجَوَازِ ذلكَ، وقد ثَبَتَ ذلكَ بعدَّةِ أدلَّةٍ من الكتابِ الكريمِ والأحاديثِ القدسيَّةِ:
الدليل الأول- أصحاب الكهف:
الكتابُ الكريمُ يَذكرُ هذا الموضوعَ عن السَّادةِ أصحابِ الكهفِ الذينَ وردَ ذكرُهم في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) ، فَجَعَلَ المَوضِعَ مَسجِدًا، وهذا المكانَ صارَ ذا كرامةٍ وَشَرَفٍ بسببِ وُجُودِهِم، لذا لابدَّ منَ التَّبرُّكِ بِهِ باتّخَاذِهِ مَسجِدًا، قال تعالى: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) .
يُستَفادُ من الآياتِ الكريمةِ أنَّ تعظيمَ شعائرِ اللهِ كان أمرًا حقيقيًّا بين الأُممِ حتى قبلَ الإسلامِ، بدليل ِالسَّادةِ أصحابِ الكهف بُنِيَ المسجدُ وصارَ مكان أصحابِ الكهفِ مركزًا للتَّعظيمِ والاحترامِ.

الدليل الثاني- مقام إبراهيم الخليل:
إنَّ الكتابَ الكريمَ يذكرُ مقامَ سيدِنا إبراهيمَ الخليلِ (ع). وكلُّ مَن يَتلو قولَهُ سبحانَهُ: (واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلّى) ، يَفهَمُ بِوُضوحٍ أنَّ الدُّعاءَ هناكَ إنَّما وَجَبَ بِسَبَبِ وجودِ مقامِ النَّبيِّ إبراهيمَ (ع).
فإذا كانَ الأمرُ كذلكَ بالنسبةِ إلى مقامِ سيِّدنا إبراهيمَ الخليلَ (ع)، ألا يَنبغي أن يكونَ كذلكَ بالنِّسبةِ إلى مَقَامَاتِ الرُّسُلِ، وقد قالَ تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ) ؟!
كما قال جلَّ جَلالُهُ: (فِيهِ آيَاتٌ بينَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) ؛ أي مَن عَرَفَ الحَرَمَ المُعَظَّمَ وأقرَّ للهِ كانَ آمِنًا منَ العَذَابِ.

الدليل الثالث- البيوت المرفوعة:
لقد أَذِنَ اللهُ تعالى في رفعِ البيوتِ فقال: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فيها بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ) .
والاستدلالُ بهذهِ الآيةِ يتمُّ ببيانِ أمرين:
1. معنى البيوتِ: ليسَ المرادُ من البيوتِ هو المساجدُ فقط، بل المرادُ منها ما هو الأعمُّ من المساجدِ، فالبيوتُ هي الأماكنُ التي يُذكَرُ فيها اسمُ اللِه تعالى.
2. معنى الرَّفع له أمران:
- الأول أن يكونَ المرادُ منه هو الرَّفعُ الماديُّ الذي يتحقَّقُ بإرساءِ القواعدِ والبناءِ، كما قال سبحانه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعيلُ) .
- والثاني أن يكونَ المرادُ منه هو الرَّفعُ الحقيقيُّ، كما قال عزَّ وجلَّ: (وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا) .
الأمرُ الأوَّل يدلُّ بكلِّ وضوحٍ على جوازِ تشييدِ بيوت الله وتعميرِها، والثَّاني هو تَكريمُها وَتَبجيلُها وَصِيَانَتُها وَتَطهيرُها مِمَّا لا يليقُ بشأنِها.
الدليل الرابع- حديث المعراج:
لو راجَعْنا أحاديثَ المِعْرَاجِ لانْكَشَفَتْ لَنَا هذهِ الحقيقةُ، حيثُ جاءَ فيها أنَّ النَّبيَّ (ص) في رِحلَةِ المِعرَاجِ نَزَلَ في المدينةِ وطورِ سيناءَ وبيتِ لَحْم وَصَلَّى فيها، فَقِيلَ لَهُ: يا رسولَ اللهِ أينَ صَلَّيتَ؟ فقال (ص): (صَلَّيتُ في طِيبَة، وَصَلَّيتَ في طورِ سيناءَ حيثُ كَلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا، وَصَلَّيتَ في بَيتِ لَحْم حيثُ ظَهَرَ عيسى).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الفصل الثالث من الباب الثالث: الأولياء   الثلاثاء يوليو 10, 2012 10:51 pm

الفصل الثالث
الأولــيـــــــــــاء

عندما يُعْرَضُ البحثُ عن موضوعِ الأولياء المؤمنينِ على كتابِ اللهِ وأحاديثِ رسولِهِ العظيمِ يَتَجَلَّى الحقُّ بأجلَى مَظَاهِرِهِ. والأحاديثُ التي تَدُلُّ على جَوَازِ التَّوسُّلِ بالسَّادةِ المؤمنينَ كثيرةٌ جدًّا، فالنُّقطَةُ المحوريَّةُ هي روحُ المؤمنِ الكريمةُ، وهذهِ هي الحقيقةُ السَّاطعةُ، فالقولُ بالتَّبرُّكِ لا يَعني أنَّ السَّادةَ المؤمنينَ المُتَّقينَ يَشفَعونَ من دونِ أيِّ قَيدٍ أو شَرطٍ، وبلا رِعَايَةٍ أو ضَابِطَةٍ أو قانونٍ، وكذلكَ لا يَعني القولُ بالتَّبرُّكِ بالسَّادةِ الأولياءِ المؤمنينَ أنَّهم أصحابُ القدرةِ والمعجزاتِ، وإنَّما البحثُ في التَّوسُّلِ بكرامَتِهِم، فلماذا هذا التَّهَجُّمُ على المؤمنين وَنَعْتُ عَمَلِهم بالابتداعِ؟
في الحقيقةِ: إنَّها قضيَّةٌ واجبةٌ وردَتْ فيها الأدلَّةُ الواضحةُ، فالتوسُّلُ بأولياءِ اللّهِ من المسائلِ الأساسيَّةِ الهامَّةِ، وقد وَرَدَتْ أحاديثُ كثيرةٌ في جوازِهِ، وهو أمرٌ دينيٌّ ثابتٌ عندَنا، ولم يُنكرِهُ أحدٌ طوالَ أربعةَ عشرَ قرنًا سوى المُنكِرِ ابنُ تيميَّةَ، وجاءَ بعدَهُ الوهابيُّ المُنْكِرُ محمد بن عبد الوهاب.

والسُّؤالُ المطروحُ: ما هو باعثُ ما أسَّسَهُ هؤلاء تبعًا للأهواءِ الشَّخصيَّةِ؟
إنَّهُ افتراءٌ مَحْضٌ علينا، إذ إنَّ الوهابيَّةَ التكفيرَّية تَعتبرُ مَا يقومُ به المؤمنون شركًا وعبادةً لها، كالاستشفاع بالأنبياءِ والرُّسلِ المعصومينَ، والاستعانةِ بالأولياءِ الصَّالحينَ وتكريمِهم.
وما يُسمَّى اليومَ اتِّهامات لنا هي فقاعاتٌ وقشورٌ تستندُ إلى أُسسٍ خياليَّةٍ وأدلَّةٍ أوهنِ من بيتِ العنكبوتِ، فهل خَوَّلَ الكتابُ الكريمُ تفسيرَ الشِّركِ إلى الوهابيِّينَ التكفيريِّينَ حتى يُفسِّرُوهُ كيفما يشاءونَ، ويقسِّموا النَّاسَ إلى جماعةٍ مشركينَ وأُخرى موحِّدين؟!!
لا رَيبَ أنَّنا مِمَّنْ يُبَجِّلُ السَّادةَ الأولياءَ المؤمنينَ، لأنَّ شخصيَّاتِهِم يُكَنُّ لها وَافِرُ الاحترامِ. ونحنُ نَتَوسَّلُ إلى اللهِ بكرامَةِ السَّادةِ المؤمنينَ المتَّقينَ وَمَنْزِلَتِهِمْ عندَهُ سبحانَهُ، لأنَّهم وُسَطاءُ وَشُفَعَاءُ، فَهُمْ الذين ذَكَرَهُم رسولُ اللهِ (ص) بقولِهِ: (إنَّ في أمَّتي رِجَالاً الإيمانُ في قُلوبهم أثبَتُ من الجبالِ الرَّواسي). وَدَلالَةُ الحديثِ على الموضوعِ سوف نَتَحَدَّثُ عنها بشكلٍ واضحٍ. والرُّكنُ الهامُّ هو جَوَازُ طَلَبِ الشَّفاعةِ من السَّادةِ الأولياءِ المؤمنينَ المتَّقينَ.
فَلَرُبَّ رجلٍ مؤمنٍ لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّ تعالى بقسمِهِ، فلابد لنا من التَّفريقِ ما بينَ المعجزَةِ من جهةٍ والكرامةِ من جهةٍ أخرى.
المعجزةُ تُطلَقُ على ما يَصدُرُ من المعصومِ- كالأنبياءِ والرسل وأهلِ العصمةِ- من خَوَارِقِ العادَةِ، وأما الكرامةُ فتُطلق على ما يَصدُرُ من غَيرِهِم من سَادةِ المؤمنينَ العارفينَ المتَّقينَ.
فالكرامة هي ما يَجري على غير نَوَاميسِ الطَّبيعَةِ, وهي مَوهبةٌ وتَشْرِيفٌ منَ اللهِ يَمْنَحُهُ مَنْ يَشاءُ من عبادِهِ أصحابِ الأرواحِ الطَّيِّبَةِ المؤمِنَةِ.
إنَّ طَلَبَ شَيءٍ ما مِن السَّادةِ الأولياءِ المؤمنين المتَّقينَ يَقعُ بأشكالٍ مختلفةٍ. ونحنُ عندما نقومُ تجاهَ هؤلاءِ السَّادةِ المؤمنينَ بما يَنبغي من التَّعظيمِ والإجلالِ والتَّكريمِ والاحترامِ، فذلكَ لأنَّنا نُقَدِّرُ مقامَهم عند اللهِ، وَنُخلِّدُ أعمالَهم وَنَتَّخِذُهُم قُدوَةً، إذْ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) .
إنَّ الاستعانةَ بالسَّادةِ المؤمنينَ ليست سوى الدُّعاء منهم إلى اللهِ تعالى، إذْ أنَّهم- لِمَنْزِلَتِهِم الوجيهةِ عندَ اللهِ- يَبتهلونَ إليهِ سبحانَهُ بالدُّعاءِ، واللهُ تعالى يَستجيبُ دُعَاءَهُم فَيَشْمَل الطَّالبَ بِرَحمتِهِ وَمَغفرَتِهِ وَيُكَفِّر عن سيِّئَاتِهِ، وقد قالَ تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) .
إنَّ طلبَ الدُّعاءِ من المؤمنِ هو أمرٌ جائزٌ مُسْتَحسَنٌ،لقولِهِ تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .
ومنَ الآياتِ التي تَشهَدُ بأنَّ طلبَ المؤمنِ المغفرةَ من اللهِ لَهُ وَلِبَعضِ عِبَادِهِ مُفيدٌ ونافعٌ جدًّا قولُهُ تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤمِنينَ) ، فَمَا دامَ دعاءُ المؤمنِ يَترُكُ الأثرَ الكبيرَ والنَّتيجةَ الحسَنَةَ لِمَن دَعَا لَهُ، فَمَا المانعُ مِن أنْ يَطلَبُ الإنسانُ منهُ أن يَدعُوَ لَهُ؟
هذهِ الفكرةُ هي ما سَنُثْبِتُها الآنَ، فمسألةُ الاستعانةِ بالمؤمنينَ- بعدَ غيابِ أجسادِهِم عن هذهِ الحياةِ- هي أهمُّ المسائلِ في بحثِ الاستعانةِ. أمَّا السَّببُ في أهميَّةِ هذهِ المسألةِ فهو أنَّ النَّاسَ اليومَ لَيسوا في مَحضَرِ وصيٍّ أو إمامٍ أو نبيٍّ كي يَستعينوا بِهِ بصورةٍ مباشرةٍ، ولهذا فَهُمْ يَستعينونَ بالحجَّةَ الرَّسوليَّةَ المُستمرَّةٌ.
منَ المُسَلَّمَاتِ التي لا تحتملُ جَدَلاً أنَّ أهل الحقيقة الإسلاميَّةَ تحثُّ على كسبِ العلمِ والمعرفةِ، وَمَن يتأمَّل الحقائقَ يجدُ ذلكَ يتكرَّرُ كثيرًا تصريحًا أو تلميحًا، عملاً بقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) .
ولأهميَّةِ العلمِ فقد أخذَ اللهُ تعالى الميثاقَ على أهلِ الكتابِ في قوله: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) . وبعدَ آياتِ الكتابِ تأتي الأحاديثُ النَّبويَّةُ وأحاديثُ الرسلِ المعصومينَ (ع) حيثُ تَصُبُّ في هذا الاتجاهِ، وتقرُّ بأنَّ علمَ أهلِ العصمةِ يُشَكِّلُ عمادَ الدِّينِ عندَنا، وتحثُّ على طلبِهِ، وتكشفُ عن فضيلتِهِ. ولذلكَ تقفُ الفرقُ الأخرى مَبهورةً أمامَ عظمةِ الحقائقِ الإسلاميَّةِ بعيدًا عن إشكاليَّاتِ الخلطِ.
فالأولياءُ المؤمنون تربطُهُمْ باللهِ رابطةٌ روحيَّةٌ ومعنويَّةٌ، قال تعالى فيهم: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) ، فَهُمُ الذين كانَ كَيَانُهم وَوُجودُهُم لِيُنيرُوا لنا الطُّرُقَ، وهم كالشَّمعَةِ التي تَذوبُ لِيَستَنيرَ بها الآخرونَ.
إنَّهم المناراتُ الواقفةُ على مفارقِ الأزمنةِ، التي تعلو لتكونَ نورًا يضيءُ دربَ الحياةِ، وقدوةً يُحتذى بها للوصولِ إلى قمَّةِ الكمالِ والسَّعادةِ، فقد كرَّمَهم تعالى بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) ، فتلكَ هي المناراتُ رَفَعَتِ النَّاسَ من حضيضِ الشُّبهاتِ إلى عالمِ الرُّوحانيات.
ولهم في حياتِنا نوعٌ من الشُّكرِ والتَّقديرِ، فَممَّا لا شَكَّ فيهِ أنَّ مقامَهم الأمينَ يَنطوي على آثارِ معرفَتهم وصالحِ أعمالِهم، فهم أصحابُ الفطرةِ النَّقيَّةِ الشَّفافةِ لكلِّ مَن يدركُ الحكمةَ التي تهدي إلى الحقيقَةِ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الباب الرابع: الوسطية - الفصل الأول: عَقِيدتُنا الوسطيَّة   الأربعاء يوليو 11, 2012 12:31 am

الباب الرابع
الـــــوســـــــــــطـيــة

مبدأُ الوسطيَّةِ الانتقائيَّةِ كَنَّى عنه البيانُ الإلهيُّ بالصِّراطِ المستقيمِ في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) . فالوسطُ الانتقائيُّ أو الصِّراطُ المستقيمُ موقفٌ معتدلٌ بين موقفين متطرِّفينِ، وهما الإفراطُ والتَّفريطُ، والمؤمنُ لاَ يُرَى مُفرِطًا ولا مُفَرِّطًا، وقد عَبَّرَتْ عنهما الآيةُ الكريمةُ بالسُّبُلِ المنهيِّ عن اتِّباعِها، كما قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ، وهذا السَّبيلُ هو الطريقُ الوسطيُّ وهو الجَّادَّةُ التي أشارَ إليها الفيلسوفُ الكبيرُ الحكيمُ أفلاطون بقولِهِ: (الفضيلةُ وسطٌ بينَ رَذيلَتين).
هَذِهِ الكُنُوْزُ الوسطيَّةُ النَّادِرَةُ وَالجَوَاهِرُ الفَاخِرَةُ وَالمَعَانِي الذَّاخِرَةُ تُعَدُّ قانونًا كَامِلاً فِي عَقِيْدَةِ الأنبياءِ والرُّسلِ الَّتِي هِيَ نَهْجُ الحقِّ، لتكونَ صورتُها سَبيلاً وَاضِحًا للسَّالِكِيْنَ من المؤمنين. فالنَّهجُ الذي يُتَّبعُ مع طالبِ العلمِ والمعرفةِ يبدأُ بالتَّرغيبِ بالإقبالِ على اللهِ عزَّ وَجَلَّ وطاعتِهِ في أوامِرِهِ، والتَّرهيبِ من مخالَفَتِهِ، ومعرفةِ الحلالِ والحرامِ، والرسلُ والأنبياءُ يدلُّونَنا على ضرورةِ التَّدرُّجِ العلميِّ من الشَّرائع إلى الطَّرائق اللَّدُنيَّةِ الخاصَّةِ بأهلِ الخاصَّةِ، إلى الحقائقِ الفقهيَّةِ العظيمةِ التي يَنَالُها العارفونَ الذينَ يشهدونَ شهادةَ الحقِّ بمنطقِ الصِّدقِ، في قوله تعالى: (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا) ، وقوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) .
---------------------------------

الفصل الأول
عَقِيدتُنا الوسطيَّة

إنَّ العقيدةَ الوَسَطِيَّةَ عندنا هِيَ الإيمانُ عَمَلاً، والإيمانُ هُوَ العقيدةُ الوسطية عِلْمًا، وَإِنَّ تَمَامَ العِلْمِ هو العَمَلُ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ كَمَالَ الإيمانِ هُوَ العقيدةُ الوسطية.
وَيُمكِنُ القَولُ: إِنَّ الإيمانَ هُوَ العقيدةُ الوسطية بِالقُوَّةِ، فالعقيدةُ الوسطية اِمْتِدَادٌ للنُّبُوَّةِ لأنَّها رَعَتْ أُصُوْلَ الدِّيْنِ، فَجَلَتْ كُلَّ لَبْسٍ. ولهذا فإِنَّها لَيْسَتْ مُحْتَاجَةً إِلَى غَيْرِهَا لأَنَّهَا كَامِلَةٌ، وَكَمَالُهَا مُسْتَمَدٌّ مِنْ مُفِيْضِ الخَيْرِ وَالجُوْدِ عَلَى كُلِّ مَوْجُوْدٍ.
هَذهِ هُيَ العقيدةُ الوسطية الوَاضِحةُ لِمَنْ أَرَادَ اِسْتِجْلاءَها، فهيَ الَّتِي بَزَغَ فجرُها كَامِلاً متفرِّعًا من الشَجَرَةِ المباركة.
وَهيَ تَرَى أَنَّ كُلَّ العُلُوْمِ المعصومةِ مُرْتَبِطَةٌ بِبَعْضِهَا، وَهَذَا دَلِيْلٌ عَلَى وَحْدَةِ الجوهرِ وَقُدْسِيَّتِهِ، إِلاَّ أَنَّ للعِلْمِ الدَّالِّ عَلَى هذه المَعْرِفَةِ مِيزَةً خَاصَّةً، فهذهِ المعرفةُ كَالجَوْهَرةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّةِ العُلُوْمِ الفرعيَّةِ.
هذه المعرفةُ الحَقَّةُ لهذه العقيدة الوسطية تَسْتَمِدُّ أُصُوْلَها وَفُرُوْعَها مِنْ كِتَابِ اللهِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِأَنَّهُ الحَبْلُ المَتِيْنُ وَالنُّوْرُ المُبِيْنُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ وَالرَّيُّ النَّاقِعُ للمُسْتَمْسِكِ وَالنَّجَاةُ للمُتَعَلِّقِ وَالنَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ وَالهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ وَالمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ.
وَإِنَّنَا نَعْتَمِدُ فِي التَّحْقِيْقِ وَالتَّدْقِيْقِ عَلَى معاييرَ نَقْلِيَّةٍ وَعَقْلِيَّةٍ دَقِيْقَةٍ، حتَّى نَسْتَخْلِصَ أَحْسَنَ الجواهرِ، لأنَّ المعرفةَ الحقَّةَ يَجِبُ أَنْ تُوْزَنَ بِمِيْزَانِ العدلِ، والميزانَ يَجِبُ أَنْ يُوَافِقَ مُحْكَمَ الكِتَابِ الذي هُوَ القانون الأَقْدَسُ وَالفُرْقَانُ المُقَدَّسُ لقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) .
من هنا نَتَيَقَّنُ أَنَّ العقيدةَ الوسطية بِوَصْفِهَا عَقِيْدَةً مَرْقُوْمَةً وَنَهْجًا مُبِيْنًا هِيَ الهَدِيَّةُ السَّمَاوِيَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ قانونًا كَامِلاً للمؤمنين، وَهِيَ السَّبِيْلُ الأَسْلَمُ لِمَعْرِفَةِ حقيقةِ الدِّيْنِ، وَأَنَّ الاِنْتِمَاءَ إِلَيْهَا هُوَ الإيمانُ أَصْلاً وَفَرْعًا، فالمعرفةُ غَنِيَّةٌ عَنِ كثرةِ الدَّلِيْلِ، لأَنَّها الكفَّةُ الثانيةُ لمِيْزَانِ القِسْطَاسِ المُسْتَقِيْمِ.
لَقَدْ كَانَتِ ولازالت عقيدَتُنا تُمَثِّلُ المَنْهَجَ المُعَارِضَ للمناهجِ الحائدةِ، لأنَّها كانت تَأْبَى عَلَى أتباعِها الرُّكُوْنَ إِلَى البَاطِلِ، فالرِّضَا بِهِ خِيَانَةٌ للحَقِّ وَخذْلانٌ لأَهْلِهِ. ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِكُلِّ هَذِهِ الهجماتِ إِلاَّ لأَنَّهَا كَانَتْ وَمَازَالَتْ تُمَثِّلُ الفَضِيْلَةَ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا، بَلْ كَانَتِ الفَضِيْلَةَ بِعَيْنِهَا. وَلَمَّا كَانَتْ بَعْضُ النُّفُوْسِ الإجراميَّةِ المُظْلِمَةِ الكَدِرَةِ التي مَا زَالَتْ تَعِيْشُ فِي أَوْكَارِ الرَّذِيْلَةِ التكفيريَّةِ قد سَاءَهَا أَنْ تَرَى عقيدَتَنا تسْمُو وَتَتأَلَّقُ، وَلَمْ تَسْتَطِعِ هذه النُّفوسُ الاِرْتِقَاءَ لِكَثَافَتِهَا وَلا الاِنْدِمَاجَ لِكَدَرِهَا، سَعَتْ جَاهِدَةً إِلَى طَمْسِ هذه العقيدةِ.
فالعقيدةُ الوسطية تَرْفُضُ التَّعَصُّبَ الأعمى للبَاطِلِ، وتَدْعُو إلى التَّعَصُّبِ للحَقِّ المتمثِّلِ بِمَكَارِمِ الخِصَالِ وَمَحَامِدِ الأَفْعَالِ وَمَحَاسِنِ الأُمُوْرِ، لأَنَّ مَنْ عَرَفَ الحَقَّ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفُضَ البَاطِلَ مِنْ كُلِّ وُجُوْهِهِ، وَإِلاَّ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ الحَقَّ لَيْسَتْ كَامِلَةً، أَمَّا التَّعَصُّبُ القَائِمُ عَلَى الجَهْلِ فَسَاقِطٌ مِنْ مِيْزَانِنا المُبِيْنِ.
هذه كَلِمَةٌ صَادِقَةٌ عَنْ العقيدةِ الوسطية الإيمانيَّةِ السَّوِيَّةِ، لِمَنْ أَرَادَ التَّعَرُّفَ إِلَيْها مِنْ دُوْنِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى أَقْوَالِ المُبْغِضِيْنَ من الَّذِيْنَ شَوَّهُوا الحَقَائِقَ إِرْضَاءً لِزُعَمَاءِ السُّوْءِ وَالفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ، الَّذِيْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَمٌّ غَيْر إِطْفَاءِ هَذِهِ الجَذْوَةِ المُضِيْئَةِ لِمَسِيْرَةِ الحقيقةِ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الفصل الثاني من الباب الرابع: تَوحيدُنا الوسطيُّ   الأربعاء يوليو 11, 2012 12:32 am

الفصل الثاني
تَوحيدُنا الوسطيُّ

توحيدُ أهلِ الإيمانِ هو أنَّ الخالقَ ليسَ بداخلٍ في الخلقِ دُخُولَ حلولٍ واختلاطٍ، إنَّما المماثلةُ دلالةٌ على الوجودِ، وليسَ بخارجٍ عن الخلقِ خروجَ إنكارٍ، وهذا الاعتقادُ الإيمانيُّ يدلُّ على أنَّ الخالقَ سبحانه لا داخلٌ في الأشياءِ كَدخولِ شَيءٍ في شيءٍ، ولا خارجٌ منها كخروجِ شيءٍ من شيءٍ، وقد رُويَ عن أشعيَّا (ع) أنَّه قالَ في السفرِ الأوَّلِ: (إنَّ رَبَّ الأربابِ عندنا إلهُ الآلهةِ الخالقُ لكل شيءٍ ليسَ هو ممَّنْ يَدخلُ عليه "ما"، ولا "في"، ولا "قبل"، ولا "بعد"، ولا "عند"، ولا "إلى"، ولا "من"، ولا "كم"، ولا "عن"، بل معنى المعاني وغايةُ الغاياتِ وكلُّ الكليَّاتِ).
والمُهتدي لمعرفةِ هذا الوجودِ أحقُّ بالأمانِ لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) ، لا المنكرُ لَهُ الجاحدُ لآياتِهِ، الذي أنكرَ الوجودَ وألحَدَ بآياتِ اللهِ.
إن القرآنَ الكريمَ يصرّحُ أنَّ هناكَ غَايةً واحدةً أُرسِلَ من أجلِها الأنبياءُ، حيث قال جلَّ جلالُهُ: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، وقال: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، وكم من نبي قال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ؟
إنَّ المفرداتِ الأساسيةَ التي تدورُ حولَها الآياتُ المذكورةُ هي أنَّ هناكَ معنًى فطريًّا واحدًا واضحًا لكلمةِ التوحيدِ من أجلِ نفي الشِّركِ، فالضَّلالاتُ المشركةُ صوَّرَتْ للمشركينَ إمكانَ التَّعدُّدِ للإلهِ فأشركوا، وظلمُوا أنفسَهم لأنَّ الشِّركَ هو الظلمُ، إذ هو توحيدٌ بتعدُّدِ الإله، والمشركونَ جعلوا الآلهةَ أندادًا واعتقدوا أنَّ العبادةَ لها، وهم الذينَ اعتقدوا بالوجودِ مع الاعتقادِ بالجواهرِ والأَعراضِ كآلهةٍ أخرى اعتبروها قائِمَةً بِذَاتِهَا، وأنَّها تُعبَدُ معها أو من دونها كما نصَّ القرآن الكريم.
أمَّا أهلُ الإيمانِ فَنَفَوا أن يكونَ للآلهةِ أندادًا، وكان التمييزُ عندهم أمرٌ أصيلٌ، مستشهدينَ بالقرآن الكريمِ في ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: (وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) ، وقوله: (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا) ، وقوله: (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
هؤلاء الأربابُ هم الأندادُ، حيث أنَّ كلمةَ (النِّدِّ) تكرَّرَ استعمالُها في القرآن كمرادفٍ للشِّركِ المزعومِ لأنَّها بمعنى الضِّدِّ والشَّبيهِ والكُفءِ، فَنِدُّ الشَّيءِ مُشارِكُهُ في جوهرِهِ، وذلكَ ضَرْبٌ من الشِّركِ، تفسيرًا لقوله تعالى: (وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا) ، وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا) ، وقوله: (فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا) ، وقوله: (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا) ، وقوله: (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ) ، وقوله: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا) ، وقد سُئلَ النبيُّ (ص): أيُّ الذَّنبِ أعظمُ عند اللهِ؟ فقال: (أن تجعلَ للهِ ندًّا)، فيجبُ اعتمادُ المعاني اللغويَّةِ للمفرداتِ للوصولِ إلى المعاني الاصطلاحيَّةِ، فالندّيَّةُ هي توحيدُ المشركينَ بمساواةِ الأفعالِ مع كُنْه الإلهِ.
مِن هنا كان لأهلِ الإيمانِ الفضلُ في بيانِ الفرقِ بين التَّوحيدِ الخَالِصِ والشِّركِ الخَفِي، ومن ثَمَّ تحديدُ نقاطِ الخللِ ومواقعِهِ في منظومةِ الفكرةِ المشركةِ باستخلاصِهم الرؤيةَ الصحيحةَ وإيضاحِها للراغبينَ في الهدايةِ للصراطِ المستقيمِ، والثَّباتِ على الطريقِ القويم.
فقد بَحَثُوا في صَدَدِ بيانِ أنواعٍ من المعتقداتِ الضَّالةِ، فَنَبَّهوا إلى ذلكَ عندما أكَّدوا أنَّ الفصلَ بين التَّوحيدِ والشِّركِ ممكنٌ وواقعٌ، ولذلك جاء قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ) ، وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) .
إنَّ حقيقةَ الشركِ لا تقومُ على رفضِ وإنكارِ الوجود فقط، بل هي عبادةُ غير الإلهِ، فلا ينفعُهُم دعاؤُهُم لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ، وقوله: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) ، وقوله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) .
وأهم ما استدلُّوا به على هذا المحورِ قوله تعالى: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ، وقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَالاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ) ، ولكنَّنا نجدُ اليوم صياغةً أخرى وتركيزًا على محورٍ آخرَ يوجِبُ الوقوعَ في الشركِ، فقد خَلَطُوا البحثَ بين مفرداتٍ أساسيَّةٍ.
هؤلاء كانوا ينتقلون من شركٍ إلى شركٍ، وحقيقتُهُ عبادةُ غيرِ الإلهِ منَ الأندادِ. وتتركزُ فكرةُ المشركِ في عباراتِهِ التي تركِّزُ على مجرَّدِ اتّخاذِ الوسائطِ للعبادةِ، ولذا يمكنُ القول بأنَّكَ تجدُ عدةَ صيغٍ عندَ المشركينَ لشركِ العبادةِ، فقد أكَّدَت الفكرةُ عندهم تقسيمَِ الشركِ إلى أقسام، إذ إنَّ العبادةَ التي أشركَ بها هؤلاء هي عبادة تلكَ الموجودات من جواهر وأعراض، فقالوا: إنَّ العبادةَ التي أشركوا بها هي أهمُّ وأكبرُ مَصَاديقِ العبادةِ.
أمَّا نَحنُ أَبنَاءُ النهج بِحَمْدِ اللهِ تعالى مَذهَبُنَا ضِدَّ هؤلاء التَّائهينَ السلفيين التَّكفيريِّينَ، لأَنَّهُم يُنَافون توحيدَنا الوسطي. وَمَا أَرَى قَائِلَ مقالةِ هؤلاء وَمُورِدَهَا إلا مِنْ أَصحَابِ الرَّأيِ التكفيريِّ الحائدِ والاعتِقَادِ المنكرِ الفَاسِدِ، ولا أراهُ إلاَّ تَقبِيحًا للرأي بَينَ النَّاسِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ بحَولِهِ تَعَاَلى عَلِيهِم عَائِدٌ واردٌ رَاجِعٌ وَفي أنَفُسِهِم وَاقِعٌ، فهم يَخْبُطُون خَبْطَ عَشوَاءَ، إذْ لَوْ عَلِمَوا مُرَادَنَا وَاطَّلَعوا عَلَى حَقِيقَةِ إِيرَادِنَا، وَخَلَعَوا سِرْبَالَ التَّكبُّدِ والحَسَدِ، لَوَجَدَوا أَنهم كالحنثِ المحنُوثِ والعنثِ المعنُوثِ الذي يُنَافِي عقيدَتنا وَيُجَافِي مَطلَبَها.

أولاً- التوحيد في العبادة:
المؤمنونَ هم الَّذِيْنَ اعْتَنَقُوا التَّوحيدَ عَقِيْدَةً وَسُلُوْكًا، لأَنَّهُمْ فُطِرُوا عَلَيْهِ فَتَفَانَوا فِي سَبِيْلِهِ، وَمنهُمْ أصحابُ الهُوِيَّةِ الذينَ اكْتَسَبُوا هُوِيَّتَهُمْ طينيًّا، وَهُمْ مُحْتَاجُوْنَ إِلَى السُّلُوْكِ فِي الدَّرَجَاتِ، لِيَتَّضِحَ اِنْتِسَابُهُمْ إِلَيْهَا بِقُوَّةِ الإِرَادَةِ، وَهم السَّالِكونَ.
أمَّا أصحابُ الهويَّةِ والطَّوِيَّةِ فأَكَّدَوُا صِحَّةَ هُوِيَّتِهِمْ بِالعِبَادَةِ، وَفَازُوا بِحَقِيْقَةِ السَّعَادَةِ، وَهم الواصلونَ إلى درجاتِ اليَقِيْنِ.
التوحيدُ قرَّةُ عيونِ الكِرَامِ، ومعدنُ الجواهرِ في رياضِ الجِنان، ونهجُ البيانِ لتفهُّمِ معاني القرآن، والكلامُ الواضحُ والدليلُ اللائحُ في الحقِّ والبرهان المصونُ على مرِّ الزَّمان، ولا يَقِفُ عليه جاهلٌ ولا ظالمٌ، لأنَّه بحاجةٍ إلى فهمِ المعاني، والغوصِ في حقيقةِ المباني، لكثرةِ ما فيه من الجواهرِ الإلهيَّةِ النفيسةِ والأسرارِ الربَّانيَّةِ العويصة.
وغايةُ الفلسفةِ عندَ أهل الإيمان هي معرفةُ التَّوحيدِ، تلكَ الفلسفةُ التي تَتَمحوَرُ حولَ معرفةِ الحق، وتقومُ عليها منظومَتُهُ الفكريَّةُ، وَفَهمُ التَّوحيدِ إثباتًا وإفرادًا.
فمبدأُ أهلِ الحق قائمٌ على الإثباتِ والتَّجريدِ. فبإثباتٍ تَبْدَأُ رِحْلَةُ البدايةِ، وبإثباتٍ تحصلُ بَصِيْرَةُ الإيمانِ للوُصُوْلِ إِلَى اليَقِيْنِ، وبالتَّجريدِ بعدَ الإثباتِ يصلُ إلى عينِ اليقينِ، وَيَبْدَأُ الاِسْتِقْرَارُ بِمَرَاتِبِهِ في حَرَكَةِ السَّيْرِ السَّليمِ، حيث قَالَ تَعَالَى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) .
فالغايةُ التي يقصدُ إليها أهل الإيمان في فلسفتِهِم، هي معرفةُ توحيدِ الحق. وإنَّ نهجَهُم قائمٌ على تبيانِ معاني القرآنِ الكريمِ وشرحِ كيفيَّةِ تأويلها ضمنَ الرَّأي، اعتمادًا على البرهانِ، فالذي يُطالِعُ نهجَ أهلِ الإيمان يَجِدُ مسحةً من العلمِ الرَّباني اللَّدني. كيف لا، وَنَهجُهُم يُعتَبَرُ منحةً ربَّانيَّةً ونعمةً أسبَغَها اللهُ على البشريَّةِ ليكونوا نبراسًا لكلِّ الموحِّدين.
إنَّ التَّوحيدَ هو في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) يقومُ على الإثباتِ والتجريد. فالإقرارُ بوجودِ الحيِّ القيُّومِ من دونِ تشبيهٍ واجبٌ ضرورةً، لقوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) . أمَّا الإفرادُ من دونِ تعطيلٍ في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ، فهو الدَّلالةُ على أنَّ اللهَ غنيٌّ عن المكانِ إذ كانَ ولا مكان.
أليست قمَّةُ التُّوحيدِ في قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ؟ إذْ لا تقعُ الأوهامُ للهِ سبحانَهُ على صفَةٍ، ولا تعقدُ القُلوبُ منهُ تعالى على كيفيَّةٍ، ولا تنالُ الباري سبحانَه التَّجزئةُ والتَّبعيض، ولا تحيطُ بهِ القلوبُ والأبصار.
لا شكَّ أنَّ البحثَ عن التَّوحيدِ في العبادةِ ومعناها وحقيقتها بحثٌ هامٌّ وحسَّاسٌ، ويحتاجُ إلى كتبٍ.
ونظرًا لِمَا لِمَسائلِ علمِ التَّوحيدِ في العبادةِ من بالغِ الأهميَّةِ، كانت معرفَتُها من الواجباتِ.
فقد كانتْ عبادةُ اللهِ وحدَهُ أساسَ دعوةِ الأنبياءِ (ع)، وكانَ توحيدُ اللهِ وكسرُ قيودِ الشِّركِ أساسَ الأحكامِ السَّماويَّةِ، وفي طليعةِ رسالاتِ الأنبياءِ جميعًا، فكانَ الهدفُ من بعثةِ الأنبياءِ هو الدَّعوةُ إلى مكافحةِ الشِّركِ بصورةٍ عامَّةٍ، حيث بَعَثَ اللَّهُ رُسُلَهُ بالوحي، وجَعَلَهُمْ حُجَجًا عَلَى خَلْقِهِ لِئَلا تَجِبَ الْحُجَّةُ للخلقِ بِتَرْكِ الإعْذَارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ الرُّسلُ بِلِسَانِ الصِّدْقِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ، فاللهُ جلَّ وعزَّ ما بَعَثَ أنبياءَهُ ورسلَهُ إلى عبادِهِ إلا لِيَعقِلوا عن اللهِ.
والكتابُ الكريمُ يشيرُ إلى هذهِ الحقيقةِ بصراحةٍ فيقول: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ) ، ويقولُ: (وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ نُوحي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلْهَ إلاّ أَنا فَاعْبُدُونِ) .
وقد اعتبرَ الكتابُ الكريمُ التوحيدَ في العبادةَ جامعًا مشتركًا بينَ كافَّةِ الشَّرائعِ النَّبويَّةِ فقال: (قُلْ يا أَهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَينَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إلاّ اللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا) .
ولاستمرارِ التَّذكيرِ بهذه العبادةِ الحقَّةِ لم يُخْلِ اللهُ سبحانَهُ خلقَهُ من نبيٍّ أو كتابٍ مُنزَلٍ أو حجَّةٍ مرسلَةٍ.
فمذهبُ أهل الحقيقة مخصوصٌ بإفاضةِ المعرفةِ الحقيقيَّةِ من قِبَلِ الكتبِ السَّماويَّةِ والأنبياءِ المعصومينَ والرُّسلِ (ع)، وذلكَ هو المنهجُ الوحيدُ للتوحيد في العبادةُ، بأنْ لا تتعلَّقَ فقط بإجراءاتٍ شكليَّةٍ، إذ هناكَ التَّعبُّدُ الرُّوحيُّ المتمثِّلُ بمعرفةِ الحقائقِ والتعبُّدُ الحسِّيُّ المتمثِّلُ بممارسةِ الشَّرائعِ.
فالتوحيدُ السليمُ يؤكِّدُ على استعمالِ الشَّرائعِ ومعرفةِ الطَّرائقِ، وأمَّا الحقائقُ فلا نجاةَ إلا بها لقوله تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) ، فالمؤمنُ إذا كَمُلَ دينُهُ تمكَّنَ من الارتقاءِ إلى عالمِ البقاءِ وعرفَ الحقائقَ الكونيَّةَ.
ألم يقل فيلسوفُ الفلاسفةِ أرسطو: (أشرفُ العلومِ هو العلمُ الإلهيُّ) لأنَّه ضمانُ النَّجاةِ من دارِ الفناءِ إلى دارِ البقاءِ؟!
من هنا كانَ التَّوحيدُ في العبادةِ رسالةً سماويَّةً، وهو أصلٌ ثابتٌ.

ثانيًا- الربوبية والعبودية:
إنَّ مَن تَمَعَّنَ في آياتِ الكتابِ الكريمِ سَيَجِدُ مئاتِ الآياتِ التي تُبيِّنُ الفرقَ بينَ الربوبيَّةِ وأوصافِ العبوديَّةِ، ولذلكَ فإنَّ على العبدِ المؤمنِ المقرِّ الصَّالحِ الذي مَنَحَهُ اللهُ الهُدى أن يعملَ على تحقيقِ أوصافِ العبوديَّةِ للعبدِ، حتَّى يتأكَّدَ تحقيقُ الصِّلَةِ بين العبدِ ومولاهُ من جانبِ إفرادِ الربوبيَّةِ، فكلَّما تحقَّقَ إفرادُ الرُّبوبيَّةِ عن أوصافِ العبوديَّةِ كانت الصِّلةُ باللهِ أَوثَق والقبولُ والاستجابةُ أَوكَد، لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) .
وإذا نَظَرْنا وَجَدْنا الفرقَ بينَ الرُّبوبيَّةِ والعبوديَّةِ، وقد أكَّدَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى هذه المعاني وبشكلٍ صريحٍ في الكتابِ الكريمِ، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، وقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) .
ولابدَّ هنا من إيضاحِ أمرٍ هامٍّ؛ أنَّ صفاتِ العبوديَّةِ للأنبياءِ (ع) لا تُقَلِلُّ من مقامِهِم، لأنَّ الأنبياءَ (ع) جَسَّدوا معنى العبوديَّةِ حتى يعلِّمونا أداءَ حَقِّ إفرادِ الرُّبوبيَّةِ، ولذلك شرَّفَهُم ربُّهُم بمفهومٍ آخرَ هو الطَّاعةُ في قوله تعالى: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) ، وقوله: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) . وبالنَّظرِ في هذهِ الآياتِ التي تأمرُ بطاعةِ اللهِ ورسولِهِ يجبُ على العبدِ المؤمنِ أن يُراقِبَ عبوديَّتَهُ للهِ تعالى، وأن يتحقَّقَ من أوصافِ العبوديَّةِ ويقومَ بحقوقِ إفرادِ الرُّبوبيَّةِ لأجلِ الهدفِ الذي خلقَنا الله تعالى من أجلِهِ في قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .
لكنَّ المصيبةَ أن يخرجَ الجهلاءُ عن بساطِ المعرفةِ الحقَّةِ، ولا يعترفونَ بِجَهلِهِم، ويتطاولونَ على الحقِّ، ولا يطيعونَ اللهَ ورسولَهُ فيما يريدُهُ منهم ويأمرُهُم به، فهذا هو الضَّلالُ بعينِهِ، بل وربَّما أكثر من ذلكَ والعياذ بالله، لأنَّ التكفيريِّينَ من جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) خَرَجوا عن حقيقةِ العبوديَّةِ للهِ تعالى إلى عبوديَّةِ أهوائِهم وآرائِهم، وَتَرفَّعُوا عن الاعترافِ بحقيقةِ جَهلِهِم استكبارًا وَعُتُوًّا وَحَسدًا وَبغضًا، وادَّعوا الأعلميَّةَ على اللهِ ورسولِهِ.
ولكنَّنا نحنُ المؤمنون باللهِ وبأنبيائِهِ ورسلِهِ، ونحن المسلِّمونَ من عهدِ آدمَ ونوح وإبراهيمَ وموسى وعيسى ومحمد (ع) لا نقولُ بحلولِ الجزءِ الإلهيِّ، ولا علاقةَ للحلولِ والاتحادِ بعقيدَتِنا.
ومن هنا لابدَّ من القولِ: إنَّ كلَّ مؤمنٍ يؤمنُ بالفصلِ التَّامِّ بينَ الرُّبوبيَّةِ وخصائصِ العبوديَّةِ، والحاجةُ إلى جلاءِ هذهِ الحقيقةِ هي حاجةٌ ضروريَّةٌ.
وفي الكتابِ الكريمِ آياتٌ يُستفادُ منها أنَّ معنى العبادةِ كما في قوله تعالى: (وَقالَ الْمَسيحُ يا بَني إسْرائيلَ اعبُدُوا اللّهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ) ، وقوله: (إنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِرَاطٌ مُسْتَقيمٌ) ، وقوله: (وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) وغيرها من الآياتِ.
فمَن أقرَّ بالصِّراطِ السَّماويِّ والأرضيِّ، ثمَّ استقامَ بالعبادةِ إلى حقيقةِ الإلهِ تحقَّقَتْ له النَّجاةُ. أمَّا مَن جعلَ للإلهِ مثلاً وَنِدًّا، فلاشَكَّ أنَّ توحيدَهُ هذا هو الشِّركُ كما جاء في قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أندادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) ، ولهذا أشار تعالى بقوله: (اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أرْبابًا مِنْ دُونِ اللّهِ) ، فالآيةُ تؤكِّدُ أنَّ اليهودَ هم من الذينَ لا يميِّزونَ بينَ الرُّبوبيَّةِ والعبوديَّةِ لأنَّهم لا يجدونَ تفسيرًا للمعجزاتِ والبراهينِ سوى ربوبيَّة أصحابِها، وهذا هو الشِّركُ الفعليُّ النَّاتجُ عن الانحرافاتِ اليهوديَّةِ الحاخاميَّةِ التي حاولَتْ تشويهَ التوحيدِ الموسويِّ السَّماويِّ الخالي من أيِّ شركٍ بعدَما أدخَلَ عليه من تعاليم أُودِعَتْ في كتابٍ يُسمَّى (التلمود) بوحي منهم، حتى أنَّهم قدَّموا (التَّلمود) على نصوصِ التَّوراةِ التي لم تسلَمْ من تحريفِهم.
فكما أنَّ الكتبَ السَّماويَّةَ والأنبياءَ والرُّسلَ (ع) حَثُّوا على توحيدِهِ سبحانَهُ، فقد حَثُّوا أيضًا على الاعتصامِ بهدى اللهِ في قوله تعالى: (وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبعْ غَيرَ سَبيلِ الْمؤمِنينَ نُوَلِّهِمَا تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَت مَصيرًا) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الفصل الثالث من الباب الرابع: فــَلْسَــــــــــفَـتُـنَـا   الأربعاء يوليو 11, 2012 12:34 am

الفصل الثالث
فــَلْسَــــــــــفَـتُـنَـا

إنَّه الدِّينُ القيِّمُ الصالحُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، المُشتَمِلُ على المبادئِ الخالدةِ، البعيدُ عن مشروعيَّةِ الآراء البشريَّةِ، لم يلحقْهُ الانصرامُ ولن يَتغيَّرَ على مرورِ الأيامِ، بل يُعتَبَرُ لؤلؤَ بحرٍ وقلادةَ نَصرٍ وَعقدًا فريدًا وبحرًا مديدًا، فهو أسمى وأقدسُ من نظرةِ الجهلاءِ المتجاهلينَ، لأنَّهُ المنهاجُ الإلهيُّ الذي شاءَهُ اللهُ لعبادِهِ المؤمنين، والدِّينُ الفطريُّ الذي لا يُتَصَوَّرُ زوالُهُ بوجهٍ من الوجوهِ، بل سيبقى لأبدِ الآبدينَ حجَّةً ناطقةً على بطلانِ المذاهبِ الباطلةِ فهو الذي أوحاهُ اللهُ بقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطرةَ اللَّهِ الَّتِي فَطر النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) .
فتعاليمُه هي المَدَدُ الرُّوحيُّ الذي يحيى به كلُّ مؤمنٍ الحياةَ الطيبَةَ، وهي التي إذا عُمِيَ عنها الإنسانُ ظلَّ في مسارِبِ الحياةِ وَتَاهَ في أوديةِ الضَّلالِ، لذلكَ كان هذا القانونُ وسيبقى دعامةً راسخةً في بناءِ الإسلامِ رغمَ جميعِ الإشاعاتِ التي تسربَتْ لِلطَعنِ به .
وتعاليمُه لها أعماقٌ لا يمكنُ للبعضِ سبرُ أغوارِها، إذ فيها دقائقُ راقيةٌ لا تنفذُ في فكرِ مَن لَوَّثتهُم الأفكارُ الماديَّةُ وارتَهَنَتْهُم الأدواتُ العصريَّةُ.. فأينَ هؤلاء من هذا القانونِ النَّقيِّ الخالصِ؟ وكيفَ لهم أن يتعرَّضوا له...؟


أولاً- فلسفة المثال:
عندماَ نَتَحَدَّثُ عن نظرية المثال لابُدَّ من الرَّبطِ مع نظرية المُثل للفيلسوفِ الكبيرِ الحكيمِ أفلاطون، والتي يَجمَعُهُما أسلوبُ الحوارِ باستخدامِ المنطقِ بِكُلِّ دِقَّةٍ في الأسلوب المنهجيِّ للبرهانِ على وجودِ عوالِمِ المُثُلِ، بالإضافةِ إلى البحثِ عن معرفة المَثَلِ الأعلى، فالفكرُ الأفلاطُونيُّ هُوَ الفكرُ المرتبطُ برؤيةِ هذا المَثلِ الأعلى كأسمى غايةٍ للمعرفةِ.
فَكَمَا يَحتَلُّ مذهبُ الفيلسوفِ الكبيرِ الحكيمِ أفلاطون منزلةَ الصَّدارة في تاريخِ الفكرِ الإنسانيِّ، كذلكَ فلسفتُهُ لها التَّأثيرُ الواضحُ المعالمِ في مختلفِ التَّيَّاراتِ الفكريةِ برغمِ الوجودِ الدائمِ لمُزيِّفي الآثارِ الذين وضعوا قديمًا أقوالاً تتَّهِمُ الفيلسوفَ الكبيرَ الحكيمَ أفلاطون بأنَّهُ يقولُ بالإباحيَّةِ، فما أشبهَ الماضي بالحاضر!
كيفَ يَتَّهمُ هؤلاء المزيِّفونَ للآثارِ العظيمةِ السيدَ الفيلسوفَ الكبيرَ الحكيمَ أفلاطون دونَ أنْ يخطرَ ببالِهم تنزيه أصحابِ نظريةِ المُثُلِ والمثالِ عن جميعِ الدَّعاوي المُزَّيفةِ وأمثالِها الدَّخيلةِ على الفكر الأفلاطونيِّ وهُوَ مُنَزَّهٌ عنها؟
هؤلاء المزيفونَ انطبقَ عليهم قوله تعالى: (صرفَ اللهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون) ، وما حصلَ من الضَّجيجِ المصطَنَعِ بادِّعاءِ أهلِ السَّفسطةِ السَّابقةِ حولَ نقدِ فيلسوفِ الفلاسفةِ أرسطو للفيلسوفِ الكبيرِ الحكيمِ أفلاطون، مَثَلُهُ حصلَ بادِّعاءِ أهلِ السَّفسَطَةِ الحالية.
وكما لمْ يشهدِ التَّاريخُ فلسفةً كاملةً جامعةً كفلسفةِ أرسطو وأفلاطون وسقراط وبقراط وجالينوس وغيرهم، لا فرقَ عندنا بين فلسفةِ الفيلسوفِ الكبيرِ الحكيمِ أفلاطونَ الباحث عن وجودِ الحقِّ في عالمِ الغيبِ وبينَ فلسفةِ فيلسوفِ الفلاسفةِ أرسطو الباحث عنه في عالمِ الشَّهادةِ، ولا خلافَ بينَ فيلسوفِ الفلاسفةِ أرسطو والفيلسوفَين أفلاطون وسقراط لأنَّهم مُنَزَّهونَ عن إمكانِ الوقوعِ بالخطأ مهما كثرتِ دَعاوي الحاسدينَ الذين شغلوا أنفُسَهم في التَّعليقِ على نتاجهِم الفكريِّ دونَ الوصولِ إلى عمقِ آرائِهِم.
وسنوردُ باقاتٍ شذيَّةً من فلسفةِ الفيلسوفِ الكبيرِ الحكيمِ أفلاطون، وسنثبتُ لأربابِ العقولِ جميعًا أنَّ عباراتِ وعلومَ الفلسفةِ تأخذُ بناصيةِ كلِّ ناقدٍ جاهلٍ إلى الاعترافِ بالعجزِ عن الوصولِ إلى شواطئ هذا الغورِ، لأنَّ العقولَ البشريةَ مهما أوتِيَت من العرفانِ لن تستطيعَ إدراكَ جزءٍ من عباراتِ التوحيدِ والفلسفةِ لجلالةِ وعظمةِ منزلَتِهِ من خلال نظريَّتِهِ الدَّالةِ على أنَّ لفظةَ (كُنْه المُثُلِ) مشتقَّةٌ من المصدرِ الدَّالِّ على وجوبِ وجُودِها للحاجةِ والضرورةِ إليها من قِبَلِ المُتَكَلِّمينَ، وليست حدودُ وجودِها وتحولاتُّها وتكاثرُها إلاَّ من قِبَلِ جواهر وأعراضِ المُثُلِ لا مِن حيثُ كُنْهه، فجواهرُ وأعراضُ المُثُلِ لا تَعَدُّدَ ثابتَ عليها لأنَّنا نشهَدُها كُلَّ يومٍ في شأنٍ، ولعجزِ المخلوقينَ عن إدراكِ كُنْه المُثُلِ كانَت المُثُلُ الظَّاهرةُ للمخلوقينَ كصفاتِهِم الحيثيَّةِ لقوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ) .
فكُنْه المُثُلِ قبل تكوينِ الممثولاتِ لم يقعْ عليه حدٌّ ولا عدٌّ ولا نوعٌ، بل هو منفردٌ عن جميعِ أنواعِ الممثولاتِ، وكُنْه المُثُلِ لم يَبدُ إلاَّ ببدايةِ التَّكوينِ، كما لم يكنْ له هنالِكَ مماثلةٌ إلاَّ بعد إيجادِ الواصفينَ المُتَكلِّمينَ بقدرةِ قديرٍ وحكمةِ حكيمٍ، أي أنَّ الألفاظَ المركَّبَةَ والكلماتِ الرَّقميَّةَ واللفظيَّةَ في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) ، تدلُّ على ما يتَرَكَّبُ عنها مما لا يَتَناهى من الكلامِ من أدوارِها الدَّالةِ على الشُّؤونِ المشارِ إليها بقولِهِ تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، فالشُّؤونُ هي المَثَلُ الأعلى التي يُبديها لعبادِهِ إيناسًا ولطفًا، وكلٌّ من أصحابِ الممثولاتِ شَاهَدَ المُثُلَ بحيثِهِ ونوعِهِ وعلى قدرِ استطاعتِهِ لقولِهِ تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسى) .
ولعلمهِ تَعَالى بِعَجزِ عالمِ الحسِّ عن إدراكِ المشاهداتِ والعلومِ المتميِّزَةِ لعالمِ العقلِ جَعَلَ لكُلٍّ على مقدارِ أفهامِهِم لِيَتُمَّ الاستدلالُ على قوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .
فالمُثلُ عند الفيلسوفِ الكبيرِ الحكيمِ أفلاطون آثارُها عقليَّةٌ وحسيةٌ، وقد سمَّاها حقائقَ، حيث يقولُ الفيلسوفُ الكبيرُ الحكيمُ أفلاطون في محاورة السَّفسطائي الجاهلِ: (إنَّ بعضَ المُثُلِ العقليَّةِ المُجَرَّدَةِ عنِ الجسمِ هيَ الوجودُ الحقيقيُّ)، ويقول: (مُستحيلٌ أنْ يكونُ عينُ الكُنْه والوجودُ واحدًا).
سُبحانه وتعالى ربُّ العالمين كانَ عرشُهُ على الماءِ قبلَ وجُودِ العَالمينَ لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء) ، فالمثالُ الأوَّل هُوَ أوَّلُ المكوِّناتِ وتكوينُهُ قبل كُلِّ المكوَّناتِ, والإستواءُ في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) هو مُمَاثلةٌ، وهذا دليلٌ أنَّ كُنْه المُثُلِ أجَلُّ وأعظمُ ممَّا يشاهِدُهُ المثالُ الأوَّلُ بِهِ, وقولُ اليهودِ أنَّه: (استراحَ في اليومِ السَّابِعِ) جاءَ مقابلَهُ في القرآنِ قولُهُ تعالى: (وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) إفرادًا لا عَدَمًا.
وكانتِ الحكمةُ الإلهيةُ في إيجادِ الممثولاتِ لا عن حاجةٍ منه إلى إيجادِهم ولا عن عَبَثٍ، لأنَّه تعالى منزَّهٌ عن العبثِ، فأوجدَ الممثولاتِ بمقتضى حكمَتِهِ، وأمرَهم بمعرفةِ المثلِ الأعلى.
فلمَّا شــاءَ الباري وأرادَ وقضى وقدَّرَ كوَّنَ الممثولاتِ العقليَّةَ والحسيةَ ليدُلَّ بفضلِهِ على عدلِهِ، ثُمَّ كوَّنَ بوســائِطِها وأراهُم وجودَها فَـرَأوهـا بأنواعِ حيثيَّاتِهم وَوَصَفوها بِحَدِّ استطاعتهم وعَرفوها على قدرِ دَرَجاتهم، فلا يستوي اثنان منهم بمعرفَتِها ولا بمشاهدَتِها، وَلِعَجزِهِمْ عَنْ إدراكِ ما لا يستطيعونَ من مَكنونِ كُنْه المُثُلِ ولحاجَتِهم للشَّهادةِ إليه وَلِضرورَتِهم إلى معرِفَته بالأدلَّةِ عليه وَصَفُوه بِصِفَاتِهم التي شاهَدوها وَسَمَّوه بأسمائِهم التي عَرَفوه بِهَا واستدلُّوا عليه بما أَورَاهُ لهم من قُدرَتِه، ولما رَأوا المماثلةَ أثبَتُوه وَتَحقُّقوه وأفرَدُوا كُنْه المُثُلِ عن تَمَثُّلاتِهِم، لأنَّ التَّمثُّلاتِ واقعةٌ بالمخلوقينِ من الممثولاتِ العقليَّةِ والحسيةِ والطبيعيَّةِ حيث يقولُ الفيلسوفُ الكبير الحكيم أفلاطون: (الوجودُ بكُنْههِ غيرُ الأجناس الأخرى)، ولولا وجودُ كُنْه المُثُلِ لَبَطُلَتِ الممثولاتِ لأنَّه الأصلُ ومنه الفاعليَّةُ والمَدَدُ.
فكُنْه المُثُلِ يَتَجَلَّى من حيثه المُجَرَّدُ فَيُرَى من حيث عالمُ العقلِ والحسِّ، وحيثُ أنَّ كُنْه المُثُلِ هو الأصلُ ومصدرُ تلكَ المعاني المنفعلَةِ، ومنه تَستَمِدُّ، لذلك دُعِيَ كُنْه المُثُلِ بعدَ التَّكوينِ بالفاعل.
أمَّا عدمُ المعرفةِ لكُنْه المُثُلِ لا يعني عَدَمَه لأنَّ الدَّليلَ موجودٌ، ولو فرَضنا عدمَ وجودِ الدَّليلِ فإنَّهُ ليسَ دليلاً على عدمِ الوجودِ، وإنَّما هو دليلٌ على عجزِ المُتَكَلِّمِ عن تَقديمِ الدَّليل.
فإنْ قالَ لنا قائلٌ: إنَّ التَّجريدَ عن التمثُّلاتِ الماثلةِ للممثولاتِ يعني العدَمَ!! قلنا له: إنَّ التَّجريدَ عن التَّمثُّلاتِ لا يعني العدمَ، لأنها غنيَّةٌ عن الممثولاتِ ومشاهداتِها، والتجريدُ لا يعني نفيَ الوجودِ العينيِّ كما يَتَوَهَّمُ البعضُ، إنَّما هُوَ التَّعظيمُ كُلُّ التَّعظيمِ لها لأنَّها منزَّهةٌ عن الجنسيةِ والماهيَّةِ التي يُسألُ عنها بـ (ما هو؟).
فكُنْه المُثُلِ من حيثُ غَيبُِهُ الخَفيُّ له مثالٌ هو السُّكونُ الرَّتقيُّ الدَّالُّ على التجريدِ، وكلُّ ما خلقَ اللهُ من الممثولاتِ بما في ذلكَ المثالُ الأولُ فَهُم من نوعين، فالمُثُلُ جامعةٌ لئلاَّ تُتَوَهَّمَ العدميَّةُ، وللإفرادِ عن لوازِمِ الحدوديَّةِ.
كما أنَّ الأدواتِ وما وراءَ ذلكَ من أفكارٍ وعقولٍ وأفهامٍ قد وجدَ بواسطَتِها وجود رقمي حيثي كما هي استطاعاتُ ذَويها وَمَدارِكُهم المُحدَثَةُ، وذلكَ لحاجَتِهم وليستَ لحاجةِ كُنْه المُثُلِ، فاستدلالاتُها الماثلةُ لها إنْ كانت خياليَّةً أو حسيةً أو عقليةً واقعةٌ على الممثولاتِ لا على حقيقةِ المُثُلِ، لأنَّ الخلقَ لا يَفهمونَ إلاَّ بوسائِطِهم وما هُوَ على شَاكِلَتِهِم، قالَ تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) .....
هذه حقيقةٌ لأن وجودَها بعدَ الخلقِ لا يعني أنَّها كانت معدومةً فَوُجِدَتْ، بل إنَّهُ دليلٌ على وجوبِها، فإذا كانَ لديكَ علمُ شــيءٍ وبـقيَ مكتومًا لديكَ ولم تُحَدِّثْ بهِ فلا يعني أنَّ عِلمَكَ بهِ غيرُ موجودٍ.
فعندَ وجودِ كُنْه المُثُلِ يَعرِفُ وجودَه كُلٌّ على قدرِ استطاعتِهِ، فإنْ تَصَوَّرَه الفكرُ فبوسائِطِهِ وانطباعاتِهِ وحدودِ آفاقِهِ، لذلك يختلفُ هذا التَّصوُّرُ من مخلوقٍ لآخر، في حينِ أنَّ كُنْه المُثُلِ لم يَتَغَيَّرْ ولم يَختلفْ ولمْ يُعرَفْ ولم يُعلَمْ لأنَّه ليسَ حَـرفــًا ولا عددًا ولا في شيءٍ فَيَنَالَه الحصر، ولا مِن شيءٍ فيكونَ مسبوقًا، ولا على شيءٍ فيكونَ محمولاً، ولا مع شيءٍ فيكونَ له عديلاً، ولا كشيءٍ فيكونَ له شبيهًا، ولا لا شيءَ فيكونَ عدمًا، وليس موصوفًا فَيعرِفَه العقلُ، ولكنْ يمكنُ التَّكلُّمُ عنه بالوسائطِ الدَّالةِ عليه بِحُكمِ استعدادِ المخلوقاتِ وَمَفاهيمِهِم وَمَداركِهِم المحدودَةِ لا كما يليقُ به.
فلا أحدَ يَقدِرُ أن يَتَكلَّمَ عنه أو يـتـلفَّظَ به لأنَّه مجرَّدٌ عن الأبعادِ، ولذلك لا يقعُ عليه الكلامُ قبلَ الخلقِ لأنَّه ليسَ مركَّبًا فيكونَ مُفتقِرًا لغيرِه غَنِيًّا عن كلِّ شيءٍ لقوله تعالى: (وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) ، فكلُّ الممثولاتِ تستعينُ بإشراقِ وجودِ المُثُلِ، وكُنْه المُثُلِ لا يَستعينُ بشيءٍ منها.
وإذا قُسِّمَتِ التَّمثُّلاتُ على أربابِها، ونُسبَتْ كُلٌّ منها إلى أصلِهِ، لا يبقى أيٌّ منها ثابتٌ على كُنْه المُثُلِ لقوله تعالى: (بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) ، فالمجرى والمرسى لجواهر وأعراضِ المُثُل.
أمَّا التَّعدُّدُ والتَّفاوتُ لدرجاتِ الممثولاتِ وَتَفاضلِ علومِهم لنعلمَ يقينًا أنَّ اختلافَ التَّمثُّلاتِ هو من حيث اختلافِ درجاتِ الممثولاتِ لا من حيث كُنْه المُثُلِ، وهذا من رحمتِهِ العامةِ وحكمتِهِ التَّامةِ ولطفِهِ وفضلِهِ وهُداهُ بإثباتِ وجودِ المثلِ الأعلى للعيانِ في كفَّتي الميزانِ بكاملِ الإتقانِ، والاتصالِ ثمَّ انفصالِ كُنهِهَا- الذي لا يفرقُه البعضُ ولا يجمعُه الكلُّ- عن الأشكالِ والأمثالِ.
لقد كَبُرَت على الخصومِ الذينَ نفوا وعطَّلوا وجودَ الحقِّ ولم يَستوعِبُوها فأنكروا بيانَ وجوبِ وجودِ الحقِّ إثباتًا ثمَّ تَنزيهًا.
إنَّ المُثُلَ هي لإثباتِ وجودِ منظورٍ للممثولاتِ كالممثولاتِ عيانًا وبيانًا وحكمةً وعدلاً كعالمِ الغيبِ والشَّــهادةِ، فليــسَ جائزًا في الحكمةِ الإلهيةِ الوجودُ بحقيقةِ المُثُلِ كشفًا، لأنَّهُ لا يَثبُتُ لها شيءٌ من الممثولاتِ. وبما أنَّ العبادةَ قد وَجَبَتْ لمَن لا شريكَ له، المستحيل عدَمُهُ، فقد وجبَ في الحكمةِ الإلهيةِ وجودُ المثلِ من غير حلولٍ تأنيسًا للمؤمنين.
أي أنَّ تلكَ المُثُلَ فاعلةُ المفعولاتِ وأسُّ الحركاتِ، مُعِلَّةُ كلِّ علَّةٍ، وكانت المثلُ ليستدلَّ العبدُ على المعبودِ، لقوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) ، فالمثلُ الأعلى هو قوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) ، وذلك يعرفُهُ العارفونَ لأنَّهُ حجَّةٌ قاطعةٌ لا تقبلُ الجدلَ عند أولياءِ اللهِ الذينَ امتحنَ اللهُ قلوبَهم بالإيمانِ.
والمُثُلُ هي النِّعمةُ الكبرى التي خصَّهم بها سبحانَهُ كأجلِّ نعمةٍ وأثناها دلالةً على عدلِهِ ولطفِهِ التامِّ في عالمي الغيب والشَّهادة، فمَن تمسَّكَ بهِ نجا من الغرقِ وسَمَا وارتفعَ، ومَن تخلَّفَ عنه غرقَ وهوى في ورطةِ الهلاكِ. والمؤمنُ العارفُ يتدبَّرُ قوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ) .
وما زالَ الناسُ يتفاوتونَ في هذا المضمارِ كلٌّ حسبَ مَقدرَتِهِ، فالأفكارُ تتفاضَلُ بحسبِ اتِّساعِ آفاقِها وَبُعْدِ مَدَارِكِها مع العلمِ أنَّ الفارقَ بين أهلِ المزاجِ وأهلِ النَّقاءِ كالبُعدِ بينَ الأرضِ والسماءِ، فالله تباركَ وتعالى الذي أوجدَ لنا هذه المُثُلَ دالَّةً على وجودِهِ. ورغمَ هذه البراهينِ القاطعةِ فإنَّ أهلَ الضَّلالةِ يجحدونَ وجودَهُ بالأفقِ المبينِ، وفي شأنِهِم جاءَ قوله تعالى: (لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصرونَ بِهَا) .
وإنَّ مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ يَرَى ببعضٍ دونَ بعضٍ أو يسمعُ ببعضٍ دونَ بعضٍ فقد كَفَرَ، لأنَّ كُنْه المُثُلِ لا يقعُ عليه التَّبعيضُ ولا تَنَالُه التَّجْزِئَةُ، ففي التبعيضِ عُدُولٌ عن الحقِّ والعدولُ لا يجوزُ لأنَّهٌ مساواةٌ بالخَلقِ، وهذا كفرٌ.
وكُنْه المُثُلِ لم تُحِطْ به الأوهامُ إذ لا يقعُ عليه التحديدُ لأنَّ التَّحديدَ إلحادٌ، فالإلهُ عزَّ شأنُهُ لا يَليقُ به شيءٌ من الصفاتِ المعقولةِ ولا المحسوسةِ. وكُنْه المُثُلِ لا يقعُ عليه الحصر والإحصاءُ والجمعُ، أي لا يَحصره عددٌ ولا يحيطُ به كونٌ، ولا يُغَيِّرُه زَمَانٌ ولا يَحْوِيه مَكَانٌ، ولا يُقَالُ لَه حَدٌّ ولا نِهَايَةٌ ولا انْقِطَاعٌ ولا غَايَةٌ، ولا أَنَّ الأشياءَ تَحْوِيه فَتُقِلَّه أَوْ تُهْوِيَه، أَوْ أَنَّ شيئًا يَحْمِلُه فَيُمِيلَه أَوْ يُعَدِّلَه، فالحصر والإضافةُ يقعانِ على الممثولاتِ وما يُقابِلُها من تَمَثُّلاتٍ لا عَلَى كُنْه المُثُلِ، والحيلولةُ والزَّوالُ والانتقالُ بين الأحوالِ من سِمَاتِ الوجودِ، لا يُقَالُ للإله: (كَانَ) بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَتَجْرِيَ عَلَيْهِ السِّمَاتُ الْمُحْدَثَاتُ، ولا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا فَصْلٌ ولا عَلَيْهَا لَهُ فَضْلٌ.
هذه الأمثالُ تخصُّ إثباتَ الوجودِ، وكلُّها تَدُلُّ على الوجودِ ولا تَدُلُّ على الإحاطةِ، لأنَّ كُنْه المُثُلِ لمْ يدخلْ في العددِ والكونِ، ولا يَتَجَزَّأُ ولا يَعتريه النَّقصُ، بل موقعُ ذلكَ بغيرِه، أمَّا اتِّصالُه فَبَعدَ وجودِ الممثولاتِ من غيرِ حلولٍ أو ممازجَةٍ، عندئذٍ تقعُ التَّسميةُ لقوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِيرُ) .
فقبولُ الذِّكرِ للهِ أن نثبتَ وجودَ الحقِّ في عالمي الغيبِ والشَّهادةِ، ثمَّ ننفيَ عن كنهِ الحقِّ سبحانه وتعالى الشريكَ والنظيرَ والضدَّ والنِّدَّ، لقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، لأنَّ وجودَ الشريكِ أو النَّظيرِ ينفي الأحديَّةَ التي أشارَ إليها قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) .
فالمثلُ الأعلى هو سريانُ الهويةِ الإلهيةِ على مثالِ الممثولاتِ الشَّفعيةِ، ولذلك قال تعالى عن الممثولاتِ: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) ، فالثُّنائياتُ المتقابلاتُ الهالكةُ هي جواهرُ وأعراضُ المثلِ الأعلى، لقوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) .
والهويةُ الإلهيةُ لها خصوصُ عدمِ الافتقارِ والاحتياجِ، أي ليسَ الوترُ عين الشَّفعِ، لأنَّ الهويةَ الإلهيةَ الأحديةَ لا يماثِلُها شيءٌ ولا يُشبِهُها شيءٌ، إذ أنَّ الأحديَّةَ خاصَّةٌ للهويةِ، ولهذا جاءَ الأحدُ مع كلامِ التنزيهِ في سورةِ الإخلاصِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، فالهويةُ لا تتغيَّرُ ولا تتكثَّرُ، وما يُرى هو مَجلى الهويَّةِ لا الهويَّةُ.
وحكمةُ اللهِ هي أن تلوحَ المُثُلُ ويُجلَى للعيونِ المنزَّهُ المستورُ، وهذا ليسَ اتحادًا أو حلولاً أو غلوًّا، فالمثالُ الأولُ تتجلَّى له مرآةُ المُثُلِ- مرآةُ الوجودِ- وليسَ في كُنْه المُثُلِ من المثالِ الأولِ شيءٌ، أي ليسَ في الأمر حلولٌ يؤكِّدُ أنَّ مجمعَ البحرين يلتقيانِ ولا يمتزجانِ، وأنَّ مقامَ الـ (هُوَ) هو مقامُ الجمعِ.
فعلمُ الـ (هوَ) علمٌ وهبيٌّ لا يحصلُ بالاكتسابِ، إنَّما علمُ الجودِ الإلهيِّ والاصطفاءِ والإلهامِ من اللهِ لسبيلِ الهدى.

ثانيًا- الأفعال في المفهوم الفلسفي:
الفعلُ هو كلُّ شيءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلى غيرِهِ، فلابدَّ للفعل من أنْ يَنتُجَ عن سَببٍ قبلَهُ، فواجبٌ ضرورَةٌ أنْ يكونَ هنالكَ سببٌ فَعَّالٌ يُعتَبَرُ أوَّلَ المُكَوَّناتِ، أمينَ الأرضِ والسَّمواتِ.
فالأفعال إذًا مَخلوقةٌ مُحدثَةٌ، لأنَّها مَسبوقَةٌ بغيرِها، والمَسبوقُ بغيرهِ يكونُ مُحدَثًا. لكن ما العلاقةُ بينَ الفعل الأوَّلِ وفاعله؟
إنَّ الفاعل لا يقعُ على كُنهِهِ موقعُ السَّبَبِيَّةِ في التَّكوينِ، وكون هذا الموقعِ مُحدَثٌ فَكُنْهُ الفاعل لا يَعتَريه شيءٌ من الأعراضِ المُحْدَثَةِ والأصولِ المَخلوقَةِ، ولا يوصَفُ بالاتِّصالِ والانفصالِ فليـــسَ هوَ من قِبَلِ الهيئاتِ والأشـــكالِ، لا يُحَدُّ ولا يُحَــسُّ ولا تُدرِكُه الأبصارُ ولا يحيطُ به شيءٌ، وكنهُ الفاعلِ بهذا المقالِ أجَلُّ من حاجَتِه لفعل، وإلاَّ أثبَتْنا أنَّه مُحدَثٌ، فهو أجَلُّ من أنْ يكونَ قبلَ تكوينِ الأفعال سببًا وإلاَّ احتاجَ إلى ضربٍ من ضروبِ الإحاطَةِ المكانيَّةِ أو الزَّمانِيَّةِ، وَلذلك وَجبَ أنْ يكونَ فاعل المكانِ والزَّمانِ بكُنْههِ منفردًا لا مثيلَ لهُ، وصَمَدًا لا ضدَّ له، منزَّهًا لا ندَّ له، مجرَّدًا عن شركِ الظَّالمينَ وإلحادِ المُبطلينَ وَضَلالِ المشبِّهين.
لهذا فإنَّ اختراعَ الفعل الفعَّالِ الأوَّلِ لا يُؤَثِّرُ نقصًا في كنهِ الفاعل، لأنَّهُ خروجٌ لا عن انفصالٍ، ولا يحيلُه إلى عَدَمٍ، لأنَّه اتِّصالٌ لا عن امتزاجٍ، الفعل الفَعَّالُ الأوَّلُ بَدَا من كنهِ الفاعل نفيًا للتَّثنِيَةِ وإثباتًا للأحديَّةِ، والعلاقَةُ بينهما للقُربِ لا للاختلاطِ والممازجَةِ لقولِهِ تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقِّ) ، فالآيةُ نهيٌ عن المساواةِ بينَ الفعل الفَعَّالِ الأوَّلِ وكنهِ الفاعل لأنَّ ذلكَ هُوَ الغُلُوُّ في الفعل الأوَّلِ.
فالفاعل هو وجودُ الحيِّ القَيُّومِ في المَحلِّ المعلومِ على حَسَــبِ العوائِدِ والرُّسـومِ، أمَّا الفعل الأوَّلُ هو الذي يخلُقُ الشَّيءَ من الشيءِ ولهُ ماهيَّةٌ ويقعُ تحتَ الصِّفَةِ والإحاطَةِ، وأمَّا الفاعل يَخلقُ الشَّيءَ من لا شيءٍ، فَمَن عَبَدَ مَوَاقعَ الأفعال فقد تَوَهَّمَ، والتَّوحيدُ ألاَّ يُتَوَهَّمَ.
وإذا سألَ سَائلٌ: هل خَلا الفاعل من فعل وَقتًا ما؟ يكونُ الجواب: أجل قبلَ خلقِ الأفعال، وقتٌ ليسَ بمدروكٍ ولا مَحسوسٍ ولا مَعقولٍ ولا يَخطُرُ على الفكرِ، وَحَصَلَتْ تَسميَةُ الفاعل بعد إيجادِ الفعل لا قبلَهُ، بدليلِ أنَّنا لم نَكُنْ ثم كُنَّا.
وما هذا إلا قبسٌ قليلٌ من العلومِ الفلسفيةِ التي تحتوي لآلئَ نادرةً من كلماتِ جمعناها لتكونَ منارةً للناسِ ودليلاً لهم، لأنَّها خلاصةُ بعضِ ما وُضِعَ موضعَ التنفيذِ، وأُدرِكَ غايةَ الإدراكِ من قِبَلِ حاملِ لواءِ الخلاصِ، وموقعِ القبسِ الرسوليِّ، والوارثِ الشرعيِّ الوحيدِ للعلمِ المعصومِ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: في النهاية   الأربعاء يوليو 11, 2012 12:35 am

في النهاية

بعد أن نظرنا في مقالاتِ مشائخِ الفتنةِ ومؤلَّفاتِهم الجديدةِ، وحرصنا على التَّأمُّلِ في معانيها، كان لابدَّ من الدَّعوةِ الإسلاميَّةِ الحقَّةِ، وهي دعوةُ المؤمنينَ إلى التزامِ الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ كما في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَجاهِدُوا في سَبيلِهِ لَعَلَّكُم تُفْلِحُون) .
وخاصَّةً بعد أن سَعَى أعداءُ هذا النَّهجِ الإيماني إلى طَمْسِ الحقائقِ التي وَرَدَتْ بها النُّصوصُ، وأخذَ ذلكَ السَّعي أنماطًا مختلفةً، ومن بين تلكَ الأنماطِ والأشكالِ ما يُسمَّى عندَ أهلِ العلمِ بمقالةِ الإنكارِ التي أخذَ أصحابُها الأوائلُ على عَاتِقِهم الكيدَ والدَّسَّ والافتراءَ على هذا الأصلِ العظيمِ من أصولِ هذا النَّهجِ، وَقَصدُهُم في ذلكَ حَجْبُ الناسِ عن المعرفةِ الصَّحيحةِ التي جاءَتْ بها نصوصُ أهلِ العصمةِ متناسينَ قوله تعالى: (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) .
ومع أنَّ اللهَ تعالى أثبتَ عدلَهُ الشَّاملَ لقوله تعالى: (قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) ، فإنَّ أصرُّوا على إنكارِهم فكانَ (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ) ، لأنَّهم بإنكارِهم نَقَضوا العهودَ والمواثيقَ فكانوا من (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، وأخسَروا أنفسَهم ميزانَ الحقِّ مخالفينَ قوله تعالى: (فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) .
وبالمقابلِ لم نستطعْ السُّكوتَ أمام َزَاويةُ التَّعصُّبِ المَفتوحةِ منذ ذلك الوقتِ وحتى الآنَ، حيث يُطِلُّ منها كل فترةٍ أولئكَ الحُولُ القلبِ الذين يَفترونَ الكَذِبَ علينا؟!!
فأصحابُ العباراتِ الكثيفةِ، الذين لا يفهمونَ الإشاراتِ اللطيفةَ، أنكروا الحقائقَ وعبثوا بالقدسيَّةِ، فكانوا السَّوادَ الأعظمَ الذين قال تعالى فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) ، هؤلاء أعداءُ الحقِّ ودعاةُ الشرِّ.
لكنْ مَهما بَعُدَت الأغوارُ وتأصَّلَتِ الجذورُ في العمقِ التاريخيِّ للعداءِ بين الحق والباطلِ فإنَّنا نكادُ نجزمُ بأنَّ هذا العداءَ القائمَ منذ أنِ استخلَفَ اللهُ الحقَّ على هذه الأرض كان سببُهُ الحقدُ والحسدُ منذ القِدَم.
وَلِهَذَا تَرَى أَنَّ المؤمنين فِئَةٌ صَفَتْ نُفُوْسُهُمْ وَطُهِّرَتْ قُلُوْبُهُمْ وَاسْتَنَارَتْ عُقُوْلُهُمْ، فَهُمْ لا يُغَيِّرُوْنَ مَبَادِئَهُمْ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَلا يَرْجِعُوْنَ إِلاَّ إِلَيْهَا لأَنَّهُمْ فُطِرُوا عَلَى الحقِّ، وَرَسَخَتْ فِي قُلُوْبِهِمْ فَأَصْبَحَتْ أَمْكَنَ مِنَ التَّبْدِيْلِ، فَسَارُوا وَفْقَ أَحْكَامِهَا، وَلَمْ يُخَالِفُوا نِظَامَهَا الذي لَمْ يَتَغَيَّرْ بِتَغَيُّرِ العُصُوْرِ، وَلَمْ يَتَبَدَّلْ بِتَبَدُّلِ النُّفُوْسِ، لأَنَّهُ فَوْقَ الطَّبِيْعَةِ إِذْ هِوَ بَابُ عِلْمِ الحقائق.
فالكَلِمَةُ الخَالِدَةُ بَقِيَتْ رَاسِخَةً فِي قُلُوْبِ أبنائِها الَّذِيْنَ اِسْتَضَاؤوا بِنُوْرِ اليَقِيْنِ، وَقَائِمَةً فِي نُفُوْسهم التي اسْتَضَاءَتْ بِالحقِّ، الذينَ حِيْنَ تَوَلَّوا لِوَاءَ الدِّفاعِ قَوَّمُوا المُعْوَّجَ وَأَوْضَحُوا المَنْهَجَ، وَرَفَعُوا الظُّلْمَ وَبَدَّدُوا الجَهْلَ عَنِ المُسْتَضْعَفِيْنَ من أبنائِها، وَأَعَادُوا لَهُمُ الأَمَلَ فِي حَيَاةٍ كَرِيْمَةٍ وَفْقَ الطَّريقَةِ القَويمَةِ وَالدَّعْوَةِ السَّمحَةِ.
فالطَّريقةُ الإيمانيَّةُ في الدِّينِ لَيْسَتْ نِدَاءَاتٍ تُرْفَعُ وَشِعَاراتٍ تُعْلَنُ، بَلْ هِيَ سُلُوْكٌ وَعَقِيْدَةٌ، وَلَيْسَتْ قشريَّةً مُغْلَقَةً، ولا وَضْعِيَّةً مُتَنَاقِضَةً، بَلْ هِيَ أدبٌ ودينٌ، وَمِدَادٌ لا يَنْفَدُ لأَنَّهَا أَشْرَقَتْ مِنْ فَجرِ صاحبِ الكِتَابِ المُبِيْنِ، وَغَرَبَتْ فِي هَدْيِ النَّبيِّ الأَمِيْنِ ومَن تلاهُ من السَّادةِ الرُّسلِ (ع)، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهم عَنْ دِرَايَةٍ وَيَقِيْنٍ اسْتَقَامَ عَلَى الطَّرائقِ، وَاسْتَحَقَّ الشُّرْبَ مِنَ المَاءِ الغَدِقِ، لقوله تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا) .
فالمنهاجُ الإلهيُّ الذي شاءَهُ اللهُ لعبادِهِ، لا ينمحي ولا يتلاشى، وبهِ سيبقى إلى أبدِ الآبدينَ حجَّةً ناطقةً لهذا الدينِ. والدِّينُ السَّماويُّ لا يُقارَنُ بغيرِهِ، لأنَّ القانونَ السَّماويَّ لا يُقارَنُ بالقانونِ البشريِّ.
فَفِي مِنْهَاجِ معرفتِنا الَّذِي لا يُفَارِقُ الكتاب الكريمَ وتعاليمَ الأنبياء والرسل، إِنَّ لِرَجُلِ الدِّينِ حُقُوْقًا وَوَاجِبَاتٍ، فلا يحقُّ له أن يَحْكُمَ حَسَبَ أَهْوَائِهِ الشَّخصيَّةِ وَمِزَاجِهِ الخَاصِّ، لقَوْلهِ تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) .
بل رجلُ الدِّينِ مقيَّدٌ بالاحتكامِ إلى النَّصِّ الصَّريحِ المعصومِ، وَلَمْ تُطْلِقْ لَهُ صَلاحِيَّاتٍ في الدِّينِ كَمَا تَشْتَهِي بَعْضُ النُّفُوْسِ الضَّعيفةِ، فَلَمْ تَسْمَحْ لَهُ بِالخُرُوْجِ عن النَّصِّ المُحكَمِ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ (ص): (إِنَّ مِنَ اليَقِيْنِ أَنْ لا تُرْضِيَ أَحَدًا بِسخْطِ اللهِ).
وهذا الطَّريقُ في معرفَتِنا النَّبويَّةِ طريقٌ لا يَضِلُّ سَالِكُهُ، وَلا يَظْمَأُ وَارِدُهُ، وَلا يَفْتَقِرُ لِغَيْرِهِ قَاصِدُهُ. هَذَا الطَّريقُ يُعَدُّ قانونًا كَامِلاً فِي العَقِيْدَةِ، يَسْلُكُ بِصَاحِبِهِ إِلَى كَمَالِهِ المَنْشُوْدِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ الوَفَاءَ بِالعُهُوْدِ، لأَنَّ أُصُوْلَهُ أَصِيْلَةٌ وَفُرُوْعَهُ أَثِيْلَةٌ وَآدَابَهُ جَلِيْلَةٌ.
فَفِيْهِ لِمَنْ يُبْحِرُ فِي مُحِيْطِهِ الصَّافِي وَيَغُوْصُ فِي أَعْمَاقِهِ البَعِيْدَةِ مِنَ الأُصُوْلِ الدِّينيَّةِ الأَصِيْلَةِ مَا تَعْجَزُ عَنْ إِدْرَاكِهِ طَامِحَاتُ العُقُوْلِ البشريَّةِ، وَفيهِ مِنَ الفُرُوْعِ العظيمةِ مَا يُثْلِجُ صُدُوْرَ أُوْلِي الأَلْبَابِ.
لأنَّ الكتابَ السَّماويَّ يَخطُّ للسَّالِكِيْنَ صِرَاطًا مُسْتَقِيْمًا لا يَضِلُّ قَاصِدُهُ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيْلِ، ويُصَنِّفُ السَّالِكِيْنَ تَصْنِيْفًا دَقِيْقًا، وَيَقْسمُهُمْ دَرَجَاتٍ مُخْتَلِفَةً، لِيُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيُضِيءَ السَّبِيْلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ.
فهو الضَّمَانُ الأَكْمَلُ للصِّراطِ المُسْتَقِيْمِ، وَالحَاجَةُ الماسَّةُ للنَّفْسِ المؤمنةِ الَّتِي تطلبُ الصَّفاءَ، وهذا لا يُمْكِنُ نَيْلُهُ إِلاَّ بالعِلْمِ وَالعَمَلِ، إذ هُمَا جَنَاحَا الاِرْتِقَاءِ إِلَى عَالَمِ البَقَاءِ.
فالدِّينُ يجمعُ الشَّريعةَ والطريقةَ والحقيقةَ، وأقوالُ الأنبياء والرسل خيرُ برهانٍ للدَّلالةِ عليه، فهو الذي صَقَلَ العقولَ والأفهام، وطهَّرَها من تلوُّثِ الأوهام، إنَّهُ التُّراثُ الذي نفخرُ به، ومن واجبنا أن نحرصَ عليه، وأن ننهضَ بالأمانةِ إرضاءً لوجهِ اللهِ قبلَ أيِّ اعتبارٍ، ولا سبيل إلا بالرُّجوعِ إلى الأصالةِ الدينية والنبوية، وعرضِ المخزونِ الأصيلِ للرسل، ولا وجودَ لهذا المخزونِ الأصيلِ إلا من خلالِ حُجَجِ المستحفَظينَ من الله ورسله على الدين، المؤتَمَنينَ على العلومِ والمعارفِ.
وَمَا الحقائقُ المعصومةُ للمقامِ الأحمديِّ إِلاَّ بَارِقَةٌ مِنْ ذَلِكَ القَبَسِ المُضِيءِ، وهي المؤيَّدَةُ من الطَّريقةِ الرسوليَّةِ التي هي أَشِعَّةٌ مِنْ فَيْضِ النُّبُوَّةِ، لأنَّ صَاحِبَ المَقَامِ الرَّسوليِّ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، وَعَقِيْدَتُهُ هي الأُصُوْلِ، فَمَا وَافَقَ رأيَ صاحبِ الحقِّ أَخَذْنَاهُ بِاليَقِيْنِ، وَمَا خَالَفَهُ تَرَكْنَاهُ لأَهْلِهِ وَمَضَيْنَا عَلَى أَمْرِنَا آمِنِيْنَ مُطْمَئِنِّيْنَ لحقِّ اليَقِيْنِ الذي هو الوجودُ الإلهيُّ، وهو الأساسُ المتينُ ومنارُ الهدى وَمَناطُ الحجَّةِ وأنموذجُ الإعجازِ الذي سَجَدَتْ لهيبَتِهِ الفصحاءُ، وَخَرَّتْ لوقارِهِ البلغاءُ، فَصَارَ الموردَ المستعذبَ والمنهلَ المورودَ وَرَوضَها المُرتادَ وإمامَها المُقدَّمَ وقاضيها المُحكمَ، وهيهات هيهات فقد تَصَاغَرَ أمامَ كُنْهِ الحقِّ المتعالِ العظماءُ وتحيَّرَ الحكماءُ وتقاصر الحُلَماءُ وَعَجِزَ الأدباءُ وَعَيَا البُلغَاءُ.
فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعونَ.. وَسَيعلمُ الذينَ ظلموا أيَّ مُنقَلَبٍ سينقلبونَ.. والعاقبةُ للمتَّقين (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
المدير
Admin


المساهمات : 93
تاريخ التسجيل : 23/05/2012

مُساهمةموضوع: الخاتمة   الأربعاء يوليو 11, 2012 12:36 am

الخاتمة

لقد ثبتَ أنَّ الجاحدينَ المنكرينَ الجاهلينَ الحاقدينَ الرَّافضينَ الحَقَّ بجميعِ قيَمِهِ السَّاميةِ ومبادِئِهِ الرَّفيعَةِ مُصِرُّونَ على العيشِ في بوتقتهم المُحاطَةِ بأسوارِ الحقدِ الأصمِّ والكراهِيَّةِ العمياءِ، فقد ناهضوا الحَقَّ مُذْ بَزَغَتْ شَمسُ فَجرِهِ التي حرقَتْ أنظارَهَم الإبليسيَّةَ، فَشَرَعُوا ينظمونَ مَحَافِلَهُمُ الخاصَّةَ الشَّيطانِيَّةَ، وَيَنشرونَ معتقداتِهِم الفاسدَةَ في أرجاءِ جُدرانِهَا المتصدِّعَةِ، وَبَاتُوا يَتَلَبَّسونَ بأثواب باليَةٍ دَعَوها بأزياءِ الإصلاحِ والتَّجديدِ.
هؤلاءِ حاربوا أهل الحق والإيمان على مَرِّ العُصُورِ، ولم يَدَعوا حَيِّزًا من حياةِ المجتمعِ الطَّاهرِ دونَ أنْ يحاولوا تَلويثَهُ بِطِلائِهِم المُزَيَّف.
لكنَّ اللهَ سبحانه كان لهؤلاء بالمرصاد، ففضحَ أكاذيبَهم وأرجعَ كيدَهم إلى نِحرِهم بما كتبوا من خرافاتٍ وأباطيلَ تدلُّ على سوءِ سريرَتهم ونهجِهم، لأنَّ الفكر الحقيقيَّ يؤكِّدُ أنَّ لنا مبادئُ تمثِّلُ الالتزامَ بهدي الأنبياءِ والرسلِ، إذ تمسَّكنا بالحقِّ واستضأْنا بضياءِ وجودِهِ، فحمَلَنا مشعلَ وصايةِ الحقِّ على ممرِّ العصورِ المُظْلِمةِ المُدْلَهِمَّةِ الموبوءَةِ بالتياراتِ السلفيَّةِ التكفيريَّةِ والآراءِ الحائدة، فكانت نبراسًا منيرًا يتهافَتُ حولهُ تزويرُ المشكِّكينَ، وتندحرُ به شُبَهُ المنحرفين عن صراطِ المستقيمِ، لأنَّ المذهبَ الأصليَّ يمثِّلُ بانتمائه العقائدي والفكري مذهبَ الأنبياء والرسلِ جميعًا، فليسَ هو طارئًا على الإسلام كما زعمَ البعضُ.
وعلى أيَّةِ حالٍ فإنَّ خصومَ الحقيقة لم يَظفَروا يومًا بما حَاولوا تحقيقَهُ من وراءِ اتخاذِ تلكَ الوسائلِ الدَّنيئةِ في مقابَلَتِهِ، لقوله تعالى: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ، فقد أحاطَ الفشلُ بتلكَ المحاولاتِ، ولم تَنجَحِ النَّجاحَ المأمولَ في عرقلةِ سيرِ انتشارِ الفكرِ الإيماني، ولم تُؤَثّرْ تلكَ الدعاياتُ لأنَّها أسبابٌ بعيدةٌ عن الواقعِ، وبذلكَ يَصحُّ لنا أن نُحاسِبَ أشباهَ الكتَّابِ الذين تَوَلَّعُوا بِذَم المؤمنين والتَّهجُّمِ علينا خُضُوعًا لمؤثراتِ التَّبعيَّةِ الجاهليَّةِ العمياءِ، واستجابةً لدواعي فائدةِ استمرارِ التَّفرقةِ لديهم.

وفي الختام:
مهما الزَّمانُ استَدَار، وتغيَّرَتْ معهُ الأطوار، وتَعاقَبَتِ الدُّهور، وتَتَالَتِ العصور، وقامَتِ الحضارات، وتَعَدَّدَتِ العبارات، وَمُحِيَتْ وزَالَتْ شعوبٌ وأقوام، وشُرِّعَتْ وبُدِّلَتْ قوانينٌ وأحكام، فإنَّ سورية الأسد لا تزالُ تتجلَّى في جلبابِ العظمةِ والرِّفعَة، وتتراءى في مظهَرِ الكرامَةِ والمِنعَة.
فالمتشدِّدونَ من المتآمرينَ ضدَّ سوريَّة الأسد، والذين يملكونَ اليدَ الممتدَّةَ على قرارِ الصهيونيَّةِ العالميَّةِ، يعتقدونَ أنَّ الضُّغوطاتِ التي يحاولونَ فرضَها ستؤدِّي إلى تقديمِ تنازلاتٍ حقيقيَّةٍ من قبلِ سوريَّة الأسد تتجاوبُ مع مطالبِهم، ولذلكَ يزيدونَ من جرعةِ الضُّغوطِ، وهذا أسلوبٌ مُبتَذَلٌ يفتقدُ إلى الرُّؤيةِ الواعيةِ المستندةِ إلى الاستفادةِ من دروسِ الماضي.
فقد بَدَا واضحًا أنَّ معظمَ الأنظمةِ العربيَّةِ كان لها ضلوعٌ في الحوادثِ الأخيرةِ للإرهابيِّينَ من الإخوان المجرمين (المسلمين) بقيادةِ (الشقفة والبيانوني والسيد...) الذين أتقَنوا دورَهم بامتيازٍٍ في خيانةِ الوطن بالتعاملِ مع إسرائيل.
لقد أيقظَ هذه الجماعةَ المجرمةَ من سُبَاتِها قادمٌ من المجهولِ، فبدأتْ العملَ بسريَّةٍ بعيدًا عن الانتماءِ القوميِّ، وبلا إحساسٍ بالعروبةِ والهويَّةِ، وساعدَهم بذلكَ تحرُّكُ الصهيونيَّةِ العالميَّةِ باتجاهِ خلقِ بؤرٍ داخلَ سورية لإحداثِ بلبلةٍ، والغايةُ منها إضعافُ الدَّولةِ السوريَّةِ، فالدَّورُ التآمريُّ لجماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) سمحَ للقوى المعاديةِ أن تلعبَ دورًا خطيرًا في هذه المنطقةِ تحت ستارِ الإسلام.
لقد انتهجَ الإخوانُ المجرمون سياسةَ التحالفِ مع الشَّيطانِ، لأنها تستمدُّ مقوِّماتِ قيامِها واستمرارَها دائمًا من الخيانةِ. وضمن دائرةِ الممكنِ زرعَتِ الألغامَ في سورية لتفجير نواةِ الدائرةِ السوريةِ، وكان لليهودِ بالتعاونِ مع جماعةِ الإخوان المجرمين (المسلمين) دورٌ فعالٌ في محاولةِ الاختراقِ للتقسيمِ.
ولكنَّ الحقائقَ بدأت تتكشَّفُ للشعبِ السوريِّ بأنَّ جماعةَ الإخوانِ لم تأتِ إلى المنطقةِ منقذًا أو مساعدًا بل تآمرًا بحجةِ الإسلامِ، فأخذت العناصر الواعيةُ بالدعوةِ لمحاربتهم وذلك بتوحيدِ الصُّفوفِ ونبذِ الخلافاتِ والتذكيرِ بأن الشعبَ السُّوريَّ واحدٌ.
فالذينَ يَسعَونَ من أجلِ زَرعِ الخلافِ والتَّنازُعِ إنَّما يحاولونَ عبثًا زَرْعَ التَّفرقةِ بين أبناءِ الوطـنِ الواحدِ، فَعَلى جميعِ أبناءِ الوطـنِ أن يتَّحدُوا اليومَ ضِدَّ أعداءِ الوطـنِ، لا أن تقفَ فئةٌ هنا وتطرحَ نفسَها، وتقفَ فئةٌ أخرى في مكانٍ آخر وتطرحَ نفسَها أيضًا.
والكلُّ يعلمُ أن سورية هي مهدُ الحضاراتِ، لكن من غيرِ المعروفِ تحوُّلُ جماعةِ الإخوانِ إلى عمقٍ سياسيٍّ يحاولُ السيطرةَ على المنطقةِ، فمنذُ الولادةِ الأولى للإخوانِ المجرمين عكفَ بعضُ مشائخِ الفتنةِ على تحويلِ النصوصِ إلى كتبٍ سياسيَّةٍ كأنَّها أُنزِلَت باسم اللهِ، فعمدوا إلى التَّحريفِ والتَّحويلِ لاختراقِ المسرحِ الحضاريِّ لسورية بعيدًا عن القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ الشَّريفةِ، وقد استخدموا لذلك أساليبَ العنفِ، وهو الطابعُ الفتنويُّ لهم.
ولمَّا كانت فلسفةُ الإخوانِ المجرمين مزوَّرةً خاضعةً لهم سَنُّوا قوانينًا لهذا التَّنظيمِ، وعمدوا إلى القتلِ والاغتيالِ والتهريبِ والتخريبِ، وهنا لابدَّ أن نستحضرُ ما قالهُ فيهم القائد العظيم الخالد حافظ الأسد شملَهُ الله برحمَتِه الواسعة: (لا أخطرَ على الإسلامِ من أن تشوِّهَ معانيهِ ومضامينَهُ وأنتَ تلبسُ رداءَ الإسلامِ، وهذا ما يفعلُهُ الإخوانُ المجرمون، يَقتلون باسمِ الإسلامِ، يَغتالون باسمِ الإسلامِ، ويقتلون الأطفالَ والنِّساءَ والشُّيوخ باسمِ الإسلام، يقتلونَ عائلاتٍ بكاملِها باسمِ الإسلامِ، يمدُّون يدَهم إلى الأجنبي وإلى عملاءِ الأجنبيِّ وإلى الأنظمةِ الأمريكيَّةِ العميلةِ على حدودِنا ليقبضوا المالَ ويأخذوا السِّلاح، ليغدروا بهذا الوطن، ويقتلوا المواطنين الذين عاشوا معهم في وطنٍ واحدٍ، في مدينة واحدةٍ، في حيٍّ واحدٍ، وأحيانًا في بيتٍ واحدٍ.. هذا ما يفعلُهُ المجرمونَ من الإخوان المسلمين...).

والحمدُ لله ربَّ العالمين

هشام أحمد صقر
اللاذقية 1/1/2012
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب الأنوار الإلهية- رَدًّا على الفكرِ المُتَطَرّفِ المَشْبُوهِ للجماعاتِ التَّكفيريَّةِ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الـحـقـيـقـــة :: الصفحة الرئيسية :: الكتب الدينية-
انتقل الى: